Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١ -
١٠٨ باب ثواب من توضأ كما أمر - حديث رقم ١٤٧
يوم ولدتك أمك ، وفيه أن الخروج من الخطايا فرع الدخول فيها فلا
يتصور يوم الولادة ، وأيضا هذا يفيد مغفرة الكبائر أيضا فإن الإنسان يوم
الولادة طاهر عن الصغائر والكبائر جميعا، ولا يقول به العلماء ،
والجواب أنه متعلق بما يدل عليه خرجت ، أي صرت طاهرا من الخطايا ،
أي الصغائر كطهارتك منها يوم ولدتك أمك ، وهذا صحيح ، وحمل
التشبيه على ذلك بأدلة غيرُ بعيد، فليتأمل. اهـ. كلام السندي
ج١ ص٩٢ ( قال أبو أمامة: فقلت : يا عمرو بن عبسة) يجوز في عمرو
البناء على الضم، والفتح اتباعا، لأنه إذا كان المنادى مفردا علما ووصف
بابن مضاف إلى علم ، ولم يفصل بينهما بفاصل جاز في المنادى الوجهان
المذكوران، ويجب حذف ألف ابن والحالة هذه خطا ، قال في الخلاصة :
وَنَحْوَ زَيْدِ ضُمَّ وَاَفْتَحَنَّمِنْ نَحْوِ أَزَيْدَ بْنَ سَعيد لا تَهِنْ
وأما ابن عبسة فمنصوب لاغير (انظر ما تقول ) أي فكر ، وتَأنَّ فيما
تتكلم به من هذا الفضل الجزيل على هذا الفعل القليل (أكل هذا)
بالنصب مفعول ثان مقدم ليعطى ، أو بالرفع مبتدأخبره الجملة بعده
(يعطى) بالبناء للمجهول ( في مجلس واحد) وليس هذا اتهاما من أبي
أمامة لعمرو ، وإنما هو استغراب ، وتعجب من عظيم فضل الله تعالى
(فقال) عمرو (والله لقد كبرت سني) يقال : كبر الصبي يكبر من باب
تعب مكبرا ، مثل مسجد وكبرا وزان عنب ، فهو كبير ، وجمعه كبار ،
اهـ المصباح ج٢ ص٥٢٣. وفي ((ق)) وكبر كفرح كبرا کعنب ، ومكبرًا ،
كمنزل : طعن في السن اهـ .
والسن بكسر السين وتشديد النون مقدار العمر ، مؤنثة في الناس
وغيرهم جمعه أسنان ، قاله في ((ق)) ( ودنا) أي قرب (أجلي) أي وقت
موتي ، قال في ((ق)) الأجل محركة : غاية الوقت في الموت . اهـ (وما)
نافية (بي من) زائدة (فقر) مبتدأ مؤخر خبره الجار والمجرور قبله . أي

- ٣٨٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
لیس بي احتیاج إلی الناس (فأکذب على رسول الله #& ) فأكذب
منصوب بعد فاء السببية بأن مضمرة وجوبا كما قال في الخلاصة :
وَبَعْدَفَا جَوَبِ نَفْي أَوْ طَلَبْ مَحْضَيْنَ أنْ وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ
والمعنى أنه يقول : إن الأسباب الحاملة على الكذب عادة منتفية عني
فلست كاذبا ( ولقد سمعته) أي هذا الكلام ( أذناي) فاعل سمعت وهو
تثنية أذن مضاف إلى ياء المتكلم ، لأن القاعدة أن المثنی إذا أضيف إلى ياء
المتكلم سلمت ألفه في حالة الرفع ، وفتحت الياء بعدها ، نحو جاء
غلاماي ، وأما في حالتي النصب والجر فتدغم الياء في ياء المتكلم ، نحو
رأيت غلاميّ ، ومررت بغلاميّ، كما قال في الخلاصة :
لَمْ يَكُ مُعْتَلاً كَرَام وَقَذَاً
آخرَ مَا أضيفَ لِلْيَاءِ اكْسرْ إِذَا
جَمِيعُهَا الیَا بَعْدُ فَتْحُها احتدي
أوْ يَكُ كَابْنَيْنِ وَزَيدينَ فَذي
مَا قَبْلَ وَاو ضُمَّ فَاكِسِرْهِيَهُنْ
وَتُدْغَمُ اليَا فِيهِ وَالوَاوُ وَإِنْ
هُذَيلِ انْقِلاَ بُهَا یَاءَ حَسَنْ
وَألفًا سَلِّم وَفي المَقْصُور عَنْ
(ووعاه) أي حفظ هذا الكلام ( قلبي من رسول الله #) يعني أنه
متثبت في نقل هذا الكلام من رسول الله عمله ، ثم إن قلبه وعاه له ، ولم
يطرأ عليه نسيان .
وعند مسلم في صحيحه: لقد كبرت سني، ورقّ عظمي، واقترب
أجلي، وما بي من حاجة أن أكذب على الله، وعلى رسوله، لو لم أسمعه
من رسول الله عَّه إلا مرة، أو مرتين ، أو ثلاثا، حتى عدّ سبع مرات
ماحدثت به أبدا ، ولكني سمعته أكثرمن ذلك . وبالله التوفيق.
مسائل تتعلق بحديث عمرو رضي الله عنه
المسألة الأولى: في درجته: حديث عمرو بن عبسة رضي الله عنه
أخرجه مسلم .

