Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١ -
٤٥ - تركـ توقيت الماء - حديث رقم ٥٦.٥٥.٥٤.٥٣
التراب نقل ، وعلمنا أن المقصود من التطهير تعين الحكم بطهارة البلة وإذا
كانت طاهرة فالمنفصلة أيضا مثلها لعدم الفارق .
* ويستدل به أيضا على عدم اشتراط نضوب الماء لأنه لو اشترط
نضوب الماء لتوقف طهارة الأرض على الجفاف ، وكذا لا يشترط عصر
الثوب إذ لا فارق.
قال الموفق في المغني بعد أن حكى الخلاف : الأولى الحكم بالطهارة
مطلقا لأن النبي لم يشترط في الصب على بول الأعرابي شيئا .
* وفيه الرفق بالجاهل ، وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف ، إذا لم
يكن ذلك منه عنادا ، ولا سيما إذا كان ممن يحتاج إلى استئلافه .
*وفيه رأفة النبي عَّ وحسن خلقه ، قال ابن ماجه وابن حبان في
حديث أبي هريرة فقال الأعرابي بعد أن فقه في الإسلام : فقام إليّ النبي
◌َّ* بأبي وأمي فلم يُؤَنِّبْ ولم يَسُبَّ .
* وفيه تعظيم المسجد وتنزيهه عن الأقذار ، وظاهر الحصر من سياق
مسلم في حديث أنس حيث قال له: (( إن هذه المساجد لا تصلح لشيء
من هذا البول ولا القذر ، إنما هي لذكر الله تعالى والصلاة وقراءة القرآن))
أنه لا يجوز في المسجد شيء غير ما ذكر من الصلاة ، والقرآن والذكر ،
لكن الإجماع على أن مفهوم الحصر منه غير معمول به ، ولا ريب أن
فعل غير المذكورات ، وما في معناها ، خلاف الأولى ، والله أعلم .
* وفيه أن الأرض تطهر بصب الماء عليها ، ولا يشترط حفرها ،
خلافا للحنفية ، حيث قالوا : لا تطهر إلا بحفرها ، كذا أطلق النووي
وغيره ، والمذكور في كتب الحنفية التفصيل بين ما إذا كانت رخوة بحيث
يتخللها الماء حتى يغمرها ، فهذه لا تحتاج إلي حفر ، وبين ما إذا كانت
صلبة ، فلابد من حفرها وإلقاء التراب ، لأن الماء لم يَغْمُرْ أعلاها

- ٤٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وأسفلها ، واحتجوا فيه بحديث جاء من ثلاث طرق أحدها موصول عن
ابن مسعود أخرجه الطحاوي ، لكن إسناده ضعيف ، قاله أحمد وغيره ،
والآخران مرسلان أخرج أحدهما أبو داود من طريق عبد الله بن معقل
ابن مُقَرِّن ، والآخر من طريق سعيد بن منصور عن طريق طاوس ورواتها
ثقات ، وهو يلزم من يحتج بالمرسل مطلقا ، وكذا من يحتج به إذا اعتضد
مطلقا ، والشافعي إنما يعتضد عنده إذا كان من رواية كبار التابعين ، وكان
من أرسل إذا سَمَّى لا يسمي إلا ثقة وذلك مفقود في المرسلين المذكورين
على ما هو ظاهر من سنديهما والله أعلم . اهـ كلام الحافظ رحمه الله
جـ١/ ص٣٨٨ -٣٨٩.
وقال في تلخيص الحبير عند قوله : ولم يؤمر بنقل التراب ما نصه :
يعني في الحديث المذكور ، وهو كذلك ، لكن قد ورد أنه أمر بنقله من
حديث أنس بإسناد رجاله ثقات .
قال الدار قطني : ثنا ابن صاعد ، ثنا عبد الجبار بن العلاء ، ثنا ابن
عيينة ، عن يحيى بن سعيد ، عن أنس أن أعرابيا بال في المسجد ، فقال
النبي : ((احفروا مكانه ثم صبوا عليه ذنوبا من ماء)» وأعله الدار قطني
بأن عبد الجبار تفرد به دون أصحاب ابن عيينة الحفاظ ، وأنه دخل عليه
حديث في حديث ، وأن عند ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار عن طاوس
مرسلا وفيه ((احفروا مكانه)) وعن يحيى بن سعيد عن أنس موصولا ،
وليست فيه الزيادة ، وهذا تحقيق بالغ إلا أن هذه الطريق المرسلة مع صحة
إسنادها إذا ضمت إلى أحاديث الباب أخذت قوة ، وقد أخرجها
الطحاوي مفردة من طريق ابن عيينة عن عمرو ، وعن طاوس ، وكذا
رواه سعيد بن منصور ، عن ابن عيينة ، فمن شواهد هذا المرسل ، مرسل
آخر رواه أبو داود ، والدار قطني من حديث عبد الله بن معقل بن مقرن
المزني، وهو تابعي ، قال : قام أعرابي إلى زاوية من زوايا المسجد فبال

