Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١ -
٣٠ - كراهية البول في الجدر - حديث رقم ٣٤
٣٠- كراهية البول في الجُهْر
أي هذا باب في ذكر الحديث الدال على كراهية البول في الجحر .
والكراهية مصدر كَرُّهَ يقال: كَرُّهُ الأمرُ والمنظرُ، كراهة ، فهو کریه
مثل قَبُحَ قباحةً فهو قَبيح وَزْنا ومعنى ، وكراهية بالتخفيف أيضا ،
و کرهته أكرهه ، من باب تعب گُرْها بضم الكاف ، وفتحها : ضد أحببته
فهو مكروه ، والكَرْه بالفتح المشقة ، وبالضم القهر ، وقيل بالفتح
الإكراه، وبالضم المشقة ، وأكرهته على الأمر إكراها : حملته عليه قهرا
يقال : فعلته كرها بالفتح ، أي إكراهًا ، وعليه قوله ﴿طوعا أو كرها ﴾
[فصلت: آية ١١] فقابل بين الضدين قال الزجاج كل مافي القرآن من
الكره بالضم فالفتح فيه جائز إلا قوله في سورة البقرة ﴿کتب علیکم
القتال وهو كره لكم ﴾ [البقرة: آية ٢١٦] والكريهة الشدة في الحرب اهـ
المصباح .
والجحر: بالضم كل شيء تحتفره الهَوَامَّ والسباع لأنفسها كالجُحْران
جمعه جحرة، وأجحار. اهـ قاموس، وقال: والجَحْر بالفتح : الغار
البعيد القعر. اهـ .
وفي المصباح: الجُحْر للضب ، واليربوع ، والحية ، والجمع :
جحَرَة مثل عنبة . اهـ .
٣٤ - أخْبَرَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: أَنْبَأْنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ ،
قَالَ : حَدَّثِي أِي ، عَنْ فَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجَسَ ،
أنَّ نَبِيَّاللَّه ◌َيُ قَالَ: ((لاَ يُبُولَنَّ أحَدُكُمْ فِي جُخْرٍ» .

- ٥٤٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
قَالُوا لِقَتَادَةَ: وَمَا يُكْرَهُ مِنَ الْبَوْلِ فِي الْجُحْرِ؟ قَالَ : يُقَالُ :
إِنَّهَا مَسَاكِنُ الجِنِّ.
رجال الإسناد : خمسة
١ - ((عبيد الله بن سعيد)) بن يحيى اليشكري أبو قُدامة السرخسي
نزيل نيسابور ثقة مأمون سني من العاشرة مات سنة ٢٤١ تقدم-١٥/١٥
٢- ((معاذ بن هشام)) الدستوائي البصري نزيل اليمن ، عن أبيه،
وشعبة ، وجماعة ، وعنه ابن المديني ، وإسحاق الكوسج ، قال ابن
معین: صدوق ليس بحجة ، وقال ابن عدي له حدیث کثیر ربما يغلط ،
وأرجو أنه صدوق ، مات سنة مائتين وأخرج له الجماعة اهـ (خ). صه
من الطبقة [٩].
٣- « أبو معاذ» هو هشام بن أبي عبد الله سنبر وزان جعفر ، أبو بكر
البصري ثقة ثبت وقد رمى بالقدر ، من كبار [٧] تقدم. في ٢٥/٢٤.
٤ - ((قتادة)) بن دعامة السدوسي ، أبو الخطاب البصري الأكمه
أحدالأئمة الأعلام حافظ مدلس ، روی عن أنس ، وابن المسيب ، وابن
سيرين ، وخلق ، وعنه أيوب ، وحميد ، وحسين المعلم ، والأوزاعي،
وشعبة ، وعلقمة ، قال ابن المسيب: ما أتانا عراقي أحفظ من قتادة،
وقال ابن سيرين : قتادة أحفظ الناس، وقال ابن مهدي: قتادة أحفظ من
خمسین مثل حمید ، قال حماد بن زيد: توفى سنة سبع عشرة ومائة ،
وقد احتج به أرباب الصحاح . رأس الطبقة الرابعة.
٥- «عبد الله بن سَرْجس)) بفتح أوله وکسر الجيم، المزني ، حليف

٥٤٣ -
٣٠ - كراهية البول في الجحر - حديث رقم ٣٤
بني مخزوم ، البصري صحابي له سبعة عشر حديثا ، انفرد به مسلم
بحديث ، وعنه عثمان بن حكيم ، وعاصم الأحول ، وقتادة ، أخرج له
مسلم والأربعة . اهـصة . بزيادة .
لطائف الإسناد
منها : أنه مسلسل بالبصريين إلا شيخ المصنف فإنه سرخسي ، ثم
نيسابوري ، وأنه من خماسياته ، وفيه من صيغ الأداء الإخبار، والإنباء
والتحديث ، والعنعنة .
شرح الحديث
(((عن عبد الله بن سرجس)) بمنع الصرف للعلمية والعجمة على وزن
نَرجس ، قال الزركشي: وليس في كلام العرب فَعْلل بكسر اللام ، لأن
هذا الوزن مختص بالأمر من الرباعي ، وأما نَرْجس فنونه زائدة ، وإن
کان عربیا .
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر رحمه الله : صحابي صحيح السماع
من حديثه عند مسلم وغيره (( رأيت النبي ګ فأكلت معه خبزا ولحما
ورأيت الخاتم )) الحديث وفيه ((فقلت استغفر لي يارسول الله)) وقال
البخاري وابن حبان: له صحبة اهـ المنهل ، جـ١/ ص١١٤ .
( أن نبي الله ﴾﴾ قال: لا ییولن » بنون التأکید « أحدكم في جحر )
بضم الجيم وسكون الحاء المهملة في الأصل ما تحتفره السباع والهوام
لأنفسها وتقدم بأبسط من هذا في أول الباب .
والمراد به في الحديث الشَّقَّ في الحائط أو في الأرض أوغيرهما .
ومثل البول الغائطُ بل هو أولى، ومحل النهي ما لم يكن مُعَدًا لذلك .
أفاده في المنهل ، جـ١/ ص١١٤ .

