Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١ -
٣١ - النهي عن البول في الماء الراكد - حديث رقم ٣٥
لابد من إخراجه عن ظاهره بالتخصيص ، أو التقييد ، لأن الاتفاق واقع
على أن المستبحر الكثير جدا لا تؤثر فيه النجاسة ، والاتفاق واقع على أن
الماء إذا غيرته النجاسة امتنع استعماله ، فمالك رحمه الله إذا حمل النھي
على الكراهة لاعتقاده أن الماء لا ينجس إلا بالتغير ؛ لابد أن يخرج صورة
التغير بالنجاسة أعني عن الحكم بالكراهة ، فإن الحكم ثمة التحريم ، فإذا
لابد من الخروج عن الظاهر عند الكل اهـ إحكام الأحكام جـ١/ ص٢٢.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت ، وإليه أنيب » .

- ٥٦٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
٣٢ - كراهية البول في المُسْتَحَمَّ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على كراهية البول في المستحم ، أي
المُغْتَسَل فيه .
والكراهية : مصدر كره ، يقال: كره الأمر ، والمنظر كراهة فهو
کریه، مثل قبح قباحة فهو قبيح وزنا ومعنى ، وكراهية بالتخفيف أيضا .
اهـ المصباح . وتقدم في الباب ٣٠ بأوضح من هذا فارجع إليه .
والمستحم: بفتح الحاء وتشديد الميم أصله الموضع الذي يغتسل فيه
بالماء الحميم ، وهو الحار، ثم شاع في مطلق المُغْتَسَل.
وذكر ثعلب أن الحميم يطلق أيضا على الماء البارد من الأضداد ، أفاده
في الزهر .
٣٦- أخْبَرَنَا عَلَيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُّبَارَكِ، عَنْ
مَعْمَرٍ، عَنِ الأَشْعَثِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ مُفَغَّلٍ، عَنِ النَِّّ: ﴿ قَالَ: ((لاَ يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ
فِي مُسْتَحَمِهِ ، فَإِنَّ عَامَّةَ الوَسْوَاسِ مِنْهُ)).
رجال الإسناد : ستة
١ - ((علي بن حجر )) بضم فسكون بن إياس السعدي المروزي ثقة
حافظ من صغار [٩] تقدم في ١٣/ ١٣ .

٥٦٣ -
٣٢ - كراهية البول في المستحم - حديث رقم ٣٦
٢ - ((ابن المبارك)) هو عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي مولاهم
أبو عبد الرحمن المروزي أحد الأئمة الأعلام ، وشيوخ الإسلام.
عن حميد ، وإسماعيل بن أبي خالد ، وحسين المعلم ، وسليمان
وعاصم الأحول ، وهشام بن عروة ، وخلق . ويروي عنه السفیانان من
شيوخه ، ومعتمر ، وبقية ، وابن مهدي ، وسعيد بن منصور ،
وخلائق، قال ابن المبارك : كتبت عن أربعة آلاف شيخ ، فرويت عن
ألف ، قال ابن عيينة : ابن المبارك عالم المشرق والمغرب وما بينهما .
وقال شعبة: ماقدم علينا مثله . وقال أبو اسحاق الفزاري : ابن
المبارك إمام . وقال ابن معين : ثقة صحيح الحديث . وقال ابن مهدي:
كان نسيج وحده ، ولد ابن المبارك سنة ١١٨، ومات سنة ١٨١
وترجمته كبيرة في الحلية لأبي نعيم ، وتاريخ الحاکم . اهـ . صه، من
الطبقة الثامنة .
٣- ((معمر)) بن راشد الأزدي ، أبو عروة البصري نزيل اليمن ثقة
ثبت من كبار [٧] تقدم. في ١٠/ ١٠.
٤- (( الأشعث بن عبد الله )) بن جابر الحداني بمهملتين مضمومة ، ثم
مشددة ، الأزدي ، أبو عبد الله البصري ، وقد ينسب إلى جده ، وهو
الحملي بضم المهملة، وسكون الميم، صدوق-٥- (خت ٤). وثقه النسائي
وأورده الذهبي في ميزانه، وتعجب من عدم تخريج الشيخين عنه .
(تنبيه) وقع في أكثر نسخ ((المجتبى)) أشعث بن عبد الملك ، وهو
خطأ، والصواب ابن عبد الله ، فتنبه .
٥- ((الحسن)) بن أبي الحسن ، واسمه يسار البصري ، مولى أم
سلمة، والرَّبَيِّع بنت النضر، أو زيد بن ثابت ، أبو سعيد الإمام أحد أئمة
الهدى والسنة، رُمى بالقدر ، ولا يصح . عن جندب بن عبد الله،
وأنس ، وعبد الرحمن بن سمرة ، ومعقل بن يسار ، وأبي بكر،

