Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١ -
تاويل قول الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ..
قال الجامع عفا الله عنه : والمناسب هنا في كلام النسائي من هذه
المعاني : هو التفسير ، يعني أن كل ما يأتي من الأحاديث في الوضوء
تفسير للآية الكريمة ، فهي مفسّرة وموضَّحَة بالأحاديث . والله أعلم .
شرع الآية الكريمة
يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم ﴾ أي إذا أردتم القيام تعبيرا بالمسبب عن
السبب كما في قوله تعالى : ﴿ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ﴾
[النحل: آية٩٨] .
﴿إلى الصلاة﴾ يتناول سائر الصلوات من المفروضات والنوافل لأن
الصلاة اسم للجنس ، فاقتضى أن يكون من شرط الصلاة الطهارة أيّ
صلاة كانت ، فالآية موافقة لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي
44 قال: ((لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول)) وسيأتي
البحث عنه ١٠٤ / ١٣٩، إن شاء الله تعالى.
﴿فاغسلوا﴾ : أمر للجمع المذكر الحاضرين، وتدخل فيه النساء
لأنهن شقائق الرجال ، والغسل بالفتح والضم مصدرا غَسَلَ يغسل ، من
باب ضَرَبَ يضرب ، وقيل الغسل بالفتح مصدر ، وبالضم اسم
للاغتسال ، وهو في الشرع إمرار الماء علي الموضع إذا لم يكن فيه نجاسة،
وإلا فغسلها إزالتها . أفاده العيني . وقال الشوكاني: وقد اختلف أهل
العلم هل يعتبر في الغسل الدلك باليد أم يكفي إمرار الماء ، والخلاف في
ذلك معروف ، والمرجع اللغة العربية فإن ثبت فيها أن الدلك داخل في
مسمى الغسل كان معتبرا وإلا فلا ، قال في شمس العلوم : غسل الشيء
غَسْلا إذا أجرى عليه الماء، ودلكه انتهى. اهـ فتح القدير ٢/ ١٧ .
( وجوهكم﴾ : جمع وَجْه ، مأخوذ من المواجهة وهي المقابلة ،
وحدَّه طولا من مبتدأ سَطْح الجبهة إلى منتهى اللحْيين ، وهما عظما

- ١٨٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
الحَنَك ، ويسميان الفَكَّين ، وعليهما منابت الأسنان السفلى ، وعرضا
من الأذن إلى الأذن . أفاده العلامة العيني في عمدته. جـ٢ ص ٢٢٧ .
﴿ وأیدیکم ﴾ جمع يد ، وأصلها يدي على وزن فَعْل بسكون العین
لأن جمعها أيد ويُديَّ، مثل فلس وأفلُس ، وفُلُوس ، ولا يجمع فَعْل
على أفعل إلا أحرف يسيرة معدودة ، مثل زمن وأزمن ، وجبل وأجبل،
وعصًا وأعص، وقد جمعت الأيدي في الشعر على أياد. وهو جمع
الجمع مثل أكرُع وأكارع .
واليد اسم يقع على هذا العضو من طرف الأصابع الي المنكب ،
والدليل على ذلك أن عمارا رضي الله عنه تيمم إلي المنکب ، وقال
تیممنا الی المناکب مع رسول الله #&، وكان ذلك بعموم قوله تعالى :
«فامسحوا بوجوهکم وأیدیکم » ولم ینکر عليه من جهة اللغة ، بل هو
من أهل اللغة ، فكان عنده أن الاسم للعضو إلى المنكب ، فثبت بذلك أن
الاسم يتناول إلى المنكب ، فإذا كان الإطلاق يقتضي ذلك ، ثم ذكر
التحديدُ فجُعلَ المرافق غايةً كان ذكرها لإسقاط ما وراءها . أفاده العيني
عمدته ٢/ ٢٢٧ .
﴿ إلى المرافق﴾ جمع مرفق بكسر الميم وفتح الفاء ، وعلى العكس ،
وهو : مجتمع طرف الساعد والعضد . قال العلامة العيني : الأول هو
اسم الآلة ، كالمحْلَب ، والثاني اسم المكان ، ويجوز فيه فتح الميم والفاء
على أن يكون مصدرا أو اسم مكان على الأصل ، وذكر ابن سيده في
المخصص : أن أبا عبيدة قال : المرْفَق، والمَرْفق من الإنسان والدابة
الذراع ، وأسفل العضد، والمرفق: المُتَّكَأ . قال الأصمعي : المَرفق من
الإنسان والدابة بكسر الفاء ، والمرفق : الأمر الرقيق بفتحها ، وفي
الجامع للقزاز : قال قوم المرفق من اليد والمتكأ والأمر بكسر الميم ،
ولذلك قرأ الأعمش والحسن وأبو عمرو وحمزة والكسائي ﴿ويهيء لكم

