Indexed OCR Text

Pages 21-40

-٢١ -
٤٤ - باب التوقيت في الماء - حدیث رقم ٥٢
بوروده على نجاسة لشق وأدى إلى أن لا يطهر شيء حتى يغمس في
قلتين، وفي ذلك أشد الحرج ، فسقط . والله أعلم اهـ كلام النووي
رحمه الله في المجموع باختصار ١/ ١١٢-١١٨.
وقال الحافظ في الفتح : قول من لا يعتبر إلا التغير وعدمه قوي ،
لكن الفصل بالقلتين أقوى لصحة الحديث فيه ، وقد اعترف الطحاوي من
الحنفية بذلك ، لكنه اعتذر من القول بأن القلة في العرف تطلق على
الكبيرة والصغيرة ، كالجرة ، ولم يثبت من الحديث تقديرهما ، فيكون
مجملا ، فلا یعمل به ، وقواه ابن دقيق العيد ، لکن استدل له غيرهما ،
فقال أبو عبيد القاسم بن سَلاَّم : المراد القلة الكبيرة ، إذ لو أراد الصغيرة
لم يحتج لذكر العدد ، فإن الصغيرتين قدر واحدة كبيرة ، ويرجع في
الكبيرة إلى العرف عند أهل الحجاز ، والظاهر أن الشارع عليه السلام
ترك تحديدهما على سبيل التوسعة والعلم محيط بأنه ما خاطب الصحابة
إلا بما يفهمون فانتهى الإجمال . اهـ كلام الحافظ ١/ ٤١٤ .
وقال الزيلعي في نصب الراية : قال البيهقي في كتاب المعرفة :
وقلال هجر كانت مشهورة عند أهل الحجاز ، ولشهرتها عندهم شبه
رسول الله لي ما رأى في ليلة المعراج من نبق سدرة المنتهى بقلال هجر ،
فقال في حديث مالك بن صعصعة: ((رفعت إليّ سدرة المنتهى فإذا ورقها
مثل آذان الفيلة ، وإذا نبقها مثل قلال هجر)) قال: واعتذار الطحاوي في
ترك الحديث أصلا بأنه لا يعلم مقدار القلتين لا يكون عذرا عند من
علمه. انتهى .
وقال الحافظ في الفتح بعد نقل كلام البيهقي هذا: فإن قيل : أيّ
ملازمة بين هذا التشبيه وبين ذكر القلة في حد الماء ، فالجواب : أن التقييد
بها في حديث المعراج دالّ على أنها كانت معلومة عندهم بحیث یُضرب

- ٢٢ -
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
بها المثل في الكبر ، كما أن التقييد المطلق إنما ينصرف إلى التقييد المعهود.
وقال الأزهري : القلال مختلفة في قُرى العرب ، وقلال هجر
أكبرها، وقلال هجر مشهورة الصنعة ، معلومة المقدار ، والقلة لفظ
مشترك ، وبعد صرفها إلى أحد معلوماتها ، وهي الأواني تبقى مترددة
بين الكبار والصغار ، والدليل على أنها من الكبار جعل الشارع الحد
مقدرا بعدد ، فدل على أنه أشار إلى أكبرها ، لأنه لا فائدة في تقديره
بقلتين صغيرتين مع القدرة على تقديره بواحدة كبيرة . اهـ .
وقال العلامة المباركفوري في شرح الترمذي : قلت : وقد جاء في
حديث ضعيف تقييد القلتين بقلال هجر ،وهو ما رواه ابن عدي من
حديث ابن عمر (( إذا بلغ الماء قلتين من قلال هجر لم ينجسه شيء)) قال
الحافظ في التلخيص : في إسناده المغيرة بن سقلاب وهو منكر الحديث ،
قال النفيلي : لم يكن مؤتمنا على الحديث ، وقال ابن عدي : لا يتابع
على عامة حديثه . اهـ .
قلت : قال الذهبي في الميزان في ترجمة المغيرة بن سقلاب : قال
أبو حاتم : صالح الحديث، وقال أبو زرعة: لا بأس(١) به. اهـ.
فالاعتذار من القول بحديث القلتين بزعم الإجمال في معنى القلة
اعتذار بارد.
ومن الذین لم يقولوا به من اعتذر بأن الحدیث ضعیف مضطرب
الإسناد .
قالوا : إن محمد بن إسحاق يروي تارة عن محمد بن جعفر عن
عبيد الله ، عن ابن عمر ، رواه الترمذي وغيره ، وتارة عن الزهري عن
سالم ، عن ابن عمر ، وتارة عنه عن عبيد الله ، عن أبي هريرة ، ثم وقع
الاختلاف في شيخ محمد بن جعفر، فقال مرة : عن عبد الله بن عبد الله
المكبر، ومرة عن عبيد الله بن عبد الله المصغر.
(١) انظر الجرح والتعديل ج٨ص٢٢٣-٢٢٤.