٤٥ - تركـ توقيت الماء - حديث رقم ٥٦.٥٥.٥٤.٥٣
٤٣ -
فيها، فقال النبي ◌َله: ((خذوا ما بال عليه من التراب ، فألقوه ، وأهريقوا
علی مکانه ماء » قال أبو داود : روي مرفوعا يعني موصولا ، ولا يصح،
قلت : وله إسنادان موصولان :
أحدهما : عن ابن مسعود ، رواه الدارمي، والدار قطني ، ولفظه :
((فأمر بمكانه ، فاحتفر وصب عليه دلو من ماء)) وفيه سمعان بن مالك ،
وليس بالقوي ، قاله أبو زرعة، وقال ابن أبي حاتم في العلل عن أبي زرعة
هو حديث منكر ، وكذا قال أحمد ، وقال أبو حاتم : لا أصل له
ثانيهما : عن واثلة بن الأسقع ، رواه أحمد والطبراني ، وفيه
عبيدالله بن أبي حميد الهُذكي وهو منكر الحديث ، قاله البخاري ، وأبو
حاتم. اهـ كلام الحافظ في التلخيص جـ١/ ص٣٧ .
وقال في المنهل : بعد نقل نحو ما تقدم عن الحافظ ما نصه : وبهذا
تعلم أن مذهب الجمهور القائلين بتطهير الأرض بصب الماء عليها مطلقا ،
هو الأقوى لقوة دليله . اهـ. جـ١ / ص٢٥٨ .
* واستدل بالحديث أيضا على نجاسة بول الآدمي ، قال النووي
رحمه الله : وهو مجمع علیه ، بإجماع من يعتد به ، ولا فرق بين الكبير
والصغير ، إلا أن بول الصغير يكفي فيه النضح ، ولم يخالف في بول
الصبي إلا داود الظاهري . ذكره في المنهل جـ١/ ص٢٥٨ .
المسألة الخامسة : أخذ المصنف رحمه الله من هذا الحديث من قوله
((فصب عليه)) أن الماء لاينجس ، وإن قل ، فترجم عليه حيث قال (ترك
التوقيت في الماء) وذلك لأن الدلو من الماء قليل ، وقد صب على البول ،
فيختلط به ، فلو تنجس الماء باختلاط البول يلزم أن يكون هذا تكثيرا
للنجاسة لا إزالة لها ، وهو خلاف المعقول ، فلزم أن الماء لا يتنجس
باختلاط النجس وإن قل .

- ٤٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
قال السندي : وفيه بحث، أما أولاً : فيجوز أن يكون صب الماء عليه
لدفع رائحة البول لا لتطهير المسجد ، وتكون طهارته بالجفاف ،
والطهارة بالجفاف قول لعلمائنا الحنفية ، وهو أقوى دليلا ، ولذا مال إليه
أبو داود في سننه ، واستدل عليه بحديث بول الكلاب في المسجد .
وأما ثانيا : فيجوز أن يفرق بين ورود الماء علي النجاسة فيزيلها ،
وبين ورود النجاسة عليه ، فتنجسه كما يقول به الشافعية .
وأما ثالثا : فیمکن أن یقال کانت الأرض رخوة فشربت البول ،لكن
بقي بظاهرها أجزاء البول ، فحين صب عليه الماء تسفلت تلك الأجزاء ،
واستقر مكانها أجزاء الماء ، فحيث كثر الماء ، وجذب مرارا ، كذلك
ظاهرها وبقي مستقلا بأجزاء الماء الطاهرة ، فصب الماء إذا كان على هذا
الوجه لا يؤدي إلى طهارة ظاهر الأرض فليتأمل . اهـ كلام السندي
جـ١ / ص٤٨ .
قال الجامع عفا الله عنه: الوجه الثاني هو القوي لقوة دليله ، إذ
حديث الباب واضح فيه ، وكذا حديث (( إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا
يغمس)) الحديث ، فإنه واضح في الفرق بين ورود النجاسة على الماء ،
ووروده عليها ، فما ذهب إليه الشافعية هو الراجح .
وأما الوجه الأول : فغير واضح ، فجفاف الأرض لا يطهرها لعدم
ورود نص بذلك ، وحديث بول الكلاب في المسجد ليس واضحا في
ذلك للاحتمالات التي ذكروها هناك حتى إن بعض العلماء يرى عدم
نجاسة بولها ، وكذا الوجه الثالث غير واضح أيضا . والله أعلم .
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت ، وإليه أنيب .

٤٦ - باب الماء الدائم - حديث رقم ٥٨.٥٧
٤٥ -
٤٦ - باب الماء الدائم
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حكم الماء الدائم ، والدائم هو
الراكد الذي لا يجري .
٥٧ - أخْبَرَنَا إسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ،
قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ
رَسُول اللَّهِ لَّهُ: ((لا يُبُولَنَّ أحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ
يَتَوَضَّأْ مِنْهُ)) . قَالَ عَوْفٌ: وَقَالَ خِلاَسٌ ، عَنْ أبي هُرَيْرةَ ،
عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عُلَيَه وَسَلَّمَ مِثْلَهُ .
٥٨ - أخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ
يَحْبَى بْنِ عَتَبِقٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِرِينَ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَّهُ: (( لا يَبُولَنَّ أحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ
ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ» .
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: كَانَ يَعْقُوبُ لا يُحَدِّثُ بُهَذَا الَحَديث
إِلَّ بِدِينَارٍ .
:

- ٤٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
رجال الإسناد الأول: ستة
١- (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي المعروف بابن راهويه الثقة
الثبت [١٠] تقدم في ٢/ ٢ .
٢ - (عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي الثقة [٨]
تقدم في ٨/٨ .
٣- (عوف) بن أبي جميلة العبدي أبو سهل الهجري البصري ،
المعروف بالأعرابي عن أبي العالية ، وأبي رجاء ، وأبي عثمان النهدي ،
وعنه غندر وشعبة ، والنضر بن شميل ، وخلق ، وثقه النسائي ، قال ابن
سعد : مات سنة ١٤٦ ، أخرج له الجماعة .
واسم أبي جميلة بندويه ، ويقال: بل بندويه اسم أمه ، واسم أبيه
رزينة اهـ تهذيب التهذيب ، وفي التقريب : ثقة ورمي بالقدر وبالتشيع
من السادسة ، أخرج له الجماعة .
قال الجامع عفا الله عنه: وقد استوفى أقوال العلماء فيه الحافظ
الذهبي في ((ميزان الاعتدال))، والحافظ في ((تهذيب التهذيب)) والذي
يظهر أنه يكون في مرتبة الصدوق ، لا في مرتبة الثقة على الإطلاق ، كما
صرح به مسلم .
٤ - ( محمد) بن سيرين الأنصاري مولاهم ، أبوبكر البصري ، إمام
وقته ، عن مولاه أنس ، وزيد بن ثابت ، وعمران بن حصين ، وأبي
هريرة ، وعائشة ، وطائفة من كبار التابعين ، وعنه الشعبي ، وثابت ،
وقتادة ، وأيوب ، ومالك بن دينار ، وسليمان التيمي ، وخالد الحذاء ،
والأوزاعي ، وخلق كثير ، قال أحمد : لم يسمع من ابن عباس ، وقال
خالد الحذاء : كل شيء يقول : يثبت عن ابن عباس إنما سمعه من
عكرمة أيام المختار ، قال ابن سعد : كان ثقة مأمونا عاليا ، رفيعا فقيها ،

٤٦ - باب الماء الدائم - حديث رقم ٥٨.٥٧
٤٧ -
إماما ، كثير العلم .
وقال أبو عوانة : رأيت ابن سيرين في السوق ، فما رآه أحد إلا ذكر
الله تعالى .
وقال بكر المزني : والله ما أدركنا من هو أورع منه ، وروي أنه
اشترى بیتا فأشرف فیه علی ثمانين ألف دينار ، فعرض في قلبه منه شيء
فتركه .
وقال جرير بن حازم : سمعت محمدا يقول : رأيت الرجل الأسود،
ثم قال : أستغفر الله ، ما أرانا إلا اغتبناه . وروي أنه كان يصوم يوما
ويفطر يوما .
قال حماد بن زيد: مات سنة ١١٠ ، وأخرج له الجماعة، وفي (ت)
ثقة عابد كبير القدر ، لا يرى الرواية بالمعنى ، من الثالثة .
٥ - (خِلَاس) بكسر أوله ابن عمرو الهَجَري بفتحتين ، البصري ،
عن علي وعمار ، وعائشة ، وأبي هريرة . وعنه قتادة ، وعوف بن أبي
جميلة . قال أحمد : ثقة ثقة ، قال أبوداود: لم يسمع من علي، وسمعت
أحمد يقول: لم يسمع من أبي هريرة ، قلت : حديثه عنه عند (خ)
مقرونا ، أخرج له الجماعة . وفي (ت) ثقة ، يرسل ، من الثانية ، وصح
سماعه من عمار.
٦- (أبو هريرة) رضي الله عنه، تقدم في ١/ ١.
رجال الإسناد الثاني: خمسة
١ - (يعقوب بن إبراهيم) الدورقي أبو يوسف العبدي البغدادي الثقة
[١٠] تقدم في ٢٢/٢١ .
٢ - (إسماعيل) بن إبراهيم المعروف بابن علية البصري ، ثقة حافظ

شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
= ٤٨
[٨] تقدم في ١٩/١٨.
٣ - (يحيى بن عتيق) بفتح فكسر الطُّفاوي البصري ، عن مجاهد ،
والحسن ، وعنه الحمادان ، وعبدالعزيز بن المختار ، وثقه أحمد ، وابن
معين ، علق له البخاري ، وأخرج له مسلم وأبو داود ، والمصنف ، وفي
(ت) ثقه ، من السادسة .
٤، ٥ - محمد بن سيرين ، وأبو هريرة ، تقدما في السند السابق .
لطائف الإسنادين
من لطائف الإسناد الأول :
أنه من خماسياته ، وأن رواته ثقات، وهم ما بين مروزي ، وكوفي
وبصريين ومدني .
وأن لعوف شيخين محمد وخلاس ، كلاهما عن أبي هريرة .
ومن لطائف الثاني :
أنه من خماسياته أيضا، وأن رواته كلهم ثقات ، وهم ما بين
بغدادي، وبصریین ، ومدني .
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) رضي الله عنه (عن رسول الله&) أنه (قال: لا
يبولن) بفتح اللام وبنون التوكيد الثقيلة ، وفي رواية ابن ماجه (( لا يبول))
بغير تأكيد ، قاله العيني .
(أحدكم) أيتها الأمة ، فيشمل الذكر والأنثى ، وأتى بصيغة خطاب
المذكر تغليبا ، وإلا فلا فرق في ذلك بين الذكر والأنثى أفاده في المنهل
جـ١ / ص٢٤٤ .
(١) الطفاوي - بضم الطاء - : نسبة إلى طفاوة بنت جرم.

