Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١ -
١٧ - باب صلاة العصر في السفر - حديث رقم ٤٧٨
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من سداسيات المصنف .
ومنها : أن رجاله كلهم ثقات أجلاء، أخرج لهم الجماعة إلا شيخه
فأخرج له الترمذي والنسائي، ونوفلاً فأخرج له البخاري، ومسلم،
والنسائي فقط .
ومنها: أنهم ما بين مروزيّين؛ وَهما سويد وابن المبارك ،
ومصريّين؛ وهما حيوة وجعفر ، ومدَنَّن؛ وهم الباقون .
ومنها : أن فيه رواية تابعي عن تابعي؛ وهما جعفر وعراك.
ومنها: أن نوفلاً ممن عاش من الصحابة مائة وعشرين سنة نصفها
في الجاهلية ونصفها في الإسلام. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(أن نوفل بن معاوية) الدِّيلي رضي الله عنه (حدثه) أي
حدث عراكا (أنه سمع رسول الله ثمّ يقول: من فاتته صلاة
العصر) ((مَنْ)) شرطية، جوابها قوله: ((فكأنما وتر ... إلخ)).
وفيه رد على من أنكر أن يقال: فاتتنا الصلاة.
قيل: فواتها بغروب الشمس، وقيل : بفوت الوقت المختار،
ومجيء وقت الاضطرار، وقيل: بفوت الجماعة، والراجح الأول؛ لما

شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة
٣٢٢
۔
سيأتي تحقيقه.
(فكأنما وتر أهله وماله) ((وتر)) بالبناء للمفعول، و((أهله)) بالنصب
عند الجمهور على أنه مفعول ثان لوُتُرَ ، وأضمر المفعول الأول نائب
فاعل، وهو عائد على ((من)) من قوله ((من فاتته))، فالمعنى أصيب بأهله
وماله، فوتر متعد إلى مفعولين، كما في قوله تعالى ﴿وَلَن يَتِرَكُمْ
أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]، وقيل: ((وتر)) هنا: نقص، فعلى هذا يجوز
نصبه، ورفعه، لأن من رَدَّ النقصَ إلى الرجل نَصَبَ، وأضمر ما يقوم
مقام الفاعل، ومن رده إلى الأهل رفع.
وقال القرطبي: يروى بالنصب على أن ((وُتُرَ)) بمعنى سُلَبَ، وهو
يتعدى إلى مفعولين ، وبالرفع على أن ((وتر)) بمعنى أخذَ، فيكون ((أهله))
هو المفعول الذي لم يسم فاعله.
وحقيقة الْوَتْر، كما قال الخليل: هو الظلم في الدم، فعلى هذا
فاستعماله في المال مجاز، لكن قال الجوهري: الموتُورُ هو الذي قتل له
قتيل، فلم يدرك بدمه، تقول منه: وتُرَ، وتقول أيضا: وَتَرَهُ حَقَّه، أي
نقصه، وقيل: الموتور: من أخذ أهله أو ماله وهو ينظر إليه ، وذلك
أشد لغَمِّه ، فوقع التشبيه بذلك لمن فاتته الصلاة؛ لأنه يجتمع عليه
غَمَّان؛ غم الإثم ، وغم فقد الثواب، كما يجتمع على الموتور غمان؛
غم السلب، وغم الطلب بالثّر.