٤٤ - باب التوقيت في الماء - حديث رقم ٥٢
-٢٣ -
قال المباركفوري : قلت هذا الاعتذار أيضا بارد ، فإن هذا الاختلاف
ليس قادحا مورثا لضعف الحديث ، فإن وجوه الاختلاف ليست بمستوية،
فإن الرواية الصحيحة المحفوظة هي رواية ابن إسحاق ، عن محمد بن
جعفر ، عن عبيد الله ، عن ابن عمر ، كما رواها الترمذي وغيره ،
كذلك رواها جماعة كثيرة عن ابن إسحاق .
قال الدار قطني في سننه : رواه إبراهيم بن سعد ، وحماد بن سلمة ،
ويزيد بن زريع ، وعبد الله بن المبارك ، وعبد الله بن نمير ، وعبد الرحيم
ابن سليمان ، وأبو معاوية الضرير ، ويزيد بن هارون ، وإسماعيل بن
عياش ، وأحمد بن خالد الوهبي ، وسفيان الثوري ، وسعید بن زيد ،
أخو حماد بن زيد ، وزائدة بن قدامة ، عن محمد بن إسحاق ، عن
محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه
عن النبي ◌َ﴾ . اهـ.
وقال الدار قطني فيه : ورواه عاصم بن المنذر بن الزبير بن العوام عن
عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه، عن النبي عليه، فكان في هذه
الرواية قوة لرواية محمد بن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير ،
عن عبيدالله بن عبد الله بن عمر عن أبيه . اهـ .
وأما رواية ابن إسحاق عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر
فمدارها على عبد الوهاب بن عطاء وهو مدلس ، رواها عن ابن إسحاق
بالعنعنة ، فهي ضعيفة لمظنة التدليس ، على أنه قد خالف أصحاب ابن
إسحاق .
وأما روايته عن الزهري ، عن عبيد الله ، عن أبي هريرة ، فليست
بمحفوظة ، قال الدار قطني : نا أبو سهل أحمد بن محمد بن زياد ،
وعمر بن عبد العزيز بن دينار ، قالا : حدثنا أبوإسماعيل الترمذي : نا
محمد بن وهب السّلَميّ : نا ابن عياش ، عن محمد بن إسحاق ، عن
!

- ٢٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة، عن النبي عليه: (( أنه
سئل عن القليب)) الحديث ، قال الدار قطني: كذا رواه محمد بن
وهب، عن إسماعيل بن عياش ، بهذا الإسناد ، والمحفوظ عن ابن
عياش ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن
عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه . اهـ .
وقد اعتذروا أيضا بأن الحديث مضطرب المتن ، ففي بعضها قلتين ،
وفي بعضها قلتين أوثلاثا ، وفي رواية موقوفة أربعين قلة ، وكذلك في
رواية مرفوعة أربعين قلة.
قال المباركفوري : هذا الاعتذار أيضا بارد ، فإن هذا الاختلاف أيضا
ليس قادحا مورثا للضعف ، فإن رواية أربعين قلة التي هي مرفوعة ضعيفة
جدّاً ، فإن في سندها القاسم بن عبد الله العمري ، قال ابن التركماني في
الجوهر النقي : حكى البيهقي أنّ القاسم بن عبد الله العمري : كان
ضعيفا كثير الخطأ .
وفي كتاب ابن الجوزي : قال أحمد : ليس هو عندي بشيء ، كان
يكذب ويضع الحديث ، ترك الناس حديثه ، وقال يحيى : ليس بشيء ،
وقال مرة : كذاب خبيث ، وقال الرازي ، والنسائي، والأزدي: متروك
الحديث ، وقال أبو زرعة : لا يساوي شيئا ، متروك الحديث اهـ .
وقال الزيلعي في نصب الراية : روى الدار قطني في سننه ، وابن
عدي في الكامل ، والعقيلي في كتابه عن القاسم بن عبد الله العمري ،
عن محمد بن المنكدر ، عن جابربن عبد الله قال: قال رسول الله عَّه:
((إذا بلغ الماء أربعين قلة فإنه لا يحمل الخبث ))اهـ .
قال الدار قطني : كذا رواه القاسم العمري ، عن ابن المنكدر ، عن
جابر ، ووهم في إسناده ، وكان ضعيفا كثير الخطأ ، وخالفه روح بن
القاسم ، وسفيان الثوري ، ومعمر بن راشد ، رووه عن ابن المنكدر ، عن

٢٥
٤٤ - باب التوقيت في الماء - حديث رقم ٥٢
عبد الله بن عمر موقوفا. ورواه أيوب السختياني ، عن محمد بن
المنكدر ، من قوله ، لم يجاوزه ، ثم رَوَى بإسناد صحيح من جهة روح بن
القاسم عن محمد بن المنكدر ، عن عبد الله بن عمرو، قال: ((إذابلغ
الماء أربعین قلة لم ینجس )) اهـ .
فرواية أربعين قلة التي هي مرفوعة لشدة ضعفها ، لا تساوي رواية
قلتين ، وأما رواية أربعين قلة التي هي موقوفة فهي قول عبد الله بن
عمرو، وقوله هذا وإن كان صحيحا من جهة السند ، فهو لا يساوي
رواية قلتين التي هي قول رسول الله عليه، وأما رواية قلتين ، أو ثلاثا،
فقد قال البيهقي في المعرفة : قوله أو ثلاثا شك وقع لبعض الرواة . اهـ .
فرواية قلتين أو ثلاثا بالشك ترجع إلى رواية قلتين التي هي خالية من
الشك، والظاهر أن الشك من حماد بن سلمة فإن بعض أصحابه يروون
عنه قلتین ، وبعضهم قلتین أو ثلاثا ، أو من عاصم بن المنذر ، فإن کل
من روى هذا الحديث غيره عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر إنما رواه
بلفظ قلتين بغير شك .
وقد اعتذروا أيضا بأن الحديث مضطرب من جهة المعنى ، فإن القلة
مشترك بين رأس الرجل ورأس الجبل ، والجَرَّة والقربَة، وغير ذلك ، ولم
يتعين معناها ، وإن أريد بها الأواني كالجرة والخابية فلم يثبت مقدارها ،
مع أنها متقاربة جدا .
قال المباركفوري : هذا الاعتذار أيضا ليس بشيء فإن القلة بمعنى
رأس الرجل ، أو رأس الجبل ، لا يحصل بها التحديد البتة ، والمقصود
من الحديث ليس إلا التحديد ، فلا يجوز أن يراد من القلة رأس الرجل ،
أو رأس الجبل ، فتعين أن المراد من القلة الأواني .
ولما كانت قلال هجر مشهورة معروفة المقدار عند العرب كثيرة
الاستعمال في أشعارهم ، ولذلك شبه رسول الله عنبقَ سدرة المنتهى
بقلال هجر تعين أن تكون هي مرادة في الحديث .