٤٦ - باب الماء الدائم - حديث رقم ٥٨.٥٧
٤٩-
(في الماء الدائم) أي الساكن ، قال في اللسان : دام الشيء يَدُوم،
ويدام ، قال (من الرجز ) :
يَا مَيَّلا غَرْوَ وَلا مَلَّمَا في الحُبِّ إِنَّ الْحُبَّ لَنْ يَدَامَاً
قال كراع : دام يدوم فَعَل يَفْعَلُ ، وليس بقوي ، دَوْما ودَوَاما
وديمومة ، قال أبو الحسن : في هذه الكلمة نظر ، ذهب أهل اللغة في
قولهم: دِمْتَ تَدُوم إلى أنها نادرة كمِتَّ تموتُ، وفَضِل يَقْضُل ، وحَضِرَ
يَحضُرُ ، وذهب أبو بكر إلى أنها متركبة ، فقال : دُمتَ تَدُوم ، كقُلت
تقول ، ودِمْتَ تَدَام كخِفت تَخَاف ، ثم تركبت اللغتان فظن قوم أن تَدُوم
على دِمت ، وتدام على دُمت ، ذهابا إلى الشذوذ ، وإيثاراله ، والوجه
ما تقدم من أن تدام علی دمت ، وتدوم علی دُمت ، وما ذهبوا إليه من
تشذيذ دِمت تدُوم أخف مما ذهبوا إليه من تسويغ دُمت تَدَام ، إذ الأُولى
ذات نظائر ، ولم يعرف من هذه الأخيرة إلا گُدت تكاد ، وتركيب
اللغتين باب واسع كقَنَطَ يَقْنَطُ ، وركَن يَرْكَن ، فيحمله جهال أهل اللغة
على الشذوذ . اهـ لسان . جـ ٢ ص ١٤٥٧ .
وقال العلامة العيني بعد ما نقل نحو ما تقدم عن ابن سيده مانصه :
وأصله من الاستدارة ، وذلك أن أصحاب الهندسة يقولون : إن الماء
الدائم إذا كان بمكان ، فإنه يكون مستديرا في الشكل ، ويقال الدائم
الواقف الذي لا يجري . اهـ عمدة جـ ٣/ ص٤٨ .
وفي رواية البخاري بعد قوله ((الدائم)) زيادة (( الذي لا يجري))، قال
الحافظ : قيل: هو تفسير ((الدائم)) وإيضاح لمعناه ، وقيل : احترز به عن
راکد يجري بعضه كالبرك ، وقيل : احترز به عن الماء الدائر لأنه جار من
حيث الصورة ساكن من حيث المعنى .
ولهذا لم يذكر هذا القيد في رواية أبي عثمان ، عن أبي هريرة التي
:

- ٥٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
تقدمت الإشارة إليها ، حيث جاء فيها بلفظ الراكد بدل الدائم ، وكذا
أخرجه مسلم من حديث جابر ، وقال ابن الأنباري : الدائم من حروف
الأضداد ، يقال للساکن ، والدائر ، ومنه أصاب الرأس دوام أي دوار ،
وعلى هذا فقوله : «الذي لا يجري)) ، صفة مخصصة لأحد معنى
المشترك، وقيل الدائم ، والراكد مقابلان للجاري ، لكن الدائم الذي له
تبع ، والراكد الذي لا نبع له . اهـ فتح جـ١ / ص٤١٣.
(ثم يتوضأ منه) وفي الرواية الثانية ((ثم يغتسل منه)) وهي رواية
البخاري ، وغيره ، ثم المشهور رفع الفعل ، فتكون الجملة خبرالمبتد!
محذوف ، أي ثم هو يتوضأ منه ، والجملة بمنزلة علة النهي ، أي لا يبولن
أحدكم في الماء الدائم ، لأنه يتوضأ منه، أويغتسل منه بعدُ، و((ثُمَّ)
للاستبعاد ، فكأنه قال : كيف يبول فيه ، وهو يحتاج إليه للوضوء أو
الغسل ، أفاده في المنهل .
وقال الحافظ في الفتح : قوله (( ثم يغتسل منه )) بضم اللام على
المشهور ، وقال ابن مالك : يجوز الجزم عطفا على ((يبولن)) لأنه مجزوم
الموضع بلا الناهية ، ولکنه بني على الفتح لتو کیده بالنون ، ومنع من ذلك
القرطبي فقال : لو أراد النھي لقال : ثم لا يغتسلن فيه ، فحينئذ يتساوى
الأمران في النهي عنه لأن المحل الذي تواردا عليه شيء واحد وهو الماء ،
قال : فعدوله عن ذلك يدل على أنه لم يرد العطف ، بل نبه على مآل
الحال ، والمعنى أنه إذا بال فيه قد يحتاج إليه ، فيمتنع عليه استعماله ،
ومَثَّلَه بقوله : ((لا يضربن أحدكم امرأته ضرب الأمة ثم يضاجعها))
فإنه لم يروه أحد بالجزم ، لأن المراد النهي عن الضرب ، لأنه يحتاج في
مآله إلى مضاجعتها ، فتمتنع لإساءته إليها ، فلا يحصل له مقصوده ،
وتقدير اللفظ ثم هو يضاجعها ، وفي حديث الباب (( ثم هو يغتسل منه)).