٣٨٣ -
١٠٨ باب ثواب من توضأ كما امر - حديث رقم ١٤٧
المسألة الثانية:في بيان موضعه عند المصنف : أخرجه هنا ١٠٨/ ١٤٧،
وفي الصلاة ٣٥/ ٥٧٢ بقصة الصلاة بهذا السند، وفي ٤٠ / ٥٨٤ أيضاً ،
عن الحسن بن إسماعيل ، وأيوب ابن محمد ، عن حجاج بن محمد ،
عن شعبة ، عن يعلى بن عطاء ، عن يزيد بن طلق ، عن عبد الرحمن بن
البيلماني ، عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه .
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه مع المصنف . أخرجه مسلم مطولا عن
أحمد بن جعفر المعقريّ ، عن النضر بن محمد ، عن عكرمة بن عمار ،
عن شداد بن أبي عمار ، ويحيى بن أبي كثير ، كلاهما عن أبي أمامة به .
وأحمد في المسندج ٤/ ص١١٢ مطولا أيضا، وأخرجه الدار قطني في
السنن ج١ / ص١٠٨ .
المسألة الرابعة: في فوائده : من فوائد هذا الحديث : مشروعية سؤال
الشخص العلماء عن أحكام دينه ، وعَمَّا لَه في ذلك عند الله من الأجر،
لأن ذلك يبعثه على العمل به وتزداد رغبته ، ويَقْوی نشاطه ، وفيه بيان
فضل الوضوء ، وأنه من مكفرات الذنوب ، وفيه دليل لمذهب العلماء
كافة أن الواجب غسل القدمين ، خلافا للشيعة حيث قالوا : الواجب
مسحهما، ولابن جرير حيث قال: هو مخير، ولبعض الظاهرية حيث
قالوا: يجب الغسل والمسح. كما بينه النووي في شرح مسلم.
ج٦ ص١١٨. وقد تقدم تحقيق الكلام في هذه المسألة في باب
٨٩ح ١١٠.
وفيه فضل الركعتين بعد الوضوء ، وفيه الحث على الإخلاص ، وفيه
الاستثبات في الإخبار ، وإن كان المخبر صادقا إذ ربما يطرأ له نسيان ، أو
نحوه ، وفي كلام عمرو ما يدل على أن الحاجة ربما حملت الشخص
على التزيد في الخبر كما اطّلعَ على بعض الوضاعين أنهم زادوا على
الأحاديث ما ليس منها ، ليتكسبوا بذلك أموال الأمراء وغيرهم .

- ٣٨٤ -
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
مثل ماوقع لغياث بن إبراهيم حيث زاد الجناح في حديث(( لاسبق إلا
في نصل ، أو خف ، أوحافر )) إرضاء للمهدي حيث إنه كان يلعب
بالحمام، ويحب ذلك فأمر له ببدرة(١)، فلما قام قال : أشهد على قفاك
أنه قفا كذاب على رسول الله عليه، ثم قال أنا حملته على هذا فأمر بذبح
الحمام ، ورفض ما كان عليه . وغير ذلك من الحكايات العجيبة المذكورة
في كتب من ألف في الضعفاء والموضوعات . وقد ذكر ابن عراق في
مقدمة تنزيه الشريعة أشياء من ذلك ، وقسم أصناف الوضاعين إلى
سبعة أقسام ، ونظمت ذلك في منظومة سميتها تذكرة الطالبين ، في بيان
الموضوع وأصناف الوضاعين وهي (١٥١) بيتا، وقلت في القسم
الخامس ، وفيه القصة المذكورة :
وَخَامسُ الأَقْسَامِ أهْلَ الْغَرَضِِ
وَالشَّاحِذِينَ وَكَذا مَنْ يَقْرُبُ
كَبَعْض مَنْ قَصَّ بأنَّ عُمَرَاً
وَمَنْهُ مَا افْتَرَاهُ بَعْضُ المُعْتَدي
وَالذَهَبَيُّ أنْكَرَ الحِكَايَةْ
گذاكَ تَكْبیرٌ آتَی من سائلِ
كَذَا غِيَاتٌ لحديث ((لاَ سَبْقْ))َ
وَصَلَهُ المَهْدِيْ بِبَدْرَة فَمَا
تَرَكَ لَهْوَهُ بِذَبحه الحَمَامْ
كَمَنْ يَقْصُّ كَاذبًا ذَا مَرَضٍ
للأمَرَاء آخذًا مَا يَطْلُبُ
نُورٌ للاسْلاَمِ فَبِئْسَمَا افْتَرَى
عَلَى ابْنِ حَنْبَل وَيَحْبِىَ المُهْتَدِي
وَاللَّهُ أَعَلَمُ لنَا حمَايَهُ
ثَلاَثًا افْتَرَاهُ غَيْرُعَاقِِلِ
زَادَ جنَاحًا بثَسَمَا لَهُ اخْتَلَقْ
أحْسَنَ فِي هَذَا وَلكنْ عنْدَمَا
خَفَّفَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ مَلاَمْ
وتمام الحكايات في مقدمة تنزيه الشريعة ج١ ص-١٣ -١٥ .
(((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت ، وإليه أنيب » .
(١) البَدْرَة: بفتح، فسكون: كيس فيه ألف، أو عشرة آلاف درهم، أو سبعة آلاف دينار . اهـ
(ق) ص٤٤٤ .

١٠٩ باب القول بعد الفراغ من الوضوء - حديث رقم ١٤٨
٣٨٥ -
١٠٩ - القَوْلُ بَعْدَ الفَرَاغْ منَ الوُضُوء
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على الذكر بعد الفراغ من الوضوء ،
فالمراد بالقول هنا الذكر :
١٤٨ - أخبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَرْبِ الْمَرْوَزِيُ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ
الْحُبَابِ، قَالَ: حَدَّثْنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ رَّبِعَةَ بْنِ
يَزِيدَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلاَئِيِّ، وأِي عُثْمَانَ، عَنْ
عُقْبَة بن عَامِرِ الْجُّهَيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ، قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لَّه: (( مَنْ تَوَضَا فَأَحْسَنَ
الوُضُوء، ثُمَّ قَالَ: أشْهَدُ أنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهِ، وأَشْهَدُ أنَّ
مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُه، فُتَحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ الجَنَّةُ يَدْخُلُ
مِنْ أيُّهَا شَاءَ)) .
رجال الإسناد : ثمانية
١- (محمد بن علي بن حرب المروزي) أبو علي، المعروف بالتُّرْك، بضم
المثناة وسكون الراء، وقد ينسب إلى جده، ثقة، من الحادية عشرة (س).
٢- ( زيد بن الحباب) بضم المهملة وموحدتين ، أبو الحسين العكلي ،
بضم المهملة وسکون الکاف ، أصله من خراسان و کان بالكوفة ، ورحل