- ٢٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
والحاصل أن حديث الباب صحیح قابل للاحتجاج به ، وكل ما
اعتذروا به عن العمل ، والقول به مدفوع ا. هـ . كلام المباركفوري رحمه
الله في تحفته جـ ٢١٧/١-٢٢١.
قال الجامع : هذا الذي قاله المبارکفوري رحمه الله كلام نفیس جداً
والله أعلم .
وقال العلامة ابن القيم بعد نقل أقوال المصححين لإسناد الحديث ما
حاصله : ومع صحة سنده فهو غير صحيح المتن ، لأنه لا يلزم من صحة
السند صحة الحديث ، ما لم ينتف عنه الشذوذ والعلة، أما الشذوذ فإن
هذا الحديث مع شدة حاجة الأمة إليه لفصله بين الحلال والحرام ، والطّاهر
والنجس ، لم يروه غير ابن عمر ، ولا عن ابن عمر غير ابنيه ، فأين
نافع، وسالم ، وأيوب ، وسعيد بن جبير ، وأين أهل المدينة ، وعلماؤها
من هذه السنة، وهم أحوج الخلق لعزة الماء عندهم ، ومن البعيد جدا أن
تكون هذه السنة عند ابن عمر ، وتخفى على علماء المدينة ولا يذهب
إليها أحد منهم ، ولا يروونها ، ومن أنصَفَ لم يخْفَ عليه امتناع هذا ،
فلو كانت هذه السنة العظيمة المقدار عند ابن عمر لكان أصحابه ، وأهل
المدينة أول من يقول بها ويرويها ، وحيث لم يقل بهذا التحديد أحد من
أصحاب ابن عمر ، علم أنه لم يكن عنده فيه سنة عن النبي من﴾ .
وأما علته : فالاختلاف فيه على عبد الله رفعا ووقفا ، وقد رجح
شيخ الإسلام أبو الحجاج المزي ، وأبو العباس ابن تيمية وقفه ، ويدل على
وقفه أن مجاهدًا ، وهو العلم المشهور ، والثبت المعروف ، رواه عنه
موقوفا ، كما صوبه الدار قطني ، والبيهقي ، قال : قال شيخنا أبو
العباس تقي الدين : هذا كله يدل على أن ابن عمر لم يكن يحدث به عن
النبي #، ولكن سئل عن ذلك فأجاب بحضرة ابنه ذلك عنه اهـ. كلام
ابن القيم بتصرف .

-٢٧ _
٤٤ - باب التوقيت في الماء - حديث رقم ٥٢
قال صاحب المنهل بعد نقل كلامه ما نصه : وقد يقال : إن ما ذكره
من الشذوذ والعلة ليس بقادح في صحة الحديث ، فإن انفراد الصحابي
بحديث ، وسكوت بقية الصحابة لا يستلزم رد ذلك الحديث ، وإلا
لسقط كثير من الأحاديث الصحيحة التي تفرد بها الصحابي ، ولا يخفى
بعده ، وأما كونه موقوفا على ابن عمر من طريق مجاهد ، فلاينافي ما
ثبت عن الثقات من رفعه إلى النبي ﴾. اهـ كلام صاحب المنهل
٢٢٩/١.
قال الجامع عفا الله عنه :
إن ما حاول به العلامة ابن القيم لتضعيف هذا المتن غير واضح لمن
تأمله، لأن صحة الحديث لا يشترط فيه أن ينقله جماعة ، بل إذا كان
منقولا عن صحابي واحد ، واتصل السند إليه بالعدول الضابطين فهو
صحیح ، فانفراد صحابي بنقله لا يكون علة ، وكذلك كونه موقوفا عليه
لا ينافي ما رواه مرفوعا لصحة أن يروي المرفوع في وقت ، ویسئل عن
الحكم ، فيفتي في وقت آخر ، وأيضا إذا تعارض الرفع والوقف قدم
الرفع على الأرجح ، لا سيما وقد رفعه اثنان عبيد الله وعبد الله والواقف
مجاهد فقط .
والحاصل أن المذهب الراجح هو مذهب من یری العمل بحديث
القلتين لصحته ، والله أعلم .
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
تو کلت ، وإليه أنيب .