٥١ -
٤٦ - باب الماء الدائم - حديث رقم ٥٨.٥٧
وتعقب بأنه لا يلزم من تأكيد النهي ، أن لا يعطف عليه نهي آخر غير
مؤكد ، لاحتمال أن يكون للتأكيد في أحدهما معنی ليس للآخر .
قال القرطبي : ولا يجوز النصب إذ لا تضمر ((أن)) بعد ((ثم)) ،
وأجازه ابن مالك بإعطاء ((ثم)) حكم الواو ، وتعقبه النووي بأن ذلك
يقتضي أن يكون المنهي عنه الجمع بين الأمرين دون إفراد أحدهما ،
وضعفه ابن دقيق العيد، بأنه لا يلزم أن يدل على الأحكام المتعددة لفظ
واحد ، فيؤخذ النهي عن الجمع بينهما من هذا الحديث إن ثبتت رواية
النصب ، ويؤخذ النهي عن الإفراد من حديث آخر ، قال الحافظ : وهو
ما رواه مسلم من حديث جابر عن النبي ◌َّ# (( أنه نهى عن البول في الماء
الراكد)) وعنده من طريق أبي السائب، عن أبي هريرة بلفظ (( لا يغتسل
أحدكم في الماء الدائم وهو جنب)) وروى أبو داود النهي عنهما في
حديث واحد ، ولفظه (( لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ، ولا يغتسل فيه
من الجنابة)) اهـ فتح جـ١/ ص٤١٣-٤١٤ . قال في المنهل جـ١ / ص٢٤٤
ما حاصله ، وقد أجاب عن ابن مالك أيضا ابن هشام بأنه إنما أراد إعطاء
((ثُمَّ)) حكم الواو في النصب ، لا في المعية ، وأيضا فإن ما أورده النووي
إنما جاء من قبيل المفهوم لا المنطوق ، وقد قام دليل آخر على عدم إرادته ،
ثم ذكرنحو ما تقدم عن ابن دقيق العيد وكلام الحافظ .
قال : والحاصل : أنه قد ورد النهي عن كل منهما على انفراده ، وهو
يستلزم النهي عن فعلهما جميعا بالأولى ، وقد ورد النهي عن الجمع
بينهما ، كما في رواية أبي داود المتقدمة ، وكذا في هذه إن صحت الرواية
بالنصب ، ويكون دالا على النهي عن كل واحد على رواية الجزم ، أما
على رواية الرفع فيكون المنهي عنه البول في الماء لما يترتب عليه من نجاسته
أو النفرة منه ، فلا يغتسل منه عند الحاجة إليه ، وتقدم هذا في حديث (( لا
يبولن أحدكم في مستحمه ثم يغتسل فيه)) اهـ المنهل بتصرف .

- ٥٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وقوله( منه) أي من الماء الدائم ، وهو هكذا في رواية البخاري من
طريق أبي الزناد ، وكذا لمسلم من طريق ابن سيرين ، وفي رواية للبخاري
من طريق أخرى (( ثم يغتسل فيه))، وكل من اللفظين يفيد حكما
بالنص، وحکما بالاستنباط ، قاله ابن دقيق العيد .
قال الحافظ: ووجهه أن الرواية بلفظ ((فيه)) تدل على منع الانغماس
بالنص ، وعلى منع التناول بالاستنباط، والرواية بلفظ («منه» بعکس
ذلك، وكله مبني على أن الماء ينجس بملاقاة النجاسة ، والله أعلم اهـ
فتح ج١ / ص٤١٥ .
(قال عوف) أي ابن أبي جميلة الأعرابي بالسند السابق .
(قال خِلاَس) بكسر الخاء ابن عمرو البصري الهجري ( عن أبي
هريرة عن النبي #& مثلَه) بالنصب مقول القول ، لأن القول ينصب ما كان
في معني الجملة ، وإن كان مفردا ، كقلت قصيدة ، قاله العلامة الخضري
في حاشيته على ابن عقيل : والقول إذا كان بمعنى التلفظ لا ينصب إلا
الجمل كقلت : جاء زيد ، أو مفردا في معناها ، كقلت قصيدة أو شعرا ،
أو مفردا قصد لفظه، نحو ﴿يقال له إبراهيم﴾ [الأنبياء: ٦٠] أو مفردا
مسماه لفظ كقلت : كلمة ، أي لفظ رجل مثلا .
وقال العلامة الأمير في حواشي الشذور : الأسهل أن يقال : القول
إنما يتوجه للَّفظ جملةً كان ، أو غيرها ، فقلت جاء زيد ، معناه قلت :
هذا اللفظ، فإن توجه للمعنى كان بمعنى الاعتقاد ، كقلت بأن النية
واجبة، وإن كان اللفظ مسماه لفظا ، توجه للدال ، أو المدلول كقلت :
كلمة ، أو قصيدة ، يحتمل قلت : هذا اللفظ ، أو قلت معناه ، وهو لفظ
رجل مثلا أو اللفظ المنظوم اهـ. خضري جـ١/ ص٧ .
وحاصل المعنى : أن عوفا يروي هذا الحديث عن شيخين : محمد بن

٤٦ - باب الماء الدائم - حديث رقم ٥٨.٥٧
٥٣ _
سيرين ، وخلاَس بن عمرو ، فأما محمد ، فاللفظ المذكور له ، وأما
خلاس فلفظه مماثل للفظ محمد .
فائدة :
قال الحاكم أبو عبد الله الحافظ رحمه الله: إن مما يَلزَمُ الحَديثيّ من
الضبط والإتقان أن يفرق بين مثله ونحوه ، فلا يحل أن يقول مثله ، إلا
إذا علم أنهما اتفقا في اللفظ ، ويحل له أن يقول نحوه إذا كان بمعناه ،
نقله في التقريب، وشرحه التدريب جـ٢/ ص ١٢٠، وإلى هذا أشار
السيوطي في ألفيته فقال :
الحاكمُ اخْصُصْ نَحْوَهُ بالَعْنَى ومثْلَهُ باللَّفْظ فَرْقٌ يُعْنَى
فمراد المصنف أن محمدا ، وخلاسا اتفقا في لفظ الحديث ، فعلى
هذا فاللفظ المذكور لهما فتنبه .
(قال أبو عبد الرحمن) النسائي رحمه الله (كان يعقوب ) بن إبراهيم
الدورقي شيخه .
(لا يحدث بهذا الحديث ) أي حديث أبي هريرة في البول في الماء
الدائم (إلا بدینار) أي بأخذ دینار ممن يحدثه ، لأنه کان یری جواز أخذ
الأجرة على التحديث وهي مسألة خلافية بين العلماء .
قال النووي : في التقريب : من أخذ على التحديث أجرا لا تقبل
روايته عندأحمد ، وإسحاق ، وأبي حاتم الرازي ، وتقبل عند أبي نعيم
الفضل بن دُكَين ، وعلي بن عبد العزيز، وآخرين ، وأفتى الشيخ أبو
إسحاق الشيرازي أبا الحسن ابن النَّقُّور بجوازها ، لأنه ممن امتنع عليه
الكسب لعياله بسبب التحديث ، ويشهد له جواز أخذ الوصي الأجرة
من مال اليتيم إذا كان فقيرا أو اشتغل بحفظه عن الكسب من غير رجوع
لظاهر القرآن.ا هـ تقريب مع شرحه التدريب جـ١ / ص٣٣٧-٣٣٨.