- ٣٨٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
في الحديث فأكثر منه ، وهو صدوق يخطىء في حديث الثوري ، من
التاسعة، مات سنة ٢٠٣ - (زم ٤). تقدم في ٣٧/٣٣ .
٣- (معاوية بن صالح) بن حدير أبو عمرو الحمصي ، صدوق ، له
أوهام ، تقدم قريبا ، وتقدم أيضا في ٥٠/ ٦٢ .
٤- (ربيعة بن يزيد ) الدمشقي ، أبو شعيب الإيادي ، القصير ، ثقة
عابد ، من الرابعة ، مات سنة - إحدى أو ثلاث - وعشرين ومائة .
وفي ((تت)): وثقه النسائي، والعجلي ، وابن عمار ، ويعقوب بن شيبة،
ويعقوب بن سفيان ، وابن سعد ، وقال ابن حبان : کان من خيار أهل
الشام . أخرج له الجماعة
٥- ( أبو إدريس الخولاني) عائذ الله بن عبد الله، ولد في حياة النبي
﴾ يوم حنين ، وسمع من كبار الصحابة ، ومات سنة ثمانين ، قال
سعيد بن عبد العزيز : كان عالم الشام بعد أبي الدرداء (ع) تقدم في
٨٨/٧٢.
٦ - ( أبو عثمان) قيل : هو سعيد بن هانىء الخولاني ، وقيل : حریز
ابن عثمان ، وإلا فمجهول ، من الثالثة (م دت س) .
وفي تت ج١٢ ص ١٦٤ . أبو عثمان عن جبير بن نفير ، عن عقبة بن
عامر ، عن عمر ، حديث (( من أحسن الوضوء ثم قال : أشهد أن لا اله
إلا الله)) الحديث ، وقيل عن أبي عثمان، عن عقبة من غير ذكر جبير،
وقيل عن أبي عثمان عن عمر نفسه .
وعنه ربيعة بن يزيد الدمشقي ، ومعاوية بن صالح . والصحيح عن
معاوية ، عن ربيعة عنه ، قال أبو بكر بن منجويه : يشبه أن يكون سعيد
ابن هانىء الخولاني المصري .
قال الحافظ : قلت : وقال ابن حبان : یشبه أن یکون حریز بن عثمان
الرحبي . اهـتت .

٣٨٧ -
١٠٩ باب القول بعد الفراغ من الوضوء - حديث رقم ١٤٨
وقال الذهبي : أبو عثمان لا يدرى من هو؟ وخرج له مسلم متابعة . اهـ
المنهل ج٢ ص ١٥٥ .
٧- (عن عقبة بن عامر الجهني ) الصحابي المشهور ، اختلف في كنيته
على سبعة أقوال ، أشهرها أنه أبو حماد ، تقدم في باب ١٠٨/ ١٤٤ .
٨- (عمر بن الخطاب) بن نفيل ، بنون وفاء مصغرا ، ابن عبد العزى
ابن رياح ، بتحتانية ، ابن عبد الله بن قرط ، بضم القاف ، بن رزاح ،
براء ثم زاي خفيفة بن عدي بن كعب القرشي العدوي ، أمير المؤمنين ،
مشهور جَمّ المناقب ، استشهد في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين ، وولي
الخلافة عشر سنين ونصفا . (ع) تقدم في ٦٠/ ٧٥ .
((تنبيه)) في هذا الإسناد ثلاث أنساب:
١- المروزي : بفتح الميم وسكون الراء ، وفتح الواو ، وآخره زاي ،
نسبة إلى مرو الشاهجان قاله في اللباب ج٣ص١٩٩. وقال النووي :
مروي منسوب إلى مرو مدينة معروفة بخراسان ، وينسب إليها أيضا
مروزي بزيادة الزاي ، وهو من شواذ النسب . اهـ تهذيب الأسماء
واللغات ج٤ ص١٣٧ . وقال في شرح مسلم ج١ ص٨٨ : وأما مرو :
فغير مصروفة ، وهي مدينة عظيمة بخراسان ، وأمهات مدائن خراسان
أربع : نيسابور ، ومرو ، وبلخ ، وهراة . اهـ كلام النووي .
٢ - ( الخولاني ) بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو : نسبة الى خولان
ابن عمرو بن مالك بن الحارث بن مرة بن أدد بن يشجب بن عريب بن زيد
ابن کھلان بن سبأ . وبعض خولان يقولون : خولان بن عمرو بن الحاف
ابن قضاعة ، وهكذا قال ابن الكلبي . واسم خولان أفكل ، وهي قبيلة
نزلت الشام . قاله في اللباب ج١ ص٤٧٢ .
٣- (الجهني) بضم الجيم ، وفتح الهاء وآخره نون : نسبة إلى جهينة

