Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١ -
١٠٣ باب الانتفاع بفضل الوضوء - حديث رقم ١٣٨
سماع راویه ، أو تقدمت وفاة شيخه.
وعلو الإسناد له عند المحدثين شأن كبير ، وذلك أنه يفيد قوة السند ،
لأنه یبعد احتمال الخلل عن الحدیث ، لأن كل رجل من رجاله قد یحتمل
أن يقع من جهته خلل ، فإذا قَلْت الوسائط تقلّ جهات الاحتمالات
للخلل ، فيكون علو السند قوة للحديث .
قال الحافظ أبو الفضل المقدسي : أجمع أهل النقل على طلبهم العلو،
ومدحه ، إذ لو اقتصروا على سماعه بنزول لم يرحل أحد منهم .
وقد رحل المحدثون فيه ، وأتعبوا مطاياهم من أجله ، ما يسمع
أحدهم بحديث عن محدث في عصره حتى يرحل إليه ليسمعه منه
مباشرة . قال أحمد بن حنبل : طلب الإسناد العالي سنة عمن سلف ،
وقيل ليحيى بن معين في مرضه الذي مات فيه : ما تشتهي ؟ قال : بيت
خال ، وسند عال .
وينقسم العلو بحسب جهته إلى خمسة أقسام : ترجع إلى قسمين :
علو مسافة بقلة الوسائط ، وعلو صفة ، أما العلو بالمسافة : فهو ثلاثة
أقسام :
القسم الأول : القرب من رسول الله على من حيث العدد ، بإسناد
صحيح نظيف ، وهذا علو مطلق ، وهو أفضل أنواع العلو ، وأجلّها ،
قال محمد بن أسلم الطوسي الزاهد : قرب الإسناد قرب أو قربة إلى الله
عز وجل ، ووجه كلامه هذا فيما نرى : أن قرب الإسناد يفيد قوة السند
كما عرفت ، واستخراج المحدث لذلك يقربه إلى الله عز وجل .
القسم الثاني : القرب من إمام من أئمة الحديث ، وهو علو نسبي
كالعلو إلى مالك ، والأوزاعي ، وسفيان .

- ٣٠٢ -
=
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
ووجه هذا أن هؤلاء الأئمة قد انتهى إليهم علم الحديث ،
وحفظه، فأصبح خوف الخلل في رواياتهم مأمونا ، فرغبوا في العلو
إليهم ، لما فيه من قوة السند .
القسم الثالث : العلو بالنسبة إلى الكتب الحديثية المشتهرة ، وهو أن
يعلو إسناد المحدث بالنسبة إلى روايته عن طريق الصحيحين وبقية الستة،
إذ لو روى الحديث من طريق كتاب من الستة يقع أنزل مما لو رواه من غير
طريقها ، وغالبا ما يكون السبب نزول الإسناد عن طريق هذه الكتب .
أما عُلُوَّا الصفة : فقد ذكرهما الحافظ أبو يعلى الحنبلي في كتاب
الإرشاد إلى معرفة الحديث ، واشتهرا بعده .
الأول : العلو بتقدم وفاة الراوي بأن يتقدم موت الراوي في هذا السند
على موت الراوي الذي في السند الآخر ، وإن كانا متساويين في العدد.
الثاني : العلو بتقدم السماع من الشيخ بأن يكون أحد الرواة سمع منه
قبل غيره إلا أنه يقع التداخل كثيرا بين هذين القسمين حتى عدهما بعض
العلماء قسما واحدا .(١)
شرح الحديث
(عن سفيان) بن عيينة أنه (قال: سمعت ابن المنكدر يقول) قال
الجلال السيوطي رحمه الله: يتكرر قول الراوي سمعت رسول الله عَّه
يقول ، وقد اختلف هل يتعدى سمعت إلى مفعولين فجوزه الفارسي ،
لکن لا بد أن یکون الثاني مما يسمع نحو سمعت زيدا قال كذا ، فلو قلت:
سمعت زيدا أخاك لم يجز، والصحيح تعديتها إلى واحد ، وما وقع بعده
منصوبا فعلى الحال ، والأول على تقدير مضاف ، أي سمعت كلام
رسول الله عليه، لأن السمع لا يقع على الذوات ، ثم بين هذا المحذوف
(١) راجع التدريب جـ ٢ ص١٥٩ - ١٧٠ ، وشروح الألفية العراقية في المصطلح ، وشرحي لألفية
السيوطي فيه .

٣٠٣ -
١٠٣ باب الانتفاع بفضل الوضوء - حديث رقم ١٣٨
بالحال المذكور ، وهو يقول ، وهي حال مبينة ، ولا يجوز حذفها .
وقال الزمخشري في قوله: (( سمعنا مناديا)): ((تقول : سمعت
رجلا يتكلم ، فتوقع الفعل على الرجل ، وتحذف المسموع ، لأنك وصفته
بما يسمع ، أو جعلته حالا عنه ، فأغناك عن ذكره ، ولولا الوصف أو
الحال لم يكن منه بد وأن يقال : سمعت كلامه .
وقال الطيبي : الأصل في سمعت رسول الله ﴾ يقول ، سمعت قول
رسول الله عليه، فأخر القول وجعل حالا ليفيد الإبهام والتعيين وهو أوقع
في النفس من الأصل . اهـ عقود الزبرجدج١ ص٢١ (سمعت جابرا)
رضي الله عنه، (يقول: مَرضت فأتاني رسول الله #، وأبو بكر)
رضي الله عنه ( يعوداني) قال في المصباح : عُدت المريض عيادَة : زُرته
فالرجل عائد وجمعه عُوَّاد ، والمرأة عائدة وجمعها عُوّد بغير ألف. قال
الأزهري : هكذا كلام العرب . اهـ ج٢ ص٤٣٧ .
(فوجداني قد أغمى علي) أي غشي علي قال في المصباح: وغُمِيَ
على المريض ثلاثي مبني للمفعول فهو مَغْميّ عليه على مفعول ، قاله ابن
السكيت ، وجماعة ، وأغمي عليه إغماء بالبناء للمفعول أيضا وتقدم
في غُشِّيَ ما قيل فيه عن الأطباء .
وقال في مادة غُشِي : ويقال إن الغَشْيَ يعطّل القوى المحركة والأوْردَة
الحساسة لضعف القلب بسبب وجع شدید أو برد أو جوع مفرط ، وقيل
الغشي: هو الإغماء، وقيل : الإغماء : امتلاء بطون الدماغ من بلغم بارد
غليظ ، وقيل الإغماء سهو يلحق الإنسان مع فتور الأعضاء لعلة . اهـ
ج٢ص٤٤٨.
وقال في اللسان: وغُميَ على المريض وأغمي عليه: غُشيَ عليه ثم أفاق .
وفي التهذيب : أغمي على فلان إذا ظن أنه مات ، ثم يرجع حيا . اهـ
ج١٥. ص١٣٤ .

