Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ - ٦٠ - باب النية في الوضوء - حديث رقم ٧٥ فأيُّ كمال المقدرُ ، فالقول بتقديره كالإحالة على مجهول ، مع أن الكمال ليس بملازم لجميع الأفعال ، والحديث عام لجميعها بخلاف الصحة ، فهي شيء واحد ملازم لكل ما يُسقط التكليف ، وهي ترتب الآثار ، فعرفت أن تقدیر الكمال غیر صحیح هنا ولا ملجئ إليه إلا الدليل الناهض كما نهض على تقديره في حديث (( لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)) إن ثبت، وذلك أنه ثبت ((صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته ، وصلاته في سوقه خمسا وعشرين درجة )) الحديث عند أحمد ، والشيخين من حديث أبي هريرة . وقول الشارح المحقق ( يعني ابن دقيق العيد ) إن من لم يشترط النية يُقَدِّر الكمال ، فيه بحث ، لأنا لا نعلم قائلا يقول : إنها لا تشترط النية في شيء من الأعمال حتى يقدر في جميعها الكمال ، إنما وقع الخلاف في مسائل ، وفروع من العبادات ، وإلا فالكل يتفقون على شرطيتها في مواضع من المسائل مع أن من لم يشترطها في بعض المواضع لا يقدر الكمال فيها ، وحينئذ لا يتم له تقدير الكمال هنا ، لأن هذا الحديث عام لكل عمل كما عرفت ، ومن الأعمال ما هي شرط في صحته عنده فلا يتم هذا الإطلاق إلا أن يثبت أن قائلا يقول : لا تشترط النية في عمل من الأعمال ، ولا أظنه يوجد من يقول هذا ، إلا أن يكون مراده أن من لازم كل عمل النية وأن شرطيتها لغو لأنها أمر لابد منه ، كما قال بعض المتأخرين : إنه لو كلف بعمل بلانية لكان من تكليف ما لا يطاق ، على أن هذا لا يتم به حمل الحديث على الكمال ، بل يقول : الحديث أتى لطلب أن يكون باعث النية ابتغاء رضى الله تعالى ، ولا تقدر صحة ، ولا كمال ، فالكلام صادق عنده ، لأنه لا يوجد عمل إلا بنية . اهـ كلام الصنعاني في العدة جـ١ / ص٧٢ -٧٤ . المسألة الثالثة عشرة : قال الحافظ رحمه الله : الأعمال تقتضي عاملين ، والتقدير الأعمال : 1 ! - ٢٤٢ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة الصادرة من المكلفين ، وعلى هذا هل تخرج أعمال الكفار ؟ الظاهر الإخراج لأن المراد بالأعمال أعمال العبادة وهي لا تصح من الكافر ، وإن كان مخاطبا معاقبا على تركها ، ولا يرد العتق والصدقة لأنهما بدليل آخر اهـ فتح جـ١/ ص١٩ . المسألة الرابعة عشرة: قال الحافظ أيضا : الظاهر أن الألف واللام في النيات معاقبة للضمير، والتقدير الأعمال بنياتها ، وعلى هذا فيدل على اعتبار نية العمل من كونه مثلا صلاة أو غيرها ، ومن كونها فرضا أو نفلا ظهرا مثلا أو عصرا مقصورة أو غير مقصورة ، وهل يحتاج في مثل هذا إلى تعيين العدد ؟ فيه بحث ، والراجح الاكتفاء بتعيين العبادة التي لا تنفك عن العدد المعين ، كالمسافر مثلا ليس له أن يقصر إلا بنية القصر ، لكن لا يحتاج إلى نية ركعتين لأن ذلك هو مقتضى القصر ، والله أعلم . اهـ فتح جـ١ / ص٢٠. المسألة الخامسة عشرة : قال العراقي : وذكر بعض المتأخرين من الحنفية وهو قاضي القضاة شمس الدين السروجي أن التقدير (يعني تقدير إنما الأعمال بالنيات ) ثوابها لا صحتها لأنه الذي يطرد فإن كثيرا من الأعمال یوجد ویعتبر شرعا بدونها ولأن إضمار الثواب متفق على إرادته ، ولأنه يلزم من انتفاء الصحة انتفاء الثواب دون العکس ، فکان ما ذهبنا إليه أقل إضمارا فهو أولى ، ولأن إضمار الجواز والصحة يؤدي إلى نسخ الكتاب بخبر الواحد، وهو ممتنع ، ولأن العامل في قوله (( بالنية )) مقدر بإجماع النحاة ولا يجوز أن يتعلق بالأعمال لأنها رفع بالابتداء ، فيبقى بلا خبر فلا يجوز ، فالمقدر إما مجزئة أو صحيحة ، أو مثيبة ، فمثيبة أولی بالتقدير لوجهين : - ٢٤٣ - ٦٠ - باب النية في الوضوء - حديث رقم ٧٥ أحدهما : أن عدم النية لا يبطل أصل العمل ، وعلى إضمار الصحة والإجزاء يبطل ، فلا يبطل بالشك . الثاني : أن قوله ((لكل امرئ ما نوى)) يدل على الثواب والأجر ، لأن الذي له إنما هو الثواب ، وأما العمل فعليه . انتهى . قال العراقي : وفيه نظر من وجوه : أحدها : أنه لا حاجة إلى إضمار محذوف من الصحة ، أو الكمال، أو الثواب ، إذ الإضمار خلاف الأصل ، وإنما المراد حقيقة العمل الشرعي فلا يحتاج حينئذ إلى إضمار ، وأيضا فلابد من إضمار شيء يتعلق به الجار والمجرور فلا حاجة لإضمار مضاف لأن