- ٣٨٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وهي قبيلة من قضاعة ، واسمه زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف
ابن قضاعة ، نزلوا الكوفة والبصرة اهـ لباب ج١ ص٣١٧.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من سباعياته .
ومنها: رواته ثقات ، غير زيد بن الحباب ، ومعاوية بن صالح ،
فصدوقان .
ومنها : أنهم ما بين مروزي ، وهو شيخه ، وکوفي ، وهو زيد ،
وشاميين ، وهم معاوية ، وربيعة ، وأبو إدريس ، ومصري ، وهو عقبة
ومدني ، وهو عمر ، رضي الله عنهم .
ومنها : أن فيه رواية صحابي ، عن صحابي .
شرح الحديث
(عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ) تقدم تفسير هذه الجملة في باب
٩٩/ ح١٢٩. أنه (قال: قال رسول الله ﴾: من) يحتمل أن تكون
شرطية ، وأن تكون موصولة ( توضأ ، فأحسن الوضوء ) أي أتقنه بفعل
فرائضه ومسنوناته ( ثم قال : أشهد أن لا إله إلا الله) أي أعلم ، وأبين أن
لا إله إلا الله، قاله ابن الأنباري أفاده في اللسان. ج٣ص٣٣٩. وفي
المصباح : وقولهم : أشهد أن لا إله إلا الله تعدى بنفسه ، لأنه بمعنى
أعلم ا هـج ٢ ص ٣٢٤. وفي المنهل : أي أقر بلساني ، وأذعن بقلبي ،
من الشهادة ، وهي الإخبار بما شوهد ، فهي خبر قاطع ، يقال : شهد
الرجل على كذا، وشهده شهودا: حضره، وقوم شهود: حضور، و((أن))
مخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير الشأن ، والأصل : أشهد أنه لا إله إلا
الله، وخبر ((لا)) محذوف، أي معبود بحق، وإلا ملغاة، ولفظ الجلالة

٣٨٩
١٠٩ باب القول بعد الفراغ من الوضوء - حديث رقم ١٤٨
مرفوع على البدلية من الضمير في الخبر ، ويقال فيه : غير ذلك . وسيأتي
تحقيق البحث فيه في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى . وفي رواية عند
مسلم وأبي داود زيادة ((وحده لا شريك له)) (وأشهد أن محمدا) هو في
الأصل اسم مفعول حُمَّدَ مبالغة في الثناء، نقل من الوصفية إلى الإسمية،
قاله في المنهل ج٢ ص١٥٧ .
قال الجامع عفا الله عنه :
والأحسن ما قاله العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، في كلامه الآتي
وهو أنه علم وصفة اجتمعا في حقه عَّ﴾ ، وعلم محض في حق من تسمى
به غيره، وهذا شأن أسمائه تعالى، وأسماء نبيه عَّ ، فهي أعلام دالة
على معان ، هي أوصاف مدح، وهو أعظم أسمائه عليه ، وأشرفها،
وأشهرها ، لإنبائه عن كمال الحمد المنبىء عن كمال ذاته ، فهو المحمود
مرة بعد مرة عند الله، وعند الملائكة ، وعند الجن ، والإنس ، وأهل
السموات والأرض ، وأمته الحمادون ، وبيده لواء الحمد ، ويقوم المقام
المحمود يوم القيامة ، فيحمده فيه الأولون والآخرون ، فهو عَ﴾ الحائز
لمعاني الحمد مطلقًا .
قال القاضي عياض : وقد حمی الله هذا الاسم فلم يتسم به أحد ممن
ادعى النبوة ، وإنما سمت العرب محمدًا قرب ميلاده لما أخبر الأحبار
والكهان أن نبيا يبعث في هذا الزمان يسمى محمدا فسموا أبناءهم بذلك
قال : وهم ستة . واستدرك عليه الحافظ ابن حجر نحو الخمسة عشر .
وقال القاضي عياض أيضا : كان المصطفى علي أحمد قبل أن يكون
محمدا ، كما وقع في الوجود لأن تسمية أحمد وقعت في الكتب
القديمة، وتسميته محمدا وقعت في القرآن اهـ. العجالة السنية على
ألفية السيرة النبوية للعلامة المناوي ص٧.

- ٣٩٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وقدرد العلامة ابن القيم هذا القول ، وسنذكر ماقاله في ذلك في
المسائل الآتية إن شاء الله تعالى .
وسماه به جده عبد المطلب ، وقيل له لم سمیت ابنك محمدا ولیس
من أسماء آبائك ، قال رجوت أن يحمد في السماء والأرض ، وقد حقق
الله رجاءه (عبده ورسوله) وصفه بالعبودية التي هي غاية التذلل
والخضوع لأنه عي كان أتقى الخلق على الإطلاق ، ولم يبلغ أحد مبلغه
* من التذلل والخضوع لمولاه، والإضافة فيه للتشريف، إشارة إلى كمال
مرتبته في مقام العبودية بالقيام في أداء حق الربوبية . ووصفه بها لئلا
یتوهم ضعفاء العقول فيه مالا يليق بمقامه من التألیه كما زعمت النصارى
في عيسى عليه السلام، وقدمه على رسوله لأنه أشرف أو صافه وأعلاها .
وفي رواية الترمذي ، وابن ماجه زيادة ((اللهم اجعلني من التوابين ،
واجعلني من المتطهرين)) وهي زيادة صحيحة كما بينها العلامة الألباني
في صحيح الترمذي ، رقم - ٥٥ - وصحيح ابن ماجه رقم ٤٧٠ .
وقال الحافظ في التلخيص بعد ذكر حديث عقبة ، عن عمر ما نصه :
ورواه الترمذي من وجه أخر عن عمر ، وزاد فيه ((اللهم اجعلني من
التوابين ، واجعلني من المتطهرين)) وقال - يعني الترمذي - في إسناده
اضطراب ، ولا يصح فيه شيء كبير ، قال الحافظ : قلت : لكن رواية
مسلم سالمة من هذا الاعتراض، والزيادة التي عنده رواها البزار والطبراني
في الأوسط ، من طريق ثوبان ، ولفظه: (( من دعا بوَضُوء فتوضأ :
فساعة فرغ من وضوئه ، يقول : أشهد أن لا اله الا الله ، وأشهد أن
محمدا رسول الله ، اللهم اجعلني من التوابين ، واجعلني من المتطهرين))
الحديث ، ورواه ابن ماجه من حديث أنس ، وأما قوله : ((سبحانك
اللهم)) إلى آخره ، فرواه النسائي في عمل اليوم والليلة، والحاكم في
المستدرك من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ (( من توضأ فقال :