- ٢٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
٤٥ - تَرْكُ تَوْقيت المَاءُ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على ترك التوقيت في الماء ، وتقدم
معنى التوقيت في الباب السابق .
٥٣- أخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدُ، عَنْ ثَابتٍ ، عَنْ أَنَسٍ :
أنَّ أَعْرَابيًا بَالَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُ القَوْمِ ، فَقَالَ
رَسُولُ اللَّه ◌َيِ: ((دَعُوهُ، لا تُزْرِمُوهُ))، فَلَمَّا فَرَغَ دَعَا
بِدَلُو نَصَبَّهُ عَلَيْهِ .
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمن: يَعْني: لا تَقْطَعُوا عَلَيْه .
٥٤ - أخْبَرَنَا قُتَبَةُ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبِيدَةٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ
أَنَسٍ ، قَالَ : بَالَ أَعْرابِيٌّ في الْمَسْجِدِ، فَأَمَرَ النِّيُ عَّهُ بِدَلٍ
مِنْ مَاءِ فَصُبَّ عَلَيْهِ .
٥٥ - أخبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْر، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّه عَنْ يَحْبَى بْنِ
سَعيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَا يَقُولُ: جَاءَ أَعْرَابِيِّ إِلَى الْمسْجِدِ
فَبَالَ، فَصَاحَ بِهِ النَّاسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَّهُ: (( اتْرُكُوهُ ))

٤٥ - تركـ توقيت الماء - حديث رقم ٥٦.٥٥.٥٤.٥٣
٢٩ _
فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ ، ثُمَّأَمَرَ بِدَلْوٍ فَصُبَّ عَلَيْهِ .
٥٦- أخْبَرَنَا عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ إِبرَاهِيمَ، عَنْ عُمَرَبْنِ عَبْدِ الْوَاحِد
عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الوَلْيِهِ، عَنِ الزُّهرِيِّ، عَنْ
عُبَيْدِ اللَّه بْنِ عَبْدِ اللَّه، عَنْ أبي هُرَيْرَةً ، قَالَ : قَامَ أَعْرَابِيٌ
فَبَالَ في الْمَسْجِدِ ، فَتَنَاوَلَّهُ النَّاسُ ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّه
◌َثُ: (دَعُوهُ، وَأَهْرِقُوا عَلَى بَوْلِهِ دَلوا مِنْ مَاءِ ، فَإِنَّمَا
بُعْتُمْ مُيَسِرِينَ ، ولَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ )) .
رجال الأسانيد الأربعة ١٥ شخصا
الإسناد الأول فيه ٤ :
١ - ( قتيبة) بن سعيد أبو رجاء البغلاني، ثقة [١٠] تقدم في ١/١.
٢ - ( حماد) بن زيد بن درهم ، أبو إسماعيل البصري الثقة الثبت
[٨] تقدم في ٣/٣ .
٣ - (ثابت) بن أسلم البناني (بضم الموحدة وبنونين) مولاهم أبو
محمد البصري أحد الأعلام ثقة عابد من الرابعة ، عن ابن عُمَر ،
وعبدالله بن المغفل ، وأنس وخلق من التابعين ، وعنه شعبة ،
والحمادان، ومعمر ، قال ابن المديني : له نحومائتين وخمسين حديثا ،
وقال حماد بن زيد : ما رأيت أعبد من ثابت ، وقال شعبة : كان يختم
i

- ٣٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
في كل يوم وليلة، ويصوم الدهر ، وثقه النسائي ، وأحمد ، والعجلي ،
قال ابن علية : مات سنة ١٢٧ وقيل سنة ٣ عن ٨٦ سنة ، أخرج له
الجماعة .
٤ - (أنس) بن مالك أبو حمزة، خادم رسول الله ﴾، وتقدم رضي
الله عنه في ٦/ ٦ .
الإسناد الثاني فيه ٤ أيضا :
١ - قتيبة المتقدم .
٢ - (عَبيدة) بفتح العين ، بن حميد بن صهيب الكوفي أبو
عبد الرحمن ، صدوق ، نحوي، ربما أخطأ [٨] تقدم في ١٣/ ١٣.
٣ - ( يحيى بن سعيد) الأنصاري أبو سعيد المدني ثقة [٥] تقدم في
٢٣/٢٢ .
٤ - ( أنس بن مالك) رضي الله عنه المذكور آنفا .
الإسناد الثالث فيه ٤ أيضا :
١ - (سويد بن نصر ) المروزي أبو الفضل المعروف بالشاه ، عن ابن
المبارك وابن عيينه وعنه (ت س) ووثقه ، قال البخاري : مات
سنة ٢٤٠ .
٢ - (عبد الله) بن المبارك الإمام الجليل الثقة المروزي [٨] تقدم
في ٣٦/٣٢ .
٤،٣ - يحيى بن سعيد ، وأنس ، تقدما.
الإسناد الرابع فيه سبعة :
١- (عبد الرحمن بن إبراهيم) بن عمرو بن ميمون الأموي ، مولى آل
عثمان ، أبو سعيد الدمشقي القاضي دُحَيْم الحافظ عن معروف الخياط(١)
(١) هو معروف بن عبد الله الخياط، أبو الخطاب الدمشقي ضعيف من الخامسة، وكان معمرا ،
عاش - ١٣٠، أو أزيد. أهـ (ت)).