- ٥٤٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
قال هشام الدستوائي: ((قالوا)) أي الجماعة الحاضرون عند تحديث
قتادة بهذا الحديث لهم ((لقتادة)) مستفهمين عن سبب كراهة البول في
الجحر ((وما يكره من البول في الجحر؟)) ما استفهامية ويكره بضم أوله
مبنيا للمفعول أي يبغض ، ومن زائدة ، والبول نائب الفاعل ، أي
قالوا: لأي شيء يكره البول في الجحر ؟ فالاستفهام إنما هو عن سبب
كراهة البول في الجحر أفاده في المنهل .
وقال السندي : الظاهر أن ماموصولة مبتدأ والخبر مقدر، أي لماذا ،
إذ الظاهر أن السؤال عن سبب الكراهة . اهـ (( قال )» قتادة جوابا عن هذا
الاستفهام (یقال: إنها ) أي جنس الجُحْر ، ولذلك قال « مساكن الجن))
بصيغة الجمع ، والتأنيث لمراعاته الخبر . قاله السندي .
وقال الشيخ ولي الدين: أعاد الضمير على الجحر ، وهو يدل على
أنه مؤنث ، ويحتمل أن يريد الجحَرَة التي هي جمعه، وإن لم يتقدم
ذکرها . اهـ .
وفي المنهل ما نصه : والضمير في إنها یحتمل أن یکون عائدًا على
الأجحار المفهومة من السياق بدليل الجمع في قوله مساكن ، ويحتمل أن
يكون عائدا على الجحر بمعني الفرجة ، وجمع الخبر باعتبار الجنس اهـ .
والمساكن : جمع مسكن بفتح الكاف وكسرها البيت .
والجن: بكسر الجيم ومثله الجنَّة خلاف الإنسان ، والجان الواحد من
الجن ، وهو الحيّةُ البيضاء أيضا قاله في المصباح .
والمراد بالجن هنا كل ما هو مستور عن أعين الناس ، لا خصوص أحد
الثقلين ، فيشمل الحشرات والهوام ، والجن في الأصل ضد الإنس،
مأخوذ من الاجتنان وهو الاستتار ، سموا بذلك لاستتارهم عن أعين
الناس ، وهو اسم جنس واحده جني ا هـ المنهل .

٥٤٥
٣٠ - كراهية البول في البحر - حديث رقم ٣٤
مسائل تتعلق بهذا الحديث
((المسألة الأولى» : في درجته هذا الحدیث صححه ابن السكن وابن
خزيمة ، قال الحافظ في التلخيص : وقيل إن قتادة لم يسمع من عبد الله
ابن سرجس ، حكاه حرب ، عن أحمد ، وأثبت السماع منه علي بن
عبد الله المديني اهـ، جـ١ / ص١٠٦ وضعف الحديث الشيخ الألباني
بعنعنة قتادة . وقال في البدر المنير : ثبت سماع قتادة من ابن سرجس ،
وقال المنذري : رجال إسناده ثقات . وقال الطبراني : سمعت محمد بن
أحمد بن البراء ، قال علي بن المديني : سمع قتادة من ابن سرجس ،
وعن أبي حاتم ، لم يلق قتادة من الصحابة إلا أنسا ، وعبد الله بن
سرجس ، وقال الحاكم : إن الحديث صحيح على شرط الشيخين اهـ.
المنهل باختصار جـ١ / ص١٦٦.
قال الجامع : علة الحديث كما سبق عن الشيخ الألباني عنعنة قتادة .
والله أعلم .
((المسألة الثانية)): في بيان موضع ذكر المصنف له :
أخرجه المصنف هنا عن عبيد الله بن سعيد السرخسي ، عن معاذ بن
هشام ، عن أبيه ، عن قتادة ، عن عبد الله بن سرجس ، وفي الكبري
رقم ٣٠ بالسند المذكور .
((المسألة الثالثة)) : فیمن أخرجه معه :
أخرجه أبو داود في الطهارة أيضا عن عبيد الله بن عمر القواريري،
عن معاذ بن هشام ، عن أبيه بالسند المذكور . اهـ تحفة الأشراف
جـ٤/ ص٣٥٠.
وأخرجه أحمد، والحاكم، وكذا البيهقي مطولا بلفظ (( لا يبولن