٣٩١ -
١٠٩ باب القول بعد الفراغ من الوضوء - حديث رقم ١٤٨
سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب
إليك ، كتب في رَقّ ، ثم طُبع بطابَع ، فلم يكسر إلى يوم القيامة))
واختلف في وقفه ورفعه ، وصحح النسائي الموقوف ، وضعف الحازمي
الرواية المرفوعة لأن الطبراني قال في الأوسط: لم يرفعه عن شعبة إلا
يحيى بن كثير ، قال الحافظ : ورواه أبو اسحاق المزكي في الجزء الثاني
تخريج الدار قطني له ، من طريق روح بن القاسم عن شعبة ، وقال :
تفرد به عيسى بن شعيب، عن روح بن القاسم. قال الحافظ قلت: ورجح
الدار قطني في العلل الرواية الموقوفة أيضا. اهـ كلام الحافظ ج١ ص١٠١ - ١٠٢ .
(فتحت) بالبناء للمفعول ( له ثمانية أبواب الجنة) نائب فاعل فتحت ،
وهو من إضافة الصفة للموصوف ، أي أبواب الجنة الثمانية .
قال في المنهل : والفتح يحتمل أن يكون على حقيقته بالنسبة للدار
الآخرة ، ويحتمل أن يكون مجازا عن التوفيق للطاعات في الدنيا فإنها
سبب في فتح أبواب الجنة في الآخرة . اهـج٢ ص١٥٨ .
قال الجامع: الاحتمال الأول هو الظاهر ، وأما الاحتمال الثاني فيبعده
قوله الآتي: ((يدخل من أيها)). قال ابن سيد الناس : الذي ذكره
العلماء في فتح أبواب الجنة والدعاء منها ما فيه من التشريف في الموقف
والإشادة بذكر مَن حصل له ذلك على رؤس الأشهاد ، فليس مَن يؤذن
له في الدخول من باب لا يتعداه كمن يُتَلَقَی من کل باب، ويدخل من
حيث شاء ، هذا فائدة التعدد في فتح أبواب الجنة اهـ زهرج١ ص ٩٣
والأبواب الثمانية هي باب الإيمان ، وباب الصلاة ، وباب الصيام ،
وباب الصدقة ، وباب الكاظمين الغيظ ، وباب الراضين ، وباب
الجهاد، وباب التوبة . ولا یعارض حدیث الباب حدیث أن باب الريان
لا يدخل منه الا الصائمون لأنه یخیر فلا یوفق للدخول من باب الريان إن
لم يكن من الصائمين .

- ٣٩٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وفائدة التخيير حينئذ إظهار التعظيم والشرف كما روي أن الله أخذ
الميثاق على الأنبياء أن يؤمنوا به عمّ إن أدركوه ، ومعلوم أنه لا يظهر في
زمان أحد منهم ، وإنما ذلك لإظهار الشرف . قاله في المنهل ج٢ ص١٥٨ .
(من أيها) أي من أي تلك الأبواب الثمانية ( شاء ) أي أراد الدخول ،
يعني أنه يدخل من أي باب اختار الدخول منه .
((تنبيه)) قوله : ثمانية أبواب الجنة هكذا بدون زيادة من ، ونحوه
رواية أبي داود ، ووقع في رواية الترمذي « فتحت له ثمانية أبواب من
الجنة يدخل من أيها شاء)) وهي تدل على أنها أكثر من ثمانية بناء على أن
من تبعيضية ، وفي كلام القرطبي ما يؤيده ، وهو لاينافي رواية المصنف
لأن اسم العدد لا مفهوم له أفاده في المنهل ج٢ ص١٥٨. وقد عقد
العلامة القرطبي في كتابه ((التذكرة)) بَابًا في هذا الموضوع أفاد فيه وأجاد .
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى : في درجته : حديث عمررضي الله عنه هذا أخرجه
مسلم .
المسألة الثانية: فيمن أخرجه من أصحاب الأصول وغيرهم : أخرج
هذا الحديث (م دس ق) فأخرجه (م) في الطهارة عن محمد بن حاتم بن
ميمون ، عن عبد الرحمن بن مهدي ، عن معاوية بن صالح ، عن ربيعة
ابن يزيد ، عن أبي إدريس الخولاني ، عن عقبة بن عامر ، عن عمر
رضي الله عنه ، وعن معاوية بن صالح ، عن أبي عثمان ، عن جبير بن
نفير، عن عقبة بن عامر ، عن عمر ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن
زيد بن الحباب ، عن معاوية ، عن أبي عثمان ، عن جبير بن نفير ، عن
عقبة بن عامر ، الجهني ، أن رسول الله عنه قال ... الحديث.
وأخرجه المصنف هنا، وفي عمل اليوم والليلة عن محمد بن علي بن