تقليل الإضمار أولى فيكون التقدير إنما الأعمال ، وجودها بالنية ويكون المراد الأعمال الشرعية . والثاني : أن قوله : إن تقدير الثواب أقل إضمارا لكونه يلزم من انتفاء الصحة انتفاء الثواب دون العكس فلا نسلم أن فيه تقليل الإضمار لأن المحذوف واحد ، ولا يلزم من تقدير الصحة تقدير ما يترتب على نفيها من نفي الثواب ووجوب الإعادة ، وغير ذلك فلا نحتاج إلى أن نقدر إنما صحة الأعمال والثواب وسقوط القضاء مثلا بالنية ، بل المقدر واحد وإن ترتب على ذلك الواحد شيء آخر فلا يلزم تقديره . والثالث : أن قوله : إن تقدير الصحة يؤدي إلى نسخ الكتاب بخبر الواحد فإنه أراد به أن الكتاب دال على صحة العمل بغير نية لكون النية لم تذكر في الكتاب فهذا ليس بنسخ ، وأيضا فالثواب مذكور في قوله تعالى ﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ [البينة: آية ٥] فهذا هو القصد ، والنية ولو سلم أن فيه نسخ الكتاب بخبر الواحد فلا مانع من ذلك عند أكثر أهل الأصول . - ٢٤٤ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة والرابع : أن قوله ان تقدير الصحة يبطل العمل ، ، ولا يبطل بالشك، ليس بجيد ، بل إذا تيقنا شغل الذمة بوجوب العمل لم نسقطه بالشك ولا تبرأ الذمة إلا بيقين فحمله على الصحة أولى لتيقن البراءة به . والخامس : أن قوله : إن الذي له إنما هو الثواب ، وأما العمل فعليه، والأحسن في التقدير أن لا يقدر حذف مضاف فإنه لا حاجة إليه ، ولكن يقدر شيء يتعلق به الجار والمجرور ، فإنه لا بد من تقدیره کما تقدم ، إنما الأعمال وجودها بالنية ، ونفي الحقيقة أولى ، والمراد نفي العمل الشرعي وإن وجد صورة الفعل في الظاهر فليس بشرعي عند عدم النية . اهـ طرح جـ٢/ ص٨. المسألة السادسة عشرة : قال العراقي رحمه الله: يحتمل أن يكون معنى ((إنما الأعمال بالنيات )) من لم ينو الشيء لم يحصل له ، ويحتمل أن يكون المراد من نوی شیئا لم يحصل له غيره . قال ابن دقيق العيد : وبينهما فرق وإلى هذا يشير قوله (( فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها ، أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه )) انتھی. وهذا يؤدي إلى أن التشريك في النية مفسد لها ، وقد ورد لكل من الاحتمالين ما يؤكده، فمما يؤكد هذا الاحتمال ما رواه النسائي من حديث أبي أمامة قال: جاء رجل إلى النبي ◌ّ فقال: أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟ فقال رسول الله عَل: ((لا شيء له)) الحديث، وفيه (( إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغي به وجهه)) . ويدل للاحتمال الأول ما رواه النسائي أيضا من حديث عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله عنه: ((من غزا في سبيل الله ولم ينو إلا ٢٤٥ - ٦٠ - باب النية في الوضوء - حديث رقم ٧٥ عقالا فله ما نوى)) فإتيانه بصيغة الحصر يقتضي أنه إذا نوى مع العقال شیئا آخر کان له ما نواه والله أعلم اهـ . المسألة السابعة عشرة : قوله ◌ّة: ((وإنما لكل امرئ ما نوى)) قال العلامة الصنعاني رحمه الله: اختلف الناظرون هل هذه الجملة مؤكدة لما قبلها أم لا ؟ والذي يظهر أنها مستأنفة لأنه بَيَّنَ في الأولى أن صحة الأعمال بالنيات ، وهو حكم للأعمال صريح ثم بَيِّنَ في هذه الجملة ما يخص العاملین ، وقول الشارح (يعني ابن دقيق العيد) يقتضي أن من نوى شيئا حَصَل له أي سواء عمله أو منعه عنه مانع یعذر شرعا معه بعدم عمله ، وهذا صحيح موافق للأحاديث الكثيرة الواردة بثبوت الأجر لمن نوی خيرا ولم يعمله ، كحديث « رجل آتاه الله مالا وعلما فهو يعمل بعلمه في ماله ، وينفقه في حقه ، ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا فهو يقول : لو كان لي مثل مال هذا عملت فيه مثل العمل الذي يعمل ، فهما في الأجر سواء)) إلا أنه قد خرج بدليل آخر من هذه القاعدة عدة مسائل : فمنها ذكر الله کالتسبيح، فإنه لا يحتاج إلى نية لأنه يتميز بنفسه وإنما يحتاج إلى القيد ، ومنها الألفاظ الصريحة من المعاملات في الطلاق والنكاح ونحوها ، ومنها إذا وقع في الماء الكثير ثوب متنجس فإنه يطهر ، ومنها من حج أو اعتمر عن غيره ولم يكن قد أدى ذلك عن نفسه فإنه ينقلب له مع أنه نواه عن غيره ، ومنها إذا أحرم بالحج في غير أشهره فإنه ينقلب عمرة وغير ذلك مما يعرفه من تتبع فروع