- ٣٠٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
(فتوضأ رسول الله ﴾، فصب عليّ وَضوءه) بفتح الواو : أي الماء
الذي توضأ به ، أومنه .
قال السندي : والظاهر أنه الماء المستعمل ، فهذا يدل على طهارة الماء
المستعمل ، وحديث الخصوص غير مسموع لكون الأصل العموم . اهـ
ج١ ص ٨٨/٨٧ .
وقال الحافظ: يحتمل أن يكون المراد صب علي بعض الماء الذي توضأ
به ، أو مما بقي منه ، والأول المراد ، فللمصنف في الاعتصام (( ثم صب
وضوءه علي )» ولأبي داود (« توضأ وصبه علي)). اهـ فتح ج١ ص٣٦٠.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى : في درجته: حديث جابر هذا ، متفق عليه .
المسألة الثانية : في بيان مواضعه من هذا الكتاب : حديث جابر عن
طريق ابن عيينة لم يذكره المصنف في المجتبى إلا في هذا الموضع .
وأخرجه في الكبرى في الفرائض والتفسير عن محمد بن منصور ، وفي
الطب أيضا عن قتيبة ، عن سفيان، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر
رضي الله عنه.
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول ، وغيرهم :
أخرجه (خ) في المرضَى عن عبد الله بن محمد، وفي الفرائض عن قتيبة
- وفي الاعتصام عن علي بن عبد الله .
وأخرجه (م) في الفرائض -١/٣ - عن عمرو الناقد. وأخرجه (د)
في الفرائض عن أحمد بن حنبل . وأخرجه(ت) في الفرائض وفي
التفسير عن الفضل بن الصباح البغدادي ، وفي التفسير عن عبدبن
حميد، عن يحي بن آدم - وأخرجه (ق) في الجنائز- ٤/١ - عن محمد

٣٠٥ -
١٠٣ باب الانتفاع بفضل الوضوء - حديث رقم ١٣٨
ابن عبد الأعلى الصنعاني ، وفي الفرائض -٣/٥- عن هشام بن عمار
ثمانيتهم عن سفيان ، عن ابن المنكدر ، عن جابر رضي الله عنه .
وأخرجه أحمد في مسنده ج٣/ ٣٠٧ .
المسألة الرابعة: في فوائد هذا الحديث : يستفاد من هذا الحديث :
مشروعية عيادة المريض ، واعتناء كبير القوم بتفقد أصحابه ، وطهارة
الماء المستعمل ، وجواز الانتفاع به وهو الذي بوب عليه المصنف ، رحمه
الله. وسيأتي تحقيق المسألة ، وأقوال العلماء فيها ، وترجيح المذهب
الصحيح في المسألة التالية ، إن شاء الله تعالى .
المسألة الخامسة : في مذاهب العلماء في الماء المستعمل : قال الإمام
النووي رحمه الله ما ملخصه : اختلف العلماء في طهارة الماء المستعمل
وكونه ليس بمطهر فأما المسألة الأولى، وهي كونه طاهرا فقد قال بها مالك
والشافعي، وأحمد ، وجمهور السلف ، والخلف ، وخالف في ذلك أبو
يوسف فقال بنجاسته . وعن أبي حنيفة ثلاث روايات : إحداها رواية
محمد بن الحسن : طاهر ، وهو المشهور عنه . والثانية : نجس نجاسة
مخففة. والثالثة: نجس نجاسة مغلظة. واحتج لهما بقوله :# ((لا يبولن
أحدكم في الماء الدائم، ثم يتوضأ منه، ولا يغتسل فيه من الجنابة)).
قالوا فجمع بين البول ، والاغتسال . ولأنه أدى به فرض طهارة ، فكان
نجسا، كالمزال به النجاسة .
واحتج الأولون بحديث جابر رضي الله عنه - يعني حديث الباب-
واحتجوا أيضا بقوله عَ﴾ (( الماء طهور لا ينجسه شيء )) وهو حديث صحيح
وهو على عمومه ، إلا ماخص لدليل . واحتج الشافعي ثم أصحابه بأن
النبي #، والصحابة رضي الله عنهم كانوا يتوضؤون، ويتقاطر على
ثيابهم ، ولا يغسلونها . واحتجوا بأن الماء طاهر لاقى محلا طاهرًا ،