- ٥٦٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وسمرة، قال سعيد : لم يسمع منه ، وأرسل عن خلق من الصحابة .
وروى عنه أيوب ، وحميد ، ويونس ، وقتادة ، ومطر الوراق ،
وخلائق، قال ابن سعد : كان عالما جامعا رفيعا ثقة مأمونا عابدا ناسكا ،
كثير العلم ، فصيحا ، جميلا ، وسيما ، ما أرسله فليس بحجة ، وكان
الحسن شجاعا من أشجع أهل زمانه ، وکان عرض زنده شبراً ، قال ابن
عيينة : مات سنة ١١٠، قيل: ولد سنة ٢١ لسنتين بقيتا من خلافة
عمر. قال أبو زرعة : كل شيء قال الحسن: قال رسول اللهټےوجدت له
أصلا مَليًا خلا أربعة أحاديث اهـ. صه . من رأس الطبقة الثالثة.
٦ - ((عبد الله بن مُغَفِّل)) بمعجمة وفاء كمعظم بن عبد نَهْم بن عفيف
ابن أسحم المزني ، أبو زياد بايع تحت الشجرة ، ونزل البصرة ، له ثلاثة
وأربعون حديثا اتفاق على أربعة ، وانفرد البخاري بحديث ، ومسلم
بآخر . وعنه ابن بريدة ، وسعيد بن جبير ، قال معاوية : ابن قرة أول من
دخل تستر حين فتحت عبد الله بن مغفل ، وقال الحسن: كان من نقباء
الصحابة ، مات ٥٧ ، وقيل سنة ٦٠. اهـ. صه.
لطائف الإسناد
منها: أنه من سداسياته ، ومنها أن رواته كلهم بصريون إلا شيخ
المصنف ، وشيخه فإنهما مروزيان .
ومنها : أن فيه من صيغ الأداء الإخبار ، والإنباء ، والعنعنة .
شرح الحديث
((عن عبد الله بن مغفل)) بصيغة اسم المفعول المضعف رضي الله عنه
(((عن النبي(٤)) أنه قال ((لا)) ناهية ((يبولن أحدكم)) النهي فيه متوجه لجميع
الأمة وإن كان ظاهر الخطاب لمن كان حاضرًا من الصحابة . اهـ المنهل
جـ١/ ص١٠٨.

٥٦٥ -
٣٢ - كراهية البول في المستحم - حديث رقم ٣٦
((في مستحمه)) بصيغة اسم المفعول ، أي مُغْتَسَله کما فسره حديث
أبي داود وغيره بإسناد صحيح عن رجل صحب النبي :# كما صحبه أبو
هريرة قال: ((نهى رسول الله # أن يمتشط أحدنا كل يوم أو يبول في
مغتسله)) وأخرجه المصنف في الزينة مختصرا على الجزء الأول ، وقد
قدمنا في أول الباب أنه الموضع الذي يغتسل فيه بالحميم ، وهو في
الأصل الماء الحار ، ثم قيل للاغتسال بأي ماء كان استحمام .
وقال في المنهل: والإضافة فيه لأدنى ملابسة لأن المراد مكان
الاغتسال ولو غير مملوك اهـ جـ١ / ص١٠٧ .
وإنما نهى عنه إذا لم يكن له مسلك يذهب فيه البول ، أو كان المكان
صلبا فیوهم المغتسل أنه أصابه منه شيء فیحصل منه الوساوس كما علله
بقوله ((فإن عامة الوسواس)) أي أكثره ، لأن عامة الشيء جميعه، أو
أكثره وهو المراد هنا .
والوسواس: حديث النفس بما لا خير فيه ، أوبما فيه شر ، وهو
مصدر وسوس یوسوس وسوسة ووسواسا بکسر الواو ووسواسا
بفتحها، والوسواس بالفتح اسم للشيطان أيضا ، وكل منهما يصح هنا
إرادته ، أما الأول: فظاهر ، وأما الثاني: فعلى تقدير مضاف ، أي فإن
عامة فعل الوسواس منه ، والمراد بفعل الوسواس وسوسته اهـ المنهل
جـ١/ ص١٠٨.
وقال في المصباح: الوسواس بالفتح اسم من وسوست إليه نفسه إذا
حدثته ، وبالکسر مصدر وسوس متعد بإلى ، وقوله تعالى ﴿ فوسوس
لهما الشيطان﴾ [الأعراف: ٢٠] اللام بمعنى إلى، فإن بني للمفعول
قيل: موسوس إليه مثل المغضوب عليهم ، والوسواس بالفتح مرض
يحدث من غلبة السوداء ، يختلط معه الذهن ، ويقال لما يخطر بالقلب