١٨٣ -
تأويل قول الله عز وجل : يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ..
من أمركم مرفقا﴾ [الكهف: آية ١٦] بكسر الميم ، وقرأها أهل المدينة
وعاصم (١) بالفتح ، وبهذا يُرَدَّ على الجوهري حيث زعم أن الفتح لم
يقرأ به أحد، وفي الغريبين : الفتح أقيس ، والكسر أكثر في مرفق اليد .
اهـ عمدة ٢/ ٢٢٧ -٢٢٨.
مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة
المسألة الأولى : في بيان سبب نزولها :
ذكر العلامة القرطبي في تفسيره جامع الأحكام : مانصه : ذكر
القشيري ، وابن عطية أن هذه الآية نزلت في قصة عائشة حيث فقدت
العقد في غزوة المريسيع ، وهي آية الوضوء . قال ابن عطية : لكن من
حیث کان الوضوء متقررا عندهم مستعملا فكأن الآية لم تزدهم فیه إلا
تلاوته ، وإنما أعطتهم الفائدة والرخصة في التيمم . اهـ جامع الأحكام
ج٦ ص ٨٠.
وأما آية النساء فتسمى آية التيمم ، وهى نزلت في عبد الرحمن بن
عوف أصابته جنابة وهو جريح ، فرخص له في أن یتیمم . وقد قيل : إن
آية المائدة آية التيمم، قال أبو عمر بن عبد البر: فأنزل الله تعالى آية
التيمم وهي آية الوضوء المذكورة في سورة المائدة ، أو الأية التي في
سورة النساء، ليس التيمم مذكورا في غير هاتين الآيتين، وهما مدنيتان.
أفاده القرطبي أيضا في تفسير سورة النساء جـ ٥ص٢١٤-٢١٦.
(((المسألة الثانية)): اختلف العلماء في معنى قوله تعالي: ﴿إذا قمتم
إلى الصلاة﴾ .
قال العلامة بدر الدين العيني رحمه الله تعالى : ظاهر الآية يقتضي
(١) فيه نظر فإن عاصما مع الأولين ، والصواب أن الذي قرأ بالفتح مع أهل المدينة هو ابن عامر
الشامي كما في النشر لابن الجزري ج ٢ ص ٣١٠ .

- ١٨٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وجوب الطهارة بعد القيام الي الصلاة لأنه جعل القيام إليها شرطا لفعل
الطهارة وحكم الجزاء أن يتأخر عن الشرط ألا ترى أن من قال لأمرأته إن
دخلت الدار فأنت طالق إنما يقع الطلاق بعد الدخول ، وهذا لاخلاف
فيه بين أهل اللغة أنه مقتضى اللفظ وحقيقته ، وإلى هذا ذهب أهل
الظاهر فقالوا : الوضوء سببه القيام إلى الصلاة فكل من قام إليها فعليه أن
يتوضأ . والجواب عن هذا أن معنى الآية إذا قمتم إلى الصلاة من
مضاجعكم فاغسلوا الخ ، أو إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون
فاغسلوا ، والدليل على ذلك من السنة :
ما رواه مسلم في صحيحه عن سليمان بن بريدة ، عن أبيه أن النبي
4 صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، ومسح على خفيه ، فقال
له عمر رضي الله عنه: لقد صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه ، فقال: «
عمدا صنعته ياعمر )) . ورواه النسائي والترمذي والطحاوي. فدل هذا
الحديث على أن القيام إلى الصلاة غير موجب للطهارة إذ لم يجدد النبي
ي الطهارة لكل صلاة فثبت بذلك أن في الآية مقدرا يتعلق به إيجاب
الوضوء ، وهو إذا قمتم إلى الصلاة من مضاجعكم . وروى الطحاوي
في معاني الآثار ، وأبو بكر الرازي في الأحكام ، والطبراني في الكبير
من طریق جابر عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن
عبد الله بن علقمة بن الفَغْوَاء، عن أبيه: ((كان رسول الله عليه إذا أجنب
أو أُهراق الماء إنما نکلمه فلا يكلمنا ، ونسلم عليه فلا يرد علينا حتى نزلت
﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ﴾ ، فدل هذا الحديث على أن
الآية نزلت في إيجاب الوضوء من الحدث عند القيام الى الصلاة ، وأن
التقدير في الآية إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون ، ولكن في سند هذا
الحديث جابر الجعفي ضعيف رافضي . (١)
(١) وعبارة العيني : وفيه كلام مشهور .

١٨٥ -
تاويل قول الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ..
وروى أيضا عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم : فرَوَى
البخاري بسنده عن أنس رضي الله عنه قال: « کان رسول الله ټیتوضأ
عندكل صلاة ، قلت : كيف كنتم تصنعون ؟ قال : يجزى أحدنا
الوضوء ما لم يحدث)) .
وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن سعد ، قال : إذا توضأت فصل
بوضوٹك ذلك ما لم تحدث .
وروى الطحاوي بسنده عن عكرمة أن سعدا كان يصلي الصلوات
كلها بوضوء واحد ما لم يحدث . ورجاله ثقات .
وروى عبد الرزاق في مصنفه بسنده عن عطاء بن عبد الله الرقاشي
قال: (( كنا مع أبي موسى الأشعري في جيش على ساحل دجلة ، إذ
حضرت الصلاة فنادى مناديه للظهر فقام الناس إلى الوَضُوء ، فتوضأ ثم
صلى بهم ، ثم جلسوا حلقا ، فلما حضرت العصر نادی منادي العصر،
فهبَّ الناس للوضوء أيضا فأمر مناديه ألا لا وضوء إلا على من أحدث،
قال : أوشك العلم أن يذهب ، ويظهر الجهل حتى يضرب الرجل أمه
بالسيف من الجهل)) .
وروى أيضا ذلك عن جماعة من التابعين :
فروى الطحاوي بسند صحيح أن شُرَيْحا كان يصلي الصلوات كلها
بوضوء واحد .
وروى ابن أبي شيبة بسنده عن الحسن قال : يصلي الرجل الصلوات
کلها بوضوء واحد ما لم يحدث ، وكذلك التيمم.
وأخرج الطحاوي نحوا منه . وقال أيضا : حدثنا حفص ، عن ليث،
عن عطاء ، وطاوس ، ومجاهد أنهم كانوا يصلون الصلوات كلها
بوضوء واحد .

