Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢٠
المقدمة
١٧٧ - رواية الصحابة عن التابعين للخطيب البغدادي.
١٧٨- الأفراد لأبي عثمان سعيد السراج القرشي الأصبهاني.
١٧٩- الجزء غير المطبوع من سنن سعيد بن منصور.
١٨٠- تاريخ مرو للمروزي.
١٨١- نظم المرجان في الكلام على صحيح ابن حبان لمغلطاي.
١٨٢- سؤالات حرب بن إسماعيل الكرماني للإمام أحمد.
١٨٣- الجزء غير المطبوع من مسند عبد الله بن وهب.
١٨٤ - كتاب ((المردان» للجاحظ.
١٨٥- البلدان للزمخشري.
١٨٦- التفسير المنسوب للضحاك.
١٨٧- البلدان للكلبي.
١٨٨ - كريب المقرئ(١) لابن عساكر.
١٨٩- صفة التصوف لابن طاهر.
١٩٠- التاريخ الكبير لخليفة بن خياط ((شباب)).
١٩١- الصحابة للباوردي.
١٩٢- ثواب القرآن لأبي بكر بن أبي شيبة.
١٩٣- تفسير أبي القاسم إسماعيل بن محمد الجوزي.
١٩٤- الجامع لأنساب العرب للكلبي.
١٩٥- الجزء غير المطبوع من الخلافيات للبيهقي.
(١) في الأصل : المقبري، ولعل ما أثبت هو الصواب، والله أعلم.
٢١
المقدمة
١٩٦ - الأربعين المسلسلة بقوله: بالله العظيم لقد حدثني لابن أبي الغصن.
١٩٧- تفسير أبي زكريا يحيى بن علي بن عبد الرحمن القيسي.
١٩٨- التاريخ الصغير للبخاري(١).
١٩٩- الجزء غير المطبوع من التمييز للإمام مسلم.
٢٠٠ - معرفة الصحابة لأبي علي بن السكن.
٢٠١ - تاريخ سمرقند للإدريسي.
٢٠٢- فوائد الدار قطني.
٢٠٣- عمل يوم وليلة لأبي نعيم.
٢٠٤- الجزء غير المطبوع من كتاب الصلاة لأبي نُعيم الفضل بن دُكين.
٢٠٥- العروض الكبير لأبي زكريا يحيى بن علي الخطيب التبريزي.
٢٠٦- الصحابة لأبي القاسم علي بن الحسن بن قديد.
٢٠٧- المولد لأبي الخطاب بن دحية.
٢٠٨- الإطراف بتذهيب الأطراف لمغلطاي.
٢٠٩- الفتوح لابن أعثم.
٢١٠- كتاب أفعل من كذا لابن حبيب.
٢١١- التلقيح لابن الجوزي.
٢١٢- كتاب الحيض للإمام أحمد.
١٥) وقد طُبع ((التاريخ الأوسط)) باسم الصغير، فليس هو المعني هنا.
٢٢
المقدمة
٢١٣ - غريب أصناف الأحكام وما يتعلق بها من الحلال والحرام لابن قتيبة.
٢١٤- مسند عثمان للقاضي أحمد بن علي الأموي.
٢١٥- الواضح المبين في ذكر من مات من المحبين لمغلطاي.
٢١٦ - الصحابة لابن الجوزي.
٢١٧- السّنن في الكلام على أحاديث السُّنن لمغلطاي.
٢١٨ - الأبواب لابن شاهين.
٠
فهذه بعض المصادر التي لم أرها مطبوعة، فالنقول التي يسوقها الشارح
رحمه الله منها تعتبر كنوزًا يقتنيها طلاب العلم، ومع هذه الفوائد وغيرها مما لا
تتسع هذه المقدمة لذكرها فإنه أثناء نسخ الأصول الخطية، وقيامي بالتحقيق
والتعليق، وبعد قربي من الانتهاء إذا بي أقف على خروج الكتاب مطبوعًا، ومكتوبًا
عليه ((تحقيق كامل عويضة))، الناشر ((مكتبة نزار مصطفى الباز)) بمكة أعزها الله،
فظننت أنه لا حاجة لإتمام ما بقي، فلما اطلعت عليها إذا بي أقف على عمل يعد
عبثًا بتراث هذه الأمة العظيم، واستخفافًا بالعلم وأهله، وحتى يقف القارئ بنفسه
على حقيقة هذا العمل سأضرب بعض الأمثلة مما وقع من هؤلاء.
