Indexed OCR Text

Pages 501-520

-٥٠١ -
٨٠ - باب حد الغسل - حديث رقم ٩٧
یوسف، عن مالك ((فدعا بماء)) وله وجه آخر (( فدعا بتور من ماء ))
بفوقية مفتوحة قدح أو إناء يشرب منه ، أو الطست ، أو شبه الطست ، أو
مثل القدر يكون من صفر أو حجارة .
وله طريق آخر عن عبد الله بن زيد («أتانا رسول الله عَ﴾، فأخرجنا له
ماء في تور من صفر )) بضم المهملة ، وقد تكسر : صنف من جيد
النحاس ، ويسمى أيضا الشَّبَه بفتح المعجمة والموحدة ، سمي بذلك لأنه
يشبه الذهب ، والتورُ المذکورُ هو الذي توضأ منه عبد الله بن زید إذ سئل
عن صفة الوضوء فيكون أبلغ في حكاية صورة الحال على وجهها .
(فأفرغ) أي صب ، يقال : أفرغ ، وفَرَّغ ، يعنى بالتشديد لغتان ،
حكاهما في المُحْكَم (على يديه) بالتثنية، وفي الباب الآتي ((فأفرغ على
يده اليمنى )) ( فغسل يديه) بالتثنية ، يعني كفيه ، وفي بعض روايات
الموطأ ((يده)) بالإفراد ، وهو مفرد مضاف ، فيعم اليدين جميعا .
( مرتين مرتين ) كذا في رواية مالك والبخاري بذكر المرتين ، وفي
رواية وهیب ، وسلیمان بن بلال عند البخاري ، ورواية الدراوردي عند
أبي نعيم ، ورواية خالد بن عبد الله عند مسلم ذكر الثلاث ، وعند أبي
داود من دون ذکر عدد.
والجمع بين هذه الروايات أن تحمل الرواية المطلقة على المقيدة ،
فيكون غسل مرتين أو ثلاثا ، والظاهر ترجيح الثلاث لقوتها بكثرة طرقها
المعوَّل عليها .
ولا يقال يحمل فعل المرتين والثلاث على واقعتين ، لأن المخرج
واحد، والأصل عدم تعدد الواقعة ، وقدذكر مسلم من طريق بهز ، عن
وهیب ، أنه سمع حديث الثلاث مرتین من عمرو بن يحيى إملاء ، فتأكد
ترجيح روايته ، أفاده الحافظ .

- ٥٠٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
( ثم تمضمض، واستنشق ثلاثا) ((ثم)) هنا للترتيب في الحكم،
خلافا لمن قال : إنها للترتيب في الإخبار ، ولمن قال : إنها بمعنى الواو ،
وفي رواية البخاري ((ثم تمضمض واستنثر)) والاستنثار يستلزم
الاستنشاق بلا عكس، وقد ذكر في رواية وهيب الثلاثة ، وزاد بعد قوله
((ثلاثا)) ((بثلاث غرفات))، واستدل به على استحباب الجمع بين
المضمضة والاستنشاق من كل غرفة ، وفي رواية خالد بن عبد الله ((
مضمض، واستنشق من كف واحد فعل ذلك ثلاثا )) وهو صريح في
الجمع كل مرة بخلاف رواية وهيب ، فإنه تطرقها احتمال التوزيع بلا
تسوية ، كما نبه عليه ابن دقيق العيد ، قاله الحافظ جـ١/ ص٣٤٩ .
(ثم غسل وجهه ثلاثا) لم تختلف الروايات في هذا ، ويلزم من
استدل بالحدیث على وجوب تعمیم الرأس بالمسح أن يستدل به على
وجوب الترتيب للإتيان بثم في الجميع لأن كلا من الحكمين مجمل في
الآية بينته السنة بالفعل ، قاله الحافظ ( ثم غسل يديه مرتين مرتين)
بالتكرار لئلا يتوهم أن المرتين لكلتا اليدين ، قال الولي العراقي : المنقول
في علم العربية أن أسماء الأعداد ، والمصادر والأجناس إذا کررت كان
المراد حصولها مكررة ، لا التأكيد اللفظي ، فإنه قليل الفائدة ، لا يحسن
حيث يكون للكلام محمل غيره .
مثال ذلك : جاء القوم ، اثنين ، اثنين ، أو رجلا ، رجلا ، وضربته
ضربًا ، ضربًا ، أي اثنين بعد اثنين ، ورجلا بعد رجل ، وضربًا بعد
ضرب ، وقال : هذا منه أي غسلهما مرتين بعد مرتين ، أي أفرد كل
واحدة منهما بالغسل مرتين .
قال الحافظ : لم تختلف الروايات عن عمرو بن يحيى في غسل
الیدین مرتين .