٣٩٣ -
١٠٩ باب القول بعد الفراغ من الوضوء - حديث رقم ١٤٨
حرب ، عن زيد بن حباب ، عن معاوية بن صالح ، عن ربيعة بن یزید،
عن أبي إدريس الخولاني ، وأبي عثمان عن عقبة بن عامر ، عن عمر .
وفي الطهارة في الكبرى ، واليوم والليلة عن سويد بن نصر ، عن ابن
المبارك ، عن حيوة بن شريح ، عن زهرة بن معبد ، أن ابن عمه ابن أخي
أبيه حدثه ، قال: قال له عمر ... ذكر نحوه . وعن الربيع بن سليمان،
عن أسد بن موسى ، عن معاوية بن صالح ، عن ربيعة بن يزيد ، عن أبي
إدريس عن عقبة بن عامر ، وأبي عثمان ، عن جبير بن نفير ، عن عقبة
ابن عامر - وساق الحديث . وأخرجه ابن ماجه في الطهارة ٢/٦٠ عن
علقمة بن عمرو الدارمي ، عن أبي بكر ابن عياش ، عن أبي إسحاق،
عن عبد الله بن عطاء ، عن عقبة بن عامر به .
قال أبو الحجاج المزي من زياداته على ابن عساكر رواه أبو داود في
الطهارة عن الحسين بن عيسى ، ثنا أبو عبد الرحمن المقرىء ، عن حيوة
ابن شريح - فلم يذكر فيه عمر . اهـ تحفة الأشراف ج٨ص ٩٠ .
وقال الحافظ : قلت : إنما وقع ذلك في رواية أبي داود ، وقد رواه
الدارمي في سننه في الصلاة عن المقرىء بسنده ... فذكره، وكذلك
رويناه في فوائد الفاكهي ، عن ابن أبي مرة ، عن المقريء كرواية معاوية
ابن صالح . اهـ النكت الظراف .
وقال أبو الحجاج المزي : وقال أبو داود الطيالسي عن شعبة : سألنا أبا
إسحاق عن عبد الله بن عطاء الذي روى عن عقبة : كنا نتناوب رعية
الإبل ؟ فقال : شيخ من أهل الطائف حدثنيه. قال شعبة: فلقيت عبد الله
ابن عطاء فقلت : سمعته من عقبة؟ قال: لا ، بل حدثنيه سعد بن إبراهيم
فلقيت سعدا ، فسألته ؟ فقال : حدثني زياد بن مخراق ، فلقيت زياد بن
مخراق فسألته ؟ فقال : حدثني رجل ، عن شهر بن حوشب يعني عن

- ٣٩٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
عقبة بن عامر . اهـ كلام المزي رحمه الله . تحفة ج٨ ص ٩٠ .
وأخرج هذا الحديث أحمد ، والبيهقي من عدة طرق ، وابن أبي شيبة
في المصنف .
المسألة الثالثة: في فوائده : من فوائد هذا الحديث : فضل إحسان
الوضوء ، واستحباب الشهادتين بعده ، وإثبات الجنة ، وأن لها أبوابا ،
وهي ثمانية ، وأن بعض الناس تفتح له کلها تكریما ، وإن كان دخوله من
أحدها .
المسألة الرابعة : أنه لم يثبت من أحاديث الأذكار في الوضوء غير
التسمية في أوله ، وقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده الخ في آخره .
قال العلامة الشوكاني : ولم يصح من أحاديث الدعاء في الوضوء
غيره ، وأما ما ذكره أصحابنا ، والشافعية في كتبهم من الدعاء عند كل
عضو، كقولهم عند غسل الوجه : اللهم بيض وجهي الخ ، فقال
الرافعي وغيره ورد بهذه الدعوات الأثر عن الصالحين اهـ نيل ج١
ص٢٦١ .
وقال الحافظ في التلخيص : قال النووي : في الروضة : هذا الدعاء
لا أصل له ، ولم يذكره الشافعي ، والجمهور ، وقال في شرح المهذب :
لم يذكره المتقدمون ، وقال ابن الصلاح : لم يصح فيه حديث .
قلت : روي فيه عن علي من طرق ضعيفة جدّاً أوردها المستغفري في
الدعوات ، وابن عساكر في أماليه ، وهو من رواية أحمد بن مصعب
المروزي ، عن حبيب بن أبي حبيب الشيباني ، عن أبي إسحاق السبيعي،
عن علي ، وفي إسناده من لا يعرف .
ورواه صاحب مسند الفردوس من طريق أبي زرعة الرازي ، عن

٣٩٥ -
١٠٩ باب القول بعد الفراغ من الوضوء - حديث رقم ١٤٨
أحمد بن عبد الله بن داود ، ثنا محمود بن العباس ، ثنا المغيث بن بدیل،
عن خارجة بن مصعب ، عن يونس بن عبيد ، عن الحسن ، عن علي
نحوه . ورواه ابن حبان في الضعفاء من حديث أنس نحو هذا ، وفيه
عباد بن صهيب ، وهو متروك . وَرَوَى المستغفري من حديث البراء بن
عازب ، وليس بطوله ، وإسناده واه .اهـ تلخيص ج١ ص١٠٠ .
المسألة الخامسة: في إعراب الاسم الكريم من ((لا إله إلا الله)):
اختلف المعربون في إعرابه على خمسة أقوال :
القول الأول : أنه مرفوع على البدلية ، وهذا القول هو الجاري على
ألسنة المعربين ، وهو رأي ابن مالك ، ثم عليه اختلفوا : في خبر لافمنهم
من قال : يقدر فبعضهم قدره عاما كموجود(١)، وبعضهم قدره خاصا ،
كَلَنَا ، أو للخلق ، ومنهم من قال : لا خبر لها .
والقول الثاني: أن لفظ الجلالة خبر ((لا)). ورد بأن ((لا)) لا تعمل في
المعارف ، وأجيب بأنها لا عمل لها في الخبر عند سبيويه .
والقول الثالث: أن ((إلا)) ليست أداة استثناء، بل هى بمعنى ((غير))،
وهي مع لفظ الجلالة، صفة لاسم ((لا)) باعتبار المحل ، والتقدير لا إله
غير الله ويقدر خبر (( لا)) كما تقدم.
القول الرابع : ونسب إلى الزمخشري : أنّ ((لا إله)) في موضع الخبر ،
و((إلا الله)) في موضع المبتدإ، والأصل: الله إله، فلما أريد قصر الصفة
على الموصوف قدم الخبر ، وقرن المبتدأ بإلا ، إذ المقصور عليه هو الذي
يلي ((إلا))، والمقصور هو الواقع في سياق النفي، والمبتدأ إذا اقترن بإلا
وجب تقديم الخبر عليه كما قرر في محله .
القول الخامس: أن ما بعد ((إلا)) مرفوع بـ((إله)) كما هو حال المبتدإ إذا كان
(١) الأولى تقديره معبود بحق ، لأن تقديره بموجود غير صحيح ، لوجود آلهة في زعم المشركين ،
وإنما المنفي كونها معبودًا بحق . فتبصر .