فمن ذلك: تحريف الكلام بطريقة تدل على استخفاف بعقول القراء بحيث
يقدم للقارئ كلامًا غير مفهوم تمامًا، وكأنه حين يفعل ذلك يخرج لسانه للقارئ
قائلًا: ماذا أفعل؟ ومالي دخل.
فمن الأمثلة على ذلك:
-
٢٣
المقدمة
العبارة المثبتة في نسخة الباز
صوابها
الخطأ
الصواب
(٢/ ٤٨٧): والنسبة إلى الإبل:
إيلي، يسمون الباء، استحبابًا لبؤَّال
السكرات.
(ص١٤٧٦): هكذا رأيت أبا مغسل.
(ص١٤٧٨): عن قتان.
(ص١٤٨١): ثم جاء في مرة نفيه.
(ص١٤٨٣): معلولًا.
(ص ١٤٨٤): في المهابل.
(ص١٤٨٧): حضري بيديه.
(ص١٤٨٨): عن عفار.
أص ١٤٩٠): ووقع آمن.
(ص ١٤٩٣): عن عمرانة.
<ص١٤٩٤): وإن كان زاحف.
رص ١٤٩٥): وفي الضربين.
رص١٥٠٠): في بيانه عند خجالة.
(ص١٥٠٥): استحباب مذماتها.
(ص ١٥٠٥): ويتأثر لقه ولا جبينه.
رص ١٥٠٩): إنا لزم حقا بالرجل.
رص ١٥١٧): من حديث على الأربع.
(ص ١٥٥٣): حتى رأينا، وصحح
حديثه.
رص ١٥٦١): حتى ينحرق - يعني
والنسبة إلى الإبل إبلي ،يفتحون الباء
استيحاشًا لتوالي الكسرات.
هكذا رأيت النبي ێے يصلي.
عن بيان.
ثم جافى مرفقيه.
مطولًا.
في الابل.
خوَّی بیدیه.
عن عفان.
ورفع أمره.
عن عمر.
وإن كان ذا خف.
وفي الغريبين.
في بیاته عند خالته.
استحباب هذه أنه.
ولا يتأثر أنفه ولا جبينه.
إنا لنراه جفاء بالرجل.
من حديث عليّ الآتي بعد.
حتی رأینا وضح خديه.
حتی ینحرف. أقول (أبو عبد الله):
أحرق الله الأبعد.
٢٤
المقدسة
هذه بعض الأمثلة لهذا التحريف المضحك المبكي، وهي واقعة ممن وصف
بالمحقق، وليست من طابع الكتاب؛ لأنها على صورة ما كتب في الأصول
الخطية، وهي في صفحات متقاربة مما يوضح حال الكتاب جملة، ومع هذا العبث
بنص الكتاب، فقد ملأ الحواشي بتخريج أكثره تخليط عجيب، فمن الأمثلة على
ذلك :
ص (١٥٣٦ - ١٥٣٧): حديث طلحة بن عبيد الله: قال مغلطاي رحمه الله: ذكره
أبو القاسم في («الأوسط»، فذكر هذا المخلط عزوه للصحيحين في تخريج طويل،
والحديث ليس في «الصحيحين)) من حديث طلحة أصلًا.
وفي ص (١٥٦٢): قال مغلطاي: وفي ((مسند أحمد))، وذكر حديثًا، وفيه: «إذا
صليت الصبح، فقولي: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي،
ويميت ... )) الحديث.
فقال المخلط: صحيح، رواه مسلم (٤١٤)، وذكر تخريجًا طويلًا، والحديث
ليس في مسلم أصلًا، ولا في كثير من المواضع التي عزى إليها، فلا أدري من أين
له ذلك؟ !!