٥٠٣ -
٨٠ - باب حد الغسل - حديث رقم ٩٧
ولمسلم من طريق حَبَّان بن واسع ، عن عبد الله بن زيد ، أنه رأى
النبي ◌َّ توضأ، وفيه ((وغسل يده اليمنى ثلاثا، ثم الأخرى ثلاثا))، نقله
الزرقاني جـ١ / ص٤٤ .
وقال النووي رحمه الله في شرح مسلم : في هذا الحديث دلالة على
جواز مخالفة الأعضاء ، وغسل بعضها ثلاثا ، وبعضها مرتين ، وهذا
جائز ، والوضوء على هذه الصفة صحيح بلا شك ، ولكن المستحب
التثليث ، وإنما كانت مخالفته من النبي ◌ّ في بعض الأوقات بيانًا
للجواز، كما توضأ ◌َ مرة مرة في بعض الأوقات ، بيانا للجواز ، وكان
في ذلك الوقت أفضل في حقه عَّه، لأن البيان واجب عليه .
فإن قيل : البيان يحصل بالقول ، قلنا : بالفعل أوقع في النفوس ،
وأبعد من التأويل اهـ .
( إلى المرفقين) تثنية مرفق بكسر الميم وفتح الفاء ، وبفتح الميم وكسر
الفاء لغتان مشهورتان ، قاله الزرقاني ، وقال الحافظ : هو العظم الناتئ
في آخر الذراع ، وسمي بذلك لأنه يرتفق به في الاتكاء ونحوه .
وقد اختلف العلماء : هل يدخل المرفقان في غسل اليدين أم لا ؟
فقال المعظم : نعم ، وخالف في ذلك زفر ، وحكاه بعضهم عن مالك ،
واحتج بعضهم للجمهور بأن ((إلى)) في الآية بمعنى ((مع))، كقوله تعالى
﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾ [النساء: ٢] وتعقب بأنه خلاف
الظاهر ، وأجيب بأن القرينة دلت علیه وهي کون ما بعد «إلی)) من جنس
ما قبلها ، وقال ابن القصار : اليد يتناولها الاسم إلى الإبط لحديث عمار
أنه تيمم إلى الإبط، وهو من أهل اللغة ، فلما جاء قوله تعالى ﴿ إلى
المرافق﴾ [المائدة: ٦] بقي المرفق مغسولا مع الذراعين ، بحق الاسم ،
انتهى. فعلى هذا فـ((إلى)) هنا حد للمتروك من غسل اليدين لا

- ٥٠٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
للمغسول ، وفي كون ذلك ظاهرا من السياق نظر ، والله أعلم .
وقال الزمخشري : لفظ ((إلى)» يفيد معنى الغاية مطلقا ، فأما دخولها
في الحكم ، وخروجها فأمر يدور مع الدليل ، فقوله تعالى ﴿ ثم أتموا
الصيام إلى الليل﴾ [ البقرة: ١٨٧] دليل على عدم دخول النهي عن
الوصال ، وقول القائل : حفظت القرآن من أوله إلى آخره دليل على
الدخول كون الكلام مسوقا لحفظ جميع القرآن ، وقوله تعالى ﴿إلى
المرافق﴾ لا دليل فيه على أحد الأمرين، قال: فأخذ العلماء
بالاحتياط، ووقف زفر مع المتيقن ، انتهى .
قال الحافظ : ويمكن أن يستدل لدخولهما بفعله *، ففي الدار قطني
بإسناد حسن من حديث عثمان في صفة الوضوء (( فغسل يديه إلى
المرفقین حتی مس أطراف العضدین )) وفیه عن جابر قال : « کان رسول
الله عَّ إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه)» لكن إسناده ضعيف ، وفي البزار
والطبراني من حديث وائل بن حجر في صفة الوضوء (( وغسل ذراعيه
حتى جاوز المرفق )) وفي الطحاوي ، والطبراني من حديث ثعلبة بن
عباد، عن أبيه ، مرفوعا (( ثم غسل ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه))
فهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضًا .
قال إسحاق بن راهويه: ((إلى)) في الآية يحتمل أن تكون بمعنى الغاية،
وأن تكون بمعنى (( مع)) فبينت السنة أنها بمعنى ( مع)) انتهى ، وقد قال
الشافعي في الأم: لا أعلم مخالفا في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء،
فعلی هذا فزفر محجوج بالإجماع قبله ، و کذا من قال بذلك من أهل
الظاهر بعده ، ولم يثبت ذلك عن مالك صريحا وإنما حكى عنه أشهب
کلاما محتملا اه فتح جـ١ / ص٣٥٠.
قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي ما قاله الجمهور (١) للأحاديث
(١) وقد تقدم الكلام عليه في شرح حديث عثمان رضي الله عنه، حديث ٨٤ في المسألة السابعة.

٥٠٥ -
٨٠ - باب حد الغسل - حديث رقم ٩٧
المذكورة ، وكذا حديث مسلم عن أبي هريرة في صفة وضوء النبي ◌َ ﴾ قال
فيه : (( ثم غسل يديه حتى أشرع في العضد)) إلى أن قال: ((ثم غسل
رجليه حتى أشرع في الساق)) .
وقد تقدم أنه إن دلت قرينة على دخول الغاية عمل بها ، وههنا
القرينة فعل الرسول عليه، لأنه بيان للآية ، ولايقال : إنه توضأ ثلاثا ،
فيدل على وجوب التثليث أيضا ، لأنا نقول : إن ذلك خرج بالنصوص
التي دلت على أنه توضأ مرة مرة وغيرها ، والله أعلم .
(ثم مسح رأسه) زاد ابن الطباع (( كله)) ، وفي رواية سفيان الآتية
((برأسه)) بزيادة الباء ، وكذا في رواية خالد بن عبد الله كماقال الحافظ.
قال القرطبي : الباء للتعدية يجوز حذفها ، وإثباتها ، كقولك
مسحت رأس اليتيم ، ومسحت برأسه ، وقيل : دخلت الباء لتفيد معنى
آخر ، وهو أن الغسل لغة يقتضي مغسولا به ، والمسح لا يقتضي ممسوحا
به ، فلو قال : وامسحوا رؤوسكم لأجزأ المسح باليد بغير ماء ، فكأنه
قال: وامسحوا برؤسكم الماءَ فهو على القلب ، والتقدير : امسحوا
رؤسكم بالماء .
وقال الشافعي : احتمل قوله تعالى : ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾
جميع الرأس ، أو بعضه ، فدلت السنة على أن بعضه يجزئ ، والفرق
بينه وبين قوله تعالى ﴿فامسحوا بوجوهكم﴾ في التيمم : أن المسح فيه
بدل عن الغسل ، ومسح الرأس أصل ، فافترقا ، ولا يرد كون مسح
الخف بدلا عن غسل الرجل ، لأن الرخصة فيه ثبتت بالإجماع .
فإن قيل : فلعله اقتصر على مسح الناصية لعذر ، لأنه كان في سفر ،
وهو مظنة العذر ، ولهذا مسح على العمامة بعد مسح الناصية ، كما هو
ظاهر من سياق مسلم في حديث المغيرة بن شعبة : قلنا : قد روي عنه
أ