- ٣٠٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
فكان طاهرًا كما لو غسل به ثوب طاهر . ولأن الماء طاهر، والأعضاء
طاهرة ، فمن أين النجاسة .
والجواب عن حديث (( لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ، ولا يغتسل
فیه من الجنابة » من أوجه : أحدها أن هذا الحديث رواه هكذا أبو داود في
سننه من رواية محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّلجه:
ورواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة ، عن النبي عليه
ومسلم قال : «لا ییولن أحدکم في الماء الدائم ، ثم يغتسل منه » وفي
رواية لمسلم « لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب )) فقيل لأبي
هريرة: كيف يفعل ؟ قال: (( يتناوله تناولا)) فهاتان الروايتان خلاف
رواية أبي داود ، قال البيهقي : رواية الحفاظ من أصحاب أبي هريرة
كما رواه البخاري ، ومسلم ، وأشار البيهقي إلى تقديم هذه الرواية ،
وجعله جوابا لاستدلالهم به، لكن لا يُرتَضَى هذا الجواب ، ولا الترجيح
لأن الترجيح إنما یستعمل إذا تعذر الجمع بين الروایتین ، وليس هو متعذرا
هنا ، بل الجواب المرضي أنه لا يلزم اشتراك القرينين في الحكم ، قال الله
تعالى: ﴿كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه﴾ [الأنعام: ١٤١]، فالأكل
غير واجب ، والإيتاء واجب .
وجواب آخر وهو أن النهي عن البول والاغتسال فیه لیس لأنه ینجس
بمجرد ذلك ، بل لأنه يقذره ، ويؤدي إلى تغيره . ولهذا نص الشافعي ،
والأصحاب على كراهة الاغتسال في الماء الراكد وإن كان كثيرا . وعلى
الجملة تعلقهم بهذا الحديث وحكمهم بنجاسة الماء به عجيب .
وأما قياسهم على المزال به نجاسة فجوابه من أوجه : أحدها لا نسلم
نجاسته إذا لم يتغير ، وانفصل وقد طهر المحل . الثاني : أنا حكمنا
بنجاسته لملاقاته محلا نجسا بخلاف المستعمل في الحدث . الثالث : أنه

٣٠٧ -
١٠٣ باب الانتفاع بفضل الوضوء - حديث رقم ١٣٨
انتقلت إليه النجاسة . والله أعلم .
وأما المسألة الثانية وهي كونه ليس بمطهر، فقال به أبو حنيفة والشافعي،
وأحمد، وهو رواية عن مالك، ولم يذكر ابن المنذر عنه غيرها.
وذهب طوائف إلى أنه مطهر ، وهو قول الزهري، ومالك، والأوزاعي
في أشهر الروايتين عنهما ، وأبي ثور ، وداود . قال ابن المنذر : وروي
عن علي ، وابن عمر ، وأبي أمامة ، وعطاء ، والحسن ، ومكحول ،
والنخعي ، وإنهم قالوا فيمن نسي مسح رأسه فوجد في لحيته بللا :
يكفيه مسحه بذلك . قال ابن المنذر : وهذا يدل على أنهم يرون المستعمل
مطهرا ، قال وبه أقول .
واحتج لهؤلاء بقول الله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهوراً﴾
[الفرقان: ٤٨] والفَعُول لما يتكرر منه الفعل، وبما رُويَ عن النبي ◌َّه (( أنه توضأ
فمسح رأسه بفضل ماء في يده))، وفي حديث آخر أنه مع ((مسح رأسه
بيلل لحيته))، وعن ابن عباس أن النبي ﴾ ((اغتسل فنظر لمعة من بدنه لم
يصبها الماء فأخذ شعرا من بدنه عليه ماء فأمرّه على ذلك الموضع)) قالوا :
ولأنه ماء لاقَىَ طاهر افبقي مطهرا كما لو غسل به ثوب ، ولأنه مستعمل
فجاز الطهارة به ، كالمستعمل في تجديد الوضوء ، ولأنه ما أدي به الفرض
مرة لا يمتنع أن يؤدي به ثانيا ، كما يجوز للجماعة أن يتيمموا من موضع
واحد وكما يخرج الطعام في الكفارة ثم يشتريه، ويخرجه فيها ثانيا ،
وكما يصلي في الثوب الواحد مرار . قالوا : ولأنه لو لم تجز الطهارة
بالمستعمل لامتنعت الطهارة ، لأنه بمجرد حصوله على العضو يصير
مستعملا ، فإذا سال على باقي العضو ينبغي أن لا يرفع الحدث ، وهذا
متروك بالإجماع ، فدل على أن المستَعْمَل مُظهِّر.
قال النووي : واحتج أصحابنا بحديث الحكم بن عمرو رضي الله عنه

- ٣٠٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
أن النبي عَُّ ((نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة )) رواه أبو داود ،
والترمذي ، والنسائي ، وغيرهم ، قال الترمذي : حديث حسن ، وقال
البخاري : لیس هو بصحیح ، قالوا : ووجه الاستدلال أن المراد بفضل
طهور المرأة ماسقط عن أعضائها لأنا نقول نحن والمنازعون على أن الباقي
في الإناء مطهر فتعين حمله على الساقط ، قال النووي : وفي صحة هذا
الحدیث والاستدلال به هنا نظر .
واحتجوا بحديث أبي هريرة السابق مع أبي حنيفة (( لا يغتسل أحدكم
في الماء الدائم، وهو جنب)) قالوا: والمراد نهيه لئلا يصير مستعملا،
وفي هذا الاستدلال نظر ، لأن المختار ، والصواب أن المراد بهذا الحديث
النهي عن الاغتسال في الدائم ، وإن کان کثیرا ، لئلا يقذره ، وقد يؤدي
تكرار ذلك إلى تغيره .
واحتجوا بالقياس على المستعمل في إزالة النجاسة، ولكن الفرق ظاهر
وأقرب شيء يحتج به مااحتج به إمام الحرمين وهو عمدة المذهب أن
النبي # وأصحابه رضي الله عنهم احتاجوا في مواطن من أسفارهم
الكثيرة إلى الماء ، ولم يجمعوا المستعمل لاستعماله مرة أخرى .
فإن قيل : ترکوا الجمع لأنه لا یتجمع منه شيء فالجواب أن هذا لا يسلم
وإن سلم في الوضوء لم يسلم في الغسل .
فإن قيل : لا يلزم من عدم جمعه منع الطهارة به ، ولهذا لم يجمعوه
للشرب ، والطبخ ، والعجن ، والتبرد ، ونحوها ، مع جوازها به
بالاتفاق . فالجواب أن ترك جمعه للشرب ونحوه للاستقذار ، فإن
النفوس تعافه في العادة ، وإن كان طاهرا، كما استقذر النبي ◌ّ الضب
وتركه، فقيل: أحرام هو؟ قال (( لا ، ولكني أعافه)) وأما الطهارة به
ثانية فليس فيها استقذار فتركه يدل على امتناعه .