وفي ص (١٥٦٣): قال مغلطاي رحمه الله عن حديث أبي ذر في التسبيح،
والتحميد، والتكبير بعد الصلاة: خرجه ابن خزيمة في ((صحيحه))، فلم يلتفت هذا
المخلط إلى قول مغلطاي، وكأنه يقول: يا قاصر الاطلاع: إن الحديث متفق عليه،
وعزاه إلى مواضع من البخاري ومسلم، والحديث من حديث أبي ذر ليس في واحد
منهما.
ولا أُحب أن أُطيل بذكر الأمثلة على ذلك(١)، فإن من عنده أدنى معرفة بالحديث
ليقف بأقل نظر على ما يملأ القلب الغيور على العلم الشرعي أسى وحزنًا، وأما
(١) وأقول: إنني لما صورت الجزء المتبقي من الكتاب، وصرت أصحح فيه، وأقابل على الأصول
الخطية، تمنيت أنني كنت دفعته إلى من ينسخه لكثرة ما فيه من الأخطاء، والله المستعان.
٢٥
تعقدمة
الأخطاء المطبعية والسقط فحدث ولا حرج، وإن خروج مثل هذا الكتاب العظيم،
في مثل هذه الصورة المزرية لمصيبة كبيرة وجرم عظيم سيُسأل عنه كل من وقف عليه
من أهل العلم، فإن الذب عن حياض الشريعة لمن أعظم الواجبات.
وللشيخ العلامة بكر أبي زيد في ذلك جزء سماه ((الرقابة على التراث» أبان فيه
توجعه لهذه المصيبة التي حلت بالمسلمين.
فقال ص(٢٤): هي مجموعة هجمات شرسة عنيفة على التراث، وجرأة فارهة،
وانحدار به، واعتداء عليه من الأصاغر - أي المبتدعة - تارة، ومن صغار النفوس
تارة أخرى، فاتحین في تلك الحصون المحكمة ثلمًا، وفي السفينة نقبًا، لتؤول حاں
المسلم مع هذا الركام إلى التسليم له على غير هدى يقاد، فينقاد كالدفتر ينقل ما
يكتب، ويحكي ما يقال، انظر: كيف طوعت لهم أنفسهم قتل تراثهم وأمتهم.
.
وقال ص (٢٦): وما هذا التداعي على التراث بالتحريف والتشويه والتفرين إلا
تماس دسائس الكافرين لتحريف هذا الدين، والصد عنه، وتفريق أهله، وتفجير
تصراع بينهم.
وإن كان في الزمن فسحة، وفي الحال مكنة فسوف («نهدم الصومعة على
شراهب)) بإذن الله؛ لأن الإسلام لا يعيذ عابثًا غير عابئ بتراثه، مقارضين هؤلاء
جناة الحديث صراحة بصراحة بمؤلف مفرد (١)، ينتظم ما يتم الوقوف عليه من
وجوه العبث بالتراث، ورأس ما لنا في المقارضة هو الحق، ومن كان الحق معه،
فلن يغلب بإذن الله تعالى.
وقال - حفظه الله - ص (٣٦): القضية مصيرية، فالتراث زاد العلماء، وإذا جنع
في إلى غير وجهته، وتولاه غير أهله سقطت قوى العلماء العلمية والأدبية، وهذا
ئذان بضياع في الأمة في كل تفاصيلها.
٤٤) ما أحوج الأمة لهذا المؤلف، فأسأل الله أن يمد في عمر الشيخ حتى يخرجه للناس، وإلا فهو
مسؤولية أهل العلم جميعًا.
٢٦
المقدمة
وبما أن الأمر في غاية من الخطورة والأهمية لا يجوز أن يترك هكذا، يعبث
العابثون، ونحن في غيبوبة وصدود عن دفع هذا التردي الأخلاقي.
وإذا نهض المصلحون منا بالإصلاح، فإنما ينهضون لترقيع ما بجسته تلك
الأقلام النكدة.