-- ١٨٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وروى عبد الرزاق في مصنفه قال : حدثنا يحيى بن العلاء ، عن
الأعمش ، عن عمارة بن عمير قال : كان الأسود بن يزيد يتوضأ بقدح
قَدْرَ ريِّ الرجل (١) ثم يصلي بذلك الوضود الصلوات كلها ما لم يحدث.
اهـ عمدة جـ٢ص ٢٣٠ - ٢٣١ . باختصار وتغيير يسير.
وقال القرطبي في تفسيره : واختلف العلماء في المعني المراد بقوله :
﴿ إذا قمتم إلى الصلاة﴾ على أقوال :
فقالت طائفة : هذا لفظ عام في كل قيام إلى الصلاة ، سواء كان
القائم متطهرا أو محدثا ، فإنه ينبغي له إذا قام إلى الصلاة أن يتوضأ ،
وكان علي يفعله، ويتلو هذه الآية ، ذكره أبو محمد الدارمي في مسنده .
وروی مثله عنه عكرمة . وقال ابن سیرین : کان الخلفاء يتوضئون لكل
صلاة . قال القرطبي : فالآية على هذا محكمة لا نسخ فيها .
وقالت طائفة: الخطاب خاص بالنبي على ، قال عبد الله بن حنظلة
ابن أبي عامر الغسيل : إن النبي ◌َّ أمر بالوضوء عند كل صلاة فشق ذلك
عليه فأمر بالسواك ورفع عنه الوضوء إلا من حدث. وقال علقمة بن
الفغواء ، عن أبيه، وهو من الصحابة ، وكان دليل رسول الله ﴾ إلى
تبوك : نزلت هذه الآية رخصة لرسول الله ﴾ لأنه كان لا يعمل عملا إلا
وهو على وضوء ، ولا يكلّم أحدا ولا يردّ سلاما إلى غير ذلك، فأعلمه
الله بهذه الآية أن الوضوء إنما هو للقيام إلى الصلاة فقط دون سائر
الأعمال .
وقالت طائفة : المراد بالآية الوضوء لكل صلاة طلبا للفضل ،
وحملوا الأمر على الندب ، وكان كثير من الصحابة : منهم ابن عمر
يتوضئون لكل صلاة طلبا للفضل ، وكان عليه الصلاة والسلام يفعل
ذلك إلى أنْ جَمَعَ يومَ الفتح بين الصلوات الخمس بوضوء واحد إرادةَ
(١) ري: بكسر الراء وتشديد الياء أي مقدار ما يروى الرجل من العطش.

١٨٧ _
تاويل قول الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ..
البیان لأمته ێ﴾.
قال القرطبي : وظاهر هذا القول أن الوضوء لكل صلاة قبل ورود
الناسخ كان مستحبا لا إيجابا ، وليس كذلك ، فإن الأمر إذا ورد مقتضاه
الوجوب ، لا سيما عند الصحابة رضوان الله عليهم على ماهو معروف
من سيرتهم .
وقال آخرون : إن الفرض في کل وضوء كان لكل صلاة ثم نسخ في
فتح مكة .
وهذا غلط لحديث أنس قال: ((كان النبي # يتوضأ لكل صلاة»
وأن أمته كانت على خلاف ذلك . وسيأتي .
ولحديث سويد بن النعمان أن النبي عَّه صلى وهو بالصَّهْبَاء العصرَ
والمغربَ بوضوء واحد ، وذلك في غزوة خيبر ، وهي سنة ست ،
وقيل: سنة سبع ، وفتح مكة كان في سنة ثمان ، وهو حديث صحيح
رواه مالك في موطئه . وأخرجه البخاري ومسلم .
فبان بهذين الحديثين أن الفرض لم يكن قبل الفتح لكل صلاة .
فإن قيل : فقد روى مسلم عن بريدة بن الحصيب أن رسول الله ع﴾.
كان يتوضأ لكل صلاة ، فلما كان يوم الفتح صلى الصلوات بوضوء
واحد ، ومسح على خفيه ، فقال عمر رضي الله عنه : لقد صنعت اليوم
شیئا لم تكن تصنعه ، فقال : «عمدا صنعته يا عمر )) فلم سأله عمر
واستفهمه ؟ قيل : إنما سأله لمخالفته عادته منذ صلاته بخيبر .
قال الجامع : والذي قاله غيره : إن عمر إنما سأله عما يعلمه من
حاله، فإنه لم يكن يعرف قبل هذا منه إلا الوضوء لكل صلاة . والله
أعلم .