٣٠٩ -
١٠٣ باب الانتفاع بفضل الوضوء - حديث رقم ١٣٨
ومما احتجوا به أن السلف اختلفوا فيمن وجد من الماء بعض ما يكفيه
لطهارته هل يستعمله ، ثم يتيمم للباقي ، أم يتمم ويتركه ، ولم يقل أحد
يستعمله ثم يجمعه ثم يستعمله في بقية الأعضاء، ولو كان مطهرا لقالوه.
فإن قيل : لأنه لا يتجمع منه شيء ، فالجواب : لانسلم ذلك بل الحال
في ذلك مختلف کما قدمته قریبا .
وأما الجواب عن احتجاجهم بالآية : فمن وجهين :
أحدهما : لا نسلم أن فعولا يقتضي التكرار مطلقا ، بل منه ماهو
كذلك ، ومنه غيره، وهذا مشهور لأهل العربية . والثاني : المراد بطهور
المطهر والصالح للتطهير، والُعَدُّ لذلك. وأما قولهم: ((توضأ النبي صلَّه
فمسح رأسه بفضل ماء كان في يده » فهذا الحديث رواه هكذا أبو داود في
سننه ، وإسناده عن عبد الله بن محمد بن عَقيل، عن الرَّبَيِّع بنت مُعَوِّذ
رضي الله عنها . وروى مسلم وأبو داود وغيرهما عن عبد الله بن زيد
رضي الله عنه أنه رأى النبي ﴾ ((توضأ)) فذكر صفة الوضوء إلى أن قال:
(( ومسح برأسه بماء غير فضل يديه ، وغسل رجليه)) وهذا هو الموافق
لروايات الأحاديث الصحيحة في أنه ◌ّ أخذ لرأسه ماء جديدا . فإذا ثبت
هذا فالجواب عن الحديث من أوجه :
أحدها : أنه ضعيف فإن راويه عبد الله بن محمد ضعيف عند
الأكثرين ، واذا كان ضعيفا لم يحتج بروايته ولو لم يخالفه غيره ، ولأن
الحديث مضطرب عن عبد الله بن محمد : قال البيهقي : قد رَوَى شريك
عن عبد الله في هذا الحديث فأخذ ماء جديدا فمسح رأسه مقدمه ومؤخره
الجواب الثاني : لوصح لحمل على أنه أخذ ماء جديدا وصب بعضه
ومسح رأسه ببقيته ليكون موافقًا لسائر الروايات ، وعلى هذا تأوله
البيهقي على تقدير صحته .

- ٣١٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
الثالث : يحتمل أن الفاضل في يده من الغسلة الثالثة لليد ، ونحن
نقول به على الصحيح ، وكذا في سائر نفل الطهارة .
وأما قولهم : مسح رأسه ببلل لحيته : فجوابه من وجهين :
أحدهما : أنه ضعيف .
والثاني : حمله على بلل الغسلة الثانية والثالثة ، وهو مطهر على
الصحيح .
وأما قولهم: اغتسل وترك لمعة ثم عصر عليها شعرا فجوابه من أوجه:
أحدها : أنه ضعيف ، وقد بين الدار قطني ، ثم البيهقي ضعفه ، قال
البيهقي : وإنما هو من كلام النخعي .
الثاني : لوصح لحمل على بلل باق من الغسلة الثالثة .
الثالث : أن حكم الاستعمال إنما يثبت بعد الانفصال عن العضو ،
وهذا لم ينفصل ، وبدن الجنب كعضو واحد ، ولهذا لا ترتيب فيه . وأما
قیاسهم على ماغسل به ثوب وعلى تجديد الوضوء : فجوابه : أنه لم يؤد
به فرض . وأما قياسهم على تيمم الجماعة : فجوابه : أن المستعمل ما
علق بالعضو أوسقط عنه على الأصح ، وأما الباقي بالأرض فغير
مستعمل قطعا فليس هو كالماء .
وأما طعام الكفارة : فإنما جاز أداء الفرض به مرة أخرى لتجدد عود
الملك فيه فنظيره تجدد الكثرة في الماء ببلوغه قلتين ، ونحن نقول به على
الصحیح ، وأما الثوب فلم یتغیر من صفته شيء فلا يسمى مستعملا بخلاف
الماء، وتغير الصفات مؤثر فيما أدي به الفرض كالعبد يعتقه عن كفارة .
وأما قولهم : لولم تجز الطهارة به لامتنعت الخ : فجوابه أنا لانحكم
بالاستعمال مادام مترددا على العضو بلا خلاف فلا يؤدي إلى مفسدة
ولا حرج . والله أعلم . اهـ كلام النووي في المجموع ببعض تصرف
ج١ ص ١٥١/ ١٥٦.