الكليات . اهـ العدة جـ١ / ص٧٦ . وقال الحافظ في الفتح : قال القرطبي فيه (أي في قوله : إنما لكل امرئ الخ) : تحقيق الاشتراط النية والإخلاص في الأعمال ، فجنح إلى أنها مؤكدة ، وقال غيره : بل تفيد غير ما أفادته الأولى ، لأن الأولى - ٢٤٦ - شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة نبهت على أن العمل يتبع النية ويصاحبها ، فيترتب الحكم على ذلك ، والثانية أفادت أن العامل لا يحصل له إلا ما نواه . وقال ابن دقيق العيد : الجملة الثانية تقتضي أن مَنْ نوی شیئا يحصل له ( یعني إذا عمله بشرائطه أو حال دون عمله له ما یعذر به شرعا بعدم عمله) وکل ما لم ینوه لم يحصل له . ومراده بقوله : لم ينوه أي لا خصوصا ولا عموما ، أما إذا لم ينو شيئا مخصوصا لكانت هناك نية عامة تشمله ، فهذا مما اختلفت فيه أنظار العلماء ، ويتخرج عليه من المسائل ما لا يُحصى ، وقد يحصل غير المنوي المدرك آخر ، کمن دخل المسجد فصلى الفرض أو الراتبة قبل أن يقعد، فإنه يحصل له تحية المسجد نواها أو لم ينوها ، لأن القصد بالتحية شَغْل البُقْعة ، وقد حصل ، وهذا بخلاف من اغتسل يوم الجمعة عن الجنابة فإنه لا يحصل له غسل الجمعة علي الراجح ، لأن غسل الجمعة ينظر فيه إلى التعبد لا إلى محض التنظيف فلابد فيه من القصد إليه بخلاف تحية المسجد ، والله أعلم . قال الجامع عفا الله عنه : إنه لا يظهر لي فرق بين هاتين المسألتين : تحية المسجد ، وغسل الجمعة، حيث جعلوا الأولى مما لا ينظر فيه جهة التعبد ، والثانية جعلوها مما ينظر فيه جهة التعبد، وقد قال #: ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)) كما قال (( إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل)) وما ثَمَّ نص يُفَرِّق بينهما ، فالظاهر أنهما عبادتان يحتاج فيهما إلى النية فلا يحصل كل منهما إلا إذا نواه ، والله أعلم . قال الحافظ : وقال النووي : أفادت الجملة الثانية اشتراط تعيين المنوي كمن عليه صلاة فائتة لا يكفيه أن ينوي الفائتة فقط حتى يعينها = ٢٤٧ _ - ٦٠ - باب النية في الوضوء - حديث رقم ٧٥ ظهرا مثلا ، أو عصرا ، ولا يخفى أن محله إذا لم تنحصر الفائتة . وقال ابن السمعاني في أماليه : أفادت أن الأعمال الخارجة عن العبادة لا تفيد الثواب إلا إذا نوى بها فاعلها القربة كالأكل إذا نوى به القوة على الطاعة . وقال غيره : أفادت أن النيابة لا تدخل في النية ، فإن ذلك هو الأصل فلا يرد مثل نية الولي عن الصبي ونظائره ، فإنها على خلاف الأصل . وقال ابن عبد السلام : الجملة الأولى لبيان ما يعتبر من الأعمال ، والثانية لبيان ما يترتب عليها ، وأفاد أن النية إنما تشترط في العبادة التي لا تتميز بنفسها ، وأما ما يتميز بنفسه فإنه ينصرف بصورته إلى ما وضع له كالأذكار ، والأدعية ، والتلاوة ، لأنها لا تُرَدَّدُ بين العبادة والعادة ، ولا يخفى أن ذلك إنما هو بالنظر إلى أصل الوضع ، أما ما حدث فيه عرف كالتسبيح للتعجب فلا ، ومع ذلك فلو قصد بالذكر القربة إلى الله تعالى لكان أكثر ثوابا ، ومن ثم قال الغزالي : حركة اللسان بالذكر مع الغفلة عنه يُحَصِّل الثواب ، لأنه خير من حركة اللسان بالغيبة ، بل هو خير من السكوت مطلقا ، أي المجرد عن التفكر ، قال : وإنما هو ناقص بالنسبة إلى عمل القلب ، انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: لي وقفة هنا أيضا : وذلك أن ما ذَكَرَه ، من الأذكار ونحوه داخل في عموم الأعمال ، فبأي دليل خرج عنها ؟ حتى نقول إنه لا يحتاج إلى النية ، بل الظاهر أنه لابد فيه من النية ليثاب عليه ، وأما قول الغزالي حركة اللسان الخ ، فالظاهر أن المراد به الذكر مع عدم حضور القلب لا مع عدم النية ، فلا يلزم من عدم حضور القلب عدم النية فتأمل . قال الحافظ : ويؤيده (أي قول الغزالي) قوله : (( في بضع أحدكم - ٢٤٨ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة صدقة)) ثم قال في الجواب عن قولهم (( أيأتي أحدنا شهوته ويؤجر ؟ أرأيت لو وضعها في الحرام)»؟ . وأورد على إطلاق الغزالي أنه يلزم منه أن المرء يثاب على فعل مباح لأنه خير من فعل الحرام ، وليس ذلك مراده . وخص من عموم الحديث ما يقصد حصوله في الجملة فإنه لا يحتاج إلى نية تخصه ، كتحية المسجد كما تقدم . قال الجامع : قد علمت ما فيه فيما تقدم . قال : وكمن مات زوجها فلم يبلغها الخبر إلا بعد مدة العدة ، فإن عدتها تنقضي ، لأن المقصود حصول براءة الرحم ، وقد وجد ، ومن ثمّ لم يحتج المتروك إلى نية . ونازع الكرماني في إطلاق الشيخ محيي الدين كون المتروك ، لا يحتاج إلى نية بأن الترك فعل ، وهو كف النفس ، وبأن التروك إذا أريد بها تحصيل الثواب بامتثال أمر الشارع فلابد فيها من قصد الترك ، وتعقب بأن قوله : الترك فعل مختلف فيه ، ومن حقّ المستدلّ على المانع أن يأتي بأمر متفق عليه ، وأما استدلاله الثاني فلا يطابق المورد ، لأن المبحوث فيه هل تلزم النية في التروك بحيث يقع العقاب بتركها ؟ والذي أورده هل يحصل الثواب بدونها؟ والتفاوت بين المقامين ظاهر ، والتحقيق أن الترك المجرد لا ثواب فيه وإنما يحصل الثواب بالكف الذي هو فعل النفس ، فمن لم تخطر المعصية بباله أصلا ليس كمن خطرت فكف نفسه عنها خوفا من الله تعالى ، فرجع الحال إلى أن الذي يحتاج إلى النية هو العمل بجميع وجوهه ، لا الترك المجرد ، والله أعلم . ٢٤٩- ٦٠ - باب النية في الوضوء - حديث رقم ٧٥ تنبيه : قال الكرماني : إذا قلنا : إن تقديم الخبر على المبتدأ يفيد القصر ، ففي قوله: ((وإنما لكل امرئ ما نوى)) نوعان من الحصر قصر المسند على المسند إليه إذ المراد إنما لكل امرئ ما نواه، والتقديم المذكور . اهـ فتح جـ١/ ص٢٠-٢١ . المسألة الثامنة عشرة : في مذاهب العلماء في اشتراط النية في العبادة : دل هذا الحديث على اشتراط النية لصحة العبادة وقد اتفق العلماء على ذلك في العبادة المقصودة لعينها التي ليست وسيلة إلى غيرها ، وحكى أبو الوليد محمد بن أحمد بن رُشْد المالكي في كتابه بداية المجتهد اتفاق العلماء على اشتراط النية في العبادات ، وحكى الاختلاف في الوضوء لاختلافهم في أنه وسيلة ، أو مقصود، وحكى ابن التين السفاقسي أنهم لا يختلفون في أن العبادة المحضة مفتقرة إلى النية والعبادة المفهومة المعنى غير مفتقرة إلى النية . وذكر النووي في شرح مسلم : أن الأعمال ضربان ضرب تشترط النية لصحته ، وحصول الثواب فيه ، كالأركان الأربعة ، وغير ذلك مما أجمع العلماء أنه لا يصح إلا بنية ، وكالوضوء ، والغسل ، والتيمم، وطواف الحج والعمرة ، والوقوف ، مما اشترط النيةَ فيه بعضُ العلماء . وضرب لا تشترط النية لصحته ، لكن تشترط لحصول الثواب كستر العورة ، والأذان ، والإقامة ، وابتداء السلام ، ورده ، وتشميت العاطس ، وعيادة المريض ، واتباع الجنائز ، وإماطة الأذى ، وبناء المدارس ، والرَّبُط والأوقاف ، والهبات ، والوصايا ، والصدقات ، ورد الأمانات ، ونحوها . اهـ طرح جـ٢/ ص١١ . - ٢٥٠ = شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة المسألة التاسعة عشرة : في اختلاف العلماء في اشتراط النية في الوضوء : احتج بالحديث من أوجب النية في الوضوء والغسل ، وهو قول الأئمة الثلاثة مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وداود ، وأبي ثور ، وأبي عبيد ، وبه يقول الزهري ، وربيعة الرأي شيخ مالك ، وهو قول جمهور أهل الحجاز، ويُروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وذهبت طائفة إلى أنه يصح الوضوء والغسل والتيمم بلا نية حكاه ابن المنذر عن الأوزاعي ، والحسن بن صالح ، وزفر . وقال أبو حنيفة ، وسفيان الثوري : يصح الوضوء والغسل بلا نية ولا يصح التيمم إلا بالنية، وهي رواية عن الأوزاعي ورواية شاذة عن مالك. واحتج هؤلاء بأن الوضوء ليس مقصودا ، وأن المقصود به النظافة، فأشبه إزالة النجاسة ، واعترض على الحنفية بأنهم أوجبوها في التيمم، وليس مقصودا ، وأجابوا بأنه طهارة ضعيفة فافتقر إلى النية تقوية له ، وبأن الله ذكر النية في التيمم ﴿فتيمموا صعيدا طيبا ﴾ أي اقصدوا ، وهو النية ولم يذكر ذلك في الوضوء والغسل ، واحتجوا أيضا بتعليم النبي عمله الوضوء للأعرابي ، ولم يَذْكُر له النية مع جهل الأعرابي بأحكام الوضوء، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، ونُقضَ عليهم بتعليمه الصلاة للأعرابي المسيء صلاته ولم يذكر له النية ، وقد قلتم بوجوبها في الصلاة فما الفرق؟ وإنما بَيَّنَ النبي عَّهُ لمن علمه الأفعال الظاهرة التي يقف الناظر على تركها لو تركها ، فأما القصد للعبادة فكان معلوما عندهم . اهـ طرح بزيادة من المجموع . قال الجامع عفا الله عنه: والراجح هو ما ذهب إليه الجمهور من اشتراط النية في الوضوء والغسل لحديث الباب ، والله أعلم . ٢٥١ _ ٦٠ - باب النية في الوضوء - حديث رقم ٧٥ العشرون : أنه احتُجَّ بهذا الحديث على أبي حنيفة في ذهابه إلى أن الكافر إذا أجنب أو أحدث فاغتسل أو توضأ ثم أسلم أنه لا يجب عليه إعادة الغسل والوضوء ، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي ، وخالفهم الجمهور في ذلك فقالوا: تجب عليه إعادة الغسل والوضوء ، لأن الكافر ليس من أهل العبادة ، وبعضهم يعلله بأنه ليس من أهل النية . قاله في الطرح جـ٢ / ص١٢ . الحادية والعشرون : فيه حجة على أبي حنيفة حيث ذهب إلى أن المقيم إذا نوى في رمضان صوم قضاء أو كفارة أو تطوع وقع عن رمضان إذ ليس له إلا ما نواه ولم ينو صوم رمضان وتعيينه شرعا لا يغني عن نية المكلف لأداء ما كلف به، وذهب مالك ، والشافعي ، وأحمد إلى أنه لابد من تعيين رمضان لظاهر الحديث بخلاف الحج ، وذهب زفر إلى أن صيام رمضان لا تشترط فيه النية للصحيح المقيم ، لتعين الزمان له . انتهى طرح جـ٢/ ص١٦ . الثاينة والعشرون : فيه حجة على مالك في اكتفائه بنية واحدة في أول الشهر من رمضان لجميع الشهر ، وهي رواية عن أحمد أيضا ، لأن كل يوم عمل بنفسه، وعبادة مستقلة بدليل ما يتخلل بين الأيام في لياليها مما ينافي الصوم من المفطرات. وذهب أبو حنيفة ، والشافعي ، وأحمد في الرواية الأخرى إلى وجوب النية لكل يوم إذ هو عمل ، ولا عمل إلا بنية . اهـ طرح . المسألة الثالثة والعشرون : فيه حجة لمن ذهب إلى أنه إذا أحرم بالحج في غير أشهره أنه لا ينعقد - ٢٥٢ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة عمرة لأنه لم ينو العمرة وإنما له ما نواه ، وهو قول أبي حنيفة ، ومالك، وأحمد ، وهو أحد قولي الشافعي إلا أن الأئمة الثلاثة قالوا : ينعقد إحرامه بالحج ، ولكن يكره عندهم الإحرام به قبل أشهره ، ولم يختلف قول الشافعي أنه لا ينعقد بالحج ، وإنما اختلف قوله هل يتحلل بأفعال العمرة، وهو قوله المتقدم نقله عنه ، أو ينعقد إحرامه عمرة وهو نصه في المختصر، وهو الذي صححه الرافعي والنووي ، فعلى الأول لا تسقط عنه عمرة الإسلام ، وعلى الثاني تسقط عنه اهـ طرح . المسألة الرابعة والعشرون : أنه احتج به لأبي حنيفة والثوري ومالك أن الصرورة (١) يصح حجه عن غيره ، ولا يصح عن نفسه ، لأنه لم ينوه عن نفسه ، وإنما له ما نواه . وذهب الشافعي وأحمد وإسحاق والأوزاعي إلى أنه ينعقد عن غيره ويقع ذلك عن نفسه ، لما روى أبو داود وابن ماجه من حديث ابن عباس أن رسول الله عَ سمع رجلا يقول: لبيك عن شُبْرُمَة، فقال: ((أحججت قط؟)) قال: لا، قال: ((فاجعل هذه عن نفسك ثم حج عن شبرمة))، وهذه رواية ابن ماجه بإسناد صحيح ، وفي رواية أبي داود: ((حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة)) ولك أن تقول ليس فيه تصحيح الإحرام عن نفسه ، وإنما أمره أن ينشئ الإحرام عن نفسه ، وقد يجاب بأن الظاهر أن هذا كان بعد مجاوزة الميقات ، فلو لم يقع الإحرام المتقدم عن فرض نفسه لأمره بالرجوع إلى الميقات ، أو بإخراج دم لمجاوزة الميقات بغير إحرام صحيح ، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، وهذا كله علی تقدیر مجاوزته للميقات ، وأما الرواية التي ذكرها الرافعي وغيره ( هذه عن نفسك ، ثم حج عن شبرمة )) فقد رواها البيهقي ، ولكنها ضعيفة فيها الحسن بن عُمارة ، وهو ضعيف . (١) الصرورة هو الذي لم يحج . ٢٥٣ - ٦٠ - باب النية في الوضوء - حديث رقم ٧٥ واستدل لأبي حنيفة ومن وافقه بما رواه الطبراني ، ثم البيهقي من طريقه من حديث ابن عباس أيضا : سمع النبي ◌َّه رجلا يلبي عن نُبَيْشَة فقال: ((أيها الملبي عن نبيشة احجج عن نفسك )) وهذا ضعيف فيه الحسن بن عمارة وهو متروك ، قال البيهقي : يقال إن الحسن بن عمارة کان یرویه ثم رجع عنه إلى الصواب ، وقد ذهب محمد بن جرير الطبري إلى أن الصرورة إذا نوى الحج عن غيره لم يقع عن نفسه ، لأنه لم ينوه عنه وإنما له ما نواه ويجب عليه أن ينوي ذلك عن نفسه . اهـ طرح جـ٢/ ص١ قال الجامع عفا الله عنه : الصواب عندي القول الأول لحديث الملبي عن شُبْرُمَةَ . والله أعلم . المسألة الخامسة والعشرون : قال العراقي : إنهم كما اشترطوا النية في العبادة اشترطوا في تعاطي ما هو مباح في نفس