- ١٨٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وروى الترمذي عن أنس أن النبي # كان يتوضأ لكل صلاة طاهرا
وغير طاهر ، قال حميد قلت لأنس : وكيف كنتم تصنعون أنتم ؟ قال :
کنا نتوضأ وضوءا واحدا . وقال : حديث صحيح .
وروي عن النبي #أنه قال: ((الوضوء على الوضوء نور)) (١) فكان
علیه السلام يتوضأ مجددا لكل صلاة ، وقد سَلّم عليه رجل وهو یبول
فلم يرد عليه حتى تيمم ، ثم رد عليه ، وقال : ((إني كرهت أن أذكر الله
إلا علی طهر» رواه أبو داود بإسناد صحيح .
وقال السدي وزيد بن أسلم : معنى الآية إذا قمتم إلى الصلاة يريد
من المضاجع يعني النوم ، والقصد بهذا التأويل أن يعم الأحداث بالذكر،
ولا سيما النوم الذي هو مختلف فيه هل هو حدث في نفسه أم لا ؟ ،
وفي الآية على هذا التأويل تقديم وتأخير، التقدير: ((يا أيها الذين آمنوا
إذا قمتم إلى الصلاة من النوم ، أو جاء أحد منكم من الغائط أولا مستم
النساء يعني الملامسة الصغری فاغسلوا ، فتمت أحکام المحدث حدثا
أصغر ، ثم قال : وإن كنتم جنبا فاطهروا فهذا حكم نوع آخر ، ثم قال
للنوعين جميعا : ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر فلم تجدوا ماء فتيمموا
صعيدا طيبا ﴾ وقال بهذا التأويل محمد بن سلمة من أصحاب مالك
رحمه الله وغيره .
وقال جمهور أهل العلم : معنى الآية إذا قمتم إلى الصلاة محدثين ،
وليس في الآية على هذا تقديم وتأخير ، بل ترتب في الآية حكم واجد
الماء إلى قوله : فاطهروا، ودخلت الملامسة الصغرى في قوله :
محدثین، ثم ذکر بعد قوله : وإن كنتم جنبا فاطهروا ، حكم عادم الماء
من النوعين جميعا وكانت الملامسة هي الجماع ، ولا بد أن يذكر الجنب
(١) حديث ضعيف .

١٨٩ -
تاويل قول الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ..
العادم الماء كما ذكر الواجد ، وهذا تأويل الشافعي وغيره ، وعليه تجيء
أقوال الصحابة كسعد بن أبي وقاص، وابن عباس ، وأبي موسى
الأشعري ، وغيرهم .
قال القرطبي : وهذان التأويلان أحسن ما قيل في الآية .
ومعنى إذا قمتم : إذا أردتم . كما قال تعالى: ﴿ فإذا قرأت القرآن
فاستعذ .. ﴾ أي إذا أردت، لأن الوضوء حالة القيام إلى الصلاة لا
يمكن . اهـ كلام القرطبي رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تمام البحث في هذه المسألة في
الباب ١٠١ ((الوضوء لكل صلاة)) إن شاء الله تعالى.
المسألة الثالثة : قال الحافظ رحمه الله : واختلف العلماء أيضا في
موجب الوضوء فقيل : يجب بالحدث وجوبا موسعا ، وقيل : به
وبالقيام إلى الصلاة معا ، ورجحه جماعة من الشافعية ، وقيل : بالقيام
إلى الصلاة حسبُ ، ويدل له مارواه أصحاب السنن من حديث ابن
عباس عن النبي قال: ((إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة.))
اه فتح ج١ ص٢٨٠.
المسألة الرابعة : قال الحافظ أيضا : واستنبط بعض العلماء من قوله
تعالى : ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ إيجاب النية في الوضوء، لأن التقدير
إذا أردتم القيام إلى الصلاة فتوضوؤا لأجلها ، ومثله قولهم : إذا رأيت
الأمیر فقم، أي لأجله . اهـ فتح ج١ ص٢٨١ .
قال الجامع عفا الله عنه : سيأتي تمام البحث على النية في الباب ٦٠
(باب النية في الوضوء)) إن شاء الله تعالى.
«المسألة الخامسة)): قال الحافظ رحمه الله تعالى أيضا: وتمسك

- ١٩٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
بهذه الآية من قال : إن الوضوء أوّل ما فُرض بالمدينة ، فأما قبل ذلك
فنقل ابن عبد البر اتفاق أهل السير على أن غسل الجنابة إنما فرض على
النبي # وهو بمكة كما فرضت الصلاة وأنه لم يصل قط إلا بوضوء.
قال: وهذا مما لا يجهله عالم .
وقال الحاكم في المستدرك : وأهل السنة بهم حاجة إلى دليل الرد
على من زعم أن الوضوء لم يكن قبل نزول آية المائدة، ثم ساق حديث
ابن عباس ((دخلت فاطمة على النبي # وهي تبكي فقالت: هؤلاء الملأ
من قريش قد تعاهدوا ليقتلوك ، فقال: ((ائتوني بوَضوء، فتوضأ)) ..
الحديث .
قال الحافظ : قلت : وهذا يصلح ردًا على من أنكر وجود الوضوء
قبل الهجرة ، لا على من أنكر وجوبه حينئذ. وقد جزم ابن الجهم
المالكي بأنه كان قبل الهجرة مندوبا ، وجزم ابن حزم بأنه لم يشرع إلا
بالمدينة، ورُدَّ عليهما بما أخرجه ابن لهيعة في المغازي التي يرويها عن أبي
الأسود يتيم عروة عنه)) أن جبريل علّم النبي # الوضوء عند نزوله عليه
بالوحي))، وهو مرسل، ووصله أحمد من طريق ابن لهيعة أيضا لكن
قال : عن الزهري عن عروة عن أسامة بن زيد عن أبيه ، وأخرجه ابن
ماجه من رواية رشدين بن سعد عن عُقيل ، عن الزهري نحوه ، لكن لم
يذكر زيد بن حارثة في السند . وأخرجه الطبراني في الأوسط من طريق
الليث عن عقيل موصولا ، ولو ثبت هذا لكان علي شرط الصحيح ،
لكن المعروف رواية ابن لهيعة. اهـ فتح جـ ١ ص ٢٨١.
قال الجامع عفا الله عنه : حديث ابن عباس المذكور صححه الحاكم،
ووافقه عليه الذهبي وقد علمت ما في سنده ، ولو صح لكان دليلا
واضحا على مشروعية الوضوء قبل الهجرة. والله أعلم .

