Indexed OCR Text

Pages 221-240

-٢٢١ -
٦٠ - باب النية في الوضوء - حديث رقم ٧٥
قال الصنعاني : بل قد نقل الشیخ نفسه أنه قد قیل إذا تركها لخوف
المسلمين كان آثما. قال الشيخ: (( ومن حسن إسلام المرأ تركه ما لا
یعنیه)) فنقول : الكف إن کان ترکا للشر لله فهو خير ، وإن کان تر کا
للخير بلا عذر شرعي فهو شر ، والعمل قد أطلق على الخير والشر ، قال
الله تعالى : ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة
شرايره﴾ [الزلزلة: آية ٧-٨] ويوضحه أن الكف قد أطلق عليه أنه
صدقة كما في حديث أبي ذر ((كف شرك عن الناس ، فإنها صدقة منك
على نفسك )) أخرجه ابن أبي الدنيا(١) وفي حديث معاذ عند الديلمي
((أفضل الصدقة حفظ اللسان)) والأصل الحقيقة ، ولا صارف ، ولا
سيما وقد ورد (( كل معروف صدقة)) وترك الأذى والشر من المعروف ولا
شبهة ، والصدقة من أفضل الأعمال فالكف عن الأذى والشر من أفضل
الأعمال ، فالتروك من الأعمال ، وهو المطلوب ، انتهى . ونقله العلامة
الصنعاني في العدة حاشية العمدة ، وناقشه فيه بما تركته لعدم جدواه .
المسألة العاشرة : النية بتشديد الياء على المشهور ، وحكي التخفيف
أيضا كما تقدم ، وقد ورد بلفظ الإفراد فيه ، وفي العمل أيضا ، وقد ورد
بلفظ الجمع أيضا ، وكلها صحاح .
واختلف في حقيقة النية : فقيل : هي الطلب ، وقيل : الجدُّفي
الطلب ، ومنه قول ابن مسعود : ومن ينو الدنيا تُعجزُهُ . أي من يجدّ في
طلبها ، وقيل : القصد للشيء بالقلب ، وقيل : عزيمة القلب ، وقيل :
هي من النَّوى بمعنى البُعْد ، فكأن الناوي للشيء يطلب بقصده وعزمه ما
لم يصل إليه بجوارحه وحركاته الظاهرة لبعده عنه ، فجعلت النية وسيلة
(١) قال الجامع : بل هو في صحيح البخاري من حديث أبي موسى الأشعري مرفوعا ( على كل
مسلم صدقة ، قالوا : فإن لم يجد ؟ ، قال : فيعمل بيديه فينفع نفسه ، ويتصدق .. الحديث
وفيه قال: ((فيمسك عن الشر فإنه له صدقة)) جـ٨/ ص١٣ اللهم إلا أن يريد هذا اللفظ.
.- -

شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
- ٢٢٢
إلی بلوغه ، اهـ طرح جـ٢/ ص٧ .
وقد ذكر العلامة الصنعاني في العدة حاشية العمدة كلاما نفيسا في
هذا المبحث أردت نقله وإن طال لنفاسته . قال رحمه الله :
النیات : جمع نية بالتشديد والتخفيف ، فالتشدید هو المشهور من
نَوَى يَنْوي ، وأصل النية نوية بكسر النون وسكون الواو فقلبت الواو ياء
لسكونها بعد کسرة ، ثم أدغمت في الياء بعدها ، والتخفيف من ونی
مثل وَعَدَ يَعِدُ عِدَةً، ومعنى وَنَى: أبطأ ، وتأخر ، وأطلقَ هنا لأن النية
تحتاج في تصحيحها إلى إبطاء ، كذا قيل ، قال البيضاوي : النية انبعاث
القلب نحو ما يراه موافقا لغرض من جلب نفع أو دفع ضرر حالا أو
مآلا، والشارع خصها بالإرادة المتوجهة نحو الفعل لابتغاء رضوان الله ،
وامتثال حكمه ، وأقره الحافظ في الفتح . ونقله الشيخ إبراهيم الكردي
في رسالته في النية وأقره أيضا وقال : هذا تعريف شامل لأفراد النية
المأجور صاحبها ، قال الحافظ : والنية في الحديث محمولة على المعنى
اللغوي ليحسن تطبيقه على ما بعده ، قال الشيخ إبراهيم : وكذلك المراد
بها المعنى اللغوي في حديث عمر مرفوعا عند ابن أبي الدنيا (( إنما يبعث
المقتولون على نياتهم)) وعدّة أحاديث في معناه . قال : وكذا حديث ابن
مسعود عند أحمد (( رب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته)) وحديث عبادة
عند النسائي ((من غزا ولا ينوي إلا عقالا فله نيته)) إلى غير ذلك. قال :
فالشرع قد اعتبر القصد الأعم ورتب عليه أحكاما دنيوية وأخروية ،
فتختلف أحكام الصور باختلاف نياتها ، أما الدنيوية فكما تختلف أحكام
صور القتل باختلاف كونه عمدا ، أو خطأ ، أو شبه عمد ، وكما تختلف
أخذ الدائن من مال المدين باختلاف قصده الاستيفاء وغيره إلى غير
ذلك.
وأما الأخروية فلأنهم يبعثون على نياتهم مع اختلافها ، فيجازون