-٥٠٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
مسح مقدم الرأس من غير مسح على العمامة ، ولا تعرض لسفر ، وهو
ما رواه الشافعي من حديث عطاء ، أن رسول الله عليه توضأ فحسر العمامة
عن رأسه ، ومسح مقدم رأسه . وهو مرسل لكنه اعتضد بمجیئه من وجه
آخر موصولا ، أخرجه أبو داود من حديث أنس ، وفي إسناده أبو
معقل، لا يعرف حاله ، فقد اعتضد كل من المرسل والموصول بالآخر
وحصلت القوة من الصورة المجموعة ، وهذا مثال لماذكره الشافعي من أن
المرسل يعتضد بمرسل آخر ، أومسند ، وظهر بهذا جواب من أورد أن
الحجة حينئذ بالسند ، فیقع المرسل لغوا ، وقد قررت(١) جواب ذلك فيما
كتبته على علوم الحديث لابن الصلاح ، وفي الباب أيضا عن عثمان في
صفة الوضوء قال: (( ومسح مقدم رأسه )) أخرجه سعيد بن منصور ،
وفيه خالد بن یزید بن أبي مالك مختلف فيه .
وصح عن ابن عمر الاكتفاء بمسح بعض الرأس ، قاله ابن المنذر
وغيره ، ولم يصح عن أحد من الصحابة إنكار ذلك ، قاله ابن حزم ،
وهذا كله مما يقوي به المرسل المتقدم ذكره ، والله أعلم اهـ فتح ١/ ٣٥١.
وقال الزرقاني : وأخرج ابن خزيمة عن إسحاق بن عيسى بن الطباع
قال : سألت مالكًا عن الرجل يمسح مقدم رأسه في وضوئه أيجزيه ذلك؟
فقال : حدثني عمرو بن يحيى ، عن أبيه ، عن عبد الله بن زيد قال :
«مسح رسول الله ﴾ في وضوئه من ناصيته إلى قفاه ثم رد يديه إلي
ناصيته فمسح رأسه كله)) فإن كان لفظ الآية محتملاً مسح الكل فالباء
زائدة ، أو البعض فتبعيضية ، فقد تبين بفعله ،مع أن المراد الأول ، ولم
ينقل عنه أنه مسح بعض رأسه إلا في حديث المغيرة أنه مسح على
ناصيته، وعمامته ، رواه مسلم ، قال علماؤنا : -يعني المالكية- ولعل
ذلك كان لعذر بدليل أنه لم يكتف بمسح الناصية ، حتى مسح على
(١) القائل : وقد قررت الخ هو الحافظ رحمه الله.
:

٨٠ - باب حد الغسل - حديث رقم ٩٧
٥٠٧ -
العمامة إذ لو لم يكن مسح كل الرأس واجبًا ما مسح على العمامة ،
واحتجاج المخالف بما صح عن ابن عمر من الاكتفاء بمسح مقدم الرأس
ولم يصح عن أحد من الصحابة إنكار ذلك ، لا ينهض إذ المختلف فيه لا
يجب إنكاره ، وقول ابن عمر لم يرفعه ، فهو رأي له فلا يعارض المرفوع
اهـ کلام الزرقاني ج١/ص٤٥ .
قال الجامع : وقد مر في حديث عثمان رضي الله عنه أن الراجح
وجوب التعميم ، فتنبه . والله أعلم .
( بيديه) بالتثنية ( فأقبل بهما وأدبر) قال عياض : قيل : معناه أقبل
إلى جهة قفاه ، ورجع كما فسر بعده ، وقيل : المراد: أدبر ، وأقبل ،
والواو لا تعطي ترتيبا ، قال : وهذا أولى ، ويعضده رواية وهيب في
البخاري ، فأدبر بهما ، وأقبل ، وفي مسلم (( مسح رأسه كله ، وما
أقبل، وما أدبر وصدغيه)) اهـزرقاني ، وفي المنهل: قد اختلف في كيفية
الإقبال والإدبار ، على ثلاثة أقوال :
الأول : أن يبدأ بمقدم رأسه الذي يلي الوجه فيذهب إلى القفا ، ثم
يردهما إلى المكان الذي بدأ منه ، وهو مبتدأ الشعر من حد الوجه ، هذا
هو ظاهر قوله ((بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه)) الخ، وهو مذهب
مالك ، والشافعي ، وفيه أن هذه الصفة تخالف ظاهر قوله (( فأقبل بهما،
وأدبر)) لأن ذهابه إلى جهة القفا إدبار، ورجوعه إلى جهة الوجه إقبال ،
وأجيب بأجوبة:
منها : أن الواو لا تقتضي الترتيب ، فالتقدير: أدبر ، وأقبل ، يدل
عليه قوله (( بدأ بمقدم رأسه)) الخ وما رواه البخاري عن عبد الله بن زيد ،
وفيه (( ثم أخذ بيده ماء ، فمسح به رأسه ، فأدبر به وأقبل)).
ومنها: أن الإقبال والإدبار من الأمور الإضافية التي تُنسب إلى ما
!