١٩١ -
تاويل قول الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ..
(«المسألة السادسة)»: احتج بعضهم بهذه الآية على أن الوضوء لا
یجزىء الا بعد دخول الوقت ، والجمهور على جوازه وهو الراجح ، وقد
رد أبو محمد بن حزم في المحلى على هذا القول وعلى من قال بعدم إجزاء
التیمم قبل الوقت بأبلغ رد . وحاصل ماقاله باختصار : واحتج من رأى
أنه لا يجزىء إلا بعد دخول الوقت بقوله تعالى : ﴿إذا قمتم إلى الصلاة
فاغسلوا .. ﴾ الآية، قال ولا حجة لهم فيه بل هو حجة عليهم لأن الله
تعالى لم يقل : إذا قمتم إلى صلاة فرض ، ولا إذا دخل وقت فرض
فقمتم إليها ، بل قال : إذا قمتم إلى الصلاة ، فعم ولم يخص ، والصلاة
تكون فرضا وتكون تطوعا بلا خلاف ، وقد أجمع أهل الأرض قاطبة من
المسلمين على أن صلاة التطوع لا تجزىء الا بطهارة من وضوء أو تيمم أو
غسل ولابد ، فوجب بنص الآية ضرورة أن المرء إذا أراد صلاة فرض أو
تطوع وقام إلیھا أن يتوضأ أو یغتسل إن کان جنبا أو یتیمم إن كان من أهل
التيمم ثم يصلي فإن ذلك نص الآية بيقين، فإذا أتم المرء غسله أو وضوءه أو
تیممه فقد طهر بلاشك ، وإذ قد صحت طهارته فجائز له أن یجعل بین
طهارته وبين الصلاة التي قام إليها مهلة من مشي أو حديث أو عمل ، لأن
الآية لم توجب اتصال الصلاة بالطهارة لا بنصها ولا بدليل فيها ، وإذ
جاز أن يكون بين طهارته وبين صلاته مهلة فجائز أن تمتد المهلة ما لم يمنع
من تماديها قرآن أو سنة ، وذلك يمتد إلى آخر أوقات الفرض ، وأما في
التطوع فما شاء فصح بنص الآية جواز التطهر بالغسل والوضوء والتيمم
قبل دخول الوقت ، وإنما وجب بنص الآية أن لا يكون شيء من ذلك: إلا
بنية التطهر للصلاة فقط ولا مزید.
٧

- ١٩٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
ودليل آخر وهو أن الصلاة جائزة بلا خلاف في أول وقتها ، فإذا كان
كذلك فلا يكون ذلك البتة إلا وقد صحت الطهارة لها قبل ذلك ، وهذا
ينتج جواز التطهر قبل الوقت .
ثم ذكر أبو محمد بسنده دليلا آخر وهو ما أخرجه النسائي بسنده عن
أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول اللهعَ﴾ قال: ((من اغتسل يوم
الجمعة غسل الجنابة وراح فكأنما قرب بدنة ، ومن راح في الساعة الثانية
فكأنما قرب بقرة ، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا ، ومن
راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ، ومن راح في الساعة الخامسة
فكأنما قرب بيضة ، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر)).
فهذا نص جلي على جواز الوضوء للصلاة والتيمم لها قبل دخول
وقتها ، لأن الإمام يوم الجمعة لابد ضرورة من أن يخرج قبل الوقت أو
بعد دخول الوقت ، وأي الأمرين كان فتطهر هذا الرائح من أول النهار
کان قبل دخول وقت الجمعة بلا شك ، وقد علم رسول الله #أن في
الرائحين إلى الجمعة المتيمم في السفر والمتوضيء . اهـ خلاصة ماقاله ابن
حزم في المحلى جـ١ ص ٧٥ ، ٧٦.
قال الجامع عفا الله عنه: وما قاله رحمه الله تعالى حسن جدًا،
والله أعلم .

١٩٣ -
تاويل قول الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ..
١ - أخْبَرَنَا قُتََّةُ بْنُ سَعيد، قَالَ: حَدَّثْنَا سُفْيَانُ، عنِ الزُّهْرِيِّ،
عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَِّيَّ ◌َلَ قَالَ: ((إِذَا
اسْتَيْقَظَ أحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلاَ يَغْمِسْ يَدَهُ فِي وَضُوءِهِ حَتَّى
يَغْسِلَهَا ثَلاثًا، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ)).
رجال الإسناد : خمسة
١ - ((قتيبة بن سعيد)) (ع) بن جميل بفتح الجيم بن طريف الثقفي أبو
رجاء البغلاني بفتح الموحدة ، وسكون المعجمة ، يقال : اسمه یحیی ،
وقيل : علي ، ثقة ثبت ، من العاشرة مات سنة ٢٤٠ عن تسعين سنة .
اهـ / ت. وفي (صه) أحد أئمة الحديث عن مالك ، والليث ، وإسماعيل
ابن جعفر . وعنه (خ م ت س)، ومن أقرانه أحمد ، والحميدي ، وثقه
ابن معين ، وأبو حاتم . اهـ .
٢ - ((سفيان)) (ع) بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي مولاهم
أبو محمد الكوفي ثم المكي، ثقة ، حافظ ، فقيه ، إمام ، حجة، إلا أنه
تغير حفظه باخرة(١). وکان ربما دلس ، لکن عن الثقات ، من رؤوس
الطبقة الثامنة ، و کان أثبت الناس في عمرو بن دینار . اهت.
وفي (صة) أبو محمد الأعور أحد أئمة الإسلام ، عن عمرو بن
دينار، والزهري ، وزيد بن أسلم وصفوان بن سليم ، وخلق كثير .
(١) قوله: أُخَرَة: بوزن دَرَجَة ، ويجوز فيه آخره بوزن فاعل مضافا إلى الضمير وعلى كل
فهو بمعنى آخر عمره . وفي (ق) وجاء أخرة وبأخرة محركتين ، وقد يضم أولهما وأخیرا وأخرا
بضمتین وأخریا بالكسر والضم وأخريا بكسرتين وآخريا ، أي آخر كل شيءاهـ