- ٥٦٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
من شر ، ولما لاخير فيه وسواس اهـ (منه) أي من البول في المستحم ،
يعني أن أكثر الوسواس يحصل من البول في المغتسل ، لأنه يصير الموضع
نجسا ، فيقع في قلبه وسوسة بأنه هل أصابه شيء من رشاشه أم لا ؟
قال الشيخ ولي الدين: علل النبي ◌ّ هذا النهي بأن هذا الفعل يورث
الوسواس ، ومعناه أن المغتسل يتوهم أنه أصابه شيء من قطره ورشاشه،
فيحصل له وسواس ، وروى ابنُ أبي شيبة في مصنفه عن أنس بن مالك
رضي الله عنه أنه قال: إنما يكره البول في المغتسل مخافة اللَّمَم . وذكر
صاحب الصحاح وغيره أن اللَّمَمَ طرف من الجنون ، قال : ويقال أيضا
أصابت فلانا لَمَّة من الجن وهو المس ، والشيء القليل ، وهذا يقتضي أن
العلة في النهي عن البول في المغتسل ، خشية أن يصيبه شيء من الجن،
وهو معنى مناسب ، لأن المغتسل محل حضور الشياطين ، لما فيه من
كشف العورة ، فهو في معنى البول في الجُحْر ، لكن المعنى الذي عَلَّلَ به
النبي # أولى بالاتباع ، قال : ويمكن جعله موافقا لقول أنس بأن يكون
المراد بالوسواس في الحديث الشيطان ، وفيه حذف تقديره فإن عامة فعل
الوسواس أي الشيطان منه ، لكنه خلاف ما فهمه العلماء من الحدیث ولا
مانع من التعليل بهما ، فكل منهما علة مستقلة . انتهى كلام العراقي .
قال السيوطي: قلت: بل هو هنا علة واحدة ، ولا منافاة فإن اللمم
الذي ذكره أنس هو الوسواس بعينه ، وذلك طرف من الجنون ، فإن
الذي يسمى في لغة العرب الوسواس هو الذي في لغة اليونان الماليخوليا
وهى عبارة عن فساد الفكر، وقد كثر في أشعار العرب ، والأحاديث،
والآثار إطلاق الوسواس مرادًا به ذلك .
منها : حدیث أحمد عن عثمان رضي الله عنه قال « لما تُوُفي النبي
حزن أصحابه حتی کاد بعضهم يوسوس )، أي يجن ، وقيل: (( ولولا

٥٦٧ -
٣٢ - كراهية البول في المستحم - حديث رقم ٣٦
مخافة الوسواس لسکنت في أرض لیس بها ناس » فالذي قاله أنس هو
عين الذي قاله النبي ١٤ هـ كلام السيوطي زهر جـ١/ ص٣٥.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
((المسألة الأولى)) : في درجته : هذا الحديث جزم النووي بأنه حسن.
ونقل في المنهل جـ١/ ص١١١ عن المنذري قال : إسناده صحيح
متصل وأشعث بن عبد الله ثقة صدوق و كذا بقية رواته . اهـ، وقال
الترمذي : حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث أشعث بن عبد
الله ، وذكر في العلل أنه سأل عنه البخاري فقال: لا أعرفه مرفوعًا إلا
من هذا الوجه ، وقال ابن سيد الناس : وهو مع غرابته یحتمل أن يكون
من قسم الحسن ، لأن أشعث مستور . اهـ. قال المناوي بعد ذكر ما ذكر
عن ابن سيد الناس : ولذا جزم النووي بأنه حسن اهـ .
وقال الذهبي في الميزان في ترجمة أشعث بن عبد الله:
جـ١/ ص٢٦٦ وثقة النسائي وغيره وقد أورده العيقلي في الضعفاء ،
وقال : في حديثه وهم ، ثم أورد حديث الباب بسنده .
قال الذهبي: قلت: قول العقيلي في حديثه وَهَم ليس بمسلم له ،
وأنا أتعجب كيف لم يخرج له البخاري ومسلم اهـ. ومال الشيخ
الألباني إلى تضعيفه لعنعنة الحسن فإنه مدلس ، قال: لكن في النهي عن
البول في المغتسل حديث صحيح . انظر تحقيقه للمشكاة جـ١/ ص ١١٥ .
وقال في صحيح النسائي: صحيح دون قوله: ((فإن عامة الوسواس
منه)) انظر صحيح النسائي ، ١ / ١٠٠ .
((المسألة الثانية)): في بيان موضع ذكر المصنف له ، وفيمن أخرجه
معه :

- ٥٦٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
أخرجه هنا -٣٦/٣٢، وفي الكبرى -٣٦/٢٧ - بالسند المذكور ،
وأخرجه أبو داود في الطهارة عن أحمد بن حنبل ، والحلواني كلاهما عن
عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أشعث بن عبد الله ، عن الحسن ، عن عبد
الله بن مغفل.
وأخرجه الترمذي في الطهارة عن علي بن حجر ، وأحمد بن محمد
ابن موسى كلاهما عن ابن المبارك ، عن معمر به .
وأخرجه ابن ماجه في الطهارة عن محمد بن يحيى ، عن عبد الرزاق
عن معمر به . أفاده المزي ، وأخرجه أحمد ، وابن حبان ، والحاكم،
وعبد الرزاق في الجامع ، والعقيلي ، والضياء المقدسي ، وأخرجه
البيهقي من عدة طرق مرفوعًا موقوفًا .
((المسألة الثالثة)): أنه وقع في هذا الحديث عند أبي داود وغيره زيادة
ثم يغتسل منه وفي رواية أحمد عند أبي داود ( ثم یتوضا فيه » و «ثم» هنا
استباعدیة ، یعني یُسْتَبعد من العاقل أن يغتسل أو يتوضأ في محل بال
فيه، لما يترتب على ذلك من الوسوسة ، ونظيره قوله تعالى ﴿الحمد لله
الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا
بربهم يعدلون﴾ [الأنعام: آية ١] أي يستبعد كفر من كفر بعد قيام الأدلة
على وحدانية الله تعالى .
و قوله : (یغتسل) الرواية فيه بالرفع فیکون خبرا لمبتدإ محذوف ، أي
ثم هو يغتسل فيه ، والمعنى عليه لينْتَه أحدكم عن البول في المستحم ، وله
أن يغتسل فيه ، وإن لم ينته فليس له أن يغتسل فيه ، ويجوز نصبه في
جواب النهي على أن ((ثم)) بمعنى الواو ، وقول النووي: لا يجوز
النصب، لأنه يقتضي أن المنهي عنه الجمع بينهما دون إفراد أحدهما ،
وهذا لم يقل به أحد ، بل البول منهي عنه سواء أراد الاغتسال فيه أو منه