٣١ -
٤٥ - ترك توقيت الماء - حديث رقم ٥٦.٥٥.٥٤٫٥٣
التابعي ، وابن عيينة ، والوليد بن مسلم ، وخلق ، و عنه (خ دس ق)(١)
قال النسائي : ثقة مأمون ، قال أبو داود : حجة لم يكن بدمشق في زمنه
مثله ، قال ابنه عمرو : ولد سنة ١٧٠ ، مات سنة ٢٤٥ .
٢ - (عمر بن عبد الواحد ) بن قيس السلمي ، أبو حفص الدمشقي ،
عن الأوزاعي ، والنعمان بن المنذر ، وعنه داود بن رُشَيد ، وإسحاق ،
وثقه العجلي ، قال دُحَيم : مات سنة ٢٠٠ روى له أبو داود ، والنسائي،
وابن ماجه .
٣ - (الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو ، أبو عمرو الشامي ، الإمام
العلم من [٧] عن عطاء ، وابن سيرين ، ومكحول ، وقتادة ، ونافع ،
وخلق، وعنه یحیی بن أبي کثیر شیخه ، وبقية ، وهِقْل بن زیاد ، ویحیی
ابن حمزة ، وأم ، قال ابن مهدي : إمام ، وقال ابن سعد : كان ثقة
مأمونا فاضلا خيرا ، كثير الحديث والعلم ، والفقه ، قال إسحاق : إذا
اجتمع الأوزاعي ، والثوري ، ومالك على الأمر فهو سنة، وقال
ضمرة: هو حميري ، وقال أبو زرعة : أصله من سبي السند ، توفي
سنة١٥٧ ، أخرج له الجماعة .
والأوزاعي : نسبة إلى الأوزاع قرى متفرقة بالشام ، فجمعت ،
وقيل لها الأوزاع ، والأوزاع التي ينسب إليها أبو عمرو قرية خارج باب
الفراديس .
وقال في اللباب بعد ما نقل ما ذكرنا ما نصه : والصواب أن الأوزاع
بطن من ذي الكلاع من اليمن ، وقيل الأوزاع بطن من هَمْدان ، نزلوا
بالشام ، فنسبت القرى التي سكنوها إليهم والله أعلم . اهـ بتصرف
واختصار . جـ ١ ص ٩٢ - ٩٣ .
٤ - ( محمد بن الوليد ) بن عامر الزبيدي بالضم ، أبو الهذيل
(١) زاد في تهذيب التهذيب مسلما، ولم يذكره في تهذيب الكمال، ولم يرمز له في
صه، ولا ((ت))

- ٣٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
القاضي الحمصي ، أحد الأعلام من [٧] عن مكحول ، والزهري ،
ونافع ، وخلق ، وعنه الأوزاعي ، وشعيب بن أبي حمزة ، ومحمد بن
حرب ، وخلق ، وثقه ابن معين ، وقال أبو داود : ليس في حديثه خطأ ،
قال ابن سعد : مات سنة ١٤٨ روی له البخاري ، ومسلم ، وأبو داود
والنسائي ، وابن ماجه .
٥ - (الزهري) أبو بكر محمد بن مسلم الإمام الحجة المشهور من [٤]
تقدم في ١/ ١ .
٦ - (عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الهذلي أبو عبد الله
المدني الأعمى الفقيه أحد الفقهاء السبعة من [٣] عن عمر ، وابن مسعود
مرسلا ، وعن أبيه ، وعائشة ، وعنه أخوه عون ، وعراك بن مالك ،
والزهري ، وأبو الزناد ، وخلق ، قال أبو زرعة : ثقة مأمون ، إمام ،
وقال العجلي : كان جامعا للعلم ، قال البخاري : مات سنة ٩٤ ، وقال
ابن نمير سنة ٨ وقال ابن المديني سنة ٩ ، أخرج له الجماعة .
وقد تقدم أنه أحد الفقهاء السبعة المجموعين في قول بعضهم (من
الطويل):
إِذَا قِيلَ مَنْ فِي الْعِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَقَالْتُهُمْ لَيْسَتْ عَنِ الْحَقِّ خَارِجَهْ
فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ عُرْوَةُ قَاسِمُ سَعِيدُ أَبُوبَكْرِ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ
٧- ( أبو هريرة) رضي الله عنه تقدم في ١/١ .
لطائف الأسانيد
الأول : أنه من رباعياته ، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء وهم ما بين
بغلاني، وهو الأول ، وبصريين ، وهم الباقون .
والثاني : أيضا من رباعياته ، وكلهم ثقات أجلاء ، وهم ما بين
بغلاني ، وهو الأول ، وكوفي وهو عبيدة ، ومدني وهويحيى ، وبصري
وهو أنس .

٤٥ - تركـ توقيت الماء - حديث رقم ٥٦.٥٥.٥٤.٥٣
-٣٣ -
والثالث : أيضا من رباعياته ، وكلهم ثقات وهم ما بين مروزيَّين ،
وهما سُوَيَد ، وعبد الله ، ومدني وهو يحيى، وبصري وهوأنس .
والرابع : من سباعايته ورواته كلهم ثقات وكلهم شاميون ،
إلاعبيدالله ، وأبا هريرة فمدنيان ، والزهري وإن كان مدنيا إلا أنه سكن
الشام .
شرح الحديث
حديث أنس الأول :
(أن أعرابيا) أي رجلا واحدا من الأعراب .
قال في المصباح : الأعراب بالفتح ، أهل البدو من العرب ، الواحد
أعرابي ، بالفتح أيضا ، وهو الذي يكون صاحب نُجْعة (١) وارتياد
للكلأ، وزاد الأزهري : فقال: سواء كان من العرب ، أو من مواليهم
قال: فمن نزل البادية ، وجاور البَادينَ وظعن بظعنهم فهم أعراب ، ومن
نزل بلاد الرِّيف ، واستوطن المُدُن والقرى العربية وغيرها ، ممن ينتمي
إلى العرب، فهم عَرَب ، وإن لم يكونوا فصحاء . اهـ.
قال الجامع :
فالياء : هي التي يفرق بها بين الواحد واسم الجنس الجمعي كما في
روم ورومي ، ویھود ویھودي ، ومجوس ومجوسي .
واسم هذا الأعرابي : حُرْقُوص بن زُهَير ذو الخويصرة التميمي ،
وقيل عُيَينة بن حصن الفزاري ، قال الحافظ في الفتح عند قول البخاري
(قام أعرابي) ما نصه : زاد ابن عيينة عند الترمذي ، وغيره في أوله أنه
صلى ، ثم قال : اللهم ارحمني ومحمدا ، ولا ترحم معنا أحدا ، فقال
له النبي : ((لقد تحجرت واسعا)) فلم يلبث أن بال في المسجد.
(١) النجعة كالغرفة اسم من نجع ينجع ، كنفع ينفع ، إذا ذهب لطلب الكلا في موضعه ، أفاده
في المصباح .