الأمر أن لا يكون معه نية تقتضي تحريمه ، كمن جامع امرأته أو أمته ظانا أنها أجنبية ، أو شرب شرابا مباحًا ظانا على أنه خمر ، أو أقدم على استعمال ملكه ظانا أنه لأجنبي ونحو ذلك ، فإنه يحرم عليه تعاطي ذلك اعتبارا بنيته وإن كان مباحا له في نفس الأمر ، غير أن ذلك لا يوجب حدّاً ولا ضمانا ، لعدم التعدي في نفس الأمر ، بل زاد بعضهم على هذا بأنه لو تعاطى شرب الماء وهو يعلم أنه ماء ولكن على صورة استعمال الحرام ، كشربه في آنية الخمر في صورة مجلس الشراب صار حراما لتشبهه بالشَّرَبَة ، وإن كانت نيته لا يتصور وقوعها على الحرام مع العلم بحله ، ونحوه ، ولو جامع أهله وهو في ذهنه مجامعة مَن تحرم عليه وصوّر في ذهنه أنه يجامع تلك الصورة المحرمة فإنه يحرم عليه ذلك ، وكل ذلك لتشبهه بصورة الحرام . اهـ طرح جـ٢/ ص١٨ . 1 - ٢٥٤ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة المسألة السادسة والعشرون : قال الخطابي : فيه دليل على أن المُطَلِّقَ إذا طلق بصريح لفظ الطلاق ونوى عددا من أعداد الطلاق ، كمن قال لامرأته : أنت طالق ونوى ثلاثا، كان ما نواه من العدد واقعا واحدة أواثنتين ، أو ثلاثا ، وإليه ذهب الشافعي ، ومالك ، وإسحاق ، وأبو عبيد ، وقال أصحاب الرأي : هي واحدة وهو أحق بها ، وكذلك قال سفيان الثوري ، والأوزاعي ، وأحمد بن حنبل . اهـ طرح جـ٢/ ص١٩ . المسألة السابعة والعشرون : فيه حجة على أهل الرأي في قولهم في الكنايات في الطلاق كقوله : أنت بائن ، أنه إن نوى اثنتين فهي واحدة بائنة لكونها كلمة واحدة ، وإن نوى الطلاق ولم ينو عددا فهي واحدة بائنة أيضا ، والحديث حجة عليهم. وذهب الشافعي والجمهور إلى أنه إن نوی اثنتین فھو کذلك وإن لم ينو عددا فهي واحدة رجعية ، قال الخطابي : وهذا أشبه بمعنى الحديث وأولى به اهـ طرح جـ ٢/ ص١٩ . المسألة الثامنة والعشرون : فيه رد على المرجئة في قولهم : إن الإيمان إقرار باللسان دون الاعتقاد بالقلب ، وقد أورده البخاري في آخر كتاب الإيمان محتجا عليهم بذلك، وما ذهبوا إليه مردود بالنصوص القاطعة والإجماع على أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار اهـ طرح جـ ٢/ ص٢٠ . المسألة التاسعة والعشرون : في حجة على بعض المالكية من أنهم لا يُدَينُون مَن سبق لسانه إلى ٢٥٥ - ٦٠ - باب النية في الوضوء - حديث رقم ٧٥ كلمة الكفر إذا ادَّعَى ذلك ، وخالفهم الجمهور ، ويدل لذلك ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك في قصة الرجل الذي ضلت راحلته ثم وجدها ، فقال من شدة الفرح : اللهم أنت عبدي وأنا ربك ، قال النبي ◌َّ: ((أخطأ من شدة الفرح)) والذي جرت به عادة الحكام الحُذَّاق منهم اعتبار حال الواقع منه ذلك ، فإن تكرر منه ذلك ، وعُرفَ منه وقوعه في المخالفات ، وقلة المبالات بأمر الدين لم يلتفتوا إلى دعواه، ومن وقع منه ذلك فَلْتَةً ، وعرف بالصيانة والتحفظ قبلوا قوله في ذلك ، وهو توسط حسن انتهى طرح جـ٢/ ص٢٠ . المسألة الثلاثون : فيه حجة لمالك ومن وافقه في إسقاط الحيل ، كمن مَلَّكَ ولده أو غيره مالا له قبل الحول أو باعه أو أتلفه أو بادل به ، فرارا من الزكاة ، أو باع بالعينة المشهورة ، أو تزوج المرأة ليحلها لزوجها ، وإن لم يشترط ذلك في نفس العقد ، أو مَلَّك الدارَ لغير الشريك لإسقاط الشفعة ، أو أوقع عقد الدار التي فيها الشفعة بثمن فيه ما تجهل قیمته کفص ونحوه أو زاد في ثمنها وعوضه عن عشرة آلاف دينار مثلا ، ونحو ذلك من الحيل المسقطة للحقوق أو الموقعة في المناهي ، وإنما يُخَادع بالنيات مَن لا يطلع عليها ، وفي الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري من حديث أنس أن أبا بكر كَتَبَ له فريضة الصدقة التي فرض رسول الله على: (( لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة )) وقال في الحديث الصحيح: ((يبعثون على نياتهم )) والذي نص عليه الشافعي وقطع به جمهور أصحابه كراهة إزالة ملکه للفرار من الزكاة كراهة تنزيه ، وجعل بعض أصحاب الشافعي الكرهة للتحريم كقول مالك ، وعليه كلام الغزالي في قوله : أثم ، وكذلك عندهم البيع بالعينة والاستحلال إذا لم يشترط في العقد، والتحيل لإسقاط الشفعة محمول على الكراهة لا - ٢٥٦ - شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة على التحريم ، والحديث