٥٦٩ -
٣٢ - كراهية البول في المستحم - حديث رقم ٣٦
أم لا ، غير مسلم ، فإن النهي عن الجمع بين البول والاغتسال في مكان
واحد لا مانع من إرادته في الحديث بدليل التعليل الآتي ، وكونه يترتب
عليه جواز البول في المستحم ، ولم يقل به أحد هذا وإن كان مسلما إلا
أنه جاء من طريق المفهوم ، وهو معارض بالتعليل المذكور في الحديث ،
فإنه لو بال في المغتسل أحد واغتسل فيه آخر أورثه ذلك الوسوسة،
ومعارض أيضا بنحو قولهځ&( لا ضرر ، ولا ضرار )) رواه أحمد ، وابن
ماجه عن ابن عباس. وقال ابن دقيق العيد : المنهي عن الجمع بينهما
يؤخذ من هذا الحديث إن ثبتت رواية النصب ، ويؤخذ النهي عن الإفراد
من حديث آخر اهـ.
وأما لو بال في المستحم وهَجَرَه من الاغتسال فيه جاز له ذلك .
ويجوز جزم ((يغتسل)) عطفا على ((يبولن)) والمعنى عليه النهي ، عن البول
في المستحم ، وهو ظاهر ، وعن الاغتسال فيه على معنى الانغماس فيه
لما يترتب عليه من قذارة الماء، وعليه فالنهي للتنزيه . اهـ المنهل
جـ١ / ص١٠٨.
(المسألة الرابعة)): في اختلاف العلماء في البول في المغتسل.
قال الإمام الترمذي رحمه الله: وقد كره قوم من أهل العلم البول في
المغتسل ، وقالوا : عامة الوسواس منه ، ورخص فيه بعض أهل العلم،
منهم ابن سيرين ، وقيل له : إنه يقال : إن عامة الوسواس منه ، فقال
(ربنا الله لا شريك له)) أي: فهو المتوحد في خلقه، لا دخل للبول في
المغتسل في شيء من الخلق . قاله أبو الطيب السندي ، وقال ابن المبارك:
قد وسع في البول في المغتسل إذا جرى فيه الماء . اهـ كلام الترمذي
بزيادة .
قال الحافظ ولي الدين العراقي : حمل جماعة من العلماء هذا

- ٥٧٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
الحديث على ما إذا كان المغتسل ليّنا وليس فيه منفذ بحيث إذا نزل فيه
البول شربته الأرض ، واستقر فيها فإن كان صلبا ببلاط ونحوه بحيث
يجري عليه البول ، ولا يستقر ، أو کان فيه منفذ کالبالوعة ونحوها فلا
نھي .
روی ابن أبي شيبة عن عطاء ، قال : إذا کان یسیل فلا بأس ، وقال
ابن ماجه في سننه : سمعت علي بن محمد الطنافسي يقول : إنما هذا في
الحفيرة ، فأما اليوم فلمغتسلاتهم الجص والصاروج والقير ، فإذا بال
فأرسل عليه الماء فلا بأس به .
وقال الخطابي : إنما ينهى عن ذلك إذا لم يكن المكان جددا مستويا لا
تراب علیه ، وصلبا ، أو مُبَلَّطا ، أو لم یکن له مسلك ينفذ فيه البول،
ويسيل منه الماء ، فيَتَوهَّم المغتسل أنه أصابه شيء من قطره ورشاشه
فیورثه الوسواس .
وقال النووي في شرحه: إنما نُھي عن الاغتسال فيه إذا كان صلبا
یخاف إصابة رشاشه ، فإن کان لا يخاف ذلك بأن يكون له منفذ ، أو
غير ذلك فلا كراهة .
قال الشيخ ولي الدين: وهو عكس ماذكره الجماعة ، فإنهم حملوا
النهي على الأرض اللّينَة ، وحمله هو على الصلبة وقد لمح هو معنى آخر
وهو أنه في الصلبة يخشى عود الرشاش بخلاف الرخوة ، وهم نظروا
إلى أنه في الرخوة يستقر موضعه ، وفي الصلبة يجري ، ولا يستقر ،
فإذا صب عليه الماء ذهب آخره بالكلية .
قال السيوطي: قلت: الذي قاله النووي رضي الله عنه سبقه إليه
صاحب النهاية ، فإنه قال: وإنما نهى عن ذلك إذا لم يكن له مسلك
يذهب فيه البول ، أو كان صلبا فيتوهم المغتسل أنه أصابه منه شيء،