-٢٢٣ -
٦٠ - باب النية في الوضوء - حديث رقم ٧٥
عليها كما يوضحه حديث أبي هريرة عند مسلم في الأربعة الذين هم أوّل
من یقضی بینهم يوم القيامة ( رجل استشهد )) وفيه ( فیقال له كذبت ،
ولكنك قاتلت ليقال : جريء فقد قيل)) وفي قارئ القرآن كذلك
((ولكنك قرأت ليقال قارئ، فقد قيل)) ومثله في العالم والمنافق .
وحديث ابن عمر عند أبي داود : (( إن قاتلت صابرا محتسبا بعثك الله
صابرا محتسابا، وإن قاتلت مكاثرا مرائيا بعثك الله مكاثرا مرائيا)) انتهى.
قال الصنعاني : وهذا التقسيم للنية وإن جرى عليه أئمة أعلام ، فلا
يخفى ما فيه على ذوي الأفهام ، وهو أن النية من أفعال القلوب كما
رسموها بقولهم انبعاث القلب الخ . وأفعال القلوب كأفعال الجوارح لم
ينقل الشارع مسماه عن الاسم اللغوي ، إذا لم يقصد بها وجه الله
تعالى، فإن الشارع لم ينقل حركة البدن بالسجود لله عن مسماها
بالسجود للصنم ، بل الکل سجود ، ولا نقل حر کته بالطواف لله عن
مسماه بالطواف للصنم ، بل الكل باق على مسماه اللغوي . فإن حركة
البدن بالصلاة لله لم تنقل بالصلاة رياء وسمعة عن مسماها ، بل المسمى
في الكل واحد : سجود ، وطواف ، وصلاة من غير نقل ، ولا زيادة
قيد، لكن هذا مأمو به وهذا منهي عنه ، فكذلك حركة القلب بالنية
وانبعاثه باق على مسماه لغة لم ينقلها الشرع ولا خصصها ولا هنا معنى
لغوي ومعنى شرعي كما قال الحافظ محمول على المعنى اللغوي ، وقال
البيضاوي: والشرع خصصها ، وقال الشيخ إبراهيم : قد استعملها
الشرع في المعنيين ، بل نقول : الشارع لم ينقلها ولم يخصصها ، وإنما
جاء الشارع ببيان أن الداعي والباعث لهذه النية إن كان ابتغاء مرضاة الله
واتباع أمره فهي التي طلبها الله من عباده ﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا الله
مخلصين له الدين ﴾ [البينة: آية ٥] فكان صاحبها مأجورا، وإن كان
الباعث غير ذلك فإن كان ما نهى الله عنه كالرياء والسمعة كان مأزورا

- ٢٢٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
كما أفاده حديث الأربعة الذين هم أول من تسعر بهم النار ، وحديث
((ويبعث مرائيا مكاثرا)) وإن كان ما أباحه الله كالغزو لقصد الغنيمة كان له
ما نوی کحديث (( من غزا لا ينوي إلا عقالا فله ما نوى )) والأظهر أنه لا
یکون آثما لأنه طلب ما أحله الله ووعد به ﴿وعدكم الله مغانم كثيرة
تأخذونها﴾ [الفتح: آية ٢٠] وإن كان قصد المقصد الأدنى بجهاده ، فإن
المجاهد من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ، فالقول بأن حدیث « یبعثون
على نياتهم)) ونحوه ورد على المعنى الأعم غير صحيح ، بل ورد على
بيان اختلاف أحوال القتلى في الجزاء على حسب الدواعي والبواعث كما
صح به في حديث الأربعة من قوله ((ليقال )) فإنه بيان للدواعي الحاملة
على تعلم العلم وقراءة القرآن والجراءة والجود ، وکذلك مکاثرا ومرائیا،
وكحديث الباب فإنه قسم الهجرة باعتبار ذلك بيانا للحوامل والبواعث
وإنما عبر بالنيات في هذا وفي حديث الباب أيضا تعبيرا عن السبب باسم
المسبب مجازا ، وإن كان الأصل الحقيقة فالصارف ما ذكرناه من الصرائح
ولا یقال : فلیعكس ، ويُدَّعَى المجاز فيما عبر فیه بالنیات کحديث الباب
ونحوه ، لأنا نقول العكس لا يتم إلا بعد قيام الدليل على نقل النية ، ولا
دليل ولا مُلْجئ ، بل الدليل القاهر قائم على أنه لا يصح دخول هذه
الأحاديث التي زعم الشيخ إبراهيم أنها داخلة تحت المعنى الأعم ، إذ
الأحاديث سيقت لبيان انقسام الناس في الآخرة إلى مُثابين ومُعاقَبين
بالبواعث والحوامل ، فحديث (( يبعث المقتولون على نياتهم )) ورد في
القوم يهلكون مهلكا واحدا ويصدرون مصادر شتى ، أي منقسمين إلى
مُعاقب ومُثاب ، ففيهم المثاب ، ولا يدخل تحت المعنى اللغوي ، إذا لم
يصرح فيه بقيد ابتغاء رضوان الله أو عدمه، والمعاقب أيضا إذا لم يصرح
فيه بعدمه لا يدخل تحته ، وحينئذ فلا يتم حمل الحديث على المعنى
اللغوي أصلا ، ولا على الشرعي ، لأنه أخذ فيه قيد ابتغاء رضوان الله

٢٢٥ -
٦٠ - باب النية في الوضوء - حديث رقم ٧٥
فلا يشمل إلا قسما واحدا، وهو تقصير بالحديث عن معناه وإخراج له
عما أريد به ، فعرفت أنه لا يتم حمله على أي المعنيين ، وإن حمل على
معنى ثالث شامل للمعنيين ليشمل القسمين فما في المعنيين لا يشمل، ثم
الحمل على المعنيين فرع ثبوت الشرعي ، وهو محل النزاع إذ لم يثبت
بدليل ، ونحن باقون على الأصل ، وهو عدم إثبات معنى شرعي ، وبه
يتم بطلان قول الشيخ إبراهيم : إنه ورد على المعنى الأعم وفساده ،
ويعلم أنه محمول على معناه اللغوي : أي يبعثون على قيد بواعثهم
ودواعيهم بين مثاب ومعاقب .
فالأحاديث كلها واردة إخبارا على أن أفعال العباد دارت على
البواعث والدواعي إثابة وعقوبة ، وتحقيقه ما قال الغزالي : إن العضو لا
يتحرك إلا بالقدرة ، والقدرة تنتظر الداعية الباعثة ، والداعية تتنظر العلم
والمعرفة أو الظن والاعتقاد ، فإذا جزمت المعرفة بأن الشيء موافق له
فلابد أن يُفعل ، وسلمت عن معارضة باعث آخر صارف عنه انبعثت
الإرادة ، فإذا انبعثت الإرادة انبعثت القدرة بتحريك الأعضاء ، فالقدرة
خادمة للإرادة ، والإرادة تابعة لحكم الاعتقاد والمعرفة انتهى .
فهذا الباعث الصادر عن الاعتقاد والمعرفة إن كان ما أمر به الشارع
فالنية المُثَارة عنه موافقة لمراده تعالى مثاب فاعلها وإلا فلا ، وقد أخبر الله
تعالى عن هذه البواعث المأمور بها والمنهي عنها بقوله : ﴿إنما نطعمكم
لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا﴾ [الإنسان: آية ٩] ﴿ وما لأحد
عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى﴾ [الليل: آية ١٩-٢٠]
﴿تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة﴾ [الأنفال: آية ٦٧]، وبهذا
عرفت أن النية غير منقسمة إلى شرعية ولغوية ، وعرفت أنه لا وجه
لجعل النية ذات أفراد وتقاسيم ورسوم متغايرات تقضي بتغاير ما هيتها ،
وأعم وأخص ، وإدخال بعض الأحاديث في الأعم مما قد صح لك