- ٣٩٦ -
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وصفا لأن إلها بمعنى مألوه ، فيكون قائما مقام الفاعل ، وسادا مسد
الخبر كما في مامضروب العمران . والمعول عليه من هذه الأقوال القولان
الأولان ، وأما بقية الأقوال فلا اعتماد عليها . وقد بسط الكلام على
هذه الأقوال ، ومالها وما عليها العلامة الألوسي في روح المعاني عند
تفسير آية الكرسي بسطا حافلا كافلا فارجع إليه ، تزدد بصيرة . ج٣
ص٥-٦.
المسألة السادسة قد عقد العلامة ابن القيم في كتابه النفیس ((جلاء
الأفهام)) فصولا نفيسة فيما يتعلق باسم النبي =# واشتقاقه ، وأنه كان
يسمى به في التوراة ، وأنا أنقلها بالاختصار لنفاستها ، قال رحمه الله
تعالی :
الفصل الثالث : في معنى اسم النبي ◌َّه واشتقاقه : هذا الاسم ،
هو أشهر أسمائه عَّ ، هو اسم منقول من الحمد ، هو في الأصل اسم
مفعول من الحمد ، وهو يتضمن الثناء على المحمود ، ومحبته ،
وإجلاله، وتعظيمه ، هذا هو حقيقة الحمد، وبُني على زنة مُفَعَّل مثل
مُعَظِّم ، ومُحَبّب ، ومسوّد ، ومبجل ، ونظائرها لأن هذا البناء موضوع
للتكثير ، فإن اشتق منه اسم فاعل فمعناه من كثر صدور الفعل منه مرة
بعد مرة ، كمُعَلِّم، وُمُفهّم، وُمُبيّن، ومُخلّص، ومُفرّج ونحوها، وإن
اشتق منه اسم مفعول فمعناه من كثر تكرر وقوع الفعل عليه مرة بعد
أخرى إما استحقاقا أو وقوعا ، فمحمد هو الذي كثر حمد الحامدين له
مرة بعد أخرى ، أو الذي يستحق أن يحمد مرة بعد أخرى . ويقال :
حُمِّد فهو محمد ، كما يقال: عُلِّمَ فهو مُعَلَّم ، وهذا علم وصفة اجتمع
فيه الأمران في حقه عمله ، وإن كان علما محضا في حق كثير ممن تسمى به
غيره .

٣٩٧_
١٠٩ باب القول بعد الفراغ من الوضوء - حديث رقم ١٤٨
وهذا شأن أسماء الرب تعالى ، وأسماء كتابه ، وأسماء نبيه ، هي
أعلام دالة على معان هي بها أوصاف فلا تُضادّ فيها العلميةُ الوصفَ
بخلاف غيرها من أسماء المخلوقين ، فهو الله الخالق البارىء المصور
القهار ، فهذه أسماء له دالة على معان هي صفاته ، وكذلك القرآن ،
والفرقان ، والكتاب المبين ، وغير ذلك من أسمائه .
وكذلك أسماء النبي عګ محمد ، وأحمد ، والماحي ، وفي حديث جبير
ابن مطعم عن النبي ◌َّ أنه قال: ((إن لي أسماء أنا محمد ، وأنا أحمد ،
وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر)). فذكر رسول الله عَلّ هذه
الأسماء مبينا ما خصه الله به من الفضل ، وأشار إلى معانيها ، وإلا فلو
كانت أعلاما محضة لا معنى لها لم تدل على مدح ، ولهذا قال حسان
رضي الله عنه : ( من الطويل )
وَشَقَّلَهُ مِنِ اسْمِه لِيُجِلَّهُ فَذُو العَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ
وكذلك أسماء الرب تعالى كلها أسماء مدح ، فلو كانت ألفاظا
مجردة لا معاني لها لم تدل على المدح ، وقد وصفها الله سبحانه بأنها
حسنى كلها فقال : ((﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين
يلحدون في أسمائه﴾ [الأعراف: ١٨٠] الآية، فهي لم تكن حسنى لمجرد اللفظ
بل لدلالتها على أوصاف الكمال ، ولهذا لما سمع بعض الأعراب قارئا
يقرأ ﴿ والسارق والسرقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله
والله غفور رحيم ﴾ [المائدة: ٣٨] قال: ليس هذا كلام الله تعالى، فقال
القارىء: أتكذب بكلام الله تعالى ؟ فقال : لا، ولكن ليس هذا بكلام
الله ، فعاد إلى حفظه، وقرأ ﴿والله عزيز حكيم﴾ فقال الأعرابي:
صَدَقْتَ ، عَزَّ، فَحَكَمَ ، فَقَطَعَ ، ولو غفر ورجم ، لما قطع .
ولهذا إذا ختمت آية الرحمة باسم العذاب أو بالعكس ظهر تنافر
الكلام وعدم انتظامه .