٥٧١ -
٣٢ - كراهية البول في المستحم - حديث رقم ٣٦
فيحصل منه الوسواس .
ثم قال الشیخ ولي الدین : إذا جعلنا الاغتسال منھیا عنه بعد البول
فيه، فيحتمل أن سبب الوسواس البول فيه على انفراده ، ويحتمل أن
سببه الاغتسال بعد البول فيه ، ویکون قوله : فإن عامة الوسواس منه أي
من مجموع ما تقدم أو من الاغتسال أو الوضوء فيه الذي هو أقرب
مذکور ، ویؤیده حدیث « من توضأ في موضع بوله ، فأصابه الوسواس
فلا يلومن إلا نفسه » رواه ابن عدي من حديث ابن عمرو (١) فجعل
سبب الوسواس الوضوء في موضع بوله انتهى اهـ زهر جـ١/ ص٣٧.
وقال العلامة المباركفوري: قلت: والأولى أن يحمل الحدیث على
إطلاقه ، ولا يقيد المستحم بشيء من القيود ، فيحترز عن البول في
المغتسل مطلقا سواء كان له مسلك ، أم لا ، وسواء كان المكان صلبا ، أو
لينا ، فإن الوسواس قد يحصل من البول في المغتسل الذي له مسلك
أيضا، وكذلك قد يحصل الوسواس منه في المغتسل اللين والصلب كما
لا يخفى . اهـ تحفة الأحوذي جـ١ / ص١٠١ .
قال الجامع عفا الله عنه : هذا الذي قاله العلامة المباركفوري رحمه
الله تحقيق حقيق بالقبول . والله أعلم.
((المسألة الخامسة)): أنه يستفاد من هذا الحديث منع البول في محل
التطهر ، وأنه يُطلب ممن يأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر أن يبين
السبب ليقع كلامه عند المأمور والمنهي موقع القبول ، وأنه يطلب من
الإنسان البعد عما يضره ، وأنه يطلب إيقاع الغسل والوضوء في محل
طاهر ، وأنه يطلب من الرئيس أن يُرشد رعيته إلى ما فيه صلاحهم ،
وترك ما لا خير فيه . أفاده في المنهل .
(١) أخرجه ١٤٦٩/٤، وفيه منصور بن عمار ، منكر الحديث ، وابن لهيعة أيضا .

- ٥٧٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
((المسألة السادسة)): قال العلامة محمود محمد خطاب السبكي في
المنهل العذب المورود جـ١ / ص١٠٩ :
اعلم أن رسول الله﴾كان أحرص الناس على هداية الأمة وإرشادهم
إلى ما فيه فلاحهم دينا وأخرى ، فلم يدع سبيلا يرشد إلى الخير إلا وقد
أمر به، ولا طريقا يوصل إلى الشر إلا وقد نهى عنه، كما قال ##(( ما
ترکت شیئا یقربکم إلی الله تعالى إلا وقد أمرتكم به ، ولا شیئا يبعدكم
عن الله تعالى إلا وقد نهيتكم عنه)) رواه الطبراني في الكبير عن زيد بن
أرقم .
وقد امتن الله تعالى على أمته ببعثته، فقال تعالى: ﴿لقد مَنَّ الله
على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم
ويعلمهم الكتاب والحكمة ، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾[آل
عمران: آية ١٦٤] فهو عي رحمة عامة، ونعمة تامة، فمن هدايته عَ﴾
وشفقته علينا نهيه لنا عن البول في محل الطهارة ، وإعلامه أن عامة
الوسواس منه ذلك الأمر الذي يترتب عليه الخروج عن هدي رسول الله
** واستحواذ الشيطان على من قام به ، حتى يوقعه في المشقة والعناء،
فيخيل لمن رآه أن به جنونا ، وحسبك أن فحول العلماء المحققين قد ألفوا
في ذم الوسواس كتبا مستقلة ، وأطالوا الكلام بما يشفي ، ويكفي .
فمن ذلك: ما ذكره ابن قدامة المقدسي في كتابه ذم الموسوسين قال :
إن طائفة من الموسوسين قد تحقق منهم طاعة الشيطان ، حيث اتصفوا
بوسوسته، وقبلوا قوله، وأطاعوه ، ورغبوا عن اتباع رسول الله ﴾﴾.
وصحابته ، حتى إن أحدهم لیری أنه إذا توضأ وضوء رسول الله ﴾﴾ أو
صلی کصلاته فوضوؤه باطل ، وصلاته غير صحيحة ، ویری أنه إذا فعل
مثل فعل رسول الله ع في مؤاكلة الصبيان، وأكل طعام عامة المسلمين