- ١٩٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وعنه شعبة ومسعر من شيوخه ، وابن المبارك من أقرانه ، وأحمد
وإسحاق ، وابن معين ، وابن المديني ، وأمم .
قال العجلي : هو أثبتهم في الزهري ، كان حديثه نحو سبعة آلاف .
وقال ابن عيينة : سمعت من عمرو بن دينار ما لبث نوح في قومه .
وقال ابن وهب : ما رأيت أعلم بكتاب الله من ابن عيينة .
وقال الشافعي : لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز .
مات سنة ١٩٨ عن ٩١ سنة ، ومولده سنة ١٠٧ .
٣ - ((الزهري)) (ع) هو الإمام الحجة أبو بكر الفقيه الحافظ المتفق على
جلالته وإتقانه ، محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن
عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب ، القرشي الزهري المدني ، من
رؤوس الطبقة الرابعة. اهـت .
وفي (صة) أحد الأئمة الأعلام ، وعالم الحجاز والشام ، عن ابن
عمر، وسهل بن سعد، وأنس ومحمود بن الربيع وابن المسيب، وخلق .
وعنه أبان بن صالح ، وأيوب ، وإبراهيم بن أبي عبلة ، وجعفر بن
بُرْقان ، وابن عيينة ، وابن جريج، والليث ، ومالك ، وأم.
قال ابن المديني : له نحو ألفي حدیث . قال ابن شهاب . وقال
أيوب: ما رأيت أعلم من الزهري . وقال مالك : کان ابن شهاب من
أسخى الناس ، وتَقيًا ، ما له في الناس نظير . مات سنة ١٢٥ . وقيل :
قبل ذلك بسنة ، أو بسنتين . اهـ .
٤ - ((أبو سلمة)) (ع) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني ،
قيل: اسمه عبد الله ، وقيل: إسماعيل، ثقة مكثر، من الثالثة .
وفي (صة) هو الإمام الحافظ الحجة أحد الأعلام . قال عمرو بن

١٩٥ -
تأويل قول الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة
علي: ليس له اسم ، وقيل : اسمه عبد الله ، وقيل: إسماعيل . وقال
مالك بن أنس : كان عندنا رجال من أهل العلم اسم أحدهم كنيته منهم
أبو سلمة بن عبد الرحمن .
عن أبيه وأسامة بن زيد وأبي أيوب . وخلق . وعنه ابنه عمر ،
وعروة ، والأعرج ، والشعبي ، والزهري، وخلق . قال ابن سعد : كان
ثقة فقيها كثير الحديث . ونقل الحاكم أبو عبد الله : أنه أحد الفقهاء
السبعة عند أكثر أهل الأخبار . مات سنة ٩٤ . وقال الفلاس : سنة
١٠٤ ومولده سنة بضع وعشرين .
٥ - ((أبو هريرة)) (ع) الصحابي الجليل أحفظُ الصحابة ، اختلف في
اسمه واسم أبيه ، قيل : عبد الرحمن بن صخر ، وقيل : ابن غَنْم ،
وقيل: عبد الله بن عائذ ، وقيل : ابن عامر وقيل : ابن عمرو ، وقيل :
سُكَين بن رزْمَة ، وقيل : ابن هانىء ، وقيل : ثُرْمُل ، وقيل : ابن
صخر، وقيل : عامر بن عبد شمس ، وقيل : ابن عمیر ، وقیل یزید بن
عَشْرَقَة ، وقيل : عبدنَهْم ، وقيل : عبد شمس ، وقيل : عثم ، وقيل :
عبيد بن غنم ، وقيل : عمرو بن غَنْم ، وقيل : ابن عامر ، وقيل : سعيد
ابن الحارث .
قال الحافظ : هذا الذي وقفنا عليه من الاختلاف في ذلك ، ويقطع
بأن عبد شمس وعبدنهم غُيِّرًا بعد أن أسلم . واختلف في أيها أرجح :
فذهب الأكثرون إلى الأول ، وذهب جمع من النسابين إلى عمرو بن
عامر . مات سنة سبع ، وقيل : سنة ثمان ، وقيل : سنة تسع وخمسين،
وهو ابن ثمان وسبعين سنة .
وفي (صة) الحافظ الدوسي ، له خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة
وسبعون حديثا ، اتفقا على ثلاثمائة وخمسة وعشرين ، وانفرد (خ)
بتسعة وسبعين ، و(م) بثلاثة وتسعين ، روى عنه ثمانمائة نفس ثقات ،