- ٥٤٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
أحدكم في الجُحْر وإذا نمتم فأطفئوا السراج، فإن الفأرة تأخذ الفتيلة
فتحرق على أهل البيت ، وأوكئوا الأسقية ، وخمروا الشراب وأغلقوا
الأبواب)) فقيل لقتادة: وما يكره من البول في الجُحْر فقال : إنها مساكن
الجن .
((المسألة الرابعة)) : فيما يستفاد من الحديث :
دل الحديث على كراهة البول في الحُفَر التى تسكنها السباع والهوام
خشية الأذى، قال في المنهل : ومحل الكراهة مالم يغلب على الظن أذى
له، أو لما في الجُحْر من حيوان محترم، وإلا حرم كما هو ظاهر النهي.
ودل أيضا على أنه يطلب من العاقل البعد عما يخشى منه الضرر ،
وعلى مزيد رأفة النبي ◌ّ بالأمة، وعلى أنه يطلب ممن تولى أمر جماعة أن
یأمرهم بما فيه نفعهم ، وینهاهم عما فيه ضررهم . قاله في المنهل
جـ١/ ص١١٦.
(((المسألة الخامسة)): في قول قتادة: يقال إنها مساكن الجن بيان
لسبب كراهة البول في الجُحْر ، وذلك لئلا يحصل له ضرر، وفي رواية
البيهقي ، والحاكم ، فقال: « إنها مساكن الجن )» بدون قوله کان یقال
كما تقدم .
قال المناوي في شرحه الكبير: ويؤيده الأثر الصحيح أن سعد بن
عُبَادة الخزرجي بال في جُحْر ثم خَرَّميتا، فسُمعَت الجنَّ تقول:
رَجْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَهْ
نحنُ قَتَلِنَا سَيِّدَ الخَزْ
فَلَمْ يُخْطِىءْ فُؤَادَهْ
وَرَمَیْنَاهُ بِسَهْم
قال في المرقاة شرح المشكاة بعد أن ذكر هذا الأثر الله أعلم بصحته اهـ
المنهل .

٥٤٧ -
٣٠ - كراهية البول في الجدر - حديث رقم ٣٤
قال الجامع عفا الله عنه: قال الحافظ ابن عبد البر في الاستيعاب في
ترجمة سعد هذا مانصه : ولم يختلفوا أنه وُجدَ ميتا في مُغتَسَله ، وقد
اخْضَرَّ جسده، ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلا يقول ولا يرون
أحدًا:
رَجْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَهْ
نحنُ قَتَلِنَا سَيِّدَ الخَرْ
فَلَمْ نُخْط فُؤَدَهْ
رَمَیْنَاهُ بسَهْمین
ويقال : إن الجن قتلته ، روى ابن جريج عن عطاء أنه قال : سمعت
أن الجن قالت في سعد بن عبادة فذكر البیتین ا هـ ، جـ٢ / ص٣٧.
قال العلامة الألباني : بعد ذكر كلام ابن عبد البر: ((ولكن لم أجد له
إسنادًا صحيحًا على طريقة المحدثين)). انظر الإرواء جـ١ / ص٩٤.
((المسألة السادسة)) في قوله مساكن الجن ؛ الجن في الأصل ضد
الإنس مأخوذ من الاجتنان ، وهو الاستتار ، سموا بذلك لاستتارهم عن
أعين الناس ، وهو اسم جنس واحده جني ، وهم أجسام يغلب عليها
الجزء الناري ، وقيل الهوائي ، من شأنهم الخفاء ، ولهم قدرة على
التشكل بالصورة الشريفة والخسيسة ، وتحكُمُ عليهم الصورة بخلاف
الملائكة ، فإنهم أجسام نورانية لهم قدرة على التشكل بالصورة الشريفة
فقط ، ولا تحكم عليهم الصورة .
قال في آكام المرجان: الجن ثلاثة أصناف ، كما جاء في الحديث ،
روى ابن أبي الدنيا عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله عَليه: ((خلق الله
تعالى الجن ثلاثة أصناف، صنف حيات، وعقارب ، وخشاش الأرض،
وصنف كالريح في الهواء، وصنف عليهم الحساب والعقاب اهـ (١).
(١) الله أعلم بصحته.

- ٥٤٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وهذا القسم الأخير هو المكلف من حين الخلقة فمنهم الكافر قال
تعالى: عنهم ﴿وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق
قددا﴾ [الجن: ١١] قال المفسرون : أي فرقًا مختلفة الأدیان يهود
ونصارى وعبدة أوثان .
وقال الألوسي في روح المعاني: أخرج البيهقي في الأسماء ، وأبو
نعيم والديلمي ، وغيرهم بإسناد صحيح كما قاله العراقي عن أبي ثعلبة،
قال : قال رسول الله﴾﴾«الجن ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون
في الهواء وصنف حیات و كلاب ، وصنف يحلون ويظعنون )) وقال
وهب : إن من الجن من يولد له ويأكلون ، ويشربون بمنزلة الآدميين،
ومنهم من هو بمنزلة الريح ، لا يتوالدون ولا يأكلون ، ولا يشربون ،
وهم الشیاطین اهـ .
واختلف في أصل الجن: فقيل هم ذرية إبليس كما قاله الحسن ،
وعليه فالمتمرد منهم يسمى شيطانًا ، وقيل: هم ذرية غيره كما قاله
مجاهد ، والشياطين ولد إبليس يموتون معه عند النفخة ، والراجح
الأول، فمن آمن من الجن فقد انقطعت نسبته من أبيه ، والتحق بآدم ،
ومن كفر من الإنس ، فقد انقطعت نسبته من أبيه ، والتحق بابلیس ومن
أراد زيادة البيان فعليه بكتاب آكام المرجان . اهـ المنهل جـ١/ ص١١٦ .
((المسألة السابعة)) في خاتمة نختم بها الباب :
اعلم أن المصنف رحمه الله استعمل لفظ الكراهية هنا، وأكثر منه
الترمذي ، قال العلامة المباركفوري في مقدمة تحفة الأحوذي : مانصه :
ومن الألفاظ التي استعملها الترمذي في هذا الكتاب لفظ الكراهة
والكراهية ، فقال باب كراهية الاستنجاء باليمين ، إلى آخر ماذكره ، ثم
قال : وهكذا قد أكثر استعمال هذا اللفظ في تراجم الأبواب.