حجة لمن قال بالتحريم ، والله أعلم . قال العراقي : ورأيت في كلام بعض أصحاب الشافعي ممن صنف في الألغاز أن الحيل ليس فيها منافاة للشريعة ، بل قد ورد الشرع بتعاطي الحيل كقوله تعالى ﴿وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث ﴾ [ص: آية : ٤٤] فما كان من الحيل هكذا ليس فيه إسقاط حق لمستحق له فهو حسن مشروع ، وما أدى من الحيل إلى إسقاط حق الغير فهو مذموم منهي عنه . اهـ طرح جـ٢/ ص٢١. المسألة الحادية والثلاثون : استدل به على أنه لا يجب القَوَد في شبه العمد ، لأنه لم ينو قتله ، وهو قول الشافعي ، وأبي حنيفة ، وصاحبيه ، وأحمد ، وإسحاق ، إلا أنهم اختلفوا في الدية فجعلها الشافعي ومحمد بن الحسن أثلاثا ، وجعلها الباقون أرباعا ، وجعلها أبو ثور أخماسا ، وأنكر مالك شبه العمد ، وقال: ليس في كتاب الله إلا الخطأ والعمد، وأما شبه العمد فلا نعرفه . واستدل الشافعي والجمهور بما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا (( ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل )) الحديث اهـ طرح جـ ٢/ ص٢٢ . المسألة الثانية والثلاثون : قوله#: ((فمن كانت هجرته)) الخ ، الهجرة بكسر الهاء فعلة من الهَجْر ، وهو ضد الوصل ، ثم غلب ذلك على الخروج من أرض إلى أرض وترك الأولى للثانية . قاله صاحب النهاية . وقال ابن دقيق العيد : الهجرة : تقع على أمور : ٢٥٧ - ٦٠ - باب النية في الوضوء - حديث رقم ٧٥ الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة . الثانية : من مكة إلى المدينة . الثالثة: هجرة القبائل إلى رسول اللهتع﴾﴾. الرابعة : هجرة من أسلم من أهل مكة . الخامسة : هجرة ما نهى الله عنه ، قال : ومعنى الحديث وحكمه يتناول الجميع غير أن السبب (١) يقتضي أن المراد بالحديث الهجرة من مكة إلى المدينة لأنهم نقلوا أن رجلا هاجر من مكة إلى المدينة ليتزوج امرأة تسمى أم قيس ، فسمي مهاجر أم قيس . اهـ إحكام جـ١/ ص٧٨ . وقال العراقي : بقي عليه من أقسام الهجرة ثلاثة أقسام وهي الهجرة الثانية إلى الحبشة ، فإنهم هاجروا إلى الحبشة مرتين كما هو معروف في السير ، ولا يقال كلاهما هجرة إلى الحبشة ، فاكتفى بذكر الهجرة إليها مرة فإنه عَدَّد الهجرة إلى المدينة في الأقسام لتعددها ، والثانية : هجرة من كان مقيما ببلاد الكفر ، ولا يقدر على إظهار الدين فإنه يجب عليه أن يهاجر إلى بلاد الإسلام ، والثالثة : الهجرة إلى الشام في آخر الزمان عند ظهور الفتن ، كما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله يقول: ((ستكون هجرة فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم ، ويبقى في الأرض شرار أهلها )) الحديث . ورواه أحمد في مسنده ، فجعله من حديث عبد الله بن عمر ، قال صاحب النهاية : يريد به الشام لأن إبراهيم لما خرج من العراق مضى إلى الشام وأقام به ، انتهى، وروى أبو داود أيضا من حديث أبي الدرداء أن رسول الله عَ ليه قال: إن فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغُوطَة إلى جانب مدينة يقال لها (١) كون قصة مهاجر أم قيس لحديث الباب لا يصح ، كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى. - ٢٥٨ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة دمشق من خير مدائن الشام)) فهذه ثمانية أقسام للهجرة . اهـ طرح جـ٢/ ص٢٢ . وقال الحافظ بن رجب رحمه الله تعالى : وقوله ټ﴾﴾ (( فمن كان هجرته)) الخ، لما ذكر النبي ◌َّه أن الأعمال بحسب النيات، وأن حظ العامل من عمله نيته من خير أو شر ، وهاتان الكلمتان جامعتان وقاعدتان كليتان لا يخرج عنهما شيء ، ذكر بعد ذلك مثلا من الأمثال والأعمال التي صورتها واحدة ويختلف صلاحها وفسادها باختلاف النيات ، وكأنه يقول : سائر الأعمال على حذو هذا المثال . وأصل الهجرة : هجران بلد الشرك والانتقال منه إلى دار الإسلام ، كما كان المهاجرون قبل فتح مكة يهاجرون منها إلى مدينة النبي عَل﴾، وقد هاجر من هاجر منهم قبل ذلك إلى أرض الحبشة إلى النجاشي ، فأخبر ** أن الهجرة تختلف باختلاف المقاصد والنيات بها . فمن هاجر إلى دار الإسلام حبالله ورسوله ، ورغبة في تعلم دين الإسلام وإظهار دينه حيث كان يعجز عنه في دار الشرك فهذا هو المهاجر إلى الله ورسوله حقا ، وكفاه شرفا وفخرا أنه حصل له ما نواه من هجرته