لهذه الأسباب لابد من عمل حلول تحجب هذا العبث، وتكشف حقيقته، وتكسر
شو کته، وتحاصر الجناة، وتبدد شملهم، وتكتم أنفاسهم، وتُرعى من خلاله حرمة
التراث، ويتخذ موقف يرفع معرة هذا التردي، ويضبط مسار الأمة من الضلال
والتضليل، وينصف الحق من الغاصبين، وفوق ذلك: احتساب الأجر والثواب في
هذا الجهاد الدفاعي عن حرمة التراث، وهذا غاية في بذل النصح لله ولرسوله والقر،
ولكتابه، ولأئمة المسلمين، وعامتهم، كما ثبت الحديث بذلك عن النبي { 18 في
«صحيح مسلم)) وغيره.
وقد ذكر - حفظه الله - أمورًا لحماية التراث لو أخذ بها المسلمون لتغير الحال -
بإذن الله تعالى -.
فمنها قوله: تكثيف العلماء جهودهم بنقد العبث في التراث تصريحًا، لا تلويحًا،
وبيان ذلك لأول مناسبة في مؤلفاتهم ودروسهم ومحاضراتهم.
ومنها قوله: توجيه الأنظار إلى إعادة تحقيق وطبع ما كان سبيله كذلك، لتسقط
السابقة من الحساب، ولا يكون لها متسع في الميدان.
ثم قال في الخاتمة: والآن نناشد بالله من مرَّ بصره على هذا الخطاب، أو طرق
سمعه، فرآه نداء بحق، أو بدا له أحق منه أن يبذل ما في وسعه لحماية ((الكتاب)) من
عبث الجناة، فحمايته من العبث فيه، وحماية الأمة من هذا الغش العلمي والثقافي
واجب على ذمة الأمة، كل بقدر ما يسعه ماله وعلمه وجاهه. انتهى.
فأرجو أن أكون بهذا العمل قد قمت ببعض هذا الواجب.
وأسأل الله عز وجل أن يجعله خالصًا لوجهه، والحمد لله رب العالمين.
٢٧
المقدمة
ترجمة المؤلف: مغلطاي (١)
ابن قليج بن عبد الله البكجري(٢) الحنفي علاء الدين أبو عبد الله، الإمام،
العلامة، الحافظ، المحدث، المشهور.
مولده فيما ذكره الحافظ تقي الدين بن رافع في سنة تسعين، وفيما ذكره الصلاح
الصفدي بعد التسعين وستمائة.
وسأله شيخنا الحافظ زين الدين العراقي عن مولده، فقال له: إنه في سنة تسع
وثمانين، وإنه أجاز له الفخر ابن البخاري، قال شيخنا: فذكرت ذلك لشيخنا
العلامة تقي الدين السبكي، فاستبعده، وقال: إنه عرض علي كفاية المتحفظ سنة
خمس عشرة، وهو أمرد بغير لحية. انتهى، وكان أبوه في صباه يرسله ليرمي
بالنشاب، فيخالفه، ويذهب إلى حلق أهل العلم، فيحضرها، وانهمك على
الاشتغال حتى صار له مشاركة جيدة في فنون من العلم، لاسيما الأنساب فلم يكن
يتقن من متعلقات الحديث خيرًا منها، وله بما عداها معرفة متوسطة، وعني بهذا
الشأن، فقرأ بنفسه، وأكثر جدًّا، وكان جل طلبه في العشر الثاني بعد السبعمائة،
فأكثر من شيوخ هذا العصر، وسمع جماعة، منهم التاج أحمد بن دقيق العيد،
والواني، والحسن بن عمر الكردي، والختني(٣)، وابن الطباخ، وابن قريش،
(١) ذكره التميمي في طبقاته باسم محمد مغلطاي، والمسند برهان الدين بن كسباي العمادي سماه
علاء الدين علي مغلطاي، كما رأيت بخط الشيخ حامد العمادي في مجموعة إجازاته، فيما نقله
عن خطه عند ذكر أسانيد كتاب الصمت لابن أبي الدنيا الحافظ، ويترجمه العلامة قاسم الحافظ في
(تاج التراجم) باسم مغلطاي فقط، ويقول عنه: مغلطاي بن قليج بن عبد الله علاء الدين البکجري،
إمام وقته، وحافظ عصره ... إلخ.