- ٢٢٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
بطلانه ، بل الأحاديث كلها على معنى واحد ، والنية شيء واحد تعددت
أحكامها إلى إثابة وعقوبة بالنظر إلى تعدد البواعث ، وكذا اختلف أخذ
الدائن من مال المدين لاختلاف البواعث أيضا ، واختلاف القتل العمد
والخطأ وشبه العمد قيل في البواعث .
ومن هنا علمت أن المراد بالنية في حديث الباب هو هذا المعنى
اللغوي، وأن تقسیم النية الذي في أثناء الحديث باعتبار بواعثها ، فمن
كان باعث هجرته رضاء الله ورسوله فهجرته مقبولة مثاب صاحبها ،
ومن كان باعث هجرته المرأة والدنيا فهجرته لا أجر فيها ولا وزر ،
ويحتمل أن يكون مأزورا لأنه طلب الدنيا بما صورته عمل الآخرة أي في
هذا الحديث لقرينة السياق . وأما في غيره فمدار الإثم والإثابة على تحقق
قصده ، فإن قصد الأمر المباح غير مُغَرِّر بمحض الطاعة فلا إثم عليه ، إذ
طلب المباح غير إثم من حيث هو طلب مباح ، وإلا كان إثما بالتغرير .
والحاصل أن هنا صورا أربعا :
الأولى : أن يقصد أمرا محرما كالرياء والسمعة كان آثما لحديث
الأربعة .
الثانية : أن يقصد أمرا غير محرم كإعلاء كلمة الله فقط كان مأجورا
أجر المجاهد المخلص .
الثالثة : أن يقصد أمرا مباحا فقط كالغنيمة فقط فإنه إذا تجرد قصد
المجاهد لها لا غیر لم یأثم إن صحبتها نية أنها کسب من الحلال أجر أجر
كاسب الحلال .
الرابعة : أن يقصد الغنيمة وإعلاء كلمة الله كان له أجر الجهاد وهي
رتبة أدنى ممن لم يلاحظ إلاَّ على إعلاء كلمة الله فقط .

-٢٢٧ -
٦٠ - باب النية في الوضوء - حديث رقم ٧٥
وإذا عرفت هذا عرفت بطلان القول بأن الحديث محمول على المعنى
اللغوي ليحسن تطبيقه على ما بعده ، وتقسيم أحوال المهاجر فإنه تفصيل
لما أجمل النبي ◌َّه وإنما قلنا: إنه باطل لأن المعنى اللغوي لم يعتبر فيه إثابة
ولا عقوبة كما عرفت ، والتقسيم في أثناء الحديث اعتبر فيه ذلك أو
بعضه ، ومعنى المقسم معتبر في الأقسام ضرورة دخولها تحته دخول
الأخص تحت الأعم ، وإلا لما كانت أقسامَهُ .
فالتحقيق ما سمعت من أنه تقسيم للحوامل والبواعث في فوات
الأعمال بالحوامل والبواعث ، فباعث النية في هذا الفعل وهو الهجرة إن
كان ابتغاءَ مرضات الله ورسوله فهي هجرة لله ورسوله، وإن كانت المرأةَ
والدنيا فليست لله ورسوله ، لا يقال : يحمل قولهم في رسم اللغوي
حالا ومآلا وجلب نفع ودفع ضر على ما يشمل الإثابة والعقوبة فيتم
التقسيم في حديث الباب لأنا نقول منع منه أمران :
الأول: أن الإثابة والعقوبة أمور شرعية لا يعرفها أهل اللغة قبل
الشرع .
والثاني : أنه لو أريد ذلك لما احتيج إلى القول بأنه خصصها الشرع ،
ولما افتقر إلى تقسيمها إلى لغوي وشرعي ، ولا يصح ، ثم لا يخفى أن
رسم البيضاوي شامل لأفراد النية المأجور صاحبها كما عرفت ، إلا أنه لا
يخفى أنه أورده رسما للنية العامة كما عرفت من سياقه ، وقد طال الكلام
حتى كاد أن يكون رسالة مستقلة ، ولا ينكر طوله فإنه في حديث مفرد
يأتي بجمع ، ولذا قيل : إنه ثلث العلم . (من البسيط) .
فَقَدْ أطَالَ ثَنَائِي طُولُ لابِسِهِ إِنَّ الثَّنَاءَ عَلَى التَّنْبَالِ تَنْبَالُ
اهـ . العدة ، جـ١ / ص ٥٦- ٦١ .
التنبال بالكسر : القصير كالتنبالة قاله في ((ق)) يعني الثناء على القصير
قصير .