٣٢٣ _
١٧ - باب صلاة العصر في السفر - حديث رقم ٤٧٨
وقيل: معنى وتر: أخذ أهله وماله، فصارَ وترًا، أي فردًا، ويؤيد
الذي قبله رواية أبي مسلم الكجي من طريق حماد بن سلمة، عن
أيوب، عن نافع، فذكر نحو هذا الحديث ، وزاد في آخره: ((وهو
قاعد)).
وظاهر الحديث التغليظ على من تفوته العصر، وأن ذلك مختص
بها. وقال ابن عبد البر: يحتمل أن يكون هذا الحديث خرج جوابًا
السائل سأل عن صلاة العصر، فأجيب، فلا يمنع ذلك إلحاق غيرها من
الصلوات بها .
وتعقبه النووي بأنه إنما يلحق غير المنصوص بالمنصوص إذا عرفت
العلة، واشتركا فيها، قال : والعلة في هذا الحكم لم تتحقق ، فلا
يلتحق غير العصر بها. انتهى.
قال الحافظ : وهذا لا يدفع الاحتمال ، وقد احتج ابن عبد البر بما
رواه ابن أبي شيبة وغيره من طريق أبي قلابة عن أبي الدرداء مرفوعًا
((من ترك صلاة مكتوبة حتى تفوته ... )) الحديث.
وفي إسناده انقطاع؛ لأن أبا قلابة لم يسمع من أبي الدرداء. وقد
رواه أحمد من حديث أبي الدرداء بلفظ (( من ترك العصر))، فرجع
حديث أبي الدرداء إلى تعيين العصر.
وقد رَوَى ابنُ حبان وغيره من حديث نوفل بن معاوية مرفوعًا ((من
:

- ٣٢٤
شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة
فاتته الصلاة، فكأنما وتر أهله وماله))، وهذا ظاهر العموم في الصلوات
المكتوبات. وأخرجه عبد الرازق من وجه آخر عن نوفل بلفظ: ((لأن
يوتر أحدكم أهله وماله خير له من أن يفوته وقت صلاة)) ، وهذا أيضا
ظاهره العموم .
ويستفاد منه أيضًا ترجيح توجيه رواية النصب المصدر بها، لكن
المحفوظ من حديث نوفل بلفظ: (( من الصلوات صلاة من فاتته، فكأنما
وتر أهله وماله))، أخرجه البخاري في علامات النبوة من الصحيح،
ومسلم أيضًا، والطبراني وغيرهم.
ورواه الطبراني من وجه آخر، وزاد فيه عن الزهري، قلت لأبي بكر
- يعني ابن عبد الرحمن - وهو الذي حدثه به : ماهذه الصلاة؟ قال:
العصر، رواه ابن أبي خيثمة من وجه آخر، فصرح بكونها العصر في
نفس الخبر، والمحفوظ أن كونها العصر من تفسير أبي بكربن
عبد الرحمن .
ورواه الطحاوي والبيهقي من وجه آخر، وفيه أن التفسير من قول
ابن عمر، فالظاهر اختصاص العصر بذلك اهـ. ((فتح)) جـ٢ ص٣٨.
قال الجامع: قوله: إن التفسير من قول ابن عمر، فيه نظر ، بل
هو من حديثه المرفوع، كما هو واضح من رواية النسائي الآتية (٤٨٠)
انظر ((السنن الكبرى)) للبيهقي جـ١ ص ٤٤٥.

٣٢٥
١٧ - باب صلاة العصر في السفر - حديث رقم ٤٧٨
والحاصل أن الراجح اختصاص العصر بالوعيد المذكور ، لقوة
دليله، وأما الروايات المطلقة على تقدير صحتها فيمكن حملها على
المقيدة. والله أعلم.
تنبيه:
اختلف العلماء في المعنى المراد بالفوات من قوله (( من فاتته)) فذهب
بعضهم إلى أن المراد به خروج وقتها، ويؤيده - كما قال الحافظ - ما وقع
في رواية عبد الرزاق، فإنه أخرج هذا الحديث عن ابن جريج، عن نافع،
فذكر نحوه، وزاد: قلت لنافع: حين تغيب الشمس؟ قال: نعم،
وتفسير الراوي إذا كان فقيها أولى من غيره.
وذهب الأوزاعي إلى أن المراد بفواتها أن تدخل الشمس صُفْرَةً ،
ولعله مبني على مذهبه في خروج وقت العصر بالاصفرار.
ونقل عن ابن وهب أن المراد إخراجها عن الوقت المختار.
وذهب ابن المهلب، ومن تبعه من الشراح إلى أن المراد فواتها مع
الجماعة، لا فواتها باصفرار الشمس، أو بمغيبها، قال: ولو كان لفوات
وقتها كله لبطل اختصاص العصر، لأن ذهاب الوقت موجود في كل
صلاة، ونوقض بعين ما ادعاه، لأن فوات الجماعة موجود في كل
صلاة، لكن في صدر كلامه أن العصر اختصت بذلك لاجتماع
المتعاقبين من الملائكة فيها .