- ٥٠٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
يُقْبَل إليه ويُدبَر عنه، والمؤخر محل يمكن أن ينسب إليه الإقبال ،
والإدبار.
ومنها : حمل قوله ((أقبل)) على البداءة بالقبل، ((وأدبر)) على
البداءة بالدبر، فيكون من باب تسمية الفعل بابتدائه ، وهو أحد قولين
للأصوليين في تسمية الفعل هل يكون بابتدائه أو انتهائه .
القول الثاني : أنه يبدأ بمؤخر رأسه ، ويمر إلى جهة الوجه ، ثم يرجع
إلى المؤخر محافظة على ظاهر لفظ ((أقبل ، وأدبر)) فالإقبال إلى مقدم
الوجه ، والإدبار إلى ناحية المؤخر .
وقد وردت هذه الصفة في الحديث الصحيح أنه عمه ((بدأ بموخر رأسه))
لكن يَرُدُّ هذه الصفة قوله ((بدأ بمقدم رأسه)» الذي ذُكر بيانا للإقبال
والإدبار ، ويحمل حديث البداءة بالمؤخر على تعدد الحالات لبيان
الجواز، على أن حديث البداءة بالمقدم أكثر وأصح إسنادًا من حديث
البداءة بالمؤخر كما ذكره الترمذي .
القول الثالث : أنه بدأ بالناصية ، ويذهب إلى ناحية الوجه ، ثم
يذهب إلى جهة مؤخر الرأس ، ثم يعود إلى ما بدأ منه ، وهو الناصية ،
ولعل قائل هذا قصد المحافظة على قوله ((بدأ بمقدم رأسه)) مع المحافظة
أيضا على ظاهر لفظ ((أقبل، وأدبر)) لأنه إذا بدأ بالناصية صدق أنه بدأ
مقدم رأسه ، وصدق أنه أقبل أيضا ، لأنه ذهب إلى ناحية الوجه ، وهو
القبل ، ويرده أيضا قوله (( بدأ بمقدم رأسه)) الخ فإنه جعله بادئا بالمقدم،
إلى غاية الذهاب إلى قفاه ، ومقتضى الصفة الثالثة أنه بدأ بمقدم الرأس
غير ذاهب إلى قفاه ، بل إلى ناحية وجهه ، أفاده ابن دقيق العيد ،
والظاهر أن هذا من العمل المخير فيه ، وأن المقصود من ذلك تعميم
الرأس بالمسح .

٥٠٩ -
٨٠ - باب حد الغسل - حديث رقم ٩٧
وقال النووي : قوله (( ثم يمسح رأسه بيديه)) الخ ، هذا هو المستحب
باتفاق العلماء ، فإنه طريق إلى استيعاب الرأس ووصول الماء إلى جميع
شعره ، قال أصحابنا : وهذا الرد إنما يستحب لمن كان له شعر غير
مضفور ، أما من لا شعر على رأسه ، أو كان شعره مضفورا ، فلا
يستحب له الرد إذ لا فائدة فيه ، وليس في هذا الحديث دلالة لوجوب
استيعاب الرأس بالمسح ، لأن الحديث ورد في كمال الوضوء لا فيما لابد
منه اهـ باختصار .
والتفرقة بين من له شعر ، وبين من لا شعر له لم نقف على ما يؤيده
من الأحاديث ، فالظاهر عدم التفرقة ، وتقدم الخلاف في ذلك وأن
المذهب القوي ، وجوب استيعاب المسح، اهـ ما في المنهل جـ٢/ ص ٤٥ .
( بدأ ) أي ابتدأ ( بمقدم رأسه ) بفتح الدال مشددة ، ويجوز کسرها
والتخفيف ، وكذا مؤخر قاله الزرقاني ، والذي في المصباح : ومُؤخر
العين ساكن الهمزة : ما يلي الصَّدْغ ، ومُقْدمها بالسكون : طرفها الذي
يلي الأنف ، قال الأزهري : مؤخر العين ، ومقدمها بالتخفيف لا غير ،
وقال أبو عبيدة : مؤخر العين الأجود فيه التخفيف ، فأفهم جواز التثقيل
على قلة ، ومُؤَخَّر كل شيء بالتثقيل والفتح خلاف مُقَدَّمه . اهـ .
وفي اللسان : ومُؤَخَّر كل شيء بالتشديد خلاف مُقَدَّمه ، يقال :
ضربت مُقَدَّم رأسه ومُؤَخَّرَه ، وآخرةُ العين ومُؤخرُها ومُؤْخرَتَها : ما
ولي اللِّحَاظ ، ولا يقال : كذلك إلا في مُؤْخر العين ، ومُؤْخر العين مثل
مُؤْمن : الذي يلي الصُّدْغ، ومُقْدمها : الذي يلي الأنف ، يقال : نظر
إليه بُؤْخر عينه ، وبُمُقْدم عينه ، ومُؤْخر العين ومُقْدمها جاء في العين
بالتخفيف خاصة . اهـ .
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أنه يستفاد من عبارة المصباح ،

