Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١_ ١٠٤ باب فرض الوضوء - حديث رقم ١٣٩ فذهب ذاهبون من السلف إلى أن الوضوء لكل صلاة فرض بدليل قوله تعالى : ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ الآية [المائدة: ٦]. وذهب قوم إلى أن ذلك قد کان ثم نسخ ، وقيل : الأمر به لكل صلاة على الندب ، وقيل : بل لم يشرع إلا لمن أحدث ، ولكن تجدیدہ لکل صلاة مستحب ، وعلى هذا أجمع أهل الفتوى بعد ذلك ، ولم يبق بينهم فيه خلاف . ومعنى الآية عندهم إذا كنتم محدثين . هذا كلام القاضي رحمه الله تعالى. واختلف أصحابنا في الموجب للوضوء على ثلاثة أوجه: (أحدها) أنه يجب بالحدث وجوبا موسعا . (والثاني) لا يجب إلا عند القيام إلى الصلاة . (والثالث) يجب بالأمرين ، وهو الراجح عند أصحابنا . اهـ كلام النووي في شرح مسلم ج٣ ص ١٠٣/١٠٢. وقال المباركفوري : وقد أجمعت الأمة على أن الطهارة شرط في صحة الصلاة، وأجمعت على تحريم الصلاة بغير طهارة من ماء ، أو تراب ، ولا فرق بين الصلاة المفروضة ، والنافلة ، والحديث دليل على وجوب الطهارة لصلاة الجنازة أيضا، لأنها صلاة، قال النبي : ((من صلى على الجنازة))، وقال: ((صلوا على صاحبكم))، وقال (( صلوا على النجاشي))، قال الإمام البخاري : سماها صلاة ، وليس فيها ركوع، ولا سجود ، ولا يُتكلم فيها ، وفيها تكبير، وتسليم . وكان ابن عمر لا يصلي عليها إلا طاهرا انتهى تحفة الأحوذي ج ١ ص ٢٣، ٢٤ وقال الحافظ : ونقل ابن عبد البر الاتفاق على اشتراط الطهارة لها - يعني صلاة الجنازة - إلا عن الشعبي، قال ووافقه إبراهيم (١) بن علية ، وهو ممن يرغب عن كثير من قوله . ونقل غيره أن ابن جرير الطبري وافقهما على ذلك ، وهو مذهب شاذ . انتهى. اهـ فتح ج٣ ص٢٢٨. (١) هو إبراهيم بن إسماعيل بن علية ، يروي عن أبيه، جهمي هالك، كان يناظر ، ويقول بخلق القرآن، مات سنة ٢١٠ . اهـ ميزان الاعتدال جـ ١ ص ٢٠ . - ٣٢٢ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة قال الإمام البخاري في صحيحه : إذ أحدث يوم العيد أو عند الجنازة يطلب الماء ولا يتيمم اهـ. قال الحافظ : وقد ذهب جمع من السلف إلى أنه يجزىء لها التيمم لمن خاف فواتها - يعني صلاة الجنازة - لو تشاغل بالوضوء وحكاه ابن المنذر عن عطاء ، وسالم، والزهري ، والنخعي ، وربيعة ، والليث ، والكوفيين ، وهي رواية عن أحمد ، وفيه حديث مرفوع عن ابن عباس رواه ابن عدي وإسناده ضعيف. اهـ فتح جـ ٣ص٢٢٨ . قال الجامع: الراجح القول الأول، لأنها صلاة ، وقد دلت النصوص على اشتراط الوضوء للصلاة عند وجود الماء، فلا يخص العموم إلا بدلیل ، والله أعلم . المسألة السادسة : الحكمة في جمعه عي بين الصلاة ، والصدقة في هذا الحديث أن العبادة نوعان : بدني ، ومالي ، فاختار من البدني الصلاة ، لكونها تالية الإيمان في الكتاب ، والسنة ، ولكونها عماد الدين ، والفارقة بين الإسلام والكفر ، واختار من المالي الصدقة لكثرة نفعها ، وعموم خيرها، ولكون كل منهما محتاجا إلى الطهارة ، أما الصلاة فلاحتياجها إلى طهارة الثوب والبدن والمكان ، وأما الصدقة فلاحتياجها إلى طهارة المال . أفاده في المنهل ج١ ص٢٠٩ . (( إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت ، وإليه أنيب )) . ولما بين في هذا الباب أن الصلاة لا تقبل بغير طهور ، وأنها غير معتد بها فلربما حمل بعض الناس شدةُ الاحتياط والعناية بالمحافظة على الاعتداء في الوضوء ومجاوزة الحد ذكر باب الاعتداء فيه بعده تنبيها ، وإرشادا إلى سلوك طريق السداد، وهو المتابعة لما صح عنه عَلّه، فقال: ١٠٥ باب الاعتداء في الوضوء - حديث رقم ١٤٠ -٣٢٣ - ١٠٥ - الاعْتدَاءُ في الوضوء أي هذا باب في ذكر الحديث الدال على منع تجاوز الحد المشروع في الوضوء . والاعتداء : افتعال من العدوان ، وهو تجاوز الحد. قال ابن منظور : وعدا الأمر، وَتَعدَّاه كلاهما : تجاوزه . وعدا طوره وقَدْرَه : جاوزه على المثل . ويقال : فلان ما يعدو أمرك ، أي ما يجاوزه والتعدي : مجاوزة الشيء إلى غيره ، يقال : عديته فتعدى ، أي تجاوز وقوله تعالى: ((فلا تعتدوها)) أي لاتجاوزوها إلى غيرها، وكذلك قوله: ﴿ومن يتعد حدود الله﴾ [البقرة: ٢٢٩] أي يجاوزها. وقوله عز وجل : ﴿فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾ [المعارج: ٣١]: أي المجاوزون ما حُدَّلهم وأمروا به. وقوله عز وجل: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد﴾ [البقرة: ١٧٣]: أي غير مجاوز لما يُبَلِّغُه ويُغْنيه من الضرورة. وأصل هذا كله مجاوزة الحد والقدر والحق . يقال: تعديت الحق، واعتديته ، وعدوته : أي جاوزته . وقد قالت العرب : اعتدى فلان عن الحق ، واعتدى فوق الحق ، كأنّ معناه جاز عن الحق إلى الظلم . وعدى عن الأمر : جازه إلى غيره ، وتركه . اهـ لسان ج١٥ ص٣٤/٣٣. ١٤٠ - أخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ ، حَدَّثَنَا يَعْلَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ عَمْرو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أِهِ، عَنْ جَدِّه، قَالَ : جَاءَ أعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِِّ يَسْأَلُهُ عَنْ الوُضُوء فَأْرَاهُ الوُضُوءَ ثَلاثًا ثَلاثًا، ثُمَّ قَالَ: ((هكَذَا الوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا، فَقَدْ أَسَاء،َ وَتَعَدَّى، وَظَلَمَ)). - ٣٢٤ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة رجال الإسناد : سبعة ١- ( محمود بن غيلان) العدوي مولا هم ، أبو أحمد المروزي ، نزیل بغداد ، ثقة ، من العاشرة مات سنة ٢٣٩ . وقيل بعد ذلك.(خ م س ق) تقدم في ٣٧/٣٣ . ٢- (يعلى) بن عبيد بن أبي أمية الكوفي ، أبو يوسف ، الطنافسي، ثقة إلا في حديثه عن الثوري ، ففيه لين ، من كبار التاسعة ، مات سنة بضع ومائتين ، وله (٩٠) سنة (ع) . ٣- (سفيان) بن سعيد الثوري ثقة حجة من ٧ . تقدم في ٣٧/٣٣. ٤- ( موسى بن أبي عائشة) الهمداني بسكون الميم مولاهم ، أبو الحسن الكوفي ثقة عابد ، من الخامسة ، وكان يرسل (ع) . ٥-( عمرو بن شعیب ) بن محمد بن عبدالله بن عمرو بن العاص ، صدوق ، من الخامسة ، مات سنة - ١١٨ . (ز٤). ٦- ( شعیب) بن محمد المذکور صدوق ، ثبت سماعه من جده ، من الثالثة (ز٤) . ٧- (عبد الله) بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سُعَيد ، بالتصغير - بن سعد بن سهم السهمي ، أبو محمد ، وقيل : أبو عبدالرحمن ، أحد السابقين المكثرين من الصحابة ، وأحد العبادلة الفقهاء ، مات في ذي الحجة ليالي الحرة على الأصح ، بالطائف ، على الراجح . (ع) . تقدم في ٨٩/ ١١١ . لطائف الإسناد منها: أنه من سباعيات المصنف . ومنها : أن رواته ثقات ، إلا عمرا، وأباه فهما مختلف فيهما : فممن وثق عَمْرا المصنفُ ، كما في الخلاصة ، وممن وثق شعيبا ابنُ حبان ٣٢٥ ١٠٥ باب الاعتداء في الوضوء - حديث رقم ١٤٠ كما في الخلاصة أيضا . وسيأتي الكلام على هذا السند في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى. ومنها : أنهم ما بين مروزي وهو شيخه ، وكوفيين : وهم الثلاثة الأولون ، ومدنيين ، وهم الباقون . ومنها : أن شيخه ممن أخرج له البخاري ، ومسلم ، وابن ماجه ، وأن يعلى، وسفيان ، وموسى ، وعبد الله بن عمرو ممن اتفق عليهم ، وأن عمرا، وشعيبا ممن أخرج له البخاري في جزء القراءة ، والأربعةُ . ومنها : أن فيه رواية الراوي عن أبيه عن جده . شرح الحديث (عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه) شعیب (عن جده) عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، فالضمير لشعيب، فيكون الحديث متصل الإسناد صحيحاً ، وهذا قول الأكثرين وهو الصحيح ، وقيل الضمير لعمرو لما يلزم على الأول من تشتيت الضمائر ، فيكون منقطعا ، لأن محمدًا جد عمرو تابعي ، ولأن شعيبا لم يسمع من جده عبد الله ، وقال في المنهل : ويحتمل أن يعود الضمير على عمرو بن شعيب ، فيكون المراد جده الأعلى الصحابي ، وهو الظاهر ، لما يلزم على الأول من تشتيت الضمائر . اهـج١ ص٧٣ . وسيأتي تمام البحث في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى. أنه (قال: جاء أعرابي) أي بدوي، قال ابن منظور والأعرابي: البدوي ، وهم الأعراب ، والأعاريب: جمع الأعراب، وجاء في الشعر الفصيح الأعاريب ، وقيل : ليس الأعراب جمعا لعرب كما كان الأنباط جمعا لنّبَط، وإنما العرب اسم جنس. والنسب إلى الأعراب : أعرابي، قال سيبويه : إنما قيل في النسب إلى الأعراب: أعرابي ، لأنه لا واحد له على هذا المعنى ، ألا ترى أنك تقول : العرب فلا يكون على هذا المعنى، فهذا يقويه. وعربي : بين العُرُوبة والعُرُوبية وهما من المصادر التي لا - ٣٢٦ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة أفعال لها . وحكى الأزهري : رجل عربي إذا كان نسبه في العرب ثابتا ، وإن لم يكن فصيحا ، وجمعه العرب ، كما يقال : رجل مجوسي، ويهودي ، والجمع بحذف ياء