- ٢٢٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
المسألة الحادية عشرة :
قال الحافظ زين الدين ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في جامع
العلوم والحكم ما نصه :
فائدة مهمة :
واعلم أن النية في اللغة نوع من القصد والإرادة ، وإن كان قد فُرِّقَ
بين هذه الألفاظ بما ليس هذا موضع ذكره ، والنية في كلام العلماء تقع
بمعنيين :
أحدهما: تمييز العبادات بعضها عن بعض كتمييز صلاة الظهر من
صلاة العصر مثلا . وتمييز رمضان من صيام غيره.
أو تمييز العبادات من العادات ، كتمييز الغسل من الجنابة من غسل
التبرد والتنظيف ونحو ذلك ، وهذه النية هي التي توجد كثيرا في كلام
الفقهاء في كتبهم .
والمعنى الثاني : بمعنى تمييز المقصود بالعمل ، وهل هو لله وحده لا
شريك له أم لله وغيره ؟ .
وهذه هي النية التي يتكلم فيها العارفون في كتبهم في كلامهم على
الإخلاص وتوابعه ، وهذه هي التي توجد في كلام السلف المتقدمين ،
وقد صنف أبو بكر بن أبي الدنيا مصنفا سماه ((كتاب الإخلاص والنية))
وإنما أراد هذه النية، وهي النية التي يتكرر ذكرها في كلام النبي عليه تارة
بلفظ النية ، وتارة بلفظ الإرادة ، وتارة بلفظ مقارب لذلك ، وقد جاء
ذكرها كثيرا في كتاب الله عز وجل بغير لفظ النية أيضا من الألفاظ المقاربة
لها ، وإنما فرق من فرق بين النية وبين الإرادة والقصد ونحوهما لظنهم
اختصاص النية بالمعنى الأول الذي يذكره الفقهاء .

٢٢٩
٦٠ - باب النية في الوضوء - حديث رقم ٧٥
فمنهم من قال : النية تختص بفعل الناوي والإرادة لا تختص
بذلك، کما یرید الإنسان من الله أن يغفر له ولا ينوى ذلك ، وقد ذكرنا
أن النية في كلام النبي ◌ّ وسلف الأمة إنما يراد بها هذا المعنى الثاني غالبا،
فهي حينئذ بمعنى الإرادة ، ولهذا يعبر عنها بلفظ الإرادة في القرآن كثيرا
كما في قوله تعالى: ﴿منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة﴾ [آل
عمران : آية ١٥٢] وقوله : ﴿تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة﴾
[الأنفال: آية٦٧] وقوله تعالى: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها ﴾
[هود: آية ١٥] وقوله: ﴿من كان يريد حرث الآخرة﴾
[الشورى: آية ٢٠] وقوله : ﴿ من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء
لمن نريد﴾ [الإسراء: آية ١٨] وقوله ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم
بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾ [الأنعام: الآية ٥٢] وقوله ﴿واصبر
نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد
عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ﴾ [الكهف : آية٢٨] وقوله ﴿ ذلك خير
للذين يريدون وجه الله﴾ [الروم: آية ٣٨] وقوله ﴿وما آتيتم من ربا
ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه
الله فأولئك هم المضعفون﴾ [الروم: آية ٣٩].
وقد يعبر عنها في القرآن بلفظ الابتغاء كما في قوله تعالى ﴿ إلا ابتغاء
وجه ربه الأعلى﴾ [الليل: آية ٢١] وقوله ﴿ومثل الذين ينفقون أموالهم
ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم ﴾ [البقرة: الآية ٢٦٥]، وقوله
﴿وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله﴾ [البقرة: آية ٢٧٢] وقوله ﴿لا خير في
كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف ﴾ [النساء: الآية ١١٤]
فنفى الخير عن كثير مما يتناجى الناس به إلا في الأمر بالمعروف ، وخص
من أفراده الصدقة والإصلاح بين الناس بعموم نفعهما ، فدل ذلك على
أن التناجي بذلك خير ، وأما الثواب عليه من الله فخصه بمن فعله ابتغاء

- ٢٣٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
مرضات الله، وإنما جعل الأمر بالمعروف من الصدقة والإصلاح بين
الناس وغيرهما خيراً ، وإن لم يبتغ به وجه الله لما يترتب على ذلك من
النفع المتعدي ، فيحصل به للناس إحسان وخير ، وأما بالنسبة إلى الأمر
فإن قصد به وجه الله وابتغاء مرضاته كان خيرا له وأثيب عليه ، وإن لم
يقصد ذلك لم یکن خیرا له ولا ثواب له علیه ، وهذا بخلاف من صلى
وصام وذكر الله يقصد بذلك عرض الدنيا فإنه لا خير له فيه بالكلية ، لأنه
لا یتعدی نفعه إلى أحد، اللهم إلا أن يحصل لأحد اقتداء به في ذلك
وأما ما ورد في السنة وكلام السلف من تسمية هذا المعنى بالنية فكثير
جداً ، ونحن نذكر بعضه:
كما خَرَّج الإمامُ أحمد ، والنسائي ، من حديث عبادة بن الصامت
رضي الله عنه عن النبي أنه قال: ((من غزا في سبيل الله ولم ينو إلا
عقالا فله ما نوى)) وأخرجه الإمام أحمد من حديث ابن مسعود رضي الله
عنه عن النبي ﴾ قال: (( إن أكثر شهداء أمتي أصحاب الفرش ، ورب
قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته)).
وخرج ابن ماجه من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنها عن
النبيَ﴾قال (( يحشر الناس على نياتهم)) ، ومن حديث أبي هريرة رضي
الله عنه عن النبي ◌َّ قال: ((إنما يبعث الناس على نياتهم)) وأخرج ابن
أبي الدنيا من حديث عمر رضي الله عنه عن النبي # قال: ((إنما يبعث
المقتتلون على نياتهم)» وفي صحيح مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها
عن النبي قال: ((يعوذ عائذ بالبيت فيبعث إليه بعث ، فإذا كانوا ببيداء
من الأرض يخسف بهم، فقلت : يا رسول الله فكيف بمن كان كارها ؟
قال : يخسف به معهم ، ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته)) .
وفيه أيضا عن عائشة رضي الله عنها عن النبي ﴾ معنى هذا الحديث،