- ٣٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وهذه الزيادة ستأتي عند المصنف (يعني البخاري ) مفردة في الأدب
من طريق الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة .
وقد روى ابن ماجه ، وابن حبان الحديث تاما من طريق محمد بن
عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، وكذا رواه ابن ماجه من حديث
واثلة بن الأسقع .
وأخرجه أبو موسى المديني في الصحابة من طريق محمد بن عمرو بن
عطاء ، عن سليمان بن يسار ، قال : إذ طلع ذو الخويصرة اليماني ،
وكان رجلا جافيا ، فذكره تاما بمعناه ، وزيادة ، وهو مرسل ، وفي
إسناده أيضا مبهم بین محمد بن إسحاق ، وبین محمد بن عمرو بن عطاء
وهو عنده من طريق الأصم عن أبي زرعة الدمشقي ، عن أحمد بن خالد
الذهبي عنه ، وهو في جمع مسند ابن إسحاق لأبي زرعة الدمشقي من
طريق الشاميين عنه بهذا السند ، لكن قال في أوله : اطلع ذو الخويصرة
التميمي ، وکان جافیا ، والتميمي هو حرقوص بن زهير الذي صار بعد
ذلك من رؤوس الخوارج ، وقد فرق بعضهم بينه وبين اليماني ، لكن له
أصل أصيل ، واستفيد منه تسمية الأعرابي .
وحكى أبو بكر التاريخي عن عبد الله بن نافع المزني : أنه الأقرع بن
حابس التميمي ، ونقل عن أبي الحسين بن فارس أنه عيينة بن حصن ،
والعلم عند الله . اهـ. كلام الحافظ في فتحه ١/ ٣٨٧.
( بال في المسجد) أي النبوي ، فأل للعهد الذهني .
(فقام عليه بعض القوم) أي ليزجروه عن إتمام بوله .
(فقال رسول الله: ((دعوه))) أي اتركوه، أمر من وَدَعَ يَدَع
وَدْعًا: إذا تَرك ، وأصل المضارع الكسر ومن ثم حذفت الواو، ثم فتح
لمكان حرف الحلق ، قال بعض المتقدمين : وزعمت النحاة أن العرب
أماتت ماضي يَدَع ومصدره ، واسم الفاعل ، وقد قرأ مجاهد ، وعروة

٣٥ -
٤٥ - تركـ توقيت الماء - حديث رقم ٥٦.٥٥.٥٤.٥٣
ومقاتل، وابن أبي عَبْلَة، ويزيد النحوي ﴿ما وَدَعَكَ رِبُّك﴾
[الضحى: ٣] بالتخفيف، وفي الحديث: ((لينتهين قوم عن ودعهم
الجمعات)) أي عن تركهم ، فقد رويت هذه الكلمة عن أفصح العرب ،
ونقلت من طريق القراء فكيف يكون إماتة ، وقد جاء في الماضي في
بعض الأشعار ، وما هذه سبيله ، فيجوز القول بقلة الاستعمال ، ولا
يجوز القول بالإماتة . اهـ. المصباح.
(ولا تزرموه) بفتح التاء وضمها ثلاثيا ورباعيا ، قال في اللسان :
وزَرَمَ يَزْرِمِه زَرْمًا ، يعني من باب ضرب ، وأزرمه يعني بالألف وزُرَّمه
يعني مضعفا : قطعه ، وقال أيضا : يقال للرجل إذا قطع بوله : قد
أزرمت بولك ، وأزرمه غيره : أي قطعه . اهـ باختصار .
أي: لا تقطعوا عليه بوله .
وإنما أمرهم بتركه يبول في المسجد لأنه شرع في المفسدة ، فلومنع
لزادت ، إذ حصل تلويث جزء من المسجد ، فلو منع لدار بين أمرين : إما
أن یقطعه فیتضرر ، وإما أن لا یقطعه فلا یأمن من تنجیس بدنه ، أو
ثوبه، أو مواضع أخرى من المسجد . قاله في الفتح جـ١/ ص٣٨٦ .
«فلما فرغ) أي انتهى من بوله .
(دعا بدلو من الماء) أي طلب النبي ◌َهدلوا مملوءا بماء، قال في
اللسان: الدلو معروفة واحدة الدلاء التي يُسْتَقَى بها ، تذكر وتؤنث،
والتأنيث أكثر . اهـ . باختصار .
(نصبه) أي سكب الماء الذي في الدلو ، يقال : صببت الماء ، فانصب
أي سكبته فانسكب ، والماء ينصب من الجبل ، أي ينحدر ، قاله العيني .
(عليه) أي على محل بوله .
وفي رواية البخاري : «فلما قضى بوله أمر النبي + بذنوب من ماء