- ٥٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وسيأتي قريبا في المسائل تتميم الكلام على هذه المسألة إن شاء الله
تعالى .
مسائل تتعلق بحديث هذا الباب
المسألة الأولى في درجته : حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا متفق
عليه .
المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا ٥٧، ٥٨، وفي الكبرى ٥٥، ٥٦، ٥٧ بالأسانيد
المذكورة.
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه :
أخرجه البخاري عن طريق الأعرج عن أبي هريرة ، وأخرجه مسلم ،
وأبو داود عن طريق محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، وأخرجه
الترمذي عن طريق همام بن منبه ، عن أبي هريرة ، وأخرجه ابن ماجه
عن طريق ابن عجلان ، عن أبيه ، عن أبي هريرة وأخرجه مسلم أيضا من
حديث جابر عن رسول الله عَّه (( أنه نهى أن يبال في الماء الراكد)) وأخرجه
الطحاوي أيضا ، وابن ماجه ، والطبراني في الأوسط ، وأخرجه ابن
ماجه أيضا، من حديث نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله عليه: ((لا
يبولن أحدكم في الماء الناقع )) .
وأخرجه أحمد ، والبيهقي .
المسألة الرابعة : قد استدل بعضهم بحديثي الباب على أن الماء
المستعمل يخرج عن كونه مطهرا ، لأن النهي ههنا عن مجرد الغسل ،
فدل على وقوع المفسدة بمجرده ، والمفسدة خروجه عن کونه مطهرا ، إما
لنجاسته ، أو لعدم طَهُوريته ، ومع هذا فلابد من تقييده بما دون القلتين
على مذهب الشافعي ومن وافقه ، وبغير المستبحر على مذهب الحنفية لأن

٥٥ =-
٤٦ - باب الماء الدائم - حديث رقم ٥٨.٥٧
القلتين فأكثر عند الشافعية ، والمستبحر عند الحنفية لا يؤثر فيه
الاستعمال، والوضوء كالغسل في هذا الحكم ، لأن المقصود من النهي
التنزه عن التقرب إلى الله تعالى بالمستقذرات ، والوضوء يقذر الماء ، كما
يقذره الغسل .
وقد ذهب إلى أن الماء المستعمل غير مطهر أحمد بن حنبل ، والليث،
والأوزاعي ، والشافعي ، ومالك في إحدى الروايتين عنهما ، وأبو
حنيفة في رواية عنه واحتجوا بحديث الباب وبحديث النهي عن التوضؤ
بفضل وضوء المرأة ، وبما رواه مسلم وابن ماجه ، عن أبي هريرة رضي
الله عنه أن النبي ◌َّه قال: ((لا يغتسلن أحدكم في الماء الدائم وهو جنب))
فقالوا : يا أبا هريرة كيف يفعل ؟ قال : يتناوله تناولا .
واحتج لهم بعضهم بما يروى عن السلف من تكميل الطهارة بالتيمم
عند قلة الماء لابما تساقط منه .
وأجيب عن الاستدلال الأول بما ذكر بأن علة النهي لا تنحصر في
الاستعمال ، بل يحتمل أن يكون النهي للاستخباث والاستقذار ،
والدليل إذا تطرقه الاحتمال ، سقط به الاستدلال ، وبأن الدليل أخص
من الدعوى لأن غاية ما فيه خروج المستعمل للجنابة والمدعى خروج كل
مستعمل عن الطهورية .
وعن حديث النهي عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة بمنع كون الفضل
مستعملا ، ولو سلم فالدليل أخص من الدعوى ، لأن المدعى خروج كل
مستعمل عن الطهورية ، لا خصوص هذا المستعمل ، وبالمعارضة بما
أخرجه مسلم ، وأحمد ، من حديث ابن عباس (( أن رسول الله #كان
يغتسل بفضل ميمونة )) وأخرجه أحمد أيضا وابن ماجه بنحوه من حديثه،
وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود والنسائي ، والترمذي ، وصححه من