١-٢٣ _
٦٠ - باب النية في الوضوء - حديث رقم ٧٥
وقال فيه: (( يهلكون مَهلكًا واحدًا ، ويصدرون مصادر شتى ، ويبعثهم
الله على نياتهم».
وخرّج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث زيد بن ثابت عن النبي عن﴾﴾
قال: ((من كانت همه الدنيا فرق الله شمله)) وفي لفظ ((أمره)) (( وجعل
فقره بين عينيه ، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له ، ومن كانت الآخرة نيته
جمع الله له أمره ، وجعل غناه في قلبه ، وأتته الدنيا وهي راغمة)) هذا
لفظ ابن ماجه ولفظ أحمد ( من کانت همه الآخرة ومن کانت نیته الدنیا»
وخرَّجه ابن أبي الدنيا، وعنده ((من كانت نيته الآخرة ، ومن كانت نيته
الدنيا )) .
وفي الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص عن النبي قال: ((إنك لن
تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أثبت عليها حتى اللقمة تجعلها في في
امرأتك)»، وروى ابن أبي الدنيا بإسناد منقطع عن عمر قال: ((لا عمل
لمن لا نية له ، ولا أجر لمن لا حسبة له)) يعني لا أجر لمن لم يحتسب ثواب
عمله عند الله عز وجل ، وبإسناد ضعيف عن ابن مسعود قال : لا ينفع
قول إلا بعمل ، ولا ينفع قول ولا عمل إلا بنية ، ولا ينفع قول ولا عمل
ولا نية إلا بما وافق السنة . وعن يحيى بن أبي كثير قال : تعلموا النية فإنها
أبلغ من العمل ، وعن زيد الشامي ، قال : إني لأحب أن تكون لي نية
في كل شيء حتى في الطعام والشراب .
وعنه أيضا أنه قال : انْو في كل شيء تريد الخير حتى خروجك إلى
الكناسة ، وعن داود الطائي قال : رأيت الخير كله إنما يجمعه حسن
النية، وكفاك بها خيرا وإن لم تَنْصَب ، قال داود: والبرِّهمَّةُ التقي ولو
تعلقت جمیع جوارحه بحب الدنيا لردته یوما نیته إلى أصله ، وعن
سفيان الثوري قال : ما عالجت شيئا أشد علي من نيتي ، لأنها تتقلب
i

- ٢٣٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
علي ، وعن يوسف بن أسباط قال : تخليص النية من فسادها أشد على
العاملين من طول الاجتهاد ، وقيل لنافع بن حبيب : ألا تشهد الجنازة ؟
قال : كما أنت حتى أنوي ، قال : ففكر هنيهة ثم قال : امض ، وعن
مطرف بن عبد الله قال: صلاح القلب بصلاح العمل ، وصلاح العمل
بصلاح النية ، وعن بعض السلف قال : من سره أن يكمل له عمله
فليحسن نيته ، فإن الله عز وجل يأجر العبد إذا أحسن نيته حتى باللقمة ،
وعن ابن المبارك قال : رب عمل صغير تعظمه النية ، ورب عمل كبير
تصغره النية ، وقال ابن عجلان : لا يصلح العمل إلا بثلاث : التقوى
لله ، والنية الحسنة ، والإصابة .
وقال الفضيل بن عياض : إنما يريد الله عز وجل منك نيتك
وإرادتك، وعن يوسف بن أسباط قال : إيثار الله عز وجل أفضل من
القتل في سبيل الله ، خَرَّجَ ذلك كله ابنُ أبي الدنيا في كتاب الإخلاص
والنية ، وروى فيه بإسناد منقطع عن عمر قال : أفضل الأعمال أداء ما
افترض الله عز وجل ، والورع عما حرم الله عز وجل ، وصدق النية
فيما عند الله عز وجل .
وبهذا يعلم ما روى الإمام أحمد أن أصول الإسلام ثلاثة أحاديث :
حديث ((إنما الأعمال بالنيات)) وحديث (( من أحدث في أمرنا هذا ما
ليس منه فهو رد)) وحديث: ((الحلال بين والحرام بين)) فإن الدين كله
يرجع إلى فعل المأمورات وترك المحظورات والتوقف عن الشبهات ،
وهذا كله تضمنه حديث النعمان بن بشير ، وإنما يتم ذلك بأمرين :
أحدهما: أن يكون العمل في ظاهره على موافقة السنة ، وهذا هو
الذي تضمنه حديث عائشة (( من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد)).
والثاني : أن يكون العمل في باطنه يقصدبه وجه الله عز وجل ، كما

-٢٣٣ -
٦٠ - باب النية في الوضوء - حديث رقم ٧٥
تضمنه حديث عمر (( الأعمال بالنيات )) وقال الفضيل بن عياض في قوله
تعالى ﴿ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾ [الملك: آية ٢] قال: أخلصه
وأصوبه ، وقال : إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل ،
وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل ، حتى يكون خالصا وصوابا ،
قال : والخالص إذا كان لله عز وجل ، والصواب إذا كان على السنة .
وقد دل هذا الذي قال الفضیل علی قوله عز وجل ﴿ فمن کان یرجو
لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾
[الكهف: آية ١١٠] وقال بعض العارفين: إنما تفاضلوا بالإرادات ، ولم
يتفاضلوا بالصوم والصلاة .
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى :
«فصل)»:
وأما النية بالمعنى الذي ذكره الفقهاء ، وهو تمييز العبادات عن
العادات، وتمييز العبادات بعضها من بعض ، فإن الإمساك عن الأكل
والشرب يقع تارة حمْيَةً ، وتارة لعدم القدرة على الأكل ، وتارة ترکا
للشهوات لله عز وجل فيحتاج في الصيام إلى نية ، ليتميز بذلك عن ترك
الطعام على غير هذا الوجه ، وكذلك العبادات كالصلاة والصيام منها
فرض ومنها نفل ، والفرض يتنوع أنواعا ، فإن الصلوات المفروضات
خمس صلوات في كل يوم وليلة ، والصيام الواجب تارة يكون صيام
رمضان ، وتارة يكون صيام كفارة ، أو عن نذر ، ولا يتميز هذا كله إلا
بالنية ، وكذلك الصدقة تكون نفلا ، وتكون فرضا والفرض منه زكاة ،
ومنه كفارة ، ولا يتميز ذلك إلا بالنية ، فيدخل ذلك في عموم قوله علّ :
(( وإنما لكل امرئ ما نوى)).
وفي بعض ذلك اختلاف مشهور بين العلماء ، فإن منهم من لا