٥٤٩ -
٣٠ - كراهية البول في الجحر - حديث رقم ٣٤
فاعلم أن الإمام الترمذي لم يرد بهذا اللفظ ماهو المشهور أعني
التنزيه وترك الأولى ، بل أراد بهذا اللفظ معنى عاما شاملا للتنزيه
والحرمة ، وقد جاء هذا اللفظ في كلام السلف بمعنى الحرمة كثيرًاً .
قال العيني في عمدة القارىء: جـ٣/ ص٣٨٧ المتقدمون يطلقون
الكراهة ، ويريدون كراهة التحريم انتهى .
وقال صاحب الدين الخالص في شرح حديث ابن مسعود (( الطَّيَّرَة
شرك)»: هذا صريح في تحريم الطيرة وأنها من الشرك لما فيها من تعلق
القلب على غير الله ، ومن قال إنها تكره ، فالكراهة في اصطلاح
السلف بمعنی الحرام انتهى.
ولنا أن نذكر كلام الحافظ ابن القيم في هذا الباب فإنه نافع جدًا :
قال في إعلام الموقعين : وقد حرم الله سبحانه وتعالى القول عليه
بغير علم في الفتيا ، والقضاء ، فقال تعالى ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش
ماظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل
به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: آية ٣٣] وهذا
يعم القول عليه سبحانه بلا علم في أسمائه ، وصفاته ، وأفعاله ، وفي
دينه ، وشرعه ، وقال تعالى ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا
حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله
الكذب لا يفلحون ، متاع قليل ولهم عذاب أليم﴾ [النحل: ١١٧].
فتقدم إليهم سبحانه بالوعيد على الكذب عليه في أحكامه، وقولهم
لما لم يحرمه : هذا حرام، ولما لم يحله هذا حلال، وهذا بيان منه
سبحانه أن لا يجوز للعبد أن يقول : هذا حلال ، وهذا حرام إلا بما علم
أن الله سبحانه أحله ، وحرمه، فلا ينبغي أن يقول لما لا يعلم ورود
الوحي المبين بتحليله وتحريمه أحله الله وحرمه الله لمجرد التقليد ، أو
التأويل .

- ٥٥٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وقد نهى النبي #في الحديث الصحيح أميره بُریدة أن يُنزل عدوه إذا
حاصرهم علی حکم الله ، وقال « فإنك لا تدري أتصیب حکم الله فيهم
أم لا؟ ولكن أنزلهم على حكمك ، وحكم أصحابك)» فتأمل كيف فرق
بین حکم الله وحکم الأمیر المجتهد ، ونھی أن يُسمّی حکم المجتهدین
حکم الله ، ومن هذا لما كتب الكاتب بين يدي أمير المؤمنين عمر بن
الخطاب رضي الله عنه حُكْما حكم به ، فقال: هذا ما أرى الله أمير
المؤمنين عمر ، فقال : لا تقل : هكذا ، ولكن قل : هذا ما رأى أمير
المؤمنين عمر بن الخطاب .
وقال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: لم يكن من أمر الناس ، ولا
من مضي من سلفنا ، ولا أدركت أحدا أقتدى به يقول في شيء : هذا
حلال وهذا حرام ، ما كانوا يجترئون على ذلك ، وإنما كانوا يقولون :
نکره کذا ونری هذا حسنا ، فينبغي هذا ، ولا نری هذا ، ورواه عنه عتيق
ابن يعقوب ، وزاد : ولا يقولون : حلال ، ولا حرام ، أما سمعت قول
الله تعالى : ﴿قل أفرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما
وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون ﴾[يونس : ٥٩] الحلال ما
أحله الله ورسوله ، والحرام ما حرمه الله ورسوله.
قال الحافظ ابن القيم : وقد غلط كثير من المتأخرين من أتباع الأئمة
على أئمتهم بسبب ذلك حيث تورع الأئمة عن إطلاق لفظ التحريم ،
وأطلقوا لفظ الكراهة فَنَفَى المتأخرون التحريم عما أطلق عليه الأئمة
الكراهة ، ثم سهل عليهم لفظ الكراهة وخفت مؤنته عليهم فحمله
بعضهم على التنزيه ، وتجاوز به آخرون إلى كراهة ترك الأولى ، وهذا
كثير جدًا في تصرفاتهم فحصل بسببه غلط عظيم على الشريعة وعلى
الأئمة .