(٢) بفتح الموحدة وسكون الكاف، وفتح الجيم، ثم راء على ما في ذيل لب اللباب، نقلًا عن
الداودي .
(٢) نسبة إلى ختن بضم الخاء المعجمة، وفتح المثناة الفوقية، وفي آخرها نون: بلدة دون كاشغر =
٢٨
المقدمة
والدبوسي، والحجار (١)، وعبد الرحيم المنشاوي.
قال شيخنا الحافظ أبو الفضل العراقي: سألته عن أول سماعه، فقال: دخلت بعد
السبعمائة إلى الشام، فقلت له: فماذا سمعت إذ ذاك؟ قال: سمعت شعرًا، فقلت
له: فأول سماعك للحديث متى؟ فسكت، فلقنته في سنة خمس عشرة، فقال: نعم،
= وراء يُوزكَنْد على ما ذكر في معجم البلدان، وطبقات القرشي.
قال ياقوت: وضبط بعضهم المثناة بالتشديد اهـ.
والختني هنا هو مسند البلاد المصرية بدر الدين يوسف بن عمر بن الحسين الختني الحنفي سمع
من ابن رواح، والمنذري وغيرهما، وانفرد بعلو الإسناد في أشياء.
قال القرشي: سمعت عليه الكثير، وخرج له صاحبنا أحمد بن أيبك الدمياطي مشيخة، توفي
بالمدرسة السيوفية الحنفية بالقاهرة سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة، عن أربع وثمانين سنة، وتشتبه
هذه النسبة خطًّا بالجبني، نسبة إلى الجبن المأكول، وهو الإمام المحدث علي بن محمد الجبني
المتوفي سنة سبع عشرة وسبعمائة، فلينتبه إلى ذلك.
" . (١) يتكرر ذكره في الكتاب كثيرًا، تارة باسم أبي العباس أحمد بن أبي طالب، وأخرى بأبي العباس بن
الشحنة، وتارة بالحجار، وهو مسند الدنيا، ورحلة الآفاق، أبو العباس شهاب الدين أحمد بن أبي
طالب بن أبي النعم نعمة بن الحسن بن علي بن بيان الدير مقرني، ثم الصالحي الحنفي الشهير بابن
الشحنة الحجار ترجمه الحافظ الشمس ابن طولون في (الغرف العلية في ذيل الجواهر المضية!
ترجمة وافية، سمع الصحيح من الحسين بن المبارك الزبيدي الحنفي وابن اللتي، وأجاز له من
بغداد: القطيعي وابن روزبة والكاشغري وآخرون، وفي شيوخه ومروياته كثرة، وُلد في حدود سنة
اثنتين وعشرين وستمائة .
قال ابن حجر: وعمر حتى ألحق الأحفاد بالأجداد، فحدث بالصحيح أكثر من سبعين مرة بدمشق
وغيرها، ورأى من العز والإكرام ما لا مزيد عليه، وانتخب عليه الحفاظ، ورحل إليه من البلاد،
وتزاحموا عليه.
قال الذهبي: كان دموي اللون، صحيح الركب، أشقر طويلًا، أبطأ عنه الشيب، يصغي جيدًا، وما
رأيته نعس فيما أعلم، وقد صام وهو ابن مائة سنة رمضان، وأتبعه بست من شوال، كان حينئذ
يغتسل بالماء البارد، ولا يترك غشيان الزوجة ... ولا أرتاب في سماعه من ابن الزبيدي، فإنه لـ
يكن له أخ باسمه قط، شرع محب الدين ابن المحب في قراءة الصحيح عليه قبل موته بيوم، ثم قرأ
عليه الميعاد الثاني يوم وفاته إلى الظهر، فمات قبيل الظهر في ٢٥ من صفر سنة ثلاثين وسبعمائة،
رحمه الله.
وأطال في ترجمته ابن حجر في ((الدرر»، وللحافظ ابن ناصر الدين ((الانتصار لسماع الحجار)) رد به
على بعض المشككين في سماعه من الزبيدي، والبحث طويل الذيل.