٥٧٣ -
٣٢ - كراهية البول في المستحم - حديث رقم ٣٦
أنه قد صار نجسا ، یجب علیه تسبيع يده وفمه ، كما لو ولغ فيها كلب ،
ثم إنه بلغ من استيلاء إبليس عليهم أنهم أجابوه إلى ما يشبه الجنون،
ويقارب مذهب السوفسطائية الذين ينكرون حقائق الموجودات والأمور
المحسوسات ، وعلم الإنسان بحال نفسه من الأمور الضروريات
الیقینیات ، وهؤلاء یغسل أحدهم عضوه غسلا يشاهده ببصره ، ویکبر
ويقرأ بلسانه بحيث تسمعه أذناه ، ويعلمه قلبه ، بل يعلمه غيره منه ،
ويتقنه ، ثم يشك هل فعل ذلك ، وكذلك يشككه الشيطان في نيته التي
يعلمها من نفسه يقينا ، بل يعلمها غيره منه بقرائن أحواله ، ومع هذا
يقبل قول إبليس له أنه ما نوى الصلاة ولا أرادها مكابرة منه لعیانه،
وجحدا لیقین نفسه حتى تراه مترددا متحيرا كأنه يعالج شيئا يجتذبه ، أو
يجد شيئا في باطنه يستخرجه ، كل ذلك مبالغة في طاعة إبليس وقبول
وسوسته ، ومن انتهت طاعته لإبليس إلى هذا الحد ، فقد بلغ النهاية في
طاعته ، ثم إنه يقبل قوله في تعذيب نفسه ، ويطيعه في الإضرار بجسده
تارة ، بالغوص في الماء البارد ، وتارة بكثرة استعماله ، وإطالة العرك،
وربما فتح عينيه في الماء البارد وغسل داخلهما حتى يضر ببصره ، وربما
أفضى إلى كشف عورته للناس ، وربما صار إلى حال يسخر منه
الشيطان، ويستهزىء به من يراه .
وذكر أبو الفرج بن الجوزي عن أبي الوفاء بن عقيل: أن رجلا قال
له: أنغمس في الماء مرارا كثيرة ، وأشك هل صح لي الغسل ، فما ترى
في ذلك؟ فقال له الشيخ: اذهب فقد سقطت عنك الصلاة ،
قال: وكيف؟ قال: لأن النبي ## قال ((رفع القلم عن ثلاثة عن المجنون
المغلوب على عقله حتى يبرأ ، والنائم حتى يستيقظ ، والصبي حتى
يبلغ)) رواه أحمد، وأبو داود ، عن علي، وعمر رضي الله عنهما ،
ومن ينغمس في الماء مرارا وشك هل أصابه الماء فهو مجنون ، قال : وربما

- ٥٧٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
شغله بوسواسه حتى تفوته الجماعة ، وربما فاته الوقت ، ويشغله
بوسوسته في النية حتی تفوته التكبيرة الأولى ، وربما فوَّت عليه رکعة أو
أكثر ، ومنهم من يحلف أنه لا يزيد على هذه ، ويكذب .
وحكى لي من أثق به عن موسوس عظيم رأيته أنا يكرر عقد النية
مرارا ، فيشق على المأمومين مشقة كبيرة ، فعرض له أن حلف بالطلاق
أنه لا یزید علی تلك المرة فلم یدعه إبلیس حتی زاد ، ففرق بینه وبین
امرأته ، فأصابه لذلك غم شدید وأقاما متفرقین دهرًا طويلا ، حتى
تزوجت تلك المرأة برجل آخر ، وجاءه منها ولد ، ثم إنه حنث في يمين
حلفها ، ففرق بينهما ، وردت إلى الأول بعد أن كاد يتلف لمفارقتها .
وبلغني عن آخر كان شديد التنطع في التلفظ بالنية ، فاشتد به التنطع
والتشديد يوما إلى أن قال: أصلي أصلي مرارا صلاة كذا وكذا ، وأراد
أن يقول أداء فأعجم الدال ، وقال أذاء لله ، فقطع الصلاة رجل إلى
جانبه ، فقال : ولرسوله ، وملائكته ، وجماعة المصلين .
قال : ومنهم من يتوسوس في إخراج الحرف حتى يكرره مرارا ،
قال: فرأيت منهم من يقول الله أكككبر ، قال: وقال لي إنسان منهم: قد
عجزت عن قولي السلام عليكم ، فقلت له : قل مثل ما قلت الآن وقد
استرحت ، وقد بلغ الشيطان منهم أن عذبهم في الدنيا والآخرة ،
وأخرجهم عن اتباع الرسول * وأدخلهم في جملة أهل التنطع والغلو،
وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، فمن أراد التخلص من هذه البلية
فليستشعر أن الحق في اتباع رسول الله مَهفي قوله ، وفعله ، وليعزم على
سلوك طريقته عزيمة من لا يشك أنه على الصراط المستقيم ، وأن ما سوى
ذلك فهو من تسویل إبليس ووسوسته ، ویوقن أنه عدو له لايدعوه إلى
خير ﴿إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير﴾ [فاطر: آية٦]

٥٧٥ -
٣٢ - كراهية البول في المستحم - حديث رقم ٣٦
وليترك التعريج علی کل ماخالف طریقة رسول الله ټ#كائنا ما كان فإنه لا
شك أن رسول الله ## كان على الصراط المستقيم، ومن شك في هذا
فليس بمسلم . اهـ ملخصا ، وقد أطال البحث في هذا المقام .١ هـ المنهل
جـ١/ ص١١١.
(((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه
توكلت ، وإليه أنيب » .