- ٥٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود والنسائي ، والترمذي ، وصححه من
حديثه بلفظه ((اغتسل بعض أزواج النبي * في جفنة، فجاء النبي عمَّ
ليتوضأ منها أو يغتسل)) الحديث ، وأيضا النهي عن التوضؤ بفضل
وضوء المرأة فيه مقال .
وعن الاحتجاج بتكميل السلف الطهارة بالتيمم ، لا بما تساقط بأنه
لا یکون حجة إلا بعد تصحیح النقل عن جمیعهم ، ولا سبیل إلی ذلك،
لأن منهم من قال بطهورية المستعمل كالحسن البصري ، والزهري ،
والنخعي ، وإحدى الروايات عن مالك ، والشافعي ، وأبي حنيفة ،
ونسبه ابن حزم إلى عطاء ، وسفيان الثوري ، وأبي ثور ، وجميع أهل
الظاهر .
وبأن المتساقط قد فني لأنهم لم يكونوا يتوضؤون إلى إناء ، والملتصق
بالأعضاء حقير لا يكفي بعض عضو من أعضاء الوضوء ، وبأن سبب
الترك بعد تسليم صحته عن السلف وإمكان الانتفاع بالبقية هو
الاستقذار.
وبهذا يتضح عدم خروج المستعمل عن الطهورية ، ويتحتم البقاء
على البراءة الأصلية ، ولا سيما بعد اعتضادها بكليات وجزئيات من
الأدلة کحدیث « خلق الماء طهورا )) وحديث (( مسحه ت﴾﴾ رأسه بفضل ماء
كان بيده)) وغيرهما . أفاده العلامة الشوكاني رحمه الله في نيل الأوطار
جـ١ / ص٤٨ -٤٩ .
وقال فيه أيضا عند الكلام على حديث ((صب النبي ◌َّهُ وَضُوءه على
المُغْمَى عليه ، وتبرك الصحابة بوضوئه )) ما نصه :
وقد استدل الجمهور بصبه عليه لوضوئه على جابر ، وتقريره للصحابة
على التبرك بوضوئه على طهارة الماء المستعمل للوضوء ، وذهب بعض

٤٦ - باب الماء الدائم - حديث رقم ٥٨.٥٧
٥٧ -
الحنفية ، وأبو العباس إلى أنه نجس واستدلواعلى ذلك بأدلة :
منها : حديث أبي هريرة فذكر حديث الباب ، قالوا : والبول ينجس
الماء ، فكذا الاغتسال، لأنه عَّ قد نهى عنهما جميعا.
ومنها : الإجماع على إضاعته ، وعدم الانتفاع به ، ومنها أنه ماء أزيل
به مانع من الصلاة ، فانتقل المنع إليه ، كغسالة النجس المتغيرة.
ويجاب عن الأول بأنه أخذ بدلالة الاقتران ، وهي ضعيفة (١) وبقول
أبي هريرة يتناوله تناولا ، فإنه يدل على أن النهي إنما هو عن الانغماس ،
لا عن الاستعمال، وإلا لما كان بين الانغماس والتناول فرق.
وعن الثاني: بأن الإضاعة لإغناء غيره عنه ، لا لنجاسته .
وعن الثالث: بالفرق بين مانع هو النجاسة ومانع هو غيرها ، وبالمنع
من أن كل مانع يصير له بعد انتقاله الحكم الذي كان له قبل الانتقال ،
وأيضا هو تمسك بالقياس في مقابلة النص ، وهو فاسد الاعتبار (٢) ،
ويلزمهم أيضا تحريم شربه وهم لا يقولون به .
ومن الأحاديث الدالة على ما ذهب إليه الجمهور :
حديث أبي جحيفة عند البخاري قال: ((خرج علينا رسول الله عَ﴾﴾.
بالهاجرة فأتي بوَضُوء فتوضأ، فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه
فیتمسحون به )) .
وحديث أبي موسى عنده أيضا قال: دعا النبي ◌َّ بقدح فيه ماء ،
فغسل يديه ووجهه فيه ، ومَجَّ فيه ثم قال لهما يعني أبا موسى وبلالا :
(اشربا منه وأفرغا على وجوهكما ونُحُوركما)).
(١) لأنه لا يلزم من الاقتران اشتراك القرينين في الحكم كما في قوله تعالى ﴿ كلوا من ثمره إذا أثمر
وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١] فالأكل غير واجب ، والإيتاء واجب ، قاله في
المنهل جـ١/ ص٢٥١ .
(٢) قد أجاد من قال: ، وأحسن في المقال : ( من الوافر) :
إِذَا جَالتْ خُيُولُ النَّصِ يَوْمَا تُجَرِي فِي مَيَادين الكفاح
غَدَتْ شُبَهُ القياَسيِّين صَرْعَى تَطْيُرُ رُؤُوسُهُنَّ مَحَ الرَّيَاح

- ٥٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وعن السائب بن يزيد عنده أيضا قال : ((ذهبت بي خالتي إلى النبي
#فقالت : يا رسول الله إن ابن أختي وجع -أي مريض- فمسح رأسي
ودعا لي بالبركة ، ثم توضأ ، فشربت من وَضُوئه ، ثم قمت خلف ظهره))
الحديث .
فإن قال الذاهب إلى نجاسة المستعمل للوضوء: إن هذه الأحاديث
غاية ما فيها الدلالة على طهارة ما يتوضأ به عليه، ولعل ذلك من خصائصه
قلنا : هذه دعوى غير نافقة ، فإن الأصل أن حكمه وحكم أمته
واحد ، إلا أن يقوم دليل يقتضي بالاختصاص ، ولا دليل ، وأيضا الحكم
بكون الشيء نجسا حكم شرعي ، يحتاج إلى دليل ، يلتزمه الخصم فما
هو؟ .اهـنیل جـ١ / ص٤١.
وقال في المنهل جـ١/ ص ٢٥٠: وقال مالك ومن ذكر معه آنفا : أنه
طاهر مطهر ، لقوله تعالى : ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ [الفرقان:
٤٨] ولما ورد في أبي داود عن الرَّبَيِّع بنت مُعَوّذ (( أن النبي * توضأ فمسح
رأسه بفضل ماء في يده)) ، وفي حديث آخر (( أنه مسح رأسه ببلل لحيته))
وعن ابن عباس أنه *اغتسل فنظر لمعة من بدنه لم يصبها الماء ، فأخذ
شعرا من بدنه عليه ماء فأمَرَّه على ذلك الموضع)) أفاده النووي في شرح
المهذب .
قالوا : ولأنه ماء لاقى طاهرا مطهرا كما لو غسل به ثوب طاهر ،
ولأنه مستعمل فجازت الطهارة به كالمستعمل في تجديد الوضوء ، ولأن
ما أدي به الفرض مرة لا يمتنع أن يؤدى به ثانیا ، كما يجوز للجماعة أن
يتيمموا من موضع واحد ، وكما يخرج الطعام في الكفارة ، ثم يشتريه
ويخرجه فيها ثانيا ، وكما يصلي في الثوب الواحد مرارا ، ولأنه لو لم
تجز الطهارة بالمستعمل لامتنعت الطهارة ، لأنه بمجرد جريان الماء على