- ٥١٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
واللسان أن مُقَدَّم الرأس ، ومُؤَخَّره بالتثقيل فقط ، لا كما يقول الزرقاني
من جواز التخفيف ، لأن ذلك خاص بُمُؤْخر العين ومُقْدمها ، فتفطن .
وقوله : (( بدأ بمقدم رأسه)) الخ ، بيان لقوله : فأقبل بهما وأدبر ،
ولذلك لم تدخل الواو عليه . قاله العيني جـ ٢/ ص٣٧٥ .
(ثم ذهب بهما) أي باليدين ( إلى قفاه) بالقصر : مؤخر العنق ،
وألفها واو ، والعرب تؤنئها ، والتذكير أعم ، قاله الأزهري ، وقال ابن
سيدَهْ : القفا وراء العنق أنثى ، وقال اللحياني : القفا يذكر ويؤنث ،
وحكي عن عُكْل : هذه قفاه بالتأنيث ، وحكى ابن جني المد في القفا
وليست بالفاشية ولهذا جمع على أقفيه ، أفاده في اللسان .
وفي المصباح : وجمعه على التذكير أقفية ، وعلى التأنيث أقْفَاء ،
مثل أرجاء ، قاله ابن السراج، وقد يجمع على قُفيّ ، والأصل مثل
فلوس ، وعن الأصمعي أنه سمع ثلاث أقف ، قال الزجاج : التذكير
أغلب ، وقال ابن السكيت : القفا مذكر ، وقد يؤنث ، وألفه واو ،
ولهذا يثنى قَفَوَين . اهـ .
(ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه ) ليستوعب جهتي
الشعر بالمسح ، والمشهور عند من أوجب التعميم أن الأولى واجبة
والثانية سنة .
وقال الحافظ: الظاهر أن قوله ((بدأ بمقدم رأسه)) الخ، من الحديث
، وليس مدرجا من كلام مالك ، ففيه حجة على من قال : السنة أن يبدأ
بمؤخر الرأس إلى أن ينتهي إلى مقدمه لظاهر قوله: ((أقبل))، و((أدبر))،
ويرد عليه أن الواو لا تقتضي الترتيب ، وفي رواية للبخاري ((فأدبر
بيديه، وأقبل)) فلم يكن في ظاهره حجة لأن الإقبال ، والإدبار من
الأمور الإضافية ، ولم يعين ما أقبل إليه ، ولا ما أدبر عنه ، ومخرج

- ٥١١ -
٨٠ - باب حد الغسل - حديث رقم ٩٧
الطريقين متحد ، فهما بمعنى واحد ، وعينت رواية مالك البداءة بالمقدم،
فيحمل قوله ((أقبل)) على أنه من تسمية الفعل بابتدائه ، أي بدأ بقبل الرأس
اهـ فتح جـ١ / ص٣٥١ .
وقال ابن عبد البر: روى ابن عيينة هذا الحديث ، فذكر فيه مسح
الرأس مرتين ، وهو خطأ ، لم يذكره أحد غيره وقال : وأظنه تأوله على
أن الإقبال مرة ، والإدبار أخرى ، اهـ زرقاني جـ١ / ص ٤٥-٤٦.
قلت : وهذه الرواية تأتي في الباب ٨٢ إن شاء الله تعالى.
( ثم غسل رجليه) زاد في رواية وهيب عند البخاري (( إلى الكعبين))
والبحث فيه كالبحث في قوله ((إلى المرفقين)).
والمشهور أن الكعب : هو العظم الناشز عند مُلتَقَى الساق والقدم ،
وحكَى محمد بن الحسن عن أبي حنيفة أنه العظم الذي في ظهر القدم عند
معقد الشراك .
وروي عن ابن القاسم عن مالك مثله ، والأول هو الصحيح الذي
يعرفه أهل اللغة ، وقد أكثر المتقدمون من الرد على من زعم ذلك ، ومن
أوضح الأدلة فيه حديثُ النعمان بن بشير الصحيح في صفة الصف في
الصلاة : فرأيت الرجل منا يُلزق كعبه بكعب صاحبه ، وقيل إن محمدًا
إنما رأى ذلك في حديث قطع المحرم الخفين إلى الكعبين إذا لم يجد
النعلين اهـ فتح جـ١/ص٣٥١ .
وقد رد البدر العيني ما قال الحافظ : بأن هذه الحكاية لم تنقل عن أبي
حنيفة أصلا ، بل نقلت عن محمد نفسه ، وهو أيضا نقل غلط و لأنه فسر
به حديث المحرم ((إذا لم يجد النعلين ، فيلبس الخفين، وليقطعهما
بأسفل الكعبين)) لا أنه فسر به آية الوضوء . والله تعالى أعلم ، وهو
المستعان ، وعليه التكلان .

- ٥١٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
مسائل تتعلق بحديث الباب
الأولى : في درجته : حديث الباب متفق عليه .
الثانية : فيمن أخرجه : حديث عبد الله بن زيد أخرجه الجماعة.
فأما المصنف : فأخرجه هنا ٨٠ ، عن محمد بن سلمة ، والحارث بن
مسکین ، كلاهما عن ابن القاسم ، عن مالك ، عن عمرو بن یحیی ،
عن أبيه ، عن عبد الله بن زيد رضي الله عنه .
وفي ٨١ وفي الكبرى ٧٤/ ١٠٣ عن عتبة بن عبد الله اليحمدي، عن
مالك به .
وفي ٨٢ ، عن محمد بن منصور ، عن سفيان عن عمرو به .
وأما البخاري : فأخرجه في الطهارة عن عبد الله بن يوسف ، عن
مالك ، وعن موسى بن إسماعيل ، وسليمان بن حرب كلاهما عن
وهیب ، وعن خالد بن مخلد ، عن سليمان بن بلال ، وعن مسدد ، عن
خالد بن عبد الله ، وعن أحمد بن يونس ، عن عبد العزيز بن أبي سلمة
الماجشون : خمستهم عن عمرو بن یحیی به .
وأما مسلم: فأخرجه في الطهارة عن محمد بن الصباح ، عن خالد
ابن عبد الله به .
وعن القاسم بن زكريا ، عن خالد بن مخلد به ، وعن إسحاق بن
موسى ، عن معن ، عن مالك به ، وعن عبد الرحمن بن بشر بن الحكم،
عن بهز بن أسد ، عن وهیب به .
وأما أبوداود: فأخرجه فيه : عن مسدد به ، وعن القعنبي ، عن
مالك به ، وعن الحسن بن علي ، عن أبي الوليد ، وسهل بن حماد ،
كلاهما عن عبد العزيز بن الماجشون به .