٣٢٦
شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة
وتعقبه ابن المنير بأن الفجر أيضًا فيها اجتماع المتعاقبين ، فلا تختص
العصر بذلك. قال: والحق أن الله تعالى يختص ما شاء من الصلوات
بما شاء من الفضيلة. انتهى.
وَبَوَّبَ الترمذي على حديث الباب: ((بابُ ما جاء في السهو عن
وقت العصر)) فحمله على الساهي، وعلى هذا فالمراد بالحديث أنه يلحقه
من الأسَف عند معاينة الثواب لمن صَلَّى ما يَلحَقِ مَنْ ذَهَبَ منه أهله
وماله، وقد رُويَ بمعنى ذلك عن سالم بن عبد الله بن عمر، ويؤخذ منه
التنبيه على أن أسَفَ العامد أشَدُّ لاجتماع فقد الثواب وحصول الإثم.
قال الجامع: أرجح الأقوال عندي أولها، لكونه أقرب إلى ظاهر
النص، وأما غيره فبعيد عنه فلا يصار إليه إلا بدليل. والله أعلم.
(قال عراك) بن مالك بالسند السابق (وأخبرني عبد الله بن
عمر) بن الخطاب رضي الله عنهما (أنه سمع رسول الله عَّ يقول:
((من فاتته صلاة العصر، فكأنما وتر أهله وماله))) يعني أن هذا
الحديث مما سمعه عراك من كُلٌّ من نوفل بن معاوية ، وعبد الله بن عمر
رضي الله عنهم. والله أعلم ومنه التوفيق ، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث نوفل بن معاوية ، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم هذا

-٣٢٧ -
١٧ - باب عدد صلاة العصر في السفر - حديث رقم ٤٧٨
صحيح .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا في (٤٧٨) وفي (٤٧٩) وفي (٤٨٠) وأخرجه في
((الكبرى)) من حديث ابن عمر رقم (٣٦٤) عن قتيبة ، عن الليث، عن
نافع، عنه بلفظ: ((إن الذي تفوته صلاة العصر، كأنما وتر أهله وماله)).
وفي (٣٦٥) عن قتيبة، عن مالك، عن نافع، عنه بلفظ « الذي
تفوته صلاة العصر، فكأنما وتر أهله، وماله)). والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فیمن أخرجه معه :
أما حديث نوفل بن معاوية فأخرجه البخاري ومسلم؛ فأخرجه
البخاري في ((علامات النبوة)) عن عبد العزيز الأويسي عن إبراهيم
ابن سعد، عن صالح بن كَيْسَانَ، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن
عبد الرحمن بن الحارث ، عن عبد الرحمن بن مطيع بن الأسود، عن
نوفل بن معاوية، بلفظ: (( منَ الصلاة صلاة مَنْ فاتته، فكأنما وتر أهله ،
وماله))(١).
(١) أورده البخاري في علامات النبوة، ومسلم في الفتن، بعد حديث أبي هريرة رضي
الله عنه، قال: قال رسول الله عَ له: ((ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم،
والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه،
ومن وجد ملجأ أو معاذًا فلیعذ به)) ثم أخرجا حدیث نوفل فقالا: مثل حديث أبي
هريرة إلا أن أبا بكر يزيد ((من الصلاة صلاة ... )) الحديث.