٤٦ - باب الماء الدائم - حديث رقم ٥٨.٥٧
٥٩ -
بعض العضو يصير مستعملا ، فإذا سال على باقي العضو ينبغي أن البلل
لا يرفع الحدث ، وهذا متروك بالإجماع ، فدل على أن المستعمل مطهر .
وأدلة هذا القول وإن نوقش في بعضها لكن يؤيدها أن طهورية الماء
ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع ، فلا يخرجه عنها إلا دليل صحيح
صريح، ولا دليل كذلك ، وما ذكر أصحاب القول الأول من الأدلة الناقلة
للماء المستعمل عن الطهورية ، فقد علمت أنها غير صالحة للاحتجاج بها
على ذلك .
قال في الروضة الندية : الحق أن الماء المستعمل طاهر ، ومطهر عملا
بالأصل وبالأدلة الدالة على أن الماء طهور ، لا يخرج عن كونه طهورا
بمجرد استعماله للطهارة ، إلا أن تغير بذلك ريحه ، أو لونه ، أو طعمه ،
وإن إخراج ما جعله الله طهورا عن الطهورية لا يكون إلا بدليل -يعني
ولا دليل -١ هـ ملخصا .
وقال ابن المنذر : وروي عن علي ، وابن عمر وأبي أمامة ، وعطاء ،
والحسن ، ومكحول ، والنخعي ، أنهم قالوا فيمن نسي مسح رأسه
فوجد بللا یکفیه مسحه بذلك ، قال : وهذا يدل على أنھم یرون
المستعمل مطهرا ، وبه أقول . اهـ.
وعن أبي حنيفة ثلاث روايات :
الأولى: أنه نجس نجاسة مغلظة وهي رواية الحسن بن زياد عنه ، وهي
شاذة غير مأخوذ بها .
الثانية : نجس نجاسة مخففة وهي رواية أبي يوسف عنه ، قال
عبدالحميد القاضي : أرجو أن لا تثبت رواية النجاسة عن أبي حنيفة .
الثالثة : طاهر غير مطهر، وهي رواية محمد بن الحسن عنه ، وهو
الصحيح المفتى به عندهم، وبه قالت الشافعية اهـ . المنهل جـ١ / ص٢٥٠.
أ

- ٦٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
المسألة الخامسة :
قال العلامة المحقق ابن دقيق العيد رحمه الله : وهذا الحديث مما
استدل به أصحاب أبي حنيفة علی تنجیس الماء الدائم ، وإن كان أکثر من
القلتين ، فإن الصيغة صيغة عموم ، وأصحاب الشافعي يخصون هذا
العموم ، ويحملون النهي على ما دون القلتين ، وعدم تنجيس القلتين
فما زاد إلا بالتغيير مأخوذ من حديث القلتين ، فيحمل هذا الحديث العام
في النهي على ما دون القلتين جمعا بين الحديثين ، فإن حديث القلتين
يقتضي عدم تنجيس القلتين فما فوقهما، وذلك أخص من مقتضى
الحديث العام الذي ذكرناه ، والخاص مقدم على العام .
ولأحمد طريقة أخرى وهي الفرق بين بول الآدمي ، وما في معناه
من العذرة المائعة ، وغير ذلك من النجاسات ، فأما بول الآدمي وما في
معناه ، فينجس الماء ، وإن كان أكثر من القلتين ، وأما غيره من النجاسات
فتعتبر فيه القلتان ، وكأنه رأى أن الخبث المذكور في حديث القلتين ، عام
بالنسبة إلى النجاسات ، وهذا الحديث خاص بالنسبة إلى بول الآدمي ،
فيقدم الخاص على العام بالنسبة إلى النجاسات الواقعة في الماء الكثير ،
ويخرج بول الآدمي وما في معناه من جملة النجاسات الواقعة في القلتين
بخصوصه ، فينجس الماء دون غيره من النجاسات و يلحق بالبول
المنصوص عليه ما يعلم أنه في معناه ا هـ كلام ابن دقيق العيد في إحكام
الأحكام جـ١/ ص٢١-٢٢ .
(قال الجامع) قد عرفت فيما سبق أن المذهب الراجح هو العمل بما
اقتضاه حديث القلتين . فتبصر . والله أعلم .
المسألة السادسة :
قال ابن دقيق العيد أيضا : واعلم أن هذا الحديث لابد من إخراجه
عن ظاهره بالتخصيص أو التقييد ، لأن الاتفاق واقع على أن الماء المستبحر
الكثير جداً لا تؤثر فيه النجاسة ، والاتفاق واقع على أن الماء إذا غيرته