٠ ٥١٣ -
٨٠ - باب حد الغسل - حديث رقم ٩٧
وأما الترمذي : فأخرجه في الطهارة عن إسحاق بن موسى
الأنصاري، به مختصرا (( مسح رأسه بيديه ، فأقبل بهما ، وأدبر)) بهذه
القصة (( ثم غسل رجليه)) ، وعن ابن أبي عمر عن سفيان ، عن عمرو بن
یحیی به مختصرا ، وعن یحیی بن موسی ، عن إبراهيم بن موسى ، عن
خالد بن عبد الله الطحان به مختصرا .
وأما ابن ماجه : فأخرجه في الطهارة أيضا عن الربيع بن سليمان ،
وحرملة بن يحيى كلاهما عن محمد بن إدريس الشافعي ، عن مالك به
بتمامه ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن أحمد بن عبد الله بن يونس ،
عن الماجشون به، مختصرا ، وعن علي بن محمد ، عن زيد بن الحباب،
عن خالد بن عبد الله به مختصرا ، أفاده الحافظ المزي في تحفته
جـ ٤/ ص٣٤٣.
المسألة الثالثة : من فوائد الحديث :
غسل اليدين قبل شروعه في الوضوء مرتين أو ثلاثا ، والمضمضة ،
والاستنشاق ثلاثا بثلاث غرفات ، وغسل الوجه ثلاث مرات ، وليس
فيه خلاف ، وغسل اليدين إلى المرفقين مرتين ، وهو الذي بوب علیه
المصنف ، ومسح الرأس مستوعبا ، وبداءة المسح بمقدم الرأس ، وغسل
الرجلين إلى الكعبن .
وفيه جريان التلطف بين الشيخ وتلميذه ، في قوله : هل تستطيع أن
تريني الخ.
وجواز الاستعانة في إحضار الماء من غير كراهة ، وفيه التعليم بالفعل
لأنه أبلغ ، وأن الاغتراف من الماء القليل لا يصير الماء مستعملا ، لأن في
رواية وهيب وغيره («ثم أدخل يده »، وفيه الاقتصار على مرة واحدة في
مسح الرأس . والله تعالى أعلم .
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت ، وإليه أنيب .

- ٥١٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
٨١ - بَابُ صِفَة مَسْجَ الرَّأس
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على كيفية مسح الرأس .
قال في اللسان : والمسح : إمرارك يدك على الشيء السائل ، أو
المتلطخ ، تريد إذهابه بذلك ، كمسحك رأسك من الماء ، وجبينك من
الرشح . اهـ .
وفي المصباح : مسحت الشيء بالماء مسحًا : أمررت اليد عليه ، قال
أبو زيد : المسح في كلام العرب يكون مسحًا ، وهو إصابة الماء ، ويكون
غسلا ، يقال : مسحت يدي بالماء إذا غسلتها ، وتمسحت بالماء إذا
اغتسلت اهـ .
والرأس : عضو معروف ، وهو مذکر ، وجمعه أرؤس ، ورؤوس،
مهموز في أكثر لغاتهم إلا بني تميم فإنهم يتركون الهمز لزومًا اهـ
المصباح.
وفي اللسان : ورأس كل شيء أعلاه ، والجمع في القلة : أرؤس،
وآراس، على القلب ، ورؤوس في الكثير ، ولم يقلبوا هذه ، ورؤس ،
الأخیرة على الحذف اهـ .
٩٨ - أخبَرَنَا عُثْبَةُ بنُ عبد اللَّهِ، عَنْ مَالِكِ، هُوَ ابْنُ أَنَسٍ، عَنْ
عَمْرِو بْنِ يَحْتَى ، عَنْ أَبِهِ، : أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ
عَاصِمٍ ، وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْبَى: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي
كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّه ◌َ يَوَضَّأُ؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ :
نَعَمْ ، فَدعَا بِوَضُوءٍ ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدِهِ الْيُمْنَى، فَغَسَلَ يَدَيْهِ

٥١٥ -
٨١ - باب صفة مسح الرأس - حديث رقم ٩٨
مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ مَضْمَضَ ، وَاسْتَنْشَقَ ثَلاَثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ
ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَتَيْنِ مَرَتَيْنِ إِلَى المرْفَقَينِ ، ثُمَّ مَسَحَ
رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ ، بَدَأ ◌ُقَدَّمَ رَأْسِهِ، ثُمَّذَهَبَ
بِهِمَا إِلَى قَفَهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى المكَانِ الَّذِي بَدَّأَ
مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ .
رجال الإسناد : خمسة
كلهم تقدموا في الباب الماضي إلا عتبة بن عبد الله .
وهو عتبة بن عبد الله بن عتبة اليُحْمدي ، بضم التحتانية ، الأزدي
أبو عبد الله المروزي، روى عن مالك، وابن المبارك ، وابن عيينة ،
والفضل بن موسى ، وأبي غانم يونس بن نافع ، وسعيد بن سالم
القداح، وغيرهم ، وعنه النسائي ، وابن خزيمة ، ومحمد بن علي
الحكيم الترمذي ، وإسحاق بن إبراهيم البستي ، وأبو رجاء حاتم بن
محمد بن حاتم ، وأبو رجاء محمد بن حمدويه المروزي ، والحسن بن
سفيان ، وجماعة .
قال النسائي : ثقة ، وقال في موضع آخر : لا بأس به ، وذكره ابن
حبان في الثقات.
قال ابن حمدويه : مات سنة ٢٤٤ ، قلت : وقال مسلمة : مروزي
ثقة . وفي ((ت)) صدوق من العاشرة ، انفرد به المصنف .
شرع الحديث
مضى في الباب السابق .
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله علي
تو کلت، وإليه أنيب .