- ٣٢٨
شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة
وأخرجه مسلم في ((الفتن)) (٢٨٨٦) عن عمرو الناقد، والحسن
الْحُلْوَاني، وعبد بن حُمَيد، كلهم عن يعقوب بن إبراهيم ، عن أبيه ،
عن أبي صالح، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن به. والله
أعلم.
تنبيه:
أشار البيهقي إلى أن الشيخين أخرجا حديث نوفل بن معاوية هذا
في ((صحيحيهما))، فاعترض عليه ابن التركماني ، بأنه ليس فيهما، ولا
في واحد منهما، بل هو في سنن النسائي.
قال الجامع: الصواب مع البيهقي، كما نبه على ذلك الحافظ في
الفتح، وبیناه آنفا فتنبه .
وأما حديث ابن عمر رضي الله عنهما فأخرجه البخاري ومسلم
وأبو داود وابن ماجه؛ فأخرجه البخاري في ((الصلاة)) عن عبد الله بن
یوسف، عن مالك، عن نافع، عنه.
وأخرجه مسلم في ((الصلاة)) عن يحيى بن يحيى، عن مالك عن
نافع عنه. وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، وعمرو الناقد، كلاهما عن ابن
عيينة، عن الزهري، عن سالم، عنه. قال عَمْرو : يبلغ به، وقال أبو
بكر: رفعه. وعن هارون بن سعيد الأيلي، عن ابن وهب، عن عمرو
ابن الحارث، عن ابن شهاب، عن سالم ، عنه.
وأخرجه أبو داود عن القعنبي، عن مالك، عن نافع، عنه.

٣٢٩ _
١٧ - باب صلاة العصر في السفر - حديث رقم ٤٧٩
وأخرجه ابن ماجه في ((الصلاة))، عن هشام بن عمار، عن سفيان
ابن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه رضي الله عنه. والله
تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها : الوعيد الشديد لمن تفوته صلاة العصر .
ومنها : بيان عظَم صلاة العصر.
ومنها: ما قاله ابن عبد البر: إن فيه إشارة إلى تحقير الدنيا، وأن
قليل العمل خير من كثير منها .
ومنها : ما قاله ابن بطال رحمه الله: لا يوجد حديث يقوم مقام
هذا الحديث؛ لأن الله تعالى قال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة:
٢٣٨]، قال: ولا يوجد حديث فيه تكييف المحافظة غير هذا الحديث.
انظر الفتح جـ٢ ص٣٨. والله ولي التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
ولما وقع اختلاف بين جعفر بن ربيعة، وبین یزید بن أبي حبيب على
عراك بن مالك ذکر ذلك بقوله :
(خَالَفَهُ) أي خالف جعفرًاً في روايته لهذا الحديث عن عراك بن
مالك (يزيدُ بن أبي حبيب) بالرفع فاعل مؤخر لخالف.
ثم بين مخالفته فقال:
٤٧٩- أخْبَرَنَا عيسَى بْنُ حَمَّد، زُغْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الَّلْيْثُ، عَنْ

-
٣٣٠
شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة
يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ ، عَنْ عِرَاكِ بْن مَالك، أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ
نَوْفَلَ بْنَ مُعَاوِيَةً، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الَّلِهِلَّهُ يَقُولُ:
مِنَ الصَّلاةِ صَلاةٌ مَنْ فَاتَتْهُ، فَكَأَنَّمَا وُتُرَ أَهْلَهُ، وَمَالَهُ)) .
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ثَّهُ يَقُولُ: ((هِيَ صَلاةُ
الْعَصْر)) .
رجال الإسناد: ستة
١ - (عيسى بن حَمَّاد، زُغْبَةُ) التُّجيبيُّ، أبو موسى الأنصاري،
وزغبة، بدل من عيسى ، وهو لقبه، وهو لقب أبيه أيضًا، ثقة، توفي
سنة ٢٤٨ وقد جاوز ٩٠ سنة، من [١٠]، وهو آخر من حدث عن
الليث من الثقات، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه،
تقدم في ١٣٥/ ٢١١.
٢ - (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن ، أبو الحارث الفَهْمي
المصري، ثقة ثبت، فقيه إمام مشهور، توفي في شعبان سنة ١٧٥ ،
من [٧] ، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٥/٣١.
٣ - (يزيد بن أبي حبيب) سُوَيَد، أبو رَجَاء المصري، ثقة فقيه،
وكان يرسل، توفي سنة ١٢٨ وقد قارب ٨٠ سنة، من [٥]، أخرج له
الجماعة، تقدم في ١٣٤ / ٢٠٧ .