- ٣٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
فأهريق عليه)) وفي رواية لمسلم ((فأمر رجلا من القوم فجاء بدلو فسنه
عليه)) بالسين المهملة ، ويروى بالمعجمة ، وهو رواية الطحاوي أيضا ،
والفرق بينهما أن السَّنَّ بالمهملة : الصَّبُّ المتصل ، وبالمعجمة : الصب
المتقطع ، قاله ابن الأثير .
والذنوب بفتح الذال المعجمة : الدلو العظیمة ، وقيل لا یسمی ذنوبا
إلا إذا كان فيه ماء ، قاله العلامة العيني في عمدته جـ٢/ ص ٤٤٢ .
(قال أبو عبد الرحمن) أي المصنف والظاهر أنه ملحق من بعض
التلاميذ ، ويحتمل أنه من كلامه مفسرا لقوله (( لا تزرموه)) (يعني) أي
يقصد النبي ◌ّ بقوله: ((ولا تزرموه)) (لا تقطعوا عليه) البول.
وقوله في الحديث الثاني ( فصب عليه ) بالبناء للمفعول ، وقوله في
الحديث الثالث ( فصاح به الناس ) قال في المصباح: صاح بالشيء يصبح
به صيحة أي بالفتح ، وصيَاحا أي بالكسر: صَرَخَ . اهـ، أي رفعوا
أصواتهم بزجره ، ففي رواية مسلم ، فقالوا : (مه مه )
وقوله ( حتى بال) أي انتھی من بوله .
وقوله في حديث أبي هريرة رضي الله عنه (قام أعرابي) أي من
مجلسه من المسجد ، ففي رواية الترمذي وغيره ، أنه صلى ثم قال :
اللهم ارحمني ومحمدا ، ولا ترحم معنا أحدا ، فقال له النبي عليه: لقد
تحجرت واسعا ، فلم يلبث أن بال في المسجد .
(فتناوله الناس ) أي أصابوا منه الوقيعة ، يقال : نال فلان من فلان :
أي أصاب منه الوقيعة ، يعني أنهم وقعوا فيه ، والمراد تناوله بألسنتهم ،
لا بأيديهم ، لما في رواية مسلم ، فقال الصحابة : (مه مه).
قال السندي : أوأرادوا أن يتناولوه بأيديهم ، فقد قاموا إليه . اهـ .
قوله : ( وأهريقوا) أي صبوا، وأصله أريقوا ، أمراً من أراق يُريق
إذا صب .

٤٥ - تركـ توقيت الماء - حديث رقم ٥٦.٥٥.٥٤.٥٣
٣٧ _
قال في المصباح : راقَ الماءُ والدمُ وغيره رَيْقًا ، من باب باع :
انصب، ويتعدى بالهمزة ، فيقال : أراقه صاحبه ، والفاعل مريق
والمفعول مُراق.
وتبدل الهمزة هاء ، فيقال : هَرَاقَه، والأصل هَرْيَقَه وزان دَحْرَجَه ،
ولهذا تفتح الهاء من المضارع ، فيقال : يُهَريقه ، كما تفتح الدال من
يدحرجه، وتفتح من الفاعل ، والمفعول أيضا فيقال مُهَريق ومُهَراق ،
والأمر هَرِّقْ ماءَك، والأصل هَرْيقْ وزان دَخْرج .
وقد يجمع بين الهاء والهمزة ، فيقال : أهْرَاقه يُهْريقُه ساكن الهاء
تشبيها له بأسطاع يُسْطيع ، كأن الهمزة زيدت عوضا عن حركة الياء في
الأصل ولهذا لا يصير الفعل بهذه الزيادة خماسيا .
وفي التهذيب من قال : أهْرَقْت ، فهو خطأ في القياس ، ومنهم من
يجعل الهاء كأنها أصل ويقول : هَرَقْته هَرْقًا من باب نفع ، وفي الحديث
((أن امرأة كانت تُهَراق الدماءَ)) بالبناء للمفعول ، والدماء نصب على
التمييز ، ويجوز الرفع على إسناد الفعل إليها ، والأصل تهراق دماؤها ،
ولكن جعلت الألف واللام بدلا عن الإضافة كقوله تعالى : ﴿عقدة
النكاح﴾ [البقرة: ٢٣٥ ] أي نكاحها. اهـ. عبارة المصباح ببعض
اختصار .
وقال ابن التين: ((أهْريقوا)) بإسكان الهاء ، ونقل عن سيبويه أنه
قال: أهْرَاق يُهْريق إهْريَاقًا، مثل أسْطاع يُسْطيع اسْطيَاعا بقطع الألف
وفتحها في الماضي ، وضم الياء في المستقبل ، وهي لغة في أطاع يُطيع ،
فجعلت السين والهاء عوضا من ذهاب حركة عين الفعل ، قال : وروي
بفتح الهاء ووجه بأنها مبدلة من الهمزة ، لأن أصل هراق أراق ثم
اجتبلت الهمزة ، وسكنت الهاء عوضا عن حركة عين الفعل كما تقدم ،
فتحريك الهاء على إبقاء البدل والمبدل منه ، وله نظائر .