٥٥١ -
٣٠ - كراهية البول في الجدر - حديث رقم ٣٤
وقد قال الإمام أحمد في الجمع بين الأختین ملك اليمين: أكرهه ،
ولا أقول: هو حرام ، ومذهبه تحريمه ، وإنما تورع عن إطلاق لفظ
التحريم ، لأجل قول عثمان ، وقال في رواية أبي داود : يستحب ألا
يدخل الحمام إلا بمئزر له ، وهذا استحبابُ وجوب ، وقال في رواية
إسحاق بن منصور : إذا كان أكثر مال الرجل حراما ، فلا يعجبني أن
يؤكل ماله ، وهذا على سبيل التحريم . وقال في رواية ابنه عبد الله
لا يعجبني أكل ماذبح للزهرة والكواكب ، ولا الكنيسة ، وكل شيء ذبح
لغير الله، قال الله عز وجل ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير
وما أهل لغير الله به﴾ [المائدة: آية ٣] فتأمل كيف قال لا يعجبني فيما
نص الله سبحانه على تحريمه ، واحتج هو أيضا بتحريم الله له في كتابه،
وقال في رواية الأثرم : أكره لحوم الجلالة وألبانها ، وقد صرح بالتحريم
في رواية حنبل وغيره ، وقال في رواية ابنه عبد الله : أكره أكل لحم الحية
والعقرب ، لأن الحية لها ناب ، والعقرب لها حُمَة ، ولا يختلف مذهبه
في تحريمه .
وذكر ابن القيم أشياء من هذا النحو من كلام أحمد ، قال : وهذا في
أجوبته أكثر من أن يستقصى وكذلك غيره من الأئمة .
وقد نص محمد بن الحسن إن كل مكروه فهو حرام ، إلا أنه لما لم
يجد فيه نصا قاطعا لم يُطلق عليه لفظ الحرام ، وروى محمد أيضا عن
أبي حنيفة وأبي يوسف أنه إلى الحرام أقرب ، وقد قال في الجامع الكبير:
يكره الشرب في آنية الذهب والفضة للرجال والنساء ومراده التحريم،
وكذلك قال أبو يوسف ومحمد: يكره النوم على فرش الحرير ، والتوسد
على وسائده، ومرادهما التحريم إلى أن قال وهذا كثير في كلامهم جدّاً .
قال: وأما أصحاب مالك فالمكروه عندهم مرتبة بين الحرام والمباح،

-٥٥٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
ولا يطلقون عليه اسم الجواز ، ويقولون : إن أكل كل ذي ناب من السبع
مکروه غير مباح ، وقد قال مالك في كثير من أجوبته: أکره کذا ، وهو
حرام .
فمنها: أن مالكانص على كراهة الشطرنج ، وهذا عند أكثر أصحابه
على التحريم ، وحمله بعضهم على الكراهة التي هى دون التحريم .
قال الشافعي في اللعب بالشطرنج: إنه لهو شبه الباطل أكرهه ، ولا
يتبين لي تحريمه ، فقد نص على كراهته ، وتوقف في تحريمه ، فلا يجوز
أن ينسب إليه وإلى مذهبه أن اللعب بها جائز ، وأنه مباح فإنه لم يقل هذا
ولا يدل عليه ، والحق أن يقال : إنه كرهها ، وتوقف في تحريمها ، فأين
هذا من أن يقال : إن مذهبه جواز اللعب بها وإباحته .
ومن هذا أيضا : أنه نص على كراهة تزوج الرجل من بنته من ماء الزنا
ولم يقل قط إنه مباح ، ولا جائز ، والذي يليق بجلالته وإمامته ومنصبه
الذي أحله الله به من الدين أن هذه الكراهة منه على وجه التحريم ،
وأطلق لفظ الكراهة ، لأن الحرام يكرهه الله ورسوله ، وقد قال تعالى
عقیب ذکر ماحرمه من المحرمات من عند قوله ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا
إلا إياه﴾ إلى قوله: ﴿ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما﴾ إلى قوله: ﴿ ولا
تقتلوا أولادكم خشية إملاق ﴾ إلى قوله: ﴿ولا تقربوا الزنا﴾ إلى قوله:
﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾ إلى قوله: ﴿ولا تقربوا مال
اليتيم ﴾ إلى قوله: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ إلى آخر الآيات ،
ثم قال: ﴿كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها﴾ [الإسراء: ٢٣-٣٨].
وفي الصحيح ((أن الله عز وجل كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال
وإضاعة المال)) فالسلف كانوا يستعملون الكراهة في معناها الذي
استعمل فيه كلام الله ورسوله ، ولكن المتأخرون اصطلحوا على