٣٣١ -
١٧ - باب صلاة العصر في السفر - حديث رقم٤٧٩
وأما عرَاكٌ، ونوفل، وابنُ عمر فقد تقدموا في السند السابق.
والله أعلم.
شرح الحديث
(عن عراك بن مالك أنه بلغه) أي بلغ عراكًا (أن نوفل بن
معاویة) رضي الله عنه.
وهذا هو أول المخالفة ، ووجهه أن جعفرًا قال في روايته عن عراك:
إن نوفل بن معاوية حدثه، فجعله متصلاً .
وقال يزيد في روايته عنه: أنه بلغه أن نوفل بن معاوية قال ...
فجعله منقطعًا.
فالضمير في قوله ((أنه)) ضمير الشأن، وفي قوله ((بلغه)) لعراك
(قال: سمعت رسول الله عَّه يقول: ((من الصلاة صلاة من
فاتته، فكأنما وتر أهله وماله))) الجار والمجرور خبر مقدم، وقوله
((صلاة)) مبتدأ مؤخر، و((من)) شرطية، وجوابها جملة ((فكأنما وتر ... ))
الخ، وجملة الشرط والجواب في محل رفع صفة لـ ((صَلاةٌ)).
وهذا ثاني المخالفة، ووجهه أن في رواية جعفر التصريح بالصلاة
الفائتة، حيث قال: ((من فاتته صلاة العصر ... )) وخالفه يزيد في
روايته، فأبهمها، حيث قال: ((من الصلاة صلاة ... )).
والحاصل أن يزيد بن أبي حبيب خالف جعفر بن ربيعة في السند
والمتن جميعًا .

-٣٣٢
شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة
قال الجامع : یمکن أن يجمع بينهما بأن عراکا کان بلغه عن نوفل،
ثم لقیه فحدثه بالحديث، فحينما بلغه، بلغه بالإبهام، وحینما حدثه،
حدثه بالتعيين، فكان تارة يحدث بهذا ، وتارة يحدث بهذا، والله
أعلم.
وما تقدم عن الحافظ رحمه الله من أن المحفوظ هو الإبهام، وأن
التفسير من قول أبي بكر بن عبد الرحمن، أو من حديث ابن عمر
رضي الله عنهما فلم يذكر دليلا عليه، فالأولى ما ذكرته لأن جعفرًا ثقة
بالاتفاق ، فلا وجه لترجيح رواية يزيد علي روايته. والله أعلم.
قال عراك بالسند السابق (قال ابن عمر) رضي الله عنهما
(سمعت رسول الله ◌َّه يقول: هي صلاة العصر) أي الصلاة
التي من فاتته، فكأنما وتر أهله وماله، هي: العصر.
والحاصل أن عراكاً في هذه الرواية بلغه حديث نوفل بالإبهام،
وسمع التفسير مرفوعًا من ابن عمر رضي الله عنهما. كما سمع التفسير
مرفوعًا من كل من نوفل، وابن عمرٍ في الرواية السابقة، وقد عرفت
طريقة الجمع آنفًا، فتنبه. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل.
ولما وقع اختلاف على يزيد بن أبي حبيب في روايته عن عرَاك ذكره
بقوله :
(خَالَفَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ) أي خالف الليثَ بن سعد في روايته
عن يزيد محمدُ بن إسحاق المطلبي، ثم بيَّنَ رواية محمد بن إسحاق