- ٣٩٨ -
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وفي السنن من حديث أبي بن كعب حديث قراء القرآن على سبعة
أحرف، ثم قال: (( ليس منها إلا شاف كاف إن قلت : سميعا عليما
عزيزا حكيما ، ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب )) .
ولو كانت هذه الأسماء أعلاما محضة لا معنی لھا لم یکن فرق بين
ختم الآية بهذا أو بهذا . وساق على ذلك أدلة كثيرة إلى أن . قال : إذا
ثبت هذا فتسميته عَّ بهذا الاسم لما اشتمل عليه من مسماه ، وهو الحمد ،
فإنه على محمود عند الله ، ومحمود عند الملائكة ، ومحمود عند إخوانه
من المرسلين ومحمود عند كل عاقل ، وإن كابر عقله جحودا وعنادا
وجهلا باتصافه بها، ولو علم اتصافه بها لحمده ، فإنه يحمد من اتصف
بصفات الكمال ، وإن جهل وجودها فيه ، فهو في الحقيقة حامد له وهو
◌ّ اختص من مسمى الحمد بما لم يجتمع لغيره ، فإن اسمه محمد ،
وأحمد ، وأمته الحمادون يحمدون الله في السراء والضراء ، وصلاته
وصلاة أمته مفتتحة بالحمد ، وخطبته مفتتحة بالحمد ، وكتابه مفتتح
بالحمد ، وهكذا كان عند الله في اللوح المحفوظ أن خلفاءه وأصحابه
يكتبون المصحف مفتتحا بالحمد، وبيده عي لواء الحمد يوم القيامة ، ولما
يسجد بين يدي ربه عز وجل للشفاعة ، ويؤذن له فيها يحمدربه بمحامد
يفتحها عليه حينئذ ، وهو صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون
والآخرون ، قال تعالى : ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن
يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ [الإسراء: ٧١] .
ثم أطال في هذا البحث بكلام لا تجده في غير كتابه . إلى أن قال :
فلما كان رسول الله عَليه مشتملا على ما يقتضي أن يحمد مرة بعد مرة
سمي محمدا ، وهو اسم موافق لمسماه ، ولفظ مطابق لمعناه .
والفرق بين محمد ، وأحمد ، من وجهين :

٣٩٩ -
١٠٩ باب القول بعد الفراغ من الوضوء - حديث رقم ١٤٨
أحدهما : أن محمدا هو المحمود حمدا بعد حمد ، فهو دال على كثرة
حمد الحامدين له ، وذلك يستلزم كثرة موجبات الحمد فيه ، وأحمد
أفعل تفضيل من الحمد يدل على أن الحمد الذي يستحقه أفضل مما
يستحقه غيره ، فمحمد زيادة حمد في الكمية ، وأحمد زيادة في الكيفية
فيحمد أكثر حمد ، وأفضل حمد حمده البشر .
الوجه الثاني : أن محمدا هو المحمود حمدا متكررا كما تقدم ،
وأحمد هو الذي حمده لربه أفضل من حمد الحامدين غيره فدل أحد
الاسمین وهو محمد علی کونه محمودا ، ودل الاسم الثاني وهو أحمد
على كونه أحمد الحامدين لربه ، وهذا هو القياس (١) ثم ذكر الخلاف بين
النحاة هل يبنى أفعل التفضيل والتعجب من المتعدى ، أم لا ؟ ثم رجح
بأن محمدا وأحمد كلاهما واقعان على المفعول لأن ذلك أبلغ .
ثم قال رحمه الله : (( فصل)) :
وقد ظن طائفة منهم أبو القاسم السهيلي، وغيره أن تسميته عَّ بأحمد
كانت قبل تسميته بمحمد ، قالوا : ولهذا بشر به المسيح باسم أحمد ،
وفي حديث طويل في حديث موسى (( لما قال لربه يا رب إني أجد أمة من
شأنها كذا وكذا ، فاجعلهم أمتي ، قال: تلك أمة أحمد يا موسى فقال:
اللهم اجعلني من أمة أحمد » .
قالوا : وإنما جاء تسميته بمحمد في القرآن خاصة ، لقول الله تعالى :
﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد﴾[ محمد: ٢]
وقوله ﴿محمد رسول الله ﴾[الفتح: ٢٩]، ثم ناقش الأدلة التي أوردها أتم
(١) أي في صيغة أفعل التفضيل ، من أنه واقع على الفاعل لا على المفعول ، خلافًا لبعض النحاة
وهو الذي رجحه العلامة ابن القيم هنا .

- ٤٠٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
مناقشة ورجح أن محمدا اسمه في التوراة ، وذكر له أدلة ، إلى أن قال :
والمقصود أن اسم النبي ٤ في التوراة محمد ، كما هو في القرآن ، وأما
المسيح : فإنما سماه أحمد كما حكاه الله عنه في القرآن ، فإذن تسميته
بأحمد وقعت متأخرة عن تسميته محمدا في التوراة ، ومتقدمة علي
تسميته محمدا في القرآن فوقعت بين التسميتين محفوفة بهما . اهـ كلام
العلامة ابن القيم مختصرا من جلاء الأفهام من ص ٩٢- ١١٤ .
المسألة السابعة : أخرج البخاري في صحيحه عن جبير بن مطعم ،
قال: قال رسول الله عَليه: ((لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد،
وأنا الماحي الذي يمحوا الله بي الكفر، وأنا الحاشر يحشر الناس على
قدمي، وأنا العاقب)).
والذي استظهره الحافظ في الفتح : أنه أراد أن لي خمسة أسماء
أختص بها لم يسم بها أحد قبلي، أو معظمة ، أو مشهورة في الأمم
الماضية ، لا أنه أراد الحصر فيها . قاله في الفتح . ج٦ ص٦٤٢.
وقال العلامة العيني : إن مفهوم العدد لا اعتبار له فلا ينفي الزيادة ،
وقيل : إنما اقتصر عليها لأنها الموجودة في الكتب القديمة ، ومعلومة
الأمم السالفة، وزعم بعضهم أن العدد ليس من قول النبي عليه، وإنما
ذكره الراوي بالمعنى ، ورُدَّ عليه لتصريحه في الحديث بذلك ، وقيل
معناه ولي خمسة أسماء لم يسم بها أحد قبلي ، وقيل : معناه إن معظم
أسمائي خمسة . اهـ عمدة ج١٦ ص٩٦ .
وقد ذكر الحافظ أبو الفضل العراقي في ألفية السيرة بعض أسماء النبي
24 فقال :