٥٥٣ -
٣٠ - كراهية البول في الجحر - حديث رقم ٣٤
تخصيص الكراهة بما ليس بمحرم ، وتركُهُ أرجح من فعله ، ثم منهم من
حمل كلام الأئمة على الاصطلاح الحادث ، فغلط في ذلك ، وأقبح
غلطا منه من حمل لفظ الكراهة ، أو لفظ لا ينبغي في كلام الله ورسوله
على المعنى الاصطلاحي الحادث ، وقد اطرد في كلام الله ورسوله
استعمال لاينبغي في المحظور شرعا وقدرا وفي المستحيل الممتنع كقوله
تعالى: ﴿وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا﴾ [مريم: آية ٩٢] وقوله :
﴿وما علمناه الشعر وما ينبغي له﴾ [يس: آية ٦٩] وقوله: ﴿وما تنزلت
به الشياطين وما ينبغي لهم﴾ [الشعراء: آية ٢١١] وقوله على لسان نبيه:
((كذبني ابن آدم ، وما ينبغي له، وشتمني ابن آدم، وما ينبغي له )) وقوله
﴾﴾((إن الله لاينام، ولا ينبغي له أن ينام)) وقوله ##في لباس الحرير ((ولا
ينبغي هذا للمتقين)) وأمثال ذلك . انتهى كلام العلامة ابن القيم ا هـ
مقدمة تحفة الأحوذي ج١/ ص٤١٧.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت ، وإليه أنيب » .

- ٥٥٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
٣١- النهي عن البول في الماء الراكد
أي هذا باب في ذكر الحديث الدال على النهي عن البول في الماء
الراكد .
والنهي : مصدر ، يقال نهيته عن الشيء أنهاه نهیا ، فانتهى عنه،
ونهوته نهوا لغة ، ونهى الله تعالى: أي حرم والنهية ((أي بالضم))
العقل، لأنها تنهى عن القبيح . قاله في المصباح .
والراکد: اسم فاعل من رکد الماء ركودا من باب قعد : سكن ،
وأركدته أسكنته ، وركدت السفينة وقفت فلا تجري . قاله في المصباح .
٣٥- أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِيِ الزُّبِيْرِ، عَنْ
جَابِرٍ، عَنْ رَسُول اللَّهِ لَّه: أنَّهُ نَهَى عَنِ البَوْلِ في المَاءِ
الرَّاكد .
رجال السند : أربعة
١ - ((قتيبة)) بن سعيد بن جميل بن طريف الثقفي البغلاني ثقة ثبت
١٠ ت ٢٤٠ تقدم وهو أول من بدأ به المصنف سننه من شيوخه .
٢- ((الليث)) بن سعد بن عبد الرحمن أبو الحارث الفهمي مولاهم
الإمام عالم مصر ، وفقيهها ، ورئيسها ، عن سعيد المقبري ، وعطاء ،
ونافع ، وقتادة ، والزهري ، وصفوان بن سلیم ، وخلائق . وعنه ابن
عجلان ، وابن لهيعة ، وهشيم ، وابن المبارك ، والوليد بن مسلم ،
وابن وهب ، وأم.

٥٥٥ -
٣١ - النهي عن البول في الماء الراكد - حديث رقم ٣٥
قال ابن بكير : وهو أفقه من مالك ، وقال محمد بن رمح : كان
دخل الليث ثمانين ألف دينار ما وجبت عليه زكاة قط ، وثقه أحمد ،
وابن معين ، والناس ، قال ابن بكير : ولد سنة أربع وتسعين ، وتوفي
سنة خمس وسبعين ومائة ، أخرج له الجماعة اهـ صه بزيادة شيء . من
الطبقة السابعة . ت .
٣- ((أبو الزبير)) محمد بن مسلم بن تَدْرُس بفتح المثناة وضم المهملة
الثانية ، الأسدي مولاهم المكي ، أحد الأئمة ، ثقة يدلس . عن جابر ،
وابن عباس ، وعائشة في مسلم ، والأربعة ، وعبد الله بن عمرو في ابن
ماجه ، قال ابن معين : لم يلقه ، وابن عمر في مسلم . وخلق ، وعنه
أيوب ، والسفيانان ، ومالك ، وخلائق وعنه من شيوخه عطاء في
النسائي . وثقه ابن معين ، والنسائي ، وابن عدي ، وأما أبو حاتم وأبو
زرعة فقالا : لا يحتج به . قال ابن المديني : مات سنة ثمان وعشرين
ومائه . له عند البخاري حديث ، قرنه مسلم بآخر ، أخرج له الجماعة اهـ
صه ، من الطبقة الرابعة . ت.
٤- (( جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بفتح المهملة الأنصاري
السّلَمي بفتحتين ، أبو عبد الرحمن ، أو أبو عبد الله ، أو أبو محمد
المدني ، صحابي مشهور ، له ألف وخمسمائة حدیث وأربعون حديثا،
اتفقا على ثمانية وخمسين ، وانفرد البخاري بستة وعشرين ، ومسلم
بمائة وستة وعشرين ، وشهد العقبة ، وغزا تسع عشرة غزوة ، وعنه بنوه
وطاوس ، والشعبي ، وعطاء ، وخلق ، قال جابر : استغفر لي رسول
الله ليلة البعير خمسا وعشرين مرة ، قال الفلاس مات سنة ثمان
وسبعین بالمدينة عن أربع وسبعين سنة، أخرج له الجماعة اهـ. صه.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدم أنه أحد المكثرين في الرواية من