- ٥١٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
٨٢ - عَدَدُ مَسْجَ الرَّأس
الظاهر من صنيع المصنف أنه لا يرى تعدد مسح الرأس ، حيث إنه
ذکر حدیث سفيان الذي حكموا بخطائه ، فكأنه يقول : لا يثبت في تعدد
مسح الرأس حديث ، بل الأحاديث الصحيحة ليس فيها ذكر العدد ، فلا
ينبغي تكراره .
٩٩ - أخبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ منْصُور، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عن عَمْرو
أبْنِ يَحْتَى ، عَنْ أِبِهِ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ الذِي أُرِيَ النِّدَاءَ
قَالَ : رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ ه تَوَضَا، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثًا ،
ويَدَيْهِ مَرََّّيْنِ ، وَسَلَ رِجْلَيْهِ مَرَتَيْنِ ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ
مرتين.
رجال الإسناد : خمسة
كلهم تقدموا في السند السابق إلا اثنين :
١ - (محمد بن منصور) بن ثابت بن خالد الخزاعي ، أبوعبد الله
الجَوَّاز المكي ، روى عن سفيان بن عيينة ، ومروان بن عيينة ، والوليد بن
مسلم ، وأبي سعيد مولى بني هاشم ، وزيد بن الحباب ، ومعاذبن
هشام، ويعقوب بن محمد الزهري ، وبشر بن السري ، وعبد الملك بن
إبراهيم الجُدِّيّ ، وغيرهم.

٥١٧-
٨٢ - عدد مسح الرأس - حديث رقم ٩٩
روی عنه النسائي ، وروى أيضا عن زكريا السجزي عنه ، وأبو حاتم
الرازي ويعقوب بن شيبة ، وعلي بن عبد العزيز ، وعبد الله بن صالح
البخاري ، وأحمد بن علي الأبّار ، وإبراهيم بن موسى ، وزكريا ابن
يحيى الساجي ، وأبو بشر الدولابي ، والمفضل بن محمد الجندي ،
ویحیی بن محمد بن صاعد ، وآخرون .
قال الدار قطني : ثقة ، وذكره ابن حبان في الثقات ، قال أبو بشر
الدولابي : مات سنة ٢٥٢ ، قال الحافظ : وقال النسائي في مشيخته :
ثقة، انفرد به المصنف ، وفي ((ت)) ثقة [١٠] وتقدم في ٢٠/ ٢١ .
٢ - (سفيان) بن عيينة ، أبو محمد الهلالي ، مولاهم الكوفي ، نزيل
مكة ، ثقة ثبت حجة ، فقيه إمام من كبار [٧] تقدم في ١/ ١.
قوله ( عبد الله بن زید الذي أري النداء) هكذا في رواية سفيان أن
عبد الله هذا هو الذي أريَ النداء ، وأجمعوا على تخطئة سفيان فيه ،
وممن خطأه المصنف قال: في كتاب الاستسقاء في (خروج الإمام إلى
المصلَّى للاستسقاء) ما نصه : قال أبو عبد الرحمن : هذا غلط من ابن
عيينة ، وعبد الله بن زید الذي أري النداء هو عبد الله بن زید بن عبد
ربه ، وهذا عبد الله بن زيد بن عاصم اهـ جـ ٣/ ص١٥٥ .
ومنهم البخاري : قال : في ( باب تحويل الرداء في الاستسقاء) ما
نصه قال أبو عبد الله : كان ابن عيينة يقول : هو صاحب الأذان ، ولكنه
وهم ، لأن هذا عبد الله بن زيد بن عاصم المازني ، مازن الأنصار ، اهـ .
قال الحافظ : وقد اتفقا في الاسم، واسم الأب والنسبة إلى
الأنصار، ثم الخزرج ، والصحبة والرواية ، وافترقا في الجد والبطن
الذي من الخزرج ، لأن حفید عاصم من مازن ، وحفید عبدربه من
بلحارث بن الخزرج اهـ جـ٢/ ص٥٨١ .

- ٥١٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وقد تقدم ترجمة عبد الله بن زيد بن عاصم، في باب ((حد الغسل)).
وأما عبد الله بن زيد الذي أُري الأذان ، فهو عبد الله بن زيد بن
عبد ربه بن ثعلبة بن زيد بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الخزرجي ، أبو
محمد المدني ، وقيل في نسبه غير ذلك ، شهد العَقَبة ، وبدرا ،
والمشاهد، وهو الذي أري النداء للصلاة في النوم ، وكانت رؤياه في
السنة الأولى بعد بناء المسجد، روى عن النبي ﴾.
وعنه ابنه محمد ، وابن ابنه عبد الله بن محمد على خلاف فيه ،
وسعيد بن المسيب ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، وقيل : لم يسمع منه ،
وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، قال الترمذي ، عن البخاري : لا
يعرف له إلا حديث الأذان ، وقال يحيى بن بكير ، وخليفة ، وغير
واحد: مات سنة ٣٢ ، زاد يحيى وسنّهُ ٦٤ .
قال الحافظ : وقال ابن عدي : لا نعرف له شیئا يصح عن النبي ◌ّ إلا
حديث الأذان ، انتهى ، وهذا يؤيد كلام البخاري ، وهو المعتمد ، وقد
وجدت له أحاديث غير الأذان جمعتها في جزء، واغتر الأصفهاني
بالأول فجزم به ، وتبعه جماعة ، فوهموا .
وقال الحاكم : الصحيح أنه قتل بأحد ، والروايات عنه كلها منقطعة،
كذا قال ، وفي ترجمة عمر بن عبد العزيز من الحلية بسند صحيح ، عن
عبيد الله بن عمر العمري ، قال : دخلت ابنة عبد الله بن زيد بن عبد ربه
على عمر بن عبد العزيز ، فقالت : أنا ابنة عبد الله بن زيد، شهد أبي
بدرًا، وقتل بأحد ، فقال : سليني ما شئت، فأعطاها . اهـ تهذيب
التهذیب جه/ ص٢٢٤ .
قال الجامع عفا الله عنه: شرح الحديث واضح مما سبق وقوله: (ومسح
برأسه مرتين) قال البيهقي : هكذا في مسح الرأس مرتين ، وقد خالفه -