٢٩
مقدمة
ثم ادعى أنه سمع من علي بن أبي الحسين الصواف، راوي النسائي المتوفى
سنة ١٢، فسألته: كيف سمعت عليه؟ فقال: سمعت عليه أربعين حديثًا انتقاء نور
تبين الهاشمي من النسائي، فحصلت عندي فيه وقفة، ثم بعد مدة أخرج جزءًا
محتى من النسائي بخطه ليس عليه طبقة البتة، لا بخط غيره، ولا بخطه، وذكر أنه
قرأء بنفسه على ابن الصواف سنة اثنتي عشرة، فقويت الوقفة. انتهى.
وكان أول سماعه الصحيح للحديث في سنة سبع عشرة وسبعمائة، غير أنه ادعى
تسماع من جماعة قدماء، ماتوا قبل هذا، كالدمياطي، وابن دقيق العيد، وابن
تصواف، ووزيرة ابنة المنجا، وتكلم فيه الجهابذة من الحفاظ، لأجل ذلك ببراهين
وضحة قد تقدم بعضها، فالله تعالى يغفر لنا وله(١).
وقد خرَّج لنفسه جزءًا عنهم وعن غيرهم، وذكر فيه أنه سمع الشيخ تقي الدين ابن
دقيق العيد يقول بدرس الكاملية سنة اثنتين وسبعمائة: قال رسول الله لي: «لا تجتمع
"تُتي على ضلالة))، قال شيخنا الحافظ زين الدين العراقي: فذكرت ذلك لشيخنا
تعلامة تقي الدين السبكي، فاستبعد ذلك جدًّا، وقال: إن الشيخ تقي الدين أبن
دقيق العيد ضعف من أواخر سنة إحدى وسبعمائة، ولم يحضر درسًا في سنة اثنتين،
ولم يكن بالكاملية، وإنما خرج إلى بستان خارج باب الخرق (٢)، فأقام به إلى أن
توفي في أوائل صفر سنة اثنتين وسبعمائة، ثم سألت عن ذلك تاج الدين عبد الرزاق
شاهد الخزانة، وكان مخصوصًا بخدمة الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، فذكر
تحو ذلك، وأن الشيخ أقام ضعيفًا مدة شهرين أو أكثر إلى أن توفي بالبستان، وقد
تكلم الحافظ صلاح الدين العلائي على هذا الجزء في جزء لطيف أنكر فيه سماعه
(١) لا يزال المصنف يسترسل في هذا المهيع الخطير، فلعله لم يطلع على كتبه حتى يعلم مبلغ تبحره
في العلم وتحريه في البحث، وبنى كلامه على قول خصومه، وليس للحاكم أن يحكم قبل أن
يدلي الآخر بحجته، ويبحث عما عنده، والدليل على أنه لم يطلع على كتبه إهماله فيما ألَّفه في
الرجال زوائد مغلطاي على التهذيب، مع أنها مما يشد إليه الرحال، وترى السخاوي يعتذر عن ابن
فهد بأن الكتاب ما كان وصل إلى الحجاز إذ ذاك.
(٢) يعني بالقاهرة.
٣٠
المقدمة
جماعة ممن ادعى أنه سمعه عليه، سمعه منه شيخنا الحافظ أبو الفضل العراقي، قال
- أعني العراقي -: وذكر لي أنه وجد سماعًا له على الشيخ تقي الدين ابن دقيق
العيد لحديث مسند، فسألته من أي كتاب؟ فقال لي: من ((سنن أبي مسلم الكشي)»،
قلت له: فالطبقة بخط من؟ قال: بخط الشيخ تقي الدين نفسه، فسألته أن أقف على
ذلك، فتعلل بأن النسخة في بيت الكتب الأسفل بالظاهرية، فتحينته إلى أن وجدته
في بيت الكتب المذكور، فدخلت إليه، فسألته أن أقف على ((سنن أبي مسلم)) الذي
عليه سماعه على الشيخ، فتغير، وقال لي: ليس هو هنا، فغلب على ظني أن ما ادعاه
من السماع عليه لا أصل له(١)، فالله يغفر له، ويسامحه.