- ٢٣٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
يوجب تعيين النية للصلاة المفروضة ، بل يكفي عنده أن ينوي فرض
الوقت ، وإن لم يستحضر تسميته في الحال ، وهي رواية عن الإمام
أحمد ، ويبنى على هذا القول أن من فاتته صلاة من يوم وليلة ونسي
عينها أن عليه أن يقضي ثلاث صلوات : الفجر والمغرب ورباعية
واحدة.
وكذلك ذهب طائفة من العلماء إلى أن صيام رمضان لا يحتاج إلى
نية معينة أيضا ، بل يجزئ نية الصيام مطلقا ، لأن وقته غير قابل لصيام
آخر ، وهو رواية عن الإمام أحمد ، وربما حكي عن بعضهم أن صيام
رمضان لا يحتاج إلى نية بالكلية لتعينه بنفسه ، فهو كرد الودائع ، وحكي
عن الأوزاعي أن الزكاة كذلك ، وتأول بعضهم قوله على أنه أراد أنها
تجزئ بنية الصدقة المطلقة كالحج ، وكذلك قال أبو حنيفة : لو تصدق
بالنصاب كله من غير نية أجزأه عن زكاته ، وقد روي أن النبي ## سمع
رجلا يلبي بالحج عن رجل، فقال له: ((أحَجَجْتَ عن نفسك ؟ قال :
لا ، قال : هذه عن نفسك ثم حج عن الرجل )) قال : وقد تكلم في صحة
هذا الحديث ، ولكنه صحيح عن ابن عباس وغيره ، وأخذ بذلك
الشافعي ، وأحمد في المشهور عنه ، وغيرهما في أن حجة الإسلام
تسقط بنية الحج مطلقا ، سواء نوى التطوع أو غيره ، ولا يشترط للحج
تعیین النية ، فمن حج عن غيره ، ولم يحج عن نفسه وقع عن نفسه ،
وكذلك لو حج عن نذر ، أو نفلا ولم يكن حج حجة الإسلام ، فإنها
تنقلب عنها ، وقد ثبت عن النبي ◌ّ أنه أمر أصحابه في حجة الوداع بعد
ما دخلوا معه ، وطافوا وسعوا ، أن يفسخوا حجهم ، ويجعلوه عمرة
وكان منهم القارن والمفرد ، وإنما كان طوافهم عند قدومهم طوافَ
القدوم، وليس بفرض ، وقد أمرهم أن يجعلوه طواف عمرة ، وهو
فرض ، وقد أخذ بذلك الإمام أحمد في فسخ الحج ، وعمل به ، وهو

٢٣٥ -
٦٠ - باب النية في الوضوء - حديث رقم ٧٥
مشكل على أصله ، فإنه يوجب تعيين الطواف الواجب للحج والعمرة
بالنية ، وخالفه في ذلك أكثر الفقهاء، كمالك، والشافعي، وأبي حنيفة،
وقد يفرق الإمام أحمد بين أن يكون طوافه في إحرام انقلب كالإحرام
الذي يفسخه ويجعله عمرة فينقلب الطواف فيه تبعا لانقلاب الإحرام ،
كما ينقلب الطواف في الإحرام الذي نوى به التطوع إذا كان عليه حجة
الإسلام تبعا لانقلاب الإحرام من أصله ، ووقوعه عن فرضه ، بخلاف
ما إذا طاف للزيارة لنية الوداع ، أو التطوع ، فإن هذا لا يجزيه إلا أن
ينوي به الفرض ، ولم ينقلب فرضا تبعا لانقلاب إحرامه ، والله أعلم .
ومما يدخل في هذا الباب أن رجلا في عهد النبي ﴾ كان قد وضع
صدقته عند رجل فجاء ولد صاحب الصدقة فأخذها ممن هي عنده ، فعلم
بذلك أبوه ، فخاصمه إلى النبي عَّه، فقال : ما إياك أردت، فقال الني
عَّة للمتصدق: ((لك ما نويت)) وقال للآخذ: ((لك ما أخذت )) خرَّجه
البخاري . وقد أخذ الإمام أحمد بهذا الحديث ، وعمل به في المنصوص
عنه ، وإن كان أكثر أصحابه على خلافه ، فإن الرجل إنما منع من دفع
الصدقة إلى ولده خشية أن تكون محاباة ، فإذا وصلت إلى ولده من
حيث لا يشعر كانت المحاباة منتفية ، وهو من أهل استحقاق الصدقة في
نفس الأمر ، ولهذا لو دفع صدقته إلى من يظنه فقيرًا ، وكان غنيا في
نفس الأمر أجزأته على الصحيح ، لأنه إنما دفع إلى من يعتقد استحقاقه ،
والفقر أمر خفي لا يكاد يُطَّلِعُ على حقيقته .
وأما الطهارة: فالخلاف في اشتراط النية لها مشهور، وهو يرجع إلى
أن الطهارة للصلاة هل هي عبادة مستقلة ، أم هي شرط من شروط
الصلاة ، كإزالة النجاسة وستر العورة ؟ فمن لم يشترط لها النية جعلها
كسائر الشروط ، ومن اشترط لها النية جعلها عبادة مستقلة ، فإذا كانت
عبادة في نفسها لم تصح بدون النية ، وهذا قول جمهور العلماء ، ويدل