النسبة لليهود ، والمجوس. ورجل معرب إذا كان فصيحا ، وإن كان عجمي النسب ورجل أعرابي بالألف إذا كان بدويا صاحب نُجْعة (١) وانتواء ، وارتياد للكلاء ، وتتبع لمساقط الغيث ، سواء كان من العرب أو من مواليهم . والأعرابي إذا قيل له ياعربي فرح بذلك وهَشَّ له ، والعربي إذا قيل له يا أعرابي غضب له . فمن نزل البادية ، أو جاور البادين ، وظعن بظَعنهم، وانتوى بانتوائهم: فَهُم أعراب، ومن نزل بلاد الريف، واستوطن المدن والقرى العربية وغيرها ممن ينتمي إلى العرب : فهم عرب، وإن لم يكونوا فصحاء . اهـ كلام ابن منظور . ج١ ص٥٨٦. (إلى النبي #) متعلق بجاء (يسأله ) الجملة صفة لأعرابي أو حال منه أي حال كونه سائلا ( عن الوضوء ) بضم الواو ، أي عن كيفيته ، ولأبي داود: فقال: يا رسول الله كيف الطهور؟ (فأراه) النبي عَّه الوضوء ( ثلاثا ثلاثا ) مفعول مطلق ، أو نعت لمصدر محذوف : أي توضأ توضؤاً ثلاثًا. وعند أبي داود، «فدعا بماء في إناء ، فغسل كفيه ثلاثا ، ثم غسل وجهه ثلاثا ، ثم غسل ذراعيه ثلاثا ، ثم مسح برأسه ، فأدخل أصبعيه السباحتين في أذنيه ، ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه ، وبالسباحتين باطن أذنيه ، ثم غسل رجليه ثلاثا ثلاثا)). وقال السندي : قوله : فأراه ثلاثا أي غير المسح ، فقد جاء في هذا الحديث أن المسح كان مرة في رواية سعيد بن منصور ذكره الحافظ ابن حجر . اهـ كلام السندي ج١ ص٨٨. (ثم قال) ## للأعرابي السائل (١) النجعة وزان غرفة: طلب الكلاء في موضعه، والانتواء القصد، والإرتياد: طلب الشيء. ٣٢٧ - ١٠٥ باب الاعتداء في الوضوء - حديث رقم ١٤٠ (هكذا) أي مثل ما رأيت ( الوضوء) الكامل ، وانما بين له بالفعل ، لأنه أبلغ ، وأتم في الإرشاد ( فمن زاد على هذا) الذي رأيته مني بأن زاد على عدد الغسلات ، أو غسل عضوا غير الأعضاء المشروع غسلها . أو مسحه ( فقد أساء ) أي في مراعاة آداب الشرع (وتعدى ) أي جاوز الحد ( وظلم) نفسه بما نقصها من الثواب ووقع في رواية أبي داود : ((فمن زاد على هذا، أو نقص فقد أساء وظلم)). فاستشكل زيادة لفظ (( ونقص)) لأن ذلك ينافي ماثبت أنه عمّ توضأ مرتين، مرتين ، ومرة مرة ، وأجمع العلماء من أهل الحديث ، والفقه ، على جواز الاقتصار على واحدة إذا عمت . وأجيب بأن الظلم والإساءة في النقصان حيث إنه ظلم نفسه بما فوتها من الثواب الذي يحصل بالتثليث ، وأساء إليها بتركه السنة لأن تارك السنة مسيء. أفاده الشوكان في النيل ، قال: وأما الاعتداء في النقصان فمشكل فلابد من توجيهه إلى الزيادة ، ولهذا لم يجتمع ذكر الاعتداء والنقصان في شيء من روايات الحديث اهـ كلام الشوكاني ج١ ص ٢٦٠. وقال في المنهل : قوله: (( فمن زاد علي هذا أو نقص )» الخ ، أي من زاد علي فعله # كأن زاد في الغسل على الثلاث ، أو غسل عضوا غير الأعضاء المشروع غسلها ، أو نقص عن ذلك الفعل ، كأن اقتصر في الغسل على مرة أو مرتين ، أو ترك عضوا من أعضاء الوضوء ، أو بعضه فقد أساء إلى نفسه، وظلمها بمخالفة النبي عَلّه ، وبأنه أتْعَب نفسه فيما زاد على الثلاثة من غير حصول ثواب له، وأتلف الماء بلا فائدة ، وأما في النقص فقد أساء بترك الأكمل، وظلم نفسه بنقص ثوابها إذا نقص العدد، أو بعدم الاعتداد به إذا ترك عضوا من الأعضاء ، أو بعضه ، وإنما ذمه عَّ إظهارالشدة النكير عليه ، وزجراله . - ٣٢٨ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة واستشكل نسبة الإساءة والظلم إلى من نقص عن الثلاث بأنه قد ثبت أنه ي توضأ مرتين مرتين ، ومرة مرة ، وأجمع أئمة الحديث والفقه على جواز الاقتصار على واحدة إذا عمت . وأجيب : بأنه ◌َّ اقتصر على المرة والمرتين في بعض الأوقات لبيان الجواز، والثلاث هي الأكمل لمواظبته عمله عليها ، والإساءة والظلم لمن اقتصر على المرة أو المرتين منظور فيها لمن فعل الثلاث ، فهي نسبية ، على أن رواة الحديث لم يتفقوا على ذكر النقص فيه ، فقد اقتصر النسائي، وابن ماجه في روايتهما على قوله: ((من زاد)) فقط . وذهب جماعة إلى تضعيف زيادة (( أو نقص ))، قال ابن حجر: عَدَّهُ مسلم في جملة ما أنكروه على عمرو بن شعيب ، لأن ظاهره ذم النقص عن الثلاثة ، والنقص عنها جائز فَعَلَهُ مَّه فكيف يعبر عنه بأساء . وقال ابن الموّاق : إن لم يكن اللفظ شكا من الراوي فهو من الأوهام البينة التي لاخفاء لها، إذ الوضوء مرة ومرتين لاخلاف في جوازه . والآثار في ذلك صحيحة ، والوهم فيه من أبي عوانة ، وهو وإن كان من الثقات فإن الوهم لا يسلم منه بشر إلا من عصم . اهـ . وقال العيني: ((فقد أساء)) أي في الأدب بتركه السنة والتأدب بآداب الشرع ((وظلم)) نفسه بما نقصها من الثواب بزيادة المرات في الوضوء . وقيل : معناه : زاد على الثلاث معتقدا أن السنة لاتحصل بالثلاث ، أو نقص معتقدا أن الثلاث خلاف السنة ، فإن قلت : كيف يكون ظالما في النقصان ، وقد ورد في الأحاديث مرة ومرتين؟ . قلت : الجواب عن ذلك من ثلاثة أوجه : (الأول) : أن المعنى يكون ظالما لنفسه في تركه الفضيلة والكمال ، وإن كان يجوز مرة مرة ، أو مرتين ، مرتين . ( والثاني ) : إنما يكون ظلما إذا اعتقد خلاف السنة في ٣٢٩ - ١٠٥ باب الاعتداء في الوضوء - حديث رقم ١٤٠ الثلاث (والثالث) أن هذا الحديث فيه مقال من جهة عمرو بن شعيب . اهـ وقال الحافظ في التلخيص : يجوز أن تكون الإساءة ، والظلم ، وغيرهما مما ذكر مجموعا لمن نقص ، ولمن زاد ، ويجوز أن يكون على التوزيع ، فالإساءة في النقص ، والظلم في الزيادة ، وهذا أشبه بالقواعد والأول أشبه بظاهر السياق . اهـ وقال في المرقات : قال الإمام النسفي : هذا إذا زاد معتقداً أن السنة هذا ، فأما لو زاد لطمأنينة القلب عند الشك ، أو نية وضوء آخر ، فلا بأس ، لأنه عليه الصلاة والسلام أمر بترك ما يريبه إلى مالا يريبه اهـ . (قلت ) أما قوله : لطمأنينة القلب عند الشك ففيه أن الشك بعد التثليث لاوجه له ، والعمل بمقتضاه يفتح بابا عظيما للوسوسة ، ولهذا أخذ ابن المبارك بظاهره ، فقال : لا آمن إذا زاد على الثلاث أن يأثم . وقال أحمد ، وإسحاق : لا يزيد عليها إلا مبتلى - يعني مجنونا - لمظنة أنه بالزيادة يحتاط لدينه . وقال ابن حجر : ولقد شاهدنا من الموسوسين من يغسل يده فوق المئين ، وهو مع ذلك يعتقد أن حدثه لم يرتفع . وأما قوله: أو بنية وضوء آخر ، ففيه أنه لا يتصور التجديد إلا بعد تمام الوضوء لافي الأثناء وعلى فرض أن الشك وقع بعد تمام الوضوء ، فلا يستحب التجديد قبل صلاة تؤدى بهذا الوضوء ، وأما قوله : لأنه أمر بترك ما يريبه الخ ففيه أن غسل المرة الأخرى ممايريبه ، فينبغي تركه إلى مالايريبه وهو ما عينه الشارع ليتخلص عن الريبة ، والوسوسة . اهـ المنهل ج٢ ص ٧٤/ ٧٥ . قال الجامع عفا الله عنه: وفي قوله : ((فلا يستحب التجديد قبل صلاة تؤدى)انظر ، لأنه لا دليل عليه ، بل الراجح جواز التجديد من دون أداء صلاة ، لإطلاق النص، وقد تقدم البحث عنه في ب ١٠٠/ح ١٣٠. - ٣٣٠ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة وقال بعض المحققين : فیه - یعني قوله : « أو نقص » - حذف تقديره من نقص شيئا من غسلة واحدة بأن ترك لمعة في الوضوء مرة . ويؤيده ما رواه نعيم بن حماد بن معاوية من طريق المطلب بن حنطب مرفوعا : ((الوضوء مرة مرة ، وثلاثا ، فإن نقص من واحدة ، أو زاد على ثلاثة فقد أخطأ))، وهو مرسل لأن المطلب تابعي صغير ، ورجاله ثقات، ففيه بیان ما أجمل في حديث عمرو بن شعيب .ا هـ عون المعبود ج١ ص٢٢٩ مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى : في درجته : حديث الباب حديث صحيح . المسألة الثانية : في بيان مواضعه عند المصنف : أخرجه المصنف هنا - ١٠٥/ ١٤٠ وأخرجه في الكبرى ٦٤/ ١ عن أحمد بن سليمان الرهاوي ، عن يعلى بن عبيد ، عن سفيان بالسند المذكور . المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول ، وغيرهم . أخرجه (دق ) فأخرجه (د) في الطهارة - ٥١ - عن مسدد ، عن أبي عوانة ، عن موسى بن أبي عائشة ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه . وأخرجه (ق) فيه عن علي بن محمد ، عن يعلى بن عبيد ، عن سفيان ، عن موسى بن أبي عائشة ، الخ . وأخرجه أحمد ، والبيهقي ، والطحاوي ، وابن خزيمة في صحيحه ، وصححه غيره . قاله في المنهل ج٢ص٧٦. المسألة الرابعة : في فوائده : منها : سؤال الشخص عما لا يعلمه من أمر دينه قال تعالى : ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ [النحل: ٤٢]. ومنها : أن التعليم يكون بالفعل، كما يكون بالقول ، بل هو أبلغ منه. ٣٣١ - ١٠٥ باب الاعتداء في الوضوء - حديث رقم ١٤٠ ومنها : التثليث في الوضوء . ومنها : أنه يطلب من المتوضىء أن يتبع الوارد ، فلا يزيد عليه ، ولا ينقص منه ، وأن من خرج عن الوارد عَرّض نفسه للوقوع في الوبال والظلم ، فينبغي للمسلم أن يتبع الوارد ، ويحرص عليه . المسألة الخامسة: في اختلاف العلماء في عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده . قال الحافظ في تهذيب التهذيب ج٨ص٤٨ : عمروبن شعيب ابن محمد بن عبدالله بن عمرو بن العاص القرشي السهمي، أبو إبراهيم، ويقال : أبو عبدالله المدني، ويقال: الطائفي، وقال أبو حاتم: سكن مكة ، وكان يخرج إلى الطائف . روى عن أبيه ، وجل روايته عنه ، وعمته زينب بنت محمد ، وزينب بنت أبي سلمة ربيبة النبي عمله ، والربيع بنت معوذ ، وطاوس وسليمان ابن يسار ، ومجاهد ، وعطاء ، والزهري ، وسعيد المقبري ، وعطاء بن سفيان الثقفي ، وجماعة . وعنه عطاء ، وعمرو بن دينار ، وهما أكبر منه ، والزهري ، ويحيى ابن سعيد ، وهشام بن عروة ، وثابت البناني ، وعاصم الأحول ، وقتادة ومكحول ، وحميد الطويل ، وإبراهيم بن ميسرة ، وأيوب السختياني وحريز بن عثمان ، والزبير بن عدي ، وأبو إسحاق الشيباني، وأبو الزبير المكي، ويحيى بن أبي كثير ، ويزيد بن أبي حبيب ، وغيرهم من التابعين ومنهم أيضا الأوزاعي ، وابن جرير (١) ، ومحمد بن إسحاق، وحسین المعلم ، والحكم بن عتيبة ، وابن عون ، وداود بن أبي هند ، وعمرو بن الحارث المصري ، ومطر الوراق ، ويزيد بن الهاد ، وعبد الله بن طاوس ويزيد بن الحمصي ، وحجاج بن أرْطَاة ، وسليمان بن موسى ، (١) لعله ابن جريج . - ٣٣٢ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة وعبدالرحمن بن حرملة ، وعمارة بن غزية والمثنى بن الصباح ، وابن لهيعة ، وآخرون . قال صدقة بن الفضل : سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول : إذا روى عنه الثقات ، فهو ثقة يحتج به . وقال علي بن المديني ، عن يحي ابن سعيد حديثه عندنا واه . وقال علي عن ابن عيينة : حديثه عند الناس فيه شيء . وقال أبو عمرو بن العلاء : كان يعاب على قتادة ، وعمرو ابن شعيب أنهما كانا لا يسمعان شيئا إلا حدثا به . وقال الميموني : سمعت أحمد بن حنبل یقول : له أشياء مناکیر ، وإنما یکتب حديثه يعتبر به ، فأما أن یکون حجة فلا . وقال الأثرم عن أحمد : أنا أکتب حديثه ، وربما احتججنا به ، وربما وجس في القلب منه شيء ، ومالك يروي عن رجل عنه . وقال أبو داود عن أحمد بن حنبل : أصحاب الحديث إذا شاءوا احتجوا بحديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، وإذا شاءوا تركوه ، وقال البخاري: رأيت أحمد بن حنبل ، وعلي بن المديني، وإسحاق بن راهويه، وأبا عبيدة ، وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو ابن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، ما تركه أحد من المسلمین، قال البخاري: من الناس بعدهم(١)؟ وقال إسحاق بن منصور ، عن يحيى ابن معين : إذا حدث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، فهو كتاب ومن هنا جاء ضعفه ، وإذا حدث عن سعيد بن المسيب ، أوسليمان بن يسار، أو عروة فهو ثقة عن هؤلاء . وقال الدوري ، ومعاوية بن صالح عن ابن معين : ثقة . وقال أبو حاتم : سألت ابن معين فقال : ما أقول ؟ روى عنه الأئمة. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين : ليس بذاك . وقال (١) نقل هذا الكلام عن البخاري الترمذي في جامعه . وقد اعترض الذهبي على نقل الترمذي هذا الكلام قائلا : أستبعد صدور هذه الألفاظ من البخاري أخاف أن یکون أبو عیسی وهم ، وإلا فالبخاري لا يعرج على عمرو، أفتراه يقول فمن الناس بعدهم ؛ ثم لا يحتج به أصلا ، ولا متابعة " اهـ سير أعلام النبلاء ج٥ص١٦٧ . ٠ ٣٣٣ - ١٠٥ باب الاعتداء في الوضوء - حديث رقم ١٤٠ أبو زرعة : روى عنه الثقات ، وإنما أنكروا عليه كثرة روايته عن أبيه ، عن جده ، وقال : إنما سمع أحاديث يسيرة ، وأخذ صحيفة كانت عنده ، فرواها ، وعامة المناكير تروى عنه إنما هى عن المثنى بن الصباح ، وابن لهيعة ، والضعفاء ، وهو ثقة في نفسه ، إنما تكلم فيه بسبب کتاب عنده وما أقل ما نصيب عنه مما روى عن غير أبيه ، عن جده من المنكر ، وقال ابن أبي حاتم : سئل أبي عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، وبهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده ؟ فقال : عمرو أحب إلي ، وقال محمد بن علي الجوزجاني : قلت لأحمد : عمرو سمع من أبيه شيئا؟ قال : يقول: حدثني أبي . قلت : فأبوه سمع من عبد الله بن عمرو ؟ قال : نعم أراه قد سمع منه . وقال الآجري : قلت لأبي داود : عمرو ابن شعيب عندك حجة ؟ قال : لا ، ولا نصف حجة . وقال جرير : كان مغيرة لا يعبأ بصحيفة عبد الله بن عمرو. وقال الحسن بن سفيان عن إسحاق بن راهويه : إذا كان الرواي عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ثقة فهو كأيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر . وقال أيوب بن سويد ، عن الأوزاعي : ما رأيت قرشيا أفضل ، وفي رواية أكمل من عمرو بن شعيب . وقال العجلي ، والنسائي : ثقة ، وقال أبو جعفر أحمد بن سعيد الدارمي: عمرو بن شعيب ثقة، رَوَى عنه الذين نظروا في الرجال، مثل أيوب ، والزهري ، والحكم . واحتج أصحابنا بحديثه ، وسمع أبوه من عبد الله بن عمرو ، وعبد الله بن عُمَر ، وعبد الله بن عباس . وقال أبو بكر بن زياد النيسابوري : صح سماع عمرومن أبيه ، وصح سماع شعيب من جده وقال أبو الحسن الدار قطني : لعمرو بن شعيب ثلاثة أجداد : الأدنى منهم محمد ، والأوسط عبد الله ، والأعلى عمرو ، وقد سمع - يعني شعيب - من الأدنى محمد ، ومحمد لم يدرك النبي حجم ، وسمع من جده عبد الله ، فإذا بينه ، وكشفه ، فهو صحيح حينئذ ، ولم - ٣٣٤ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة يترك حديثه أحد من الأئمة ولم يسمع من جده عمرو(١) . وقال الدار قطني أيضا : قال النقاش : عمرو بن شعيب ليس من التابعين، وقد روى عنه عشرون من التابعين ، قال الدارقطني : فتتبعتهم فوجدتهم أكثر من عشرين. قال المزي: كأن الدار قطني وافق النقاش على أنه ليس من التابعين ، وليس كذلك فقد سمع من زينب بنت أبي سلمة ، والربيع بنت مُعَوِّذ، ولهما صحبة . وقال ابن عدي : روى عنه أئمة الناس وثقاتهم وجماعة من الضعفاء إلا أن أحاديثه عن أبيه عن جده مع احتمالهم إياه لم يدخلوها في صحاح ما أخرجوا، وقال هي صحيفة، قال خليفة وغيره : مات سنة ثماني عشرة ومائة . قال الحافظ : قلت : عمرو بن شعيب ضعفه قوم مطلقا ، ووثقه الجمهور ، وضعفه بعضهم في روايته عن أبيه عن جده فحسب ، ومن ضعفه مطلقا فمحمول على روايته عن أبيه عن جده ، فأما رواياته عن أبيه فربما دلس ما في الصحيفة بلفظ عن ، فإذا قال : حدثني أبي، فلا ريب في صحتها كما يقتضيه كلام أبي زرعة المتقدم ، وأما رواية أبيه عن جده ، فإنما یعني بها الجدالأعلی عبد الله بن عمرو ، لا محمد بن عبد الله ، وقد صرح شعیب بسماعه من عبد الله في أماکن ، وصح سماعه منه كما تقدم ، وكما روى حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن شعيب ، قال قال: سمعت عبد الله بن عمرو ، فذكر حديثا ، أخرجه أبو داود من هذا الوجه ، وفي رواية عمرو فمن ذلك رواية حسين المعلم ، عن عمرو ، عن أبيه، عن جده، قال: قال: ((رأيت رسول الله عَّه يصلي حافيًا ومنتعلاً)) رواه أبو داود، وبهذا السند: ((رأيت رسول الله عَّه يشرب قائما وقاعدا)) رواه الترمذي. وبه: ((رأيت رسول الله عَلّ ينفتل عن (١) كان في نسخة تهذيب التهذيب سقط ، فأصلحته من تهذيب الكمال . ٣٣٥ - ١٠٥ باب الاعتداء في الوضوء - حديث رقم ١٤٠ يمينه وعن يساره في الصلاة)) ، رواه ابن ماجه . ومن ذلك هشام بن الغاز عن عمرو ، عن أبيه ، عن جده، قال: ((أقبلنا مع رسول الله عليه من ثنية أذاخر)) الحديث، رواه ابن ماجه ، ومن ذلك محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه، عن جده: (( سمعت رسول الله عليه يأمر بكلمات من الفزع)) الحديث . رواه أبو داود والنسائي والترمذي ، وغيرهم ، وهذه قطعة من جملة أحاديث تصرح بأن الجد هو عبد الله بن عمرو ، لكن هل سمع منه جميع ما روى عنه ، أم سمع بعضها والباقي صحيفة؟ والثاني أظهر عندي ، وهو الجامع لاختلاف الأقوال فيه ، وعليه ينحط كلام الدار قطني ، وأبي زرعة ، وأما اشتراط بعضهم أن يكون الراوي عنه ثقة فهذا الشرط معتبر في جميع الرواة ، لا يختص به عمرو ، وأما قول ابن عدي : لم يدخلوها في صحاح ما خرّجوا فيرد عليه إخراج ابن خزيمة له في صحيحه ، والبخاري في جزء القراءة خلف الإمام علی سبیل الاحتجاج، وکذلك النسائي ، و کتابه عند ابن عدي معدود في الصحاح ، ولكن ابن عدي عَنَى غير (١) الصحيحين فيما أظن فليس فيهما لعمرو شيء . وقد أنكر جماعة أن یکون شعیب سمع من عبد الله بن عمرو ، وذلك مردود بما تقدم . ومن ذلك قال محمد بن عثمان بن أبي شيبة : سألت علي بن المديني عن عمرو بن شعيب ؟ فقال : ما روى عنه أيوب ، وابن جريج فذاك كله صحيح ، وماروى عن أبيه عن جده فهو كتاب وَجَدَهُ فهو ضعيف . وقال ابن عدي : عمرو بن شعيب في نفسه ثقة إلا أنه إذا روی عن أبيه عن جده یکون مرسلا لأن جده محمدا لا صحبة له . وقال ابن حبان في الضعفاء إذا روى عمرو ، عن طاوس ، وسعيد بن المسيب، وغيرهما من الثقات فهو ثقة يجوز الاحتجاج به ، وإذا روى عن أبيه عن (١) هكذا في نسخة تهذيب التهذيب ، ولعل الصواب اسقاط لفظ غير ، فتأمل . - ٣٣٦ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة جده فإن شعيبا لم يلق عبد الله فيكون منقطعا. وإن أراد بجده محمدًاً فھو لا صحبة له فیکون مرسلا . والصواب أن يحول عمرو إلی کتاب الثقات ، فأما المناكير في روايته فتترك . وقال الدارقطني لما حكى كلام ابن حبان : هذا خطأ ، قد روى عبيد الله بن عمر العمري وهو من الأئمة عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، قال : كنت عند عبد الله بن عمرو فجاء رجل فاستفتاه في مسألة فقال لي یا شعیب امض معه إلى ابن عباس فذكر الحديث . قال الحافظ : قلت : وقد أسند ذلك الدار قطني في السنن ، قال : حدثنا أبو بكر بن زياد النيسابوري ، ثنا محمد بن يحيى الذهلي ، وغيره قالوا : ثنا محمد بن عبيد ، ثنا عبيد الله بن عمر . ورواه الحاكم أيضا من هذا الوجه . وقال أبو بكر بن أبي خيثمة : سمعت هارون بن معروف ، يقول : لم يسمع عمرو من أبيه شيئا إنما وجده في كتاب أبيه ، قال ابن أبي خيثمة : قلت لیحیی بن معین : أليس قد سمع من أبيه ؟ قال: بلى قلت إنهم ينكرون ذلك، فقال: قال أيوب: حدثني عمرو، فذكر أبًا عن أب إلی جده قد سمع من أبيه ، ولكنهم قالوا حین مات عمرو بن شعيب، عن أبيه ، عن جده إنما هذا كتاب . قال الحافظ : يشير ابن معين بذلك إلى حديث إسماعيل بن علية، عن أيوب : حدثني عمرو بن شعيب ، حدثني أبي ، عن أبيه ، حتی ذکر عبد الله بن عمرو فذكر حديث (( لا يحل سلف وبيع )) أخرجه أبو داود ، والترمذي من رواية ابن علية ، عن أيوب . ورواه النسائى من حديث ابن طاوس ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن أبيه محمد بن عبدالله ابن عمرو ، وقال مرة عن أبيه ، وقال مرة عن جده في النهي عن لحوم الحمر الأهلية ، ولم يأت التصريح بذکر محمد بن عبد الله بن عمرو في حدیث إلا في هذين الحدیثین فیما وقفت عليه ، وذلك نادر ، لاتعويل ٣٣٧ - ١٠٥ باب الاعتداء في الوضوء - حديث رقم ١٤٠ عليه ، ولكن استدل ابن معين بذلك على صحة سماع عمرو من أبيه في الجملة. وقال ابن شاهين في الثقات: قال أحمد بن صالح، يعني المصري: عمرو سمع من أبيه عن جده وكله سماع ، عمرو يثبت أحاديثه مقام التثبت . وقال الساجي: قال ابن معين : هو ثقة في نفسه وما روى عن أبيه عن جده لا حجة فيه، ولیس متصل ، وهو ضعيف من قبيل أنه مرسل ، وَجَدَ شُعَيْبٌ كتب عبد الله بن عمرو فكان يرويها عن جده إرسالا ، وهي صحاح عن عبد الله بن عمرو غير أنه لم يسمعها . قال الحافظ : فإذا شهد له ابن معين أن أحاديثه صحاح غير أنه لم يسمعها وصح سماعه لبعضها فغاية الباقي أن يكون وجادة صحيحة وهو أحد وجوه التحمل . والله أعلم. وقال يعقوب بن شيبة : ما رأيت أحدا من أصحابنا ممن ينظر في الحديث ، وينتقي الرجال يقول في عمرو بن شعيب شيئا ، وحديثه عندهم صحيح ، وهو ثقة ثبت ، والأحاديث التي أنكروا من حديثه إنما هي لقوم ضعفاء رووها عنه ، وما روى عنه الثقات فصحيح ، قال : وسمعت علي بن المديني يقول : قد سمع أبوه شعيب من جده عبد الله بن عمرو ، وقال علي بن المديني : وعمرو بن شعيب عندنا ثقة ، وكتابه صحيح . وقال الشافعي فيما أسنده البيهقي في المعرفة عنه يخاطب الحنفية حيث احتجوا عليه بحديث لعمرو بن شعيب: عمرو بن شعيب قد روى أحكامًا توافق أقاويلنا ، وتخالف أقاويلكم عن الثقات فرددتموها ، ونسبتموه إلى الغلط ، فأنتم محجوجون إن كان ممن ثبت حديثه فأحاديثه التى وافقناها ، وخالفتموها ، أو أكثرها ، وهي نحو ثلاثين حكمًا حجة عليكم ، وإلا فلاتحتجوا به ، ولا سيما إن كانت الرواية عنه لم تثبت . وقال الذهبي : كان أحد علماء زمانه قيل: إن محمدًا والد شعيب مات في حياة أبيه فرباه جده. اهـ تهذيب التهذيب ج٨/ ص٤٨، ٥٥. - ٣٣٨ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة قال الجامع عفا الله عنه : قال الذهبي بعد نقل كلام ابن حبان المتقدم ما نصه : قلت : قد أجبنا عن روايته عن أبيه عن جده بأنها ليست بمرسلة ولا منقطعة . أما كونها وجادة ، أو بعضها سماع وبعضها وجادة فهذا محل نظر . ولسنا نقول: إن حديثه من أعلى أقسام الصحيح ، بل هو من قبيل الحسن . اهـ كلام الذهبي في ميزان الاعتدال ج٣ص٢٦٨ . وقال في سير أعلام النبلاء ج٥ص ١٧٥ بعد ذكر أن ابن حبان تحير وتردد في عمرو بن شعيب ، فذكره في كتاب الضعفاء ثم أداه