- ١٩٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وکان يسبح كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة .
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من خماسيات المصنف .
ومنها : أن رواته كلهم ثقات أجلاء .
ومنها : أنهم ممن اتفق أصحاب الأصول في إخراج أحاديثهم .
ومنها : أنهم ما بین بغلاني بفتح فسکون نسبة إلى بغْلان ، وهی کما
في اللباب ج١ ص١٦٤ : بلدة بنواحي بَلْخ وهو شيخه، ومكي ، وهو
سفيان فإنه كوفي الأصل نزيل مكة ، ومدنيين : وهم الباقون.
ومنها : أن شيخه أحد من أكثر الرواية عنه ، بل هو أول شيخ بدأ به
الرحلة لطلب الحديث كما تقدم في المقدمة .
ومنها : أنه لا يوجد في الكتب الستة من يسمى بقتيبة غيره .
ومنها : أن فيه رواية تابعي عن تابعي : الزهري عن أبي سلمة .
ومنها : أن أبا سلمة ممن كان اسمه بصيغة الكنية لا اسم له غيرها .
على الصحيح .
ومنها : أنه أحد الفقهاء السبعة الذين اشتهروا بهذا اللقب في تابعي
أهل المدينة ، وإن كان الفقهاء فيهم كثيرين ، وكان الإمام مالك يعتد
بإجماعهم کإجماع سائر الناس .
قال الحافظ العراقي في ألفية الحديث :
خَارجَةُ القاسمُ ثمَّ عُروةٌ
وفي الكبَار الفقهاءُ السَّبْعَةُ
سعيدُ والسَّابِعُ ذُو اشْتَبَاهِ
ثمَّ سُليمَانُ عُبيدُ اللَّهِ
أوْ فَأْبُوبكر خلافٌ قائمٌ
إِمَّا أبو سَلَمَة أوسَالمُ

١٩٧ -
تاويل قول الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة
١ - فخارجة بن زيد بن ثابت أبو زيد الأنصاري ثقة فقيه من الثالثة
(ت ١٠٠) وقيل : ٩٩.
٢- القاسم بن محمد بن أبي بكر أبو محمد ثقة فقيه من كبار الثالثة
(ت١٠٦).
٣- عروة بن الزبير بن العوام أبو عبد الله ثقة فقيه مشهور من الثالثة
(٣٩-٩٤) وقيل غيره .
٤- سلیمان بن يسار مولی میمونة رضي الله عنه ثقة فاضل من کبار
الثالثة (٣٤-١٠٧) وفي التقريب مات قبل المائة ، وقيل بعدها .
٥- عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أبو عبد الله الأعمى ،
ثقة ثبت فقيه من الثالثة (ت٩٤) وقيل غير ذلك .
٦ - سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب الأعور أبو محمد المدني
ثقة فقيه مشهور من كبار الثالثة (ت٩٤) وقيل غير ذلك .
٧- سالم بن عبد الله بن عمر العدوي ثقة عابد فاضل من كبار الثالثة
(ت١٠٦) .
٨- أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي من
الثالثة ثقة فاضل (ت٩٤).
ولبعضهم في الفقهاء السبعة (من الطويل):
مَقَالْتُهُم ليْسَت عن الحَقِّ خَارجَه
إِذَا قيلَ مَنْ في العلْم سَبْعَةُ ابْحُر
سَعيد أبو بكر سُليمانُ خَارجه
فقُل هُم ◌ُبيد الله عُروة قاسمٌ
ومنها : أن أبا هريرة ممن اختلف في اسمه واسم أبيه كما تقدم آنفا ،
والذي صححه الترمذي تبعا للبخاري أنه عبد الله بن عمرو .

-١٩٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
واختلف أيضًا في صرفه ومنعه ، قال القاري في المرقات : جَرُّ هريرة
بالكسر هو الأصل ، وصوبه جماعة لأنه جزء علم ، واختار آخرون منع
صرفه كما هو الشائع على ألسنة العلماء من المحدثين وغيرهم ، لأن
الكل صار كالكلمة الواحدة . اهـ. قال المباركفوري: الراجح منعه من
الصرف ، ويؤيده منع صرف ابن داية علما للغراب ، قال قيس بن الملوّح
مجنون ليلى ( من الطويل):
أقولُ وقد صَاحَ ابنُ دَايَةَ غُدْوَةٌ بُبُعْد النَّوى لا أخْطَأْتْكَ الشَّبَائِكُ
قال القاضي البيضاوي في تفسيره : في قوله تعالى: ((شهر رمضان
الذي أنزل فيه القرآن )) [البقرة : آية١٨٥] ما نصه : رمضان مصدر رمض
إذا احترق فأضيف إليه شهر ، وجعل علما ومنع من الصرف للعلمية
والألف والنون كما منع داية في ابن داية علما للغراب للعلمية والتأنيث .
انتھی . اهـ تحفة الأحوذي باختصار . جـ١ ص٣٢.
ومنها : أنه أحد المکثرین السبعة ، بل هو رئيسهم ، روی (٥٣٧٤)،
والمكثرون هم الذين رووا أكثر من ألف حديث ، وهم الذين جمعتهم
بقولي (من الرجز ) :
أبُو هُريرة يَليه ابْنُ عُمر
المكترُونَ في روايَة الخبر
فالبَحْرُ جابرٌ مَعَ الْخُدْرِيِّ
فأنسٌ فزوجَةُ النَّبِيِّ
ومنها : أن أبا هريرة لقب بصورة کنية ، قيل سبب تلقيبه به ما رواه
ابن عبد البر : أنه قال : كنت أحمل يوما هرة في كمي فرآني رسول الله
فقال : ماهذه؟ فقلت هرة ، فقال: يا أباهريرة . وذكر الذهبي في
تذكرة الحفاظ : أنه قال : كناني أبي بأبي هريرة لأني كنت أرعي غنما
فوجدت أولاد هرة وحشية ، فلما أبصرهن وسمع أصواتهن أخبرته
فقال أنت أبو هريرة ، وكان اسمي عبد شمس . اهـ.