-٥٥٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
الصحابة رضي الله عنهم وهم سبعة قال السيوطي في ألفيته :
أَبُو هُرَيْرَةَ يَليه ابْنُ عُمَرْ
والمكْثُرُونَ في رواية الأثرْ
وَجَابِرٌ وَزَوْجَةُ النَّبِيِّ
وَأَنَسٌ وَالبَحْرُ كَالخُدْرِيِّ
لطائف الإسناد
منها: أنه من رباعيات المصنف وهو أعلى ماوقع له من الإسناد ،
وهذا هو الرابع من الرباعيات، وقد تقدم به في ٦/ ٦، ١٤ /١٤.
١٩/١٩.
ومنها : أن رواته ما بين بلخي وهو قتيبة ، ومصري وهو الليث،
ومكي وهو أبو الزبير، ومدني وهو جابر .
وفيه من صيغ الأداء الإخبار ، والتحديث ، والعنعنة .
شرح الحديث
((عن جابر)) بن عبد الله رضي الله عنهما ((عن رسول الله # أنه
نهى)) أي منع ((عن البول في الماء الراكد)) أي الواقف الذي لا يجري .
قال النووي رحمه الله في شرح مسلم: وهذا النهي في بعض المياه
للتحريم ، وفي بعضها للكراهة ، فإن كان الماء كثيرًا جاريًا لم يحرم البول
فيه ، لمفهوم الحديث ، ولكن الأولى اجتنابه وإن كان قليلا جاريا ، فقد
قال بعض الشافعية : يكره . والمختار أنه يحرم ، لأنه يقذره ، وينجسه
على المشهور من مذهب الشافعي ، وغيره، ولعل هذا محمل حديث
جابر ((أن النبي * نهى أن يبال في الماء الجاري)) رواه الطبراني ورجاله
ثقات ، وإلا فالظاهر عدم التفرقة بين القليل وغيره .
وإن كان كثيرا راكدا ؛ فقيل : يكره، والمختار الحرمة لأن النهي
يقتضي التحريم، ولأنه ربما أدَّى إلى تنجسه بالإجماع إذا تغير ، أو إلى

٥٥٧ -
٣١ - النهي عن البول في الماء الراكد - حديث رقم ٣٥
تنجسه عند أبي حنيفة ، ومن وافقه في أن الماء الذي لا يبلغ الغدير العظيم
ینجس بوقوع نجس فیه ، وإن کان راکدا قليلا فالصواب حرمة البول فيه،
لأنه ينجسه ، والتغوط في الماء كالبول فيه ، بل هو أقبح ، وكذلك إذا
بال في إناء ثم صبه في الماء أو بال بقرب الماء بحيث يجرى إليه البول فكله
مذموم قبيح منهي عنه على التفصيل المذكور ، ولا مخالف في هذا إلا
ماحكي عن داود من أن النهي مختص بالبول في نفس الماء ، وأن الغائط
لیس کالبول، وكذا إذا بال في إناء ثم صبه في الماء ، أو بال بقرب الماء ،
وهذا خلاف الإجماع، وهو من أقبح ما نقل عنه في الجمود على الظاهر.
قال العلماء : ويكره البول والتغوط بقرب الماء ، وإن لم يصل إليه
لعموم النهي من البراز في الموارد ، ولما فيه من إذاء المارين بالماء ، ولما
يخاف من وصوله إلى الماء .
وأما انغماس من لم يستنج في الماء ليستنجي فيه ، فإن كان قليلا
بحيث ينجس بوقوع النجاسة فيه فهو حرام لما فيه من تلطخه بالنجاسة
وتنجیس الماء ، وإن کان کثیرا جاریًا ، فلا بأس به وإن كان راكدا فليس
بحرام ، ولا تظهر كراهته ، لأنه ليس في معنى البول ، ولا يقاربه ، ولو
اجتنب الإنسان هذا كان أحسن . اهـ كلام النووي باختصار
جـ١/ ص٣١٣.
قال العراقي: إن أراد الاستنجاء من الغائط ففي عدم الكراهة نظر
خصوصا لمن لم يخففه بالحجر ، ومع الانتشار والكثرة فربما كان أفحش
من البول . اهـ طرح جـ٢ / ص٣٦.
مسائل تتعلق بحديث الباب
((المسألة الأولى)): في درجته : حديث جابر رضي الله عنه أخرجه
مسلم .

- ٥٥٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
(((المسألة الثانية)): في بيان موضع ذكر المصنف له : أخرجه هنا
٣٥/١٣ وفي الكبري ٢٦/ ٣٥ بهذا السند فقط.
((المسألة الثالثة)): فيمن أخرجه معه :
أخرج هذا الحديث مسلم في الطهارة عن يحيى بن يحيى ، وقتيبة،
ومحمد بن رُمْح ثلاثتهم عن الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر .
وأخرجه ابن ماجه في الطهارة عن محمد بن رُمح بالسند المذكور قاله
في التحفة جـ ٣/ ص٣٣٩.
وأخرجه الطحاوي ، والطبراني في الأوسط . قاله في المنهل
جـ١/ص٢٤٨.
((المسألة الرابعة)): فيما يستفاد من الحديث دل بمنطوقه على حرمة
البول في الماء الراكد لكن محله إذا لم يكن كثيرا مستبحرا ، ويلحق
بالبول التغوط ، بل هو أقبح، ودل بمفهومه على جواز البول في الماء
الجاري ، لكن الأولى اجتنابه ، وقد مر تفصيله في كلام النووي ، وعلى
نجاسة البول .
((المسألة الخامسة)): اعلم أنه احتج بهذا الحديث الحنفية في تنجیس
الماء الراكد بحلول النجاسة فيه ، وإن كان أكثر من القلتين فإن الصيغة
صيغة عموم ، وأجاب المانعون بأن هذا الحديث يتعذر العمل بعمومه
إجماعا ، لأن الماء الدائم الكثير المستبحر لا تؤثر فيه النجاسة اتفاقا ، وإذا
بطل عمومه وتطرق إليه التخصيص خصصناه بحديث القلتين ، فيحمل
عمومه على ما دون القلتين جمعا بين الحديثين ، فإن حديث القلتين
يقتضي عدم تنجیس القلتين فما فوقهما ، وذلك أخص من مقتضى
الحديث العام الذي ذكرناه ، والخاص مقدم على العام . أفاده العراقي في
طرح التثريب جـ٢/ ص٣٢.