٣٣٣ -
١٧ - باب صلاة العصر في السفر - حديث رقم ٤٨٠
فقال :
٤٨٠ - أخبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمٍ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ:
حَدَّثَنِي عَمِّي ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي ،َ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عِرَاكِ
ابْنِ مَالِكِ، قَالَ: سَمِعْتُ نَوْفَلَ بْنَ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ:
((صَلاةٌ؛ مَنْ فَاتَتْهُ، فَكَأنَّمَا وُتْرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ)) .
قَالَ ابْنُ عُمَرَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِنَّهُ: هِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ.
رجال الإسناد: ثمانية
١ - (عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم بن
عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو الفضل البغدادي، قاضي أصبهان،
ثقة، من [١١].
قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه مع أبي، وهو صدوق. وقال
النسائي: لا بأس به. وقال الخطيب: كان ثقة. وقال أبو نعيم الحافظ:
ولي قضاء أصبهان مرتين ، وعزل عن قريب. ووثقه الدارقطني، وذكر
أبو إسحاق الحَبَّال أن مسلما روى عنه أيضًا، وفي الزهرة رَوَى عنه
البخاري ستة أحاديث.

- ٣٣٤
شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة
قال البغوي، ومحمد بن مَخْلدَ : مات في ذي الحجة سنة ٢٦٠
وذكر الداني أنه ولد سنة ١٨٥، أخرج له البخاري، وأبو داود،
والترمذي، والنسائي. اهـ. تت جـ ٦ ص١٥، ١٦.
٢ - (عم عبيد الله بن سعد) هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن
إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو يوسف المدني نزيل
بغداد، ثقة فاضل، توفي سنة ٢٠٨، من صغار [٩]، أخرج له
الجماعة، تقدم في ١٩٦/ ٣١٤.
٣ - (أبو يعقوب) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد
الرحمن ابن عوف الزهري أبو إسحاق المدني نزيل بغداد، ثقة، تكلم
به بلاقادح، توفي سنة ١٨٥، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في
٣١٤/١٩٦.
٤ - (محمد بن إسحاق) بن يسار بن خيار، ويقال: كومان،
أبو بكر، ويقال: أبو عبد الله، المطلبي مولاهم المدني نزيل العراق، إمام
المغازي، صدوق يدلس، ورُمُيَ بالتشيع، والقَدَر، من صغار [٥].
روى له مسلم في المتابعات، وذكره النسائي في الطبقة الخامسة من
أصحاب الزهري.
وقال ابن المديني: ثقة لم يضعه عندي إلا روايته عن أهل الكتاب،
وكَذَّبِه سليمان التيمي، ويحيى القطان، وَوُهَيب بن خالد، فأما وهيب