٣١١ -
١٠٣ باب الانتفاع بفضل الوضوء - حديث رقم ١٣٨
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى ما نصه : وقد ذهب إلى أن
الماء المستعمل غير مطهر أكثر العترة، وأحمد بن حنبل ، والليث ،
والأوزاعي ، والشافعي ، ومالك في إحدى الروايتين عنهما ، وأبو
حنيفة في رواية عنه .
واحتجوا بهذا الحديث - يعني حديث أبي هريرة في نهي الجنب عن
الاغتسال في الماء الدائم - وبحديث النهي عن التوضؤ بفضل وضوء
المرأة، واحتج لهم في البحر بما روي عن السلف من تكميل الطهارة
بالتيمم عند قلة الماء ، لا بما تساقط منه .
وأجيب عن الاستدلال بحديث الباب بأن علة النهي ليست كونه يصير
مستعملا ، بل مصيره مستخبثا بتوارد الاستعمال فيبطل نفعه ، ويوضح
ذلك قول أبي هريرة يتناوله تناولا ، وباضطراب متنه ، وبأن الدليل
أخص من الدعوى ، لأن غاية مافيه خروج المستعمل للجنابة ، والمدعَى
خروج كل مستعمل عن الطهورية . وعن حديث النهي عن التوضؤ
بفضل وضوء المرأة بمنع كون الفضل مستعملا ، ولو سلم فالدليل أخص
من الدعوى لأن المدعى خروج كل مستعمل عن الطهورية ، لاخصوص
هذا المستعمل ، وبالمعارضة بما أخرجه مسلم ، وأحمد من حديث ابن
عباس : ((أن رسول الله عَّه كان يغتسل بفضل ميمونة)) وأخرجه أحمد
أيضا ، وابن ماجه بنحوه من حديثه ، وأخرجه أحمد أيضا ، وأبو
داود، والنسائي ، والترمذي ، وصححه من حديثه بلفظ (( اغتسل بعض
أزواج النبي عليه في جفنة، فجاء النبي عليه ليتوضأ منها ، أو يغتسل ،
فقالت له : يارسول الله إني كنت جنبا، فقال: إن الماء لا يجنب))،
وأيضا حديث النهي عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة فيه مقال .
وعن الاحتجاج بتكميل السلف للطهارة بالتيمم لا بما تساقط بأنه لا

- ٣١٢ -
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
يكون حجة إلا بعد تصحيح النقل عن جميعهم ، ولا سبيل إلى ذلك ،
لأن القائلين بطهورية المستعمل منهم ، كالحسن البصري ، والزهري ،
والنخعي ، ومالك ، والشافعي ، وأبي حنيفة ، في إحدى الروايات عن
الثلاثة المتأخرين ، ونسبه ابن حزم الى عطاء ، وسفيان الثوري، وأبي
ثور، وجميع أهل الظاهر ، وبأن المتساقط قد فني ، لأنهم لم يكونوا
يتوضئون إلى إناء ، والملتصق بالأعضاء حقير لا يكفي بعض عضو من
أعضاء الوضوء، وبأن سبب الترك بعد تسليم صحته عن السلف، وإمكان
الانتفاع بالبقية هو الاستقذار .
وبهذا يتضح عدم خروج المستعمل عن الطهورية ، وتحتم البقاء على
البراءة الأصلية ، لاسيما بعد اعتضادها بكليات وجزئيات من الأدلة ،
کحدیث « خلق الماء طهورا » و حدیث « مسحهځ﴾ رأسه بفضل ماء کان
بيده)) . وغيرهما . اهـ كلام الشوكاني في نيله ج١ ص ٤٦/٤٥.
قال الجامع عفا الله عنه :
وهذا الذي قاله الشوكاني هو التحقيق الذي لا يحتاج إلى التعليق عليه.
ولقد تكلم على هذه المسألة العلامة المجتهد أبو محمد ابن حزم في
كتابه البديع ((المحلى)) فأفاد ، وأجاد ، وأسهب ، وأعاد ، ولولا بشاعة
عباراته التي يرمي بها خصومه في رد أقوالهم ، وتفنيدآرائهم من دون أن
يفرق بين فلان ، وفلان ، وذلك غَيرَةً على النصوص ، حسبما رآه هو ،
وإن كانوا كلهم يريدون الخير، وخدمةَ النصوص بقدر المستطاع، ولا يألون
جهدا ، فربما أصابوا ، وربما أخطأوا ، والكل مأجورون ، لنقلت عبارته
برمتها . فارجع إليه ج١ ص١٨٣ - ١٩١ .
فالحاصل أن المذهب الراجح : هو مذهب من يقول : بطهورية الماء
المستعمل ، وطهارته لوضوح أدلته ، والله أعلم .

-٣١٣ -
١٠٤ باب فرض الوضوء - حديث رقم ١٣٩
١٠٤ - بَابُ فَرْض الوُضُوء
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على كون الوضوء فرضا لاتصح
الصلاة إلا به ، قال في المصباح : وفرض الله الأحكام فرضا: أوجبها،
فالفرض : المفروض ، جمعه فروض ، مثل فلس وفلوس اهـ.
ج٢ ص٤٦٩. وقال السندي : الإضافة بيانية ، أي المفروض من
الوضوء، أو الوضوء المفروض فالإضافة من إضافة الصفة للموصوف
عند من یجیزها اهـ .
وقال ابن منظور : والفرض : السنة ، فرض رسول الله عليه . أي
سن. وقيل : فرض رسول الله عليه ، أي أوجب وجوبا لازما، قال:
وهذا هو الظاهر . والفرض : ما أوجبه الله عز وجل ، سمي بذلك لأن
له معالم وحدودا . وفرض الله علينا كذا وكذا ، وافترض : أي أوجب .
وقول الله عز وجل: ﴿فمن فرض فيهن الحج﴾ [البقرة: ١٩٧] أي
أوجبه على نفسه بإحرامه ، وقال ابن عرفة : الفرض : التوقيت ، وكل
مؤقت فھو مفروض . اهـلسان ج٧ص٢٠٢ .
١٣٩- أخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَنَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ
أبِيِ المَلِيحِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيه: ((لا
يَقْبَلُ اللّهُ صَلاةٌ بِغَيْرِ طُهُورِ ، وَلاَ صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولِ)) .
رجال الإسناد : خمسة
١- ( قتيبة) بن سعيد أبو رجاء الثقفي البغلاني ثقة. ثبت من [١٠]
تقدم في ١ / ١ .