- ٣٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وذكر الجوهري : توجيها آخر ، أن أصله أآريقه فأبدلت الهمزة الثانية
هاء للخفة ، وجزم ثعلب في الفصيح بأن أهريقه بفتح الهاء ، نقله
السيوطي في الزهر جـ١ / ص٤٨ .
( دلوا من ماء) من زائدة ، زيدت للتأكيد ، كما قال الكرماني .
ثم بين سبب أمره لهم بتركه بقوله (فإنما بعثتم) أي بعث نبيكم على
حذف مضاف ، قاله السندي ، وقال السيوطي : إسناد البعث إليهم على
طريق المجاز ، لأنه هو المبعوث بما ذكر ، لكنهم لما كانوا في مقام التبليغ
في حضوره وغيبته أطلق عليهم ذلك ، أو هُمْ يبعثون من قبله بذلك
مأمورون ، وكان ذلك شأنه *في حق كل من بعثه إلى جهة من الجهات
يقول : ((يسروا ولا تعسروا)) اهـزهر جـ١/ ص٤٩ .
وقال السندي : ويحتمل أن يكون إشارةً إلى قوله تعالى : ﴿كنتم
خير أمة أخرجت للناس ﴾ الآية [آل عمران: ١١٠ ] فيكون ذلك بمنزلة
البعث . اهـ .
(ميسرين) حال من الضمير النائب .
(ولم تبعثوا معسرين) قال العلامة العيني : ما معناه : فائدة هذه
الجملة تأكيدُ مَا قبله دلالةً على أن الأمر مبني على اليسر قطعا اهـ عمدة
جـ٢ / ص٤٤٦.
قال الجامع :
يعني أن أمر الشريعة ميسر ، لا يتطرق إليه عسر بوجه من الوجوه ،
نظير قوله تعالى ﴿ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم﴾ [البقرة: ١٠٢]
أي هو ضرر محض ، لا يشوبه نفعٌ مَا ، فرب شيء يكون ضاراً ، ويكون
فيه نفع كبعض الأدوية .

٤٥ - تركـ توقيت الماء - حديث رقم ٥٦.٥٥.٥٤.٥٣
٣٩ -
مسائل تتعلق بحديثي الباب
المسألة الأولى : في درجتهما :
أما حديث أنس فمتفق عليه ، وأما حديث أبي هريرة فأخرجه
البخاري .
المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف لهما :
أخرج حديث أنس: هنا ٥٣ ، ٥٤ ، ٥٥ ، وفي الکبری ٥١ ، ٥٢،
٥٣ ، بهذه الأسانيد، وأخرج حديث أبي هريرة هنا ٥٦ ، وفي الكبرى
٥٤ بهذا السند ، وأخرجه في الصلاة أيضا عن عبد الله بن محمد بن
عبدالرحمن به ، ولم يذكر قصة البول . قاله المزي .
المسألة الثالثة : فيمن أخرجهما معه :
أما حديث أنس : فأخرجه البخاري في الطهارة عن موسى بن
إسماعيل ، عن همام ، عن إسحاق بن عبد الله ، عن أنس ، وأخرجه
عن عبدان ، عن ابن المبارك ، عن يحيى بن سعيد ، عنه . وأخرجه
مسلم في الطهارة أيضا عن زهير بن حرب ، عن عمرو بن يونس ، عن
عكرمة بن عمار ، عن إسحاق ، عنه ، وعن أبي موسي عن يحيى
القطان، وعن يحيى بن يحيى ، وقتيبة كلاهما عن عبد العزيز بن عمر .
وأخرجه الترمذي أيضا عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي ، عن
سفيان بن عيينة .
قال العلامة العيني : وفات المزي هذا في الأطراف .
وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه البخاري في الطهارة عن أبي
اليمان ، عن شعيب ، عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ،
عنه ، وأخرجه أيضا في الأدب عن أبي اليمان به .
!

- ٤٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وأخرجه أبو داود من حديث الزهري عن سعيد ، عن أبي هريرة .
وأخرجه الترمذي في آخر الطهارة عن ابن أبي عمر ، وسعيد بن
عبدالرحمن عنه به .
المسألة الرابعة : في بيان الفوائد :
قال الحافظ في الفتح : وفي هذا الحديث من الفوائد :
* أن الاحتراز من النجاسة كان مقررا في نفوس الصحابة ولهذا
بادروا إلى الإنكار بحضرته له قبل استئذانه ، ولما تقرر عندهم أيضا من
طلب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
* واستدل به على جواز التمسك بالعموم إلى أن يظهر الخصوص ،
قال ابن دقيق العيد : والذي يظهر أن التمسك يتحتم عند احتمال
التخصيص عند المجتهد ، ولا يجب التوقف عن العمل بالعموم لذلك ،
لأن علماء الأمصار ما برحوا يفتون بما بلغهم من غير توقف على البحث
عن التخصيص ، ولهذه القصة أيضا إذا لم ينكر النبي ◌ّ على الصحابة ،
ولم يقل لهم: لم نهيتم الأعرابي ؟ بل أمرهم بالكف عنه للمصلحة
الراجحة ، وهو دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما وتحصيل أعظم
المصلحتين بترك أيسرهما .
* وفيه المبادرة إلى إزالة المفاسد عند زوال المانع ، لأمرهم عند فراغه
بصب الماء .
* وفيه تعيين الماء لإزالة النجاسة ، لأن الجفاف بالريح ، أو الشمس،
لو كان يكفي لما حصل التكليف بطلب الدلو .
* وفيه أن غسالة النجاسة الواقعة على الأرض طاهرة ، ويلتحق به
غير الواقعة لأن البلَّة الباقية على الأرض غسالة نجاسة ، فإذا لم يثبت أن