-
٣٣٥
١٧ - باب صلاة العصر في السفر - حديث رقم ٤٨٠
والقطان، فقلّدا فيه هشام بن عروة ومالكًا، وأما سليمان التيمي، فقال
الحافظ: لم يتبين لي لأي شيء تكلم فيه، والظاهر أنه لأمر غير
الحديث، لأن سليمان ليس من أهل الجرح والتعديل.
قال ابن حبان في الثقات: تكلم فيه رجلان؛ هشام، ومالك ، فأما
هشام فليس مما يجرح به الإنسان، وذلك أن التابعين سمعوا من عائشة
من غير أن ينظروا إليها، وكذلك ابن إسحاق كان سمع من فاطمة،
والستر بينهما مسبل، وأما ما لك فإن ذلك كان منه مرة واحدة، ثم
عاد إلی ما یحب، ولم یکن یقدح فیه من أجل الحدیث، إنما کان ینکر
تتبعه غزوات النبي ◌َّ من أولاد اليهود الذين أسلموا وحفظوا قصة
خيبر وغيرها، وكان ابن إسحاق يتتبع هذا منهم من غير أن يحتج بهم،
وكان مالك لا يرى الرواية إلا عن متقن، ولما سئل ابن المبارك؟، قال:
إنا وجدناه صدوقًا؛ ثلاث مرات.
قال ابن حبان: ولم يكن أحد بالمدينة يقارب ابن إسحاق في علمه،
ولا يوازيه في جمعه، وهو من أحسن الناس سياقاً للأخبار إلى أن قال:
وكان يكتب عمن فوقه، ومثله ، ودونه، فلو كان ممن يستحل الكذب
لم يحتج إلى النزول، فهذا يدلك على صدقه. سمعت محمد بن نصر
الفَرَّاء یقول: سمعت یحیی بن یحیی ، وذُكرَ عنده، محمد بن إسحاق
فوثقه.
وقال الدارقطني: اختلف الأئمة فيه، وليس بحجة، إنما يعتبر به.
:

٣٣٦
شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة
وقال أبو يعلي الخليلي: محمد ابن إسحاق عالم كبير، وإنما لم يخرجه
البخاري من أجل روايته المطولات، وقد استشهد به، وأكثر عنه فيما
يحكي في أيام النبي ◌َّهِ، وفي أحواله ، وفي التواريخ، وهو عالم
واسع الرواية والعلم، ثقة.
وقال ابن البرقي: لم أر أهل الحديث يختلفون في ثقته وحسن
حديثه، وفي حديثه عن نافع بعض الشيء. وقال أبو حاتم الرازي:
یکتب حديثه. وقال أبو زرعة: صدوق.
وقال الحاكم: قال محمد بن يحيى: هو حسن الحديث، عنده
غرائب، وَرَوى عن الزهري فأحسن الرواية، قال الحاكم: وذكر عن
البوشنجي أنه قال: هو عندنا ثقة ثقة. وتعقب الذهبي قول هشام ابن
عروة: حَدَّثَ عن امرأتي فاطمة بنت المنذر، وأدخلَت عليَّ، وهي بنت
تسع، وما رآها رجل حتى لقيت الله تعالى. قال الذهبي: قوله: وهي
بنت تسع غَلطٌ بَيِّنٌ، لأنها أكبر من هشام بثلاث عشرة سنة، وكانَ أخْذُ
ابن إسحاق عنها، وقد جاوزت الخمسين، وقد رَوَى عنها أيضًا، غير
محمد بن إسحاق من الغرباء: محمد بن سوقة.
قال الذهبي بعد ذكر ما قيل في ابن إسحاق جرحًا وتعديلاً: فالذي
يظهر لي أن ابن إسحاق حسن الحديث، صالح الحال صدوق، وما
انفرد به ففيه نكارة، فإن في حفظه شيئًا، قد احتج به أئمة. فالله أعلم.
وقد استشهد مسلم بخمسة أحاديث لابن إسحاق ذكرها في

٣٣٧ -
١٧ - باب صلاة العصر في السفر - حديث رقم ٤٨٠
صحيحه. اهـ. كلام الذهبي. روى له البخاريّ تعليقًا، والباقون.
مات سنة ١٥٠، وقيل: ١٥١ وقيل: ١٥٢ أو ١٥٣، اهـ.
باختصار من ترجمته الطويلة في تت جـ ٩ ص ٤٥، ٤٦، وبزيادة قليلة
من المیزان ج ٣ص٤٧٥ .
٥ - ( يزيد بن أبي حبيب)، ٦ - و(عراك)، ٧ -
و(نوفل)، ٨ - و (ابن عمر) تقدموا في السند الماضي.
وكذلك شرح الحديث فلا حاجة إلى إعادته.
ومحل مخالفة محمد بن إسحاق لليث في هذه الرواية في قوله:
قال: سمعت نوفل بن معاوية يقول: ((صلاة؛ من فاتته، فكأنما وتر أهله
وماله)».
ووجهُ ذلك أن يزيد في رواية الليث قال عن عراك أنه بلغه أن
معاوية ... إلخ، فجعله منقطعًا، فخالفه ابن إسحاق، فصرح بسماع
عراك من نوفل، ورفعه في رواية اللیث، وخالفه ابن إسحاق فوقفه.
والحاصل أن محمد بن إسحاق خالف الليث بن سعد في
موضعین :
الأول: في سنده حيث جعله متصلاً بالسماع.
والثاني: في المتن حيث جعله موقوفًا .
وترجح رواية الليث، لأن ابن إسحاق في حفظه شيء كما تقدم في