- ٣١٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
٢- ( أبو عوانة) وَضَّاح بن عبد الله اليَشْكُري الواسطي البزاز،
مشهور بكنيته ، ثقة ثبت ، من السابعة، مات سنة خمس - أو ست -
وسبعين ومائة. (ع) تقدم في ٤١ / ٤٦ .
٣- ( قتادة) بن دعامة بن قتادة السدوسي ، أبو الخطاب ، البصري ،
ثقة ثبت ، يقال : ولد أكمه ، وهو رأس الطبقة الرابعة ، مات سنة بضع
عشرة ومائة . (ع) تقدم في ٣٠/ ٣٤ .
٤- (أبو المليح)بن أسامة بن عمير ، الهذلي، اسمه عامر ، وقيل: زيد،
وقيل: زياد، ثقة، من الثالثة، مات سنة٩٨ . وقيل: ١٠٨ وقيل: بعد ذلك
(ع) .
٥- (أسامة بن عمير) بن عامر بن الأقيشر الهذلي ، صحابي ، تفرد
ولده عنه . (ع) وقال في الإصابة ج١ ص٤٧ . : أسامة بن عمير بن عمر
ابن الأقيشر بن عبد الله بن حبيب بن يسار بن ناجية بن عمرو بن الحارث
ابن كثير بن هند بن طابخة بن لحیان بن هذيل الهذلي ، والد أبي المليح .
قال البخاري : له صحبة ، روی حديثه أصحاب السنن ، وأحمد ، وأبو
عوانة ، وابن خزيمة ، وابن حبان ، والحاكم في صحاحهم ، ومن حديثه
((أصابتنا السماء، ونحن مع رسول الله عَ﴾ يوم حنين)). قال خليفة :
نزل البصرة ، ولم يرو عنه إلا ولده . قاله جماعة من الحفاظ . اهـ كلام
الحافظ في الإصابة. وفي الخلاصة : صحابي له سبعة أحاديث .
لطائف الإسناد
منها : أنه من خماسيات المصنف .
ومنها : أن رواته كلهم ثقات ، وكلهم بصريون ، إلا قتيبة فبغلاني ،
وأبا عوانة فواسطي .
ومنها : أن فيه رواية الراوي عن أبيه .

٣١٥ -
١٠٤ باب فرض الوضوء - حديث رقم ١٣٩
ومنها : أن فيه رواية تابعي ، عن تابعي : قتادة ، عن أبي المليح .
ومنها : أن الرواة ممن اتفقوا على التخريج لهم ، إلا أسامة فأخرج له
الأربعة.
ومنها : أن صحابيه من المقلين في الرواية وهي كما تقدم سبعة أحاديث .
شرح الحديث
(عن أبي المليح) بن أسامة بن عمير ( عن أبيه ) أسامة بن عمير رضي
الله ، أنه (قال : قال رسول الله : لا يقبل الله) قال السندي قبول الله
تعالی رضاه به وثوابه علیه ، فعدم القبول أن لا یثیبه علیه.اهج١ ص٨٨.
قال الجامع عفا الله عنه: الصواب تفسير القبول على ظاهره ، على
الوجه الذي يليق به ، ففيه إثبات صفة القبول لله سبحانه وتعالى ، وأما
تفسیره بالرضا ونحوه فهو تفسیر باللازم ولیس معنی حقيقيًا ، فتنبه.
(صلاة ) نكرها ليعم الفرض والنفل ، أفاده في المنهل .
( بغير طهور) بضم الطاء فعل الطهارة ، وهو المرادهنا ، وبفتحها اسم
للماء ، أو التراب ، وقيل : بالفتح يطلق على الفعل والماء ، فههنا يجوز
الوجهان ، والمعنى بلا طهور ، وليس المعنى صلاة ملتبسة بشيء مغاير
للطهور ، إذ لابد من ملابسة الصلاة بما يغاير الطهور ضد الطهور ، حملا
لمطلق المغايرة على الكامل ، وهو الحدث . قاله السندي ج١ ص٨٨ .
وقال ابن منظور : قال ابن الأثير : الطهور بالضم التطهر، وبالفتح :
الماء الذي يتطهر به ، كالوُضوء، والوَضوء ، والسَّحور، والسّحور ،
وقال سيبويه : الطهور بالفتح يقع على الماء ، والمصدر معا ، قال : فعلى
هذا يجوز أن يكون الحديث بفتح الطاء وضمها ، والمراد بها التطهر . اهـ
لسان ج٤ ص ٥٠٥.