- ٢٣٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
على صحة ذلك تكاثر النصوص الصحيحة عن النبي : أن الوضوء
يكفر الذنوب والخطايا ، وأن من توضأ كما أمر كان كفارة لذنوبه ، وهذا
يدل على أن الوضوء المأمور به في القرآن عبادة مستقلة بنفسها ، حيث
رتب عليه تكفير الذنوب ، والوضوء الخالي من النية لا يكفر شيئا من
الذنوب بالاتفاق ، فلا يكون مأمورا به ، ولا تصح به الصلاة ، ولهذا لم
يرد في شيء من بقية شرائط الصلاة كإزالة النجاسة وستر العورة ، ما ورد
في الوضوء من الثواب ولو شرك بين نية الوضوء ، وبين قصد التبرد، أو
إزالة النجاسة ، أو الوسخ ، أجزأه في المنصوص عن الشافعي، وهذا
قول أكثر أصحاب أحمد ، لأن هذا القصد ليس بمحرم ولا مكروه ،
ولهذا لو قصد مع رفع الحدث تعليم الوضوء لم يضره ذلك، وقد كان
النبي ◌َّ يقصد أحيانا بالصلاة تعليمها للناس ، وكذلك الحج كما قال :
((خذوا عني مناسككم)).
قال رحمه الله : ومما تدخل فيه النية من أبواب العلم : مسائل
الأيمان، فلغو اليمين لا كفارة فيه ، وهو ماجرى على اللسان من غير
قصد بالقلب البتة ، كقوله : لا والله ، وبلى والله ، في أثناء الكلام قال
تعالى: ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ [المائدة: آية ٨٩]،
وكذلك يُرجع في الأيمان إلى نية الحالف ، وما قصد بيمينه ، فإن حلف
بطلاق ، أو عتاق ، ثم ادعى أنه نوى ما يخالف ظاهر لفظه ، فإنه يُدیَّن
فيما بينه وبين الله عز وجل ، وهل يقبل منه في ظاهر الحكم ، فيه قولان
للعلماء مشهوران ، وهما روايتان عن أحمد ، وقد روي عن عمر أنه رفع
إليه رجل قالت له امرأته : شَبُّهْني، قال : كأنك ظَبْيَة ، كأنك حَمَامة ،
فقالت : لا أرضى حتى تقول : أنت خَلَيَّة طالق ، فقال ذلك ، فقال
عمر: خذ بيدها فهي امرأتك ، خَرَّجه أبو عبيد ، وقال : أراد الناقة تكون
معقولة ، ثم تطلق من عقالها ، ويُحَلّ عنها ، فهي خَليَّة من العقال ،

٢٣٧ _
٦٠ - باب النية في الوضوء - حديث رقم ٧٥
وهي طالق لأنها قد انطلقت منه ، فأراد الرجل ذلك ، فأسقط عنه عمر
الطلاق لنيته ، قال: وهذا أصل لكل من تكلم بشيء يشبه لفظ الطلاق ،
والعتاق ، وهو ينوي غيره ، أن القول فيه قوله فيما بينه وبين الله عز
وجل، وفي الحكم على تأويل عمر رضي الله عنه ، ويروى عن السَّمَيط
السِّدُوسيّ ، قال : خطبت امرأة فقالوا: لا نُزَوِّجك حتى تطلق امرأتك،
فقلت : إني طلقتها ثلاثا ، فزوجوني ، ثم نظروا فإذا امرأتي عندي ،
فقالوا : أليس قد طلقتها ثلاثا ، فقلت : كان عندي فلانة ، فطلقتها ،
وفلانة فطلقتها ، فأما هذه فلم أطلقها ، فأتیت شقيق بن ثور ، وهو یرید
الخروج إلى عثمان وافدا ، فقلت له : سَلْ أمير المؤمنين عن هذه ، فخرج
فسأله ، فذكر ذلك لعثمان ، فجعلها له ، فقال : بنيته . خرَّجه أبو عبيد
في كتاب الطلاق ، وحكى إجماع العلماء على مثل ذلك ، وقال إسحاق
ابن منصور : قلت لأحمد : حديث السميط تعرفه؟ قال : نعم
السدوسي ، وإنما جعل نيته بذلك ، وقال : فإن كان الحالف ظالما ونوى
خلاف ما حلّفه عليه غريمه لم تنفعه نيته .
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي
التى
قال: « يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك )) وفي رواية له (( اليمين على
نية المستحلف)) وهو محمول على الظالم ، فأما المظلوم فينفعه ذلك ،
وقد خرّج الإمام أحمد ، وابن ماجه من حديث سُوَيَد بن حَنْظَلَة قال :
خرجنا نريد رسول الله عَ﴾، ومعنا وائل بن حُجْر، فأخذه عدوّ له،
فتحرج الناس أن يحلفوا ، فحلفت أنا أنه أخي ، فخلي سبيله ، وأتينا
النبي عَلِّ، فأخبرته أن القوم تحرجوا أن يحلفوا ، فحلفت أنا أنه أخي ،
فقال : ((صدقت ، المسلم أخو المسلم)).
وكذلك قد تدخل النية في الطلاق والعتاق ، فإذا أتى بلفظ من ألفاظ
الكنايات المحتملة للطلاق أو العتاق ، فلابد له من النية ، وهل يقوم مقام

- ٢٣٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
النية دلالة الحال من غضب ، أو سؤال الطلاق ، ونحوه أم لا ؟ فيه
خلاف مشهور بين العلماء ، وهل يقع بذلك الطلاق في الباطن كما لو
نواه أم يلزم به في ظاهر الحكم فقط ، فيه خلاف مشهور ، ولو أوقع
الطلاق بكناية ظاهرة كالبتة ونحوها ، فهل يقع به الثلاثة أو واحدة ؟ فيه
قولان مشهوران، فظاهر مذهب أحمد أنه يقع به الثلاث مع إطلاق النية،
فإن نوی به ما دون الثلاث وقع به ما نواه ، وحكي عنه رواية أخرى أنه
يلزمه الثلاث أيضا ، ولو رأى امرأة يظنها امرأته فطلقها ثم بانت أجنبية
طلقت امرأته ، لأنه إنماقصد طلاق امرأته نص على ذلك أحمد ، وحكي
عنه رواية أخرى أنها لا تطلق ، وهو قول الشافعي ، ولو كان بالعكس
بأن رأى امرأة فظنها أجنبية فطلقها فبانت امرأته فهل تطلق ؟ فيه قولان
وهما روايتان عن أحمد ، والمشهور من مذهب الشافعي وغيره أنها لا
تطلق ، ولو كان له امرأتان ، فنهى إحداهما عن الخروج ، ثم رأى امرأة
قد خرجت فظنها المنهية ، فقال لها فلانةُ خرجت أنت طالق ، فقد
اختلف العلماء ، فيها فقال الحسن : تطلق المنهية لأنها التي نواها ، وقال
إبراهيم : يطلقان ، وقال عطاء : لا تطلق واحدة منهما . وقال أحمد :
إنها تطلق المنهية رواية واحدةً ، لأنه نوى طلاقها ، وهل تطلق المواجهة
على روايتين عنه ، فاختلف الأصحاب على القول بأنها تطلق ، هل
تطلق في الحكم فقط أم في الباطن أيضا على طريقتين لهم .
وقد استدل بقولهټّ: (( الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى))
على أن العقود التي يقصد بها في الباطن التوصل إلى الحرام غير
صحيحة، كعقود البيوع التي يقصد بها معنى الربا ونحوها كما هو مذهب
مالك وأحمد ، وغيرهما، فإن هذا العقد إنما نوى به الربا لا البيع ((إنما
لكل امرئ ما نوى » .
ومسائل النية المتعلقة بالفقه كثيرة جدًا ، وفيما ذكرنا كفاية ، وقد تقدم