٣٣٨
-
شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة
كلام الذهبي وغيره، فتكون روايته منكرة. والله أعلم.
وقد تقدم الجمع بين روایة جعفر بن ربيعة - حیث رواه متصلاً - وبين
رواية يزيد بن أبي حبيب - حيث رواه بالبلاغ - بأن عراكًا بلغه أولاً عن
نوفل، ثم لقيه بعد ذلك فحدثه، فكان يحدث تارة بلاغًا، وتارة
سماعًا. فتنبه. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت، وإليه أنيب.

١٨ - باب صلاة المغرب - حديث رقم ٤٨١
٣٣٩ _
١٨ - بَابُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على عدد صلاة المغرب.
٤٨١ - أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد الأعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالدٌ، قَالَ:
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، قَالَ: رَأَيْتُ سَعِيدَ بْنَ
جُبَيْرِ بِجَمْعٍ، أَقَامَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلاثَ رَكَعَات، ثُمَّ
أَقَامَ فَصلَّى يَغْنِي الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ
صَنَعَ بِهِمْ مِثْلَ ذَلِكَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَذَكَرَ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِعَّهِ صَنَعَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي ذَلِكَ الْمَكَان.
رجال الإسناد : ستة
١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني، ثم البصري، ثقة،
توفي سنة ٢٤٥، من [١٠]، أخرج له مسلم، وأبو داود في القدر،
والنسائي، وابن ماجه، تقدم في ٥/٥ .
٢ - (خالد) بن الحارث الهُجَيمي، أبو عثمان البصري، ثقة
ثبت، توفي سنة ١٨٦، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٢/ ٤٧ .
٣ - (شعبة) بن الحَجَّاج أبو بِسْطَام العَتَكِيُّ مولاهم الواسطي، ثم
البصري، ثقة حافظ متقن أمير المؤمنين في الحديث، وأول من فَتَّشَ عن
أ

- ٣٤٠
شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة
عن الرجال بالعراق، وذَبَّ عن السنة، وكان عابدًا، توفي سنة ١٦٠،
من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٦/٢٤ .
٤ - (سَلَمَةُ بنُ كُهَيل) الحَضْرمي، أبو يحيى الكوفي، ثقة،
من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٩٥/ ٣١٢.
٥ - (سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت فقیه،
قُتُلَ بين يدي الحجاج سنة ٩٥، ولم يكمل ٥٠ سنة، من [٣]، أخرج له
الجماعة ، تقدم في كتاب الغسل ٤٣٦/٢٨ .
٦ - (ابن عمر) عبد الله رضي الله عنهما، تقدم في ١٢/ ١٢.
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، أخرج
لهم الجماعة، إلا شيخه فأخرج له أبو داود في القدر، ولم يخرج له
البخاري أصلاً.
ومنها: أنهم بصريون إلا سعيدًا فكوفي، وابن عمر فمدني.
ومنها : أن فيه رواية تابعي عن تابعي.
ومنها: أن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة، ومنها: أن ابن
عمر رضي الله عنه أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة روی
٢٦٣٠ حديثًا. والله تعالى أعلم.