١٩٩ -
تاويل قول الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة.
وروى الترمذي في مناقب أبي هريرة من جامعه بسنده عن عبد الله
ابن أبي رافع قال : قلت لأبي هريرة : لم كنيت أبا هريرة ؟ قال : أما
تَفْرَقُ مني؟ قلت : بلى والله إني لأهابك ، قال : كنت أرعى غنم أهلي
وكانت لي هريرة صغيرة ، فكنت أضعها بالليل في شجرة ، فإذا كان
النهار ذهبت بها معي ، فلعبت بها فكنوني أبا هريرة . قال الترمذي :
هذا حديث حسن غريب. ا هـ تحفة الأحوذي بتغییر یسیر جـ١/ ص٣١.
تنبيه مهم :
قال العلامة المباركفوري رحمه الله تعالى: قد تَفَوّهُ بعض الفقهاء
الحنفية بأن أبا هريرة لم يكن فقيها ، وقوله هذا باطل مردود عليهم ، وقد
صرح أجلة العلماء الحنفية بأنه رضي الله عنه كان فقيها . قال صاحب
السعاية شرح الوقاية وهو من العلماء الحنفية ردًا على من قال منهم : إن
أبا هريرة غير فقيه ، ما لفظه : کون أبي هريرة غير فقيه غير صحيح ، بل
الصحيح أنه من الفقهاء الذين كانوا يفتون في زمان النبي #كما صرح به
ابن الهمام في تحرير الأصول، وابن حجر في الإصابة . اهـ .
وفي بعض حواشي نور الأنوار أن أبا هريرة كان فقيها ، صرح به ابن
الهمام في التحرير ، كيف وهو لا يعمل بفتوى غيره ؟ وكان يفتي في زمن
الصحابة رضي الله عنهم ، وكان يعارض أجلة الصحابة كابن عباس فإنه
قال : إن عدة الحامل المتوفى عنها زوجها أبعد الأجلين ، فرده أبو هريرة،
وأفتى بأن عدتها وضع الحمل ، کذا قيل . اهـ .
وقال الذهبي في التذكرة : أبو هريرة الدوسي اليماني الفقیه صاحب
رسول الله ﴾كان من أوعية العلم ومن كبار أئمة الفتوى مع الجلالة
والعبادة والتواضع . انتهى .
وقال الحافظ ابن القيم في إعلام الموقعين : ثم قام بالفتوى بعد

- ٢٠٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
رسول الله ◌َُّ بَرْكُ الإسلام (١) وعصابة الإيمان، وعسكر القرآن ،
وجند الرحمن أولئك أصحابهعمله، وكانوا بين مكثر منها ، ومُقلّ ،
ومتوسط ، وكان المكثرون منهم سبعة : عمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي
طالب ، وعبد الله بن مسعود ، وعائشة أم المؤمنين ، وزيد بن ثابت ،
وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر. والمتوسطون منهم فيما رُوِيَ
عنهم من الفتيا : أبو بكر الصديق ، وأم سلمة ، وأنس بن مالك، وأبو
سعيد الخدري ، وأبو هريرة ... إلخ، فلا شك في أن أبا هريرة رضي
الله عنه كان فقيها من فقهاء الصحابة ، ومن كبار أئمة الفتوى .
فإن قيل : قال إبراهيم النخعي أيضا : إن أبا هريرة لم يكن فقيها ،
والنخعي من فقهاء التابعين.
قلت: قد نقم على إبراهيم النخعي لقوله : إن أبا هريرة لم يكن
فقيها، قال الحافظ الذهبي في الميزان في ترجمته : وكان لا يحكم العربية
ربما لحن ، ونقموا عليه قوله : لم يكن أبو هريرة فقيها . انتهى .
( عبرة) : قال القاضي أبو بكر بن العربي في عارضة الأحوذي في
بحث حديث المُصْرَّأة المروي عن أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهما :
قال بعضهم : هذا الحديث لا يقبل لأنه يرويه أبو هريرة ، وابن عمر ،
ولم يكونا فقيهين ، وإنما كانا صالحين فروايتهما إنما تقبل في المواعظ لا
في الأحكام، وهذه جرأة على الله واستهزاء في الدين عند ذهاب
حملته، وفقد نصرته ، ومن أفقه من أبي هريرة وابن عمر ؟ ومن أحفظ
منهما؟ خصوصا من أبي هريرة ، وقد بسط رداءه وجمعه النبي عليه وضمه
إلى صدره ، فما نسي شيئا أبدا ، ونسأل الله المعافاة من مذهب لا يثبت
إلا بالطعن على الصحابة رضي الله عنهم . ولقد كنت في جامع المنصور
(١) برك الجمل بفتح فسكون صدره والمراد هنا صدر الإسلام أي متقدموا الإسلام ورؤساؤه .