٩-٢٣ -
٦٠ - باب النية في الوضوء - حديث رقم ٧٥
عن الشافعي أنه قال في هذا الحديث : أنه يدخل في سبعين بابا من الفقه
والله أعلم اهـ كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله وهو كلام نفيس جدّاً
والله أعلم .
المسألة الثانية عشرة :
قال ابن دقيق العيد : قوله (( إنما الأعمال بالنيات )) لابد فيه من حذف
المضاف ، واختلف الفقهاء في تقديره : فالذين اشترطوا النية قدروه :
صحة الأعمال بالنيات ، أو ما يقاربه ، والذين لم يشترطوها قدروه کمال
الأعمال بالنيات، أو ما يقاربها، وقد رُجُحَ الأولُ بأن الصحة أكثر لزوما
للحقيقة من الكمال ، فالحمل عليه أولى لأن ما كان ألزم للشيء كان
أقرب إلى خطوره بالبال عند إطلاق اللفظ فكان الحمل عليه أولى ،
وكذلك قد يقدرونه إنما اعتبار الأعمال بالنيات ، وقد قرب ذلك بعضهم
بنظائر من المثل ، كقولهم : إنما المُلْكُ بالرجال ، أي : قوامه ووجوده ،
وإنما الرجال بالمال ، وإنما المال بالرعية ، وإنما الرعية بالعدل ، كل ذلك
يراد به أن قوام هذه الأشياء بهذه الأمور اهـ إحكام الأحكام .
و کتب العلامة الصنعاني رحمه الله عند قوله : لابد من حذف
مضاف ، ما نصه : أقول : لما أنه معلوم وجود صورة العمل من دون نية
فلابد من التقدير لتوقف الصدق على المقدَّر ، ولذا قيل : إنه من المجمل
لتردده بين المحتملات ، والجمهور على خلافه لسبق المقصود إلى الفهم
عرفا ، فتقدر الصحة : أي لا صحة للأعمال إلا بالنيات ، ورجح بأنه
الأقرب إلى نفي الذات عن الأعمال لأن ما لا يصح كالعدم .
قلت : إنمالاحظوا الأقرب إلى نفي الذات لأن الكلام ظاهر في نفيها
والحَرْف موضوع لذلك ، إذ قولك لا رجل في الدار يراد به نفي الذات ،
أي نفي صفة استقرار الذات في الدار ، وكأنهم يتسامحون في العبارة ،

- ٢٤٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
قال الحلبي : ولأن اللفظ دل على نفي الذات بالتصريح وعلى نفي
الصفات بالتبع ، فلما منع الدليل دلالته على نفي الذات ثبت أن دلالته
على نفي الصفات مستمرة ، فحيث ولابد من مقدر يتوجه النفي إليه فما
هو في حكم العدم ، والشارح (يعني ابن دقيق العيد ) ذکر مرجحا آخر
وهو أن الصحة أكثر لزوما للحقيقة من الكمال ، يريد أن الأفعال
الصحيحة أكثر وجودا من الأفعال الكاملة فيتوجه النفي إلى ملازم
الحقيقة، فكان نفي الملازَم - بالفتح- وهو ملاق للأول ، إذ نفي الملازَم
كنفي الملازم .
وقوله : لأن ما کان ألزم للشيء كان أقرب إلى خطوره بالبال ، وهو
مُلاَقٍ لقول أهل الأصول لسبق المقصود إلى الفهم .
قلت : وهنا مرجح أوضح وهو أن خطابات الشارع محمولة على
تعريفه وتعليمه للمكلفين التكاليف الصحيحة إذ هي المطلوبة منهم ، ولذا
حملت الخطابات المطلقة في مثل ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾
[البقرة: آية ٢٣٠] على النكاح الصحيح لأنه مطلوب الشارع ، لا الفساد
فلا يكون محللا ، فكذلك يكون مطلوب الشارع تعريف العباد صحيح
التكاليف التي يسقط الطلب بها وتستحق به الإثابة ، وأما الكمال فهو
مطلوب ندبا لا وجوبا وإلا لزم أن لا يجزئ إلا الكامل من الأفعال لا
الصحيح ، على أني أقول : ههنا مانع من تقدير الكمال وهو أنه سیق
الحديث لبيان الأعمال التي يثاب عليها العباد ، فلو قدر الكمال لزم أن لا
يثاب العباد ، فلو قدر (١) الكمال على الأفعال الصحيحة حتى تتصف
بالكمال وهو باطل ، ثم الكمال يتفاوت بتفاوت رتب العاملين، فصلاة
نبينا على أكمل الصلوات ، ثم تختلف رتبته على اختلاف طبقات الأتقياء،
(١) هكذا العبارة في نسخة العُدَّة، وفيها ركاكة ولعل الصواب إسقاط فلو قدر الكمال الثاني ،
فيكون التركيب هكذا فلو قدر الكمال لزم أن لا يثاب العباد على الأفعال الصحيحة ، الخ