٨٢ - عدد مسح الرأس - حديث رقم ٩٩
٥١٩-
يعني سفيان - مالك ، ووهيب ، وسليمان بن بلال ، وخالد الواسطي ،
وغيرهم، فرووه عن عمرو بن يحيى في مسح الرأس، إلا أنه قال : أقبل
وأدبر اهـ السنن الكبرى جـ١ / ص٦٤ .
وقال ابن عبد البر : روى ابن عيينة هذا الحديث ، فذكر فيه مسح
الرأس مرتين ، وهو خطأ لم يذكره أحد غيره ، وقال : وأظنه تأوله على
أن الإقبال مرة ، والإدبار أخرى ، اهـ نقله الزرقاني في شرحه على الموطأ
جـ١ / ص٤٦ . والله أعلم سبحانه وتعالى أعلم، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بحديث الباب
الأولى : في درجته : هذا الحديث ضعيف للمخالفة المذكورة ،
وحاصلها ، أن سفيان وقع له مخالفة للأكثرين في هذا الحديث سنداً
ومتنا، أما سنداً ففي قوله : الذي أري النداء ، وأما متنًا ففي قوله :
وغسل رجليه مرتين ، ومسح برأسه مرتين ، فأما الأول ، والثالث ،
فصرحوا بتغليطه ، وأما الثاني فلم أر من صرح به ، والظاهر أنه كذلك ،
لأن غيره رواه إما مطلقًا ، وإما مقيدًا بالثلاث ، والله أعلم.
الثانية : في مذاهب العلماء في حكم تكرار مسح الرأس :
قال الإمام النووي رحمه الله : مذهب الشافعي ، وأصحابه رضي
الله عنهم استحباب الثلاث ، وهو مذهب داود ، ورواية عن أحمد ،
وحكاه ابن المنذر عن أنس بن مالك ، وسعيد بن جبير ، وعطاء ،
وزاذان، وميسرة رضي الله عنهم ، وحكى ابن المنذر وأصحابنا عن ابن
سيرين أنه قال : يمسح رأسه مرتين .
وقال أکثر العلماء : إنما یسن مسحة واحدة ، هكذا حكاه عن أکثر
العلماء الترمذي وآخرون ، قال ابن المنذر : وممن قال به : عبد الله بن
عمر ، وطلحة بن مصرف ، والحكَم ، وحماد ، والنخعي ، ومجاهد ،

- ٥٢٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وسالم بن عبد الله ، والحسن البصري ، وأصحاب الرأي ، وأحمد ،
وأبو ثور رضي الله عنهم ، وحكاه غير ابن المنذر عن غيرهم أيضًا ، وهو
مذهب مالك ، وأبي حنيفة ، وأصحابهما ، وسفيان الثوري، وإسحاق
ابن راهويه ، واختاره ابن المنذر .
فأما ابن سيرين فاحتج له بحديث الربيع بنت معوذ (( أن النبي ﴾مسح
رأسه مرتین )) ، وعن عبد الله بن زيد مثله .
وأما القائلون بمسحة واحدة : فاحتجوا بالأحاديث الصحيحة
المشهورة في الصحيحين وغيرهما ، من روايات جماعات من الصحابة
في صفة وضوء رسول الله عَ﴾(« أنه مسح رأسه مرة واحدة، مع غسله بقية
الأعضاء ثلاثًا ثلاثًا )) .
منها : رواية عثمان ، وابن عباس ، وعبد الله بن زيد رضي الله
عنهم، وروي ذلك أيضا من رواية عبد الله بن أبي أوفى ، وسلمة بن
الأكوع ، والربيع بنت معوذ، وغيرهم، وقد قال أبو داود في سننه
وغيره من الأئمة : الصحيح في أحاديث عثمان ، وغيره مسح الرأس
مرة، وقد سَلَّم لهم البيهقي هذا واعترف به ، ولم يُجب عنه ، مع أنه
المعروف بالانتصار لمذهب الشافعي رضي الله عنه .
قالوا : ولأنه مسح واجب ، فلم یسن تكراره کمسح التيمم والخف ،
ولأن تكراره يؤدي إلى أن يصير المسح غسلاً ، ولأن الناس أجمعوا قبل
الشافعي على عدم التكرار ، فقوله خارق للإجماع .
واحتج الشافعي وأصحابه بأحاديث وأقيسة :
أحدها : وهو الذي اعتمده الشافعي ، حديث عثمان رضي الله عنه
(((أن النبي﴾توضأ ثلاثا ثلاثا)) رواه مسلم، ووجه الدلالة منه أن قوله:
((توضأ)) يشمل المسح والغسل ، وقد منع البيهقي وغيره الدلالة من هذا،