٥٥٩ -
٣١ - النهي عن البول في الماء الراكد - حديث رقم ٣٥
(((المسألة السادسة)): في هذا الحديث النهي عن البول في الماء الراكد،
وقد أخذ داود بن علي الظاهري بظاهره ، وقال: النهي مختص بالبول،
والغائط لیس کالبول ، ومختص بول الإنسان نفسه ، وجاز لغير البائل
أن يتوضأ بما بال فيه غيره ، وجاز أيضا للبائل إذا بال في إناء ، ثم صبه في
الماء أو بال بقرب الماء ، ثم جرى إليه ، وهذا من أقبح ما نقل عنه . أفاده
العيني جـ٣/ ص ٥٠ ، وقد نصر قول داود ابن حزم في المحلى . أفاده في
النيل .
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله بعد أن ذکر کلاماطويلا ما نصه:
وبهذا الطريق يُعلم أنه إذا كان قد نهى عن البول في الماء الدائم مع أنه
قد یحتاج إلیه فلأن ینھی البول في إناء ، ثم يصبه فيه بطريق أولى . ولا
يستريب في هذا من علم حكمة الشريعة ، وما اشتملت عليه من مصالح
العباد ونصائحهم .
ودَع الظاهرية البَحْتَة ، فإنها تقسي القلوب وتحجبها عن رؤية
محاسن الشريعة وبهجتها ، وما أودعته من الحكم ، والمصالح ،
والعدل، والرحمة . اهـ تهذيب السنن جـ١ / ص٦٦.
((المسألة السابعة)»: احتج بهذا الحديث أحمد على أن بول الآدمي ،
وما في معناه من العذرة ينجس الماء الراكد وإن كان أكثر من قلتين وأنَّ
غير ذلك من النجاسات يعتبر فيه القلتان ، فلم يُعَدِّ حكم البول والعَذرة
إلى غيرهما من النجاسات .
قال ابن دقيق العيد: وكأنه رأى الخبث المذكور في حديث القلتين
عاما بالنسبة إلى الأنجاس ، وهذا الحديث خاص بالنسبة إلى بول
الآدمي، فقدم الخاص على العام بالنسبة إلى الأنجاس الواقعة في الماء
الكثير ، وأخرج بول الآدمي ومافي معناه من جملة النجاسات الواقعة في

- ٥٦٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
القلتين بخصوصه ، فينجس الماء دون غيره من النجاسات ، ثم قال:
ولمخالفهم أن يقول قد علمنا جزما أن هذا النهي إنما هو لمعنى في
النجاسة، وعدم التقرب إلى الله تعالى بما خالطها ، وهذا المعنى يستوي
فيه سائر الأنجاس ، فلا يتجه تخصيص بول الآدمي منها بالنسبة إلى هذا
المعنی ، إلى أن قال : فیحمل الحديث على أن ذکر البول ورد تنبيها على
غيره مما يشاركه في معناه من الاستقذار، والوقوف على مجرد الظاهر
ههنا مع وضوح المعنى وشموله لسائر الأنجاس ظاهرية محضة . اهـ طرح
ج١/ص٣٢.
((المسألة الثامنة)»: أنه حمل مالك النهي في هذا الحديث على
الكراهة، لا على التحريم لأن الماء لا يتنجس عنده بوصول النجاسة إليه
إلا بالتغیر کثیرا کان أو قليلا جاریا کان أو راكدا .
ولکن ربما تغير الراكد بالبول فيه فیکون الاغتسال به محرما
بالإجماع .
قال ابن دقيق العيد: وهذا يلتفت على حمل اللفظ الواحد على
معنيين مختلفين ، وهى مسألة أصولية ، قال : وقد يقال على هذا : إن
حالة التغير مأخوذة من غير هذا اللفظ ، فلا يلزم استعمال اللفظ الواحد
في معنيين ، قال: وهذا متجه إلا أنه يلزم منه التخصيص في هذا الحديث
فإن جعلنا النهي للتحريم كان استعماله في الكراهة والتحريم استعمال
اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه ، والأكثرون على منعه انتهى.
وأجاب صاحب المفهم عن مالك: بأنه وإن كان مشهور مذهبه أنه
طهور فإنه يصح أن يحمل هذا الحديث على سد الذريعة لأنه ربما أدى إلى
تغيره فنهي عن ذلك اهـ طرح جـ٢/ ص٣٣ بتصرف .
(((المسألة التاسعة)): قال العلامة ابن دقيق العيد: اعلم أن هذا الحديث