- ٣١٦ -
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وقال في المنهل : والطهور بضم الطاء المهملة المراد به الفعل وهو
التطهر على قول الأكثرين ، وقيل : يجوز فتحها ، وهو بعمومه يتناول
التطهر بالماء ، والتراب ، ثم قال بعد نقل كلام ابن الأثير المتقدم : وهذا
إذا لم تعلم الرواية ، وإلا اتبعت ، وضبطه ابن سيد الناس بضم الطاء لا
غير. اهـ المنهل ج١ ص٢٠٨ وقال النووي : قال جمهور أهل اللغة :
يقال : الطهور، والوضوء بضم أولهما : إذا أريد به الفعل الذي هو
المصدر ، ويقال : الطهور والوضوء بفتح أولهما : إذا أريد به الماء الذي
يتطهر به ، هكذا نقله ابن الأنباري ، وجماعات من أهل اللغة ، وغيرهم
عن أكثر أهل اللغة ، وذهب الخليل ، والأصمعي ، وأبو حاتم السجستاني
وجماعة إلى أنه بالفتح فيهما. انتهى، ونقله المباركفوري ج١ ص٢٣ .
وقال الحافظ : المراد بالطهور ما هو أعم من الوضوء والغسل ، قال :
والمراد بالقبول هنا ما يوافق الصحة وهو الإجزاء ، وحقيقة القبول ثمرة
وقوع الطاعة مجزئة رافعة لما في الذمة . ولما كان الإتيان بشروطها مظنة
الإجزاء الذي القبول ثمرته عبر عنه بالقبول مجازا ، وأما القبول المنفي
في مثل قوله عَج ((من أتى عرافا لم تقبل له صلاة)) فهو الحقيقي ، لأنه قد
يصح العمل ويتخلف القبول لمانع ، ولهذا كان بعض السلف يقول : لأن
تقبل لي صلاة واحدة أحب إلي من جميع الدنيا ، قاله ابن عمر . قال :
لأن الله تعالى قال: ((إنما يتقبل الله من المتقين)). اهـ فتح ج١ ص ٢٨٣.
وقال العلامة العيني : والتحقيق ههنا أن القبول يراد به شرعا حصول
الثواب ، وقد يتخلف عن الصحة بدليل صحة صلاة العبد الآبق ،
وشارب الخمر مادام في جسده شيء منها ، والصلاة في الدار المغصوبة
على الصحيح عند الشافعية أيضا . وأما ملازمة القبول للصحة في قوله
عليه الصلاة والسلام (( لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار)) والمراد
بالحائض من بلغت سن الحيض ، فإنها لا تقبل صلاتها إلا بالسترة ، ولا

-٣١٧ -
١٠٤ باب فرض الوضوء - حديث رقم ١٣٩
تصح ولا تقبل مع انكشاف العورة . والقبول يفسر بترتب الفرض
المطلوب من الشيء على الشيء ، فقوله عليه الصلاة والسلام (( لا يقبل
الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ)) عام في عدم القبول في جميع
المحدثين في جميع أنواع الصلاة ، والمراد بالقبول وقوع الصلاة مجزأة
بمطابقتها للأمر ، فعلى هذا يلزم من القبول الصحة ظاهرا وباطنا ،
وكذلك العكس . ونقل عن بعض المتأخرين أن الصحة عبارة عن ترتب
الثواب ، والدرجات على العبادة ، والإجزاء عبارة عن مطابقة الأمر ،
فهما متغايران ، أحدهما أخص من الآخر ، ولا يلزم من نفي الأخص
نفي الأعم ، فالقبول على هذا التفسير أخص من الصحة ، فكل مقبول
صحيح ولا عكس . اهـ عمدة القاري ج٢ ص ٢٢١/ ٢٢٢ .
وقال السندي : وغرض المصنف رحمه الله أن الحديث يدل على
افتراض الوضوء للصلاة ، ونوقش بأن دلالة الحديث على المطلوب
يتوقف على دلالته على انتفاء صحة الصلاة بلا طهور، ولا دلالة
عليه، بل على انتفاء القبول ، والقبول أخص من الصحة ، ولا يلزم من
انتفاء الأخص انتفاء الأعم ، ولذا ورد انتفاء القبول في مواضع مع ثبوت
الصحة كصلاة العبد الآبق، وقد يقال: الأصل في عدم القبول هو عدم
الصحة ، وهو يكفي في المطلوب ، إلا إذا دل دليل على أن عدم القبول
لأمر آخر سوى عدم الصحة ولا دليل ههنا. اهـ كلام السندي ج١ ص٨٨.
قال الجامع عفا الله عنه : كون القبول بمعنى الصحة هو الأوضح هنا
كما تقدم في كلام الحافظ، والعلامة العيني ، والله أعلم.
(ولا صدقة) هي العطية التي يريد صاحبها الثواب من الله تعالى ،
وهي نكرة في سياق النفي فتعم الفرض ، والنفل ، والغرض منها طهارة
النفس من رذيلة البخل ، والقسوة ، وعود البركة على المال ، قال الله

- ٣١٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
تعالى ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ [التوبة: ١٠٣]، قاله
في المنهل ج١ ص٢٠٧ ( من غلول) بضم الغين المعجمة مصدر غَلَّ ،
يَغُلُّ من باب قعد : السرقة من مال الغنيمة قبل القسمة ، ويطلق أيضا
على أخذ مال الغير خفية مطلقا ، من غنيمة ، أو غيرها ، والمراد به هنا
مطلق المال الحرام أخذ خفية أم لا ، وسمي غلولا لأن الأيدي يجعل فيها
الغُلّ بسببه ، والغُلّ : الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه.
والحاصل : أن كل مال يأخذه الشخص من غير حل ثم يتصدق به
لا يقبل منه ، و کذلك إن نوی التصدق عن صاحبه ، ولا تسقط عنه تبعته،
اللهم إلا إذا رضي صاحبه ، وجعله في حل من ذلك .
ويدخل فيه صدقة المرأة من مال زوجها بغير رضاه (١) وصدقة العبد
من مال سيده بغير إذنه ، وصدقة الوكيل من مال موكله ، والشريك من
مال شريكه ، والوصي الذي و کل إليه التصدق بمال فأنفقه على نفسه، أو
أخرجه في غیر مصرفه ، ونظار الأوقاف الذين يتناولون من ريعها من غير
استحقاق ، ثم يتصدقون بها ، أو يصرفون ريعها في غير مصرفه . ومن
هذا قالوا : إن من أخذ مال غيره بلا وجه شرعي لزمه رده لصاحبه إن
کان حیا ، وإلا رده علی ورثته فإن لم یکن له ورثة یتصدق به عنه ویرجی
له الخلاص يوم القيامة ، وكذا إذا لم يدر صاحبه ، أو استولى عليه بعقد
فاسد ، ولم يتمكن من فسخه فإنه يتصدق به على الفقراء تخلصا من
الحرام لاطمعا في الثواب . وهذا لا ينافي الحديث ، ولا قوله تعالى :
﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ [البقرة: ٢٢٧] لأنهما يدلان على
(١) قال الجامع : هذا إذا كان على وجه الإفساد بأن كان كثيرا لايتسامح فيه ، وإلا فلا ، لما في
الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: " إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها عن غير
أمره، فلها نصف أجره ". وفيهما أيضا عن عائشة رضي الله عنها مرفوعا: " إذا أنفقت
المرأة من بيت زوجها ، غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت ، ولزوجها أجره بما كسب ،
وللخازن مثل ذلك ، لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئا " .

٣١٩ -
١٠٤ باب فرض الوضوء - حديث رقم ١٣٩
حرمة التصدق بالمال الحرام طمعا في الأجر والثواب . اهـ المنهل ج١
ص٢٠٧-٢٠٨. وبالله التوفيق ، وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى في درجته : حديث أبي المليح عن أبيه حديث صحيح .
المسألة الثانية: في مواضعه من هذا الكتاب : أخرجه المصنف في
موضعين : في هذا الباب ، وفي الزكاة ٤٨ عن الحسين بن محمد الذَّرَّاع
البصري ، عن يزيد بن زريع - وعن إسماعيل بن مسعود ، عن بشر بن
المفضل - كلاهما عن شعبة ، عن قتادة ، عن أبي المليح ، عن أبيه .
المسألة الثالثة في ذكر من أخرجه معه من أصحاب الأصول وغيرهم :
أخرجه ( دق) فأخرجه (د) في الطهارة - ٣١ - عن مسلم بن إبراهيم ،
عن شعبة ، عن قتادة ، عن أبي المليح ، عن أبيه .
وأخرجه (ق) في الطهارة : ١/٢ عن بندار عن يحيى بن سعيد،
وغندر ، وفي -١/٢ - عن أبي بشر بكر بن خلف ، عن یزید بن زريع،
وفي ٢/ ٢ عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عُبيد بن سعيد وشبابة بن سوار
خمستهم عن شعبة، عن قتادة ، عن أبي المليح ، عن أبيه .
وأخرجه (م ت) من حديث ابن عمر، وأخرجه أيضا البيهقي ،
والطبراني.
المسألة الرابعة في فوائده : من فوائده وجوب الطهارة للصلاة ، وأنه
لا تصح بدونها ، ولا فرق في ذلك بين صلاة الجنازة وغيرها ، خلافا لما
حكي عن الشعبي ، والطبري من أنهما أجازا صلاة الجنازة بلا طهارة ،
فإنه باطل ، لعموم هذا الحديث ، وإجماع العلماء على خلافه ، فلو
صلَّی محدثا متعمدا بلا عذر ، أثم ، ولا يكفر عند الجمهور . وحكي
عن أبي حنيفة أنه يكفر لتلاعبه .

- ٣٢٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
أما المعذور كمن لم يجد ماء ، ولا ما يقوم مقامه كالتراب : فالأقوى
دليلا وجوب الصلاة عليه بلا إعادة . أما الوجوب فلحديث (( وما
أمرتكم بأمر فافعلوا منه ماستطعتم )) رواه مسلم وغيره. وأما عدم
الإعادة فلأنها إنما تجب بأمر جديد ، والأصل عدمه ، وهو قول أحمد ،
واختاره المزني من الشافعية . ويجب عليه (١) أن يقتصر في صلاته على ما
لا تصح إلا به . وقيل : بوجوب الصلاة في الوقت ووجوب الإعادة عند
التمكن من الطهارة ، وهو مشهور مذهب الشافعية ، وقول لبعض
المالكية ، والمعتمد عندهم سقوط الصلاة أداء وقضاء ، وقيل باستحباب
الصلاة ، ووجوب القضاء . وقيل بحرمة الصلاة في الحال ووجوب
القضاء عند التمكن ، وبه قال أبو حنيفة، وقال أبو يوسف : يتشبه
بالمصلي ، فلا ينوي ، ولا يقرأ، ويركع ، ويسجد ويعيد الصلاة متى
قدر على إحدى الطهارتين . قاله في المنهل ج١ ص٢٠٩.
قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي وجوب الصلاة حالاً ، ولا إعادة
لقوة دليله ، كما ذكرناه ، والله أعلم.
المسألة الخامسة في مذاهب العلماء في وجوب الطهارة للصلاة :
قال النووي في شرح مسلم : وقد أجمعت الأمة على أن الطهارة
شرط في صحة الصلاة . قال القاضي عياض : واختلفوا متى فرضت
الطهارة للصلاة : فذهب ابن الجهم إلى أن الوضوء في أول الإسلام كان
سنة ، ثم نزل فرضه في آية التيمم .
وقال الجمهور : بل كان قبل ذلك فرضا . قال : واختلفوا في أن
الوضوء فرض على كل قائم إلى الصلاة ، أم على المحدث خاصة؟
(١) قوله ويجب أن يقتصر الخ: هذا لادليل عليه . فإذا أوجبنا عليه أن يصلي، فله أن يصلي
الصلاة بأركانها وواجباتها وسننها . فتنبه .