اجتهاده فقال : والصواب في عمرو بن شعيب أن يحول من هنا إلى كتاب الثقات لأن عدالته قد تقدمت ، فأما المناکیر في حديثه إذا كانت في روايته عن أبيه عن جده فحكمه حكم الثقات إذا رووا المقاطيع ، والمراسيل بأن يترك من حديثهم المرسل والمقطوع ، ويحتج بالخبر الصحيح . قال الذهبي : فهذا يوضح لك أن الآخر من الأمرین عند ابن حبان أن عَمْرًا ثقة في نفسه ، وأن روايته عن أبيه عن جده ، إما منقطعة ، أو مرسلة ، ولا ريب أن بعضها من قبيل المسند المتصل ، وبعضها يجوز أن تكون روايته وجادة أو سماعا فهذا محل نظر واحتمال، ولسنا ممن نعد نسخة عمرو ، عن أبيه، عن جده، من أقسام الصحيح الذي لا نزاع فيه من أجل الوجادة، ومن أجل أن فيها مناكير ، فينبغي أن يتأمل حديثه ويتحايد ماجاء منه منكرا ، ويُروى ما عدا ذلك في السنن والأحكام محسنين لإسناده ، فقد احتج به أئمة كبار ، ووثقوه في الجملة ، وتوقف فيه آخرون قليلا ، وما علمت أحداتركه . اهـ كلام الذهبي في سيره . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الكلام نفيس جدًا، جامع لأشتات الأراء والأقوال التي طال فيها النزاع والخصام ، فنقول : حديثه حسن يحتج به ، كما يحتج بالصحيح ولا نقول هو صحيح بحت ، والله أعلم . ١٠٦ باب الأمر بإسباغ الوضوء - حديث رقم ١٤١ ٣٣٩ - ١٠٦ - الأمْرُ بإسْبَاغُ الوُضُوء أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على الأمر بإسباغ الوضوء. والأمر هنا معناه الطلب . قال في المصباح : الأمر بمعنى الحال، جمعه أمور ، وعليه قوله تعالى: ﴿وما أمر فرعون برشيد﴾ [هود: ٩٧] والأمر بمعنى الطلب ، جمعه أوامر، فرقا بينهما. وجمعُ الأمر: أوامرُ هكذا يتكلم به الناس ، ومن الأئمة من يصححه ويقول في تأويله : إن الأمر مأمور به ، ثم حول المفعول إلى فاعل ، كما قيل أمر عارف ، وأصله معروف ، وعيشة راضية ، والأصل مرضية إلى غير ذلك ، ثم جمع فاعل على فواعل ، فأوامر جمع مأمور . وإذا أمرت من هذا الفعل ، ولم يتقدمه حرف عطف حذفت الهمزة على غير قياس، وقلت : مُرْه بكذا ، ونظيره كُلْ وخُذْ، وإن تقدمه حرف عطف فالمشهور رد الهمزة على القياس ، فيقال : وامُرْ بكذا ، ولا يعرف في كُلَّ وخُذْ إلا التخفيف مطلقا ، وفي أمرته لغتان : المشهور في الاستعمال قصر الهمزة ، والثانية مدها ، قال أبو عبيد: وهما لغتان جيدتان . اهـ المصباح ج١ / ص٢١. وإلى حذف همزة الأفعال الثلاثة في الأمر أشار ابن مالك في لاميته فقال ( من البسيط ) : وَشَذَّ بِالْحَذْفِ مُرْ وَخُذْ وَكُلْ وَفَشَا وَاَمُرْ وَمُسْتَنْدَرٌ تَتْمِيمُ خُذْ وَكُلاً والإسباغ : المبالغة والإتمام . قال ابن منظور : شيء سابغ أي كامل وَف، وسَبَغَ الشِيءُ يسبُغ سُبُوغا: طال إلى الأرض ، واتسع ، وأسبغه هو ، وسبغ الشّعْر، سبوغا، وسبغت الدرع ، وكل شيء طال إلى الأرض، فهو سابغ ، وقد أسبغ فلان ثوبه ، أي أوسعه ، وسبغت النعمة تسبغ بالضم سبوغا: اتسعت ، وإسباغ الوضوء: المبالغة فيه وإتمامه. اهـ - ٣٤٠ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة كلام ابن منظور في اللسان ج٨ص ٤٣٣,٤٣٢، وبابه فَعَد كما في المصباح. ثم إن الإسباغ يكون من حيثُ الكَمّ، ومن حيث الكيفُ : فأما الكم فأن يبالغ في عدد الغسلات بأن يغسل الأعضاء ثلاثا ثلاثا ، وأما الكيف فأن يبالغ في صفة الغسل بأن يعمم محل الفرض ويتجاوزه ، فيطيل الغرة والتحجيل ، والأمر على كليهما للندب . ١٤١ - أخْبَرَنَا يَحَْى بْنُ حَبِيبِ بْن عَرَبِيٍّ، حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو جَهْضَمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ : كُنَّا جُلُوسًا إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: واللَّه مَا : خَصِّنَا رَسُولُ اللَّهِ ﴾ُ بِشَيءٍ دُونَ النَّاسِ إِلاَّ بِثَلاثَةِ أَشْيَاءَ: فَإِنَّهُ أُمَرَنَا أنْ نُسْبِغَ الوُضُوءَ ، ولا نَأْكُلَ الصَّدَقَّةَ، ولا نُنْزِيَ الْحُمُرَ عَلَى الْخَيْلِ . رجال الإسناد : خمسة ١- (يحيى بن حبيب بن عربي) البصري ، ثقة ، من العاشرة ، مات سنة ٢٤٨ وقیل بعدها ( ٤٢) تقدم في ٦٠/ ٧٥ ٢- (حماد) بن زيد بن درهم الجهضمي ، أبو إسماعيل البصري الثقة تقدم في ٣/ ٣. ٣- (أبو جهضم) موسى بن سالم مولى آل العباس البصري، صدوق من السادسة (٤) قال أحمد : ليس به بأس قيل له : ثقة؟ قال : نعم ووثقه ابن معين ، وأبو زرعة ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث ، وصدوق