إلى الله ورسوله ، ولهذا المعنى اقتصر في جواب هذا الشرط على إعادته بلفظه ، لأن حصول ما نواه بهجرته نهاية المطلوب في الدنيا والآخرة ، ومن كانت هجرته من دار الشرك إلى دار الإسلام ليطلب دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها في دار الإسلام فهجرته إلى ما هاجر إليه من ذلك ، فالأول تاجر والثاني خاطب ، وليس بواحد منهما مهاجر ، وفي قوله « إلی ما هاجر إلیه )) تحقیر لما طلبه من أمر الدنيا ، واستهانة به حيث لم يذكر بلفظه، وأيضا أن الهجرة إلى الله ورسوله واحدة فلا تعدد فيها ، فلذلك أعاد الجواب فيها بلفظ الشرط ، والهجرة لأمور الدنيا لا تنحصر ، فقد ٢٥٩- ٦٠ - باب النية في الوضوء - حديث رقم ٧٥ يهاجر الإنسان لطلب الدنيا مباحةً تارة ، ومحرمةً تارة ، وإفراد ما يقصد بالهجرة من أمور الدنيا لا تنحصر فلذلك قال: (( فهجرته إلى ما هاجر إلیه » يعني كائنا ما كان . وقد رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى ﴿ إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن ﴾ [الممتحنة: آية ١٠] قال: كانت المرأة إذا أتت النبي ﴾﴾ حلفها بالله ما خرجت من بغض زوج ، وبالله ما خرجت رغبة بأرض عن أرض ، وبالله ما خرجت التماس دنيا ، وبالله ما خرجت إلا حبا لله ورسوله . أخرجه ابن أبي حاتم ، وابن جرير ، والبزار في مسنده . و خرجه الترمذي في بعض نسخ كتابه مختصرا . وقد روى وكيع في كتابه عن الأعمش ، عن شقيق - هو أبو وائل - قال : خطب أعرابي من الحي امرأة يقال لها أم قيس ، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر فهاجر فتزوجته فكنا نسميه مهاجر أم قيس ، قال : فقال عبد الله: يعني ابن مسعود : من هاجر يبتغي شيئا فهو له ، وهذا السياق يقتضي أن هذا لم يكن في عهد النبي ◌ّ، إنما كان في عهد عبد الله بن مسعود ، قال: كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر ، فهاجر وتزوجها ، وكنا نسميه مهاجر أم قيس ، قال ابن مسعود: من هاجر لشيء فهو له. وقد اشتهر أن قصة مهاجر أم قیس کانت هي سبب قول النبي مګ﴾(( من کانت هجرته إلی دنیا یصیبھا أو امرأة ینکحها » وذکر ذلك کثیر من المتأخرين في كتبهم ، ولم نر لذلك أصلا يصح والله أعلم . وسائر الأعمال كالهجرة في هذا المعنى ، فصلاحها وفسادها بحسب النية الباعثة عليها كالجهاد والحج وغيرهما . - ٢٦٠ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة وقد سئل النبي ۶﴾على اختلاف الناس في الجهاد ، وما يقصد به من الرياء وإظهار الشجاعة والعصبية وغير ذلك أيّ ذلك في سبيل الله ؟ فقال ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله )) فخرج بهذا كل ما سألوه عنه من المقاصد الدنيوية ، ففي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري : أن أعرابيا أتى النبي ءَ﴾ فقال : يا رسول الله ، الرجل يقاتل للمغنم ، والرجل يقاتل للذكر ، والرجل يقاتل ليُرَى مكانه فمن قاتل في سبيل الله؟ فقال رسول الله علي: ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)) وفي رواية لمسلم: سئل رسول الله * عن الرجل يقاتل شجاعة ، ويقاتل حَميَّة ، ويقاتل رياء ، فأيُّ ذلك في سبيل الله ؟ فذكر الحديث ، وفي رواية له أيضا : الرجل يقاتل غضبا ، ويقاتل حمية. وخرّج النسائي من حديث أبي أمامة قال : جاء رجل إلى النبي ◌َّفقال : أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟ فقال رسول الله ◌َّ: ((لا شيء))، ثم قال رسول الله عنه: ((إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغي به وجهه )) . وخرّج أبو داود من حديث أبي هريرة : أن رجلا قال : يا رسول الله رجل يريد الجهاد وهو يريد عرضا من عرض الدنيا ، فقال رسول الله لة: (( لا أجر له، فأعاد عليه ثلاثا، والنبي ◌َّه يقول: لا أجر له)) وأخرج الإمام أحمد، وأبو داود من حديث معاذ بن جبل عن النبي ◌َّ قال: ((الغزو غزوان، فأما من ابتغَى وجه الله، وأطاع الإمام ، وأنفق الكريمة ، وياسر الشريك ، واجتنب الفساد ، فإن نومه ونَّبْهَه أجر كله، وأما من غزا فخرا ورياء وسمعة وعصى الإمام وأفسد في الأرض ، فإنه لم يرجع بالكفاف » . وخرَّج أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو قال : قلت : يا رسول الله، أخبرني عن الجهاد والغزو، فقال: ((إن قاتلت صابرا