- ٥٧٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
٣٣- السلام على من يبول
أي هذا باب في ذكر الحديث الدال على أن من سلم على من يبول لا
يستحق الجواب . ثم إن ظاهر حديث الباب يدل على جواز السلام على
من ییول ، و کذا حدیث الباب الذي بعده .لکن یعارضه حديث جابر
عند ابن ماجه: ((أن رجلا مر على النبي # وهو يبول فسلم عليه ، فقال
له رسول الله: إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم عليّ فإنك إن
فعلت ذلك لم أرد عليك » .
فهذا يدل على عدم مشروعيته وأجيب بأن الحديث ضعيف ، لأن في
سنده سويد بن سعيد ، وفيه مقال . قاله في المنهل . قال الجامع : قلت:
لکن قال البوصيري : إسناده حسن ، وسوید لم ينفرد به ، فله متابع عن
عيسى بن يونس في مسند أبي يعلى وغيره . اهـ وصححه الشيخ
الألباني.
٣٧- أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا زَيْدُ بنُ الحُبَاب ،
وَقَبِيصَةُ ، قَالا: أَنْبَأْنَا سُفْيَانُ، عَنِ الضَّحَّاكِ بِنِ عُثْمَانَ ،
عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّعَلَهُ
وَهُوَ يَبُولُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ .
رجال الإسناد : سبعة
١- ((محمود بن غيلان)) بفتح الغين وسكون الياء العدوي مولاهم

٥٧٧ -
٣٣ - السلام على من يبول - حديث رقم ٣٧
أبو أحمد المروزي الحافظ ، عن ابن عيينة ، والفضل بن موسى ، وأبي
معاوية ، وخلق . وعنه البخاري ، ومسلم ، والترمذي ، والنسائي،
ووثقه ، وابن ماجه ، وخلق . قال أحمد: صاحب سنة، قال البخاري:
مات سنة ٢٣٩ . اهـ صه، من الطبقة [١٠].
٢- ((زيد بن الحباب)) بضم أوله وبموحدتين العُكْلي ، أبو الحسين
الخراساني الكوفي الحافظ الجوّال ، دخل الأندلس في طلب العلم ،
وجاب البلاد ، روى عن مالك بن مغول ، وقرة بن خالد ، وأسامة بن
زيد ، وحسين بن واقد ، وخلق . وروى عنه أخمد ، وابن المديني،
وسلمة بن شبيب ، ومحمد بن رافع ، وخلق . وثقه ابن المديني ، وأبو
حاتم . قال ابن معين : ثقة يقلب حديث الثوري ، توفي سنة ثلاث
ومائتین ا هـصه ، من [٩].
٣- « قبيصة » بفتح القاف و کسر الباء بن عقبة بن محمد بن سفيان بن
عقبة السوائي أبو عامر الكوفي الحافظ ، روى عن فطر بن خليفة ،
ويونس بن أبي إسحاق . وعنه البخاري ، وأحمد ، ومحمود بن
غيلان، وثقه ابن معين إلا في الثوري، وقال ابن نمير : لوحدثنا قبيصة
عن النخعي لقبلناه ، أي وهو أقدم من الثوري ، وحديثه عنه في
البخاري، قال مطين: مات سنة ٢١٥، أخرج له الجماعة ج صه من [ ٩].
٤ - ((سفيان)) بن سعيد بن مسروق الثوري ، أبو عبدالله ثقة حافظ
فقيه عابد إمام حجة من رؤوس الطبقة السابعة وكان ربما دلس ، مات
سنة ١٦١، وله ٦٤ سنة، وستأتي ترجمته بأطول من هذا في ١١١/٨٩.
٥- (( الضحاك بن عثمان » بن عبد الله بن خالد بن حزام بكسر
المهملة الأسدي الحزامي أبو عثمان المدني ، يروي عن إبراهيم بن حنین،
وسعيد المقبري ، وزيد بن أسلم ، ونافع . وعنه الثوري ، وابن وهب،

- ٥٧٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
ويحيى القطان ، وزيد بن الحباب ، وخلق . وثقه ابن معين ، وأبو داود،
وابن سعد ، وقال : توفي بالمدينة سنة ثلاث وخمسين ومائة ، وقال أبو
زرعة : ليس بقوي ، أخرج له مسلم ، والأربعة اهـ، صه وفي التقريب
صدوق يهم من السابعة . اهـ .
٦- ((نافع)) العدوي مولى ابن عمر المدني ثقة من [٣] تقدم . في
١٢/١٢.
٧- ((عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما تقدم، في
١٢/١٢ .
لطائف الإسناد
فيه :أنه من سداسيات المصنف ، وأن رواته مابين مروزي ، وهو
الأول ، وكوفيين وهم الثلاثة بعده ، ومدنيين وهم من الضحاك إلى
آخره ، وفيه من صيغ الأداء الإخبار ، والتحديث ، والإنباء ، والعنعنة،
والقول .
شرح الحديث
((عن ابن عمر)) بن الخطاب رضي الله عنهما أنه ((قال : مر رجل
على النبي )) هو أبو الجهيم بالتصغير عبد الله بن الحارث بن الصمة كما
بينه الشافعي رحمه الله تعالى في روايته لهذا الحديث من طريق الأعرج،
وصرح به في مشكاة المصابيح . قال في باب التيمم ، وعن أبي الجهيم بن
الحارث بن الصمة قال ((مررت على النبي :# وهو يبول ، فسلمت عليه
فلم يرد عليَّ حتى قام إلى جدار فحته بعصا کانت معه ثم وضع یدیه علی
الجدار ، فمسح وجهه وذراعيه ، ثم رد عليّ)) ذكره البغوي في شرح
السنة ، وقال : هذا حديث حسن .اهـ . ويحتمل أن يكون المراد بالرجل
هو المهاجر بن قنفذ الآتي في الباب التالي . ومعنى مر عليه : اجتاز عليه،

٥٧٩ -
٣٣ - السلام على من يبول - حديث رقم ٣٧
يقال: مررت بزيد ، وعليه مَرّاً ومُرورا وممَرًا: اجتزت . قاله في المصباح .
وعبارة القاموس وشرحه : مرَّ عليه يمر ، مرا ، ومرورا : جاز، ومَرَّ
مَرًّا ، ومُرورا : ذهب کاستمر ، وقال ابن سیده : مر يمر مرا ومرورا :
جاء وذهب ، ومره، ومر به جاز علیه ، وهذا قد يجوز أن يكون مما
يتعدى بحرف وغير حرف ، ويجوز أن يكون مما حذف فيه الحرف
فأوصل الفعل ، وعلى هذين الوجهين يحمل بيت جرير (من الوافر) :
تَمُرُّونَ الدِّيَارَ وَلَمْ تَعُوجُوا كَلامُكُهُو عَلَيَّ إِذَنْ حَرَامٌ
وقال بعضهم: إنما الرواية مَرَرْتم بالدِّيَار ولم تَعُوجوا فدل هذا على أنه
فرق من تعديه بغير حرف ، وأما ابن الأعرابي فقال : مر زيدا في معنى
مربه ، لا على الحذف ، ولكن على التعدي الصحيح ، ألا ترى أن ابن
جني قال : لا تقولوا مررت زيدا في لغة مشهورة إلا في شيء حكاه ابن
الأعرابي ، قال: ولم يروه أصحابنا . اهـق وتاج جـ ٣/ ص٥٣٧.
(((وهو )لَ﴾ ((يبول)) جملة حالية أي والحال أن النبي هيبول ((فسلم))
ذلك الرجل ((عليه))عَ﴾((فلم يرد)) النبي عليه((عليه)) أي الرجل المسلم
((السلام)) يحتمل أنه أخر الرد حتى تطهر كما في الرواية الآتية في الباب
الأتي ، تعظيما لذكر اسم الله ، لأن السلام اسم من أسماء الله كما ورد
في الحديث ، ويؤيده أن في رواية أبي داود وغيره زيادة (( ثم اعتذر إليه،
فقال: إني كرهت أن أذكر الله تعالى إلا على طهر)).
ويحتمل أنه ترك الرد عليه أصلا تأديبا له ، ويؤيده ما أخرجه ابن
ماجه من طريق جابر قال ((إن رجلا مر على النبي ◌َ﴾ وهو يبول فسلمٍ
عليه، فقال له رسول الله عليه إذا رأيتني على مثل هذه الحال فلا تسلم علي
فإنك إن فعلت ذلك لم أرد عليك » وفي سنده سويد بن سعيد وفيه مقال
إلا أنه لم ينفرد به .

- ٥٨٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
قال الحافظ أبو بكر البوصيري في مصباح الزجاجة : هذا إسناد
حسن، لأن سویدا لم ينفرد به فله متابع عن عیسی بن یونس في مسند
أبي يعلى وغيره اهـ، ١٤٩/١ . وقد مر قريبا .
وقال العلامة السندي: ويحتمل أنه ترك الرد أحيانا ، وأخره أحيانا
على حسب اختلاف الناس في التأديب وغيره اهـ جـ١ / ص٣٧.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
((المسألة الأولى)) :في درجته : حديث ابن عمر رضي الله عنهما
أخرجه مسلم .
(( المسألة الثانية » : في بیان موضع ذكره عند المصنف ، وفیمن أخرجه
معه :
أخرجه المصنف هنا - ٣٣/ ٣٧ - بالسند المذكور ، وأخرجه مسلم في
الطهارة عن محمد بن عبد الله بن نُمَيْر ، عن أبيه ، عن سفيان ، عن
الضحاك بن عثمان ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهما .
وأخرجه أبو داود فيه أي الطهارة عن أبي بكر ، وعثمان ابني شيبة
كلاهما عن عمر بن سعد الحَفَري ، والترمذي فيه أي الطهارة ، وفي
الاستئذان عن نصر بن علي ، ومحمد بن بشار كلاهما عن أبي أحمد
الزبيري ، وفي الاستئذان أيضا عن محمد بن يحيى النيسابوري . عن
محمد بن يوسف ، وابن ماجه في الطهارة عن عبد الله بن سعيد ،
والحسين بن أبي السَّريّ ، كلاهما عن أبي داود الحَفَري ، كلهم عن
سفيان الثوري ، عن الضحاك بن عثمان به. أفاده الحافظ المزي.
وأخرجه أحمد ، والبيهقي .
((المسألة الثالثة)): زاد أبو داود من طريق ابن عمر وغيره ((أن النبي عَله.