ثم رأيت في تركته نسخة من ((سنن أبي مسلم))، وقد سمع شيئًا منه على الشيخ
تقي الدين ابن دقيق العيد، وليس له فيها سماع على ابن دقيق العيد البتة، والله تعالى
أعلم. انتهى.
(١) لكن يا هذا ظنك لا يغني من الحق شيئًا، فكأن العراقي كان مدفوعًا إلى جميع ما عمله معه، وكان
صغير السن إذ ذاك يطلب العلم عند مغلطاي، وصعب على الأستاذ أن يرى تلميذه مدفوعًا إلى مثل
هذا العمل بصفاء باطنه، وصغر سنه من قبل منافسيه، ولما أحس بذلك منه ماطله، ولم يجبه جوابًا
شأفيًّا؛ لأنه لم يكن مسترشدًا، وما بين الصلاح والعلاء من الجفاء معروف، وليس في كل ما
حكوا حجة صريحة لما ادعوا، ولا تقف الظنون عند حد إذا استرسل الرجل وراءها، ولا شك أن
إجازات هؤلاء العامة تشمله حتمًا باعتبار سنه، وإجازتهم له إجازة خاصة أو سماعه منهم شيئًا فدون
إثبات نفي ذلك خرط القتاد، والإجازة للصغير أو إحضاره في مجلس التسميع مما يتساهل فيه
الرواة للتبرك بذلك، ومما يتنافسون فيه رغبة في علو الإسناد، لكن أهل العلم لا يعتدون بمثل هذا
التحمل، وليس هذا مما يتناطح فيه المتناطحون.
وهذا حافظ الشام ابن ناصر الدين الدمشقي رماه الحافظ برهان الدين البقاعي بالكشط والتزوير،
ولم يعتدوا برميه، وأما العلاء فما رموه لا بالكشط ولا بالتزوير، بل رموه بأنه قال: إنه أُجيز من
فلان وهو صغير، وسمع من فلان وهو صغير، وهم يقولون: إن ذلك لم يثبت عندنا، ولا شك أن
عدم الثبوت عندهم لا يدل على عدم الثبوت في نفس الأمر حتى يلصق به هذه الوصمة، وابن
الملقن، والبلقيني، والعراقي، والهيثمي، ومعاصروهم من الحفاظ من المتشبعين من موائد علوم
صاحب الترجمة، وليس هذا الكلام مما يحط من مقدار من تكون إمامته وعلو شأنه كما أشرنا
إليه، كما لم يحط من مقدار ابن الجزري كلام من تكلم فيه.
٣١
مقدمة
انتقى، وخرّج، وأفاد، وكتب الطباق، وتخرج بالحافظ أبي الفتح ابن سيد
تنس(١)، وله عدة تآليف مفيدة في الحديث واللغة وغير ذلك، منها ((شرح
ليخاري)) في عشرين مجلدًا، و(سيرة النبي ﴿ ﴿ مختصرة))، و«زوائد ابن حبان على
لصحیحین) مجلد، وترتيبه أعني ((صحيح ابن حبان))، و کتاب ذَّل به على ((تهذيب
كمال)» للمزي(٢)، وفيه فوائد غير أن فيه تعصبًا كثيرًا في أربعة عشر مجلدًا، ثم
ختصره في مجلدين مقتصرًا فيه على المواضع التي زعم أن الحافظ المزي غلط
فيها، وأكثر ما غلطه فيه لا يرد عليه، وفي بعضه كان الغلط منه هو فيها، ثم اختصر
المختصر في مجلد لطيف، وذيل على ((المشتبه)) لابن نقطة، وكذا على كتاب
(ضعفاء)) لابن الجوزي، وعلى كتاب ((ليس في اللغة))، وعلى كتابي الصابوني،
وين سليم في ((المؤتلف والمختلف)، ووضع شيئًا على الروض الأنف للسهيلي
سماه (الزهر الباسم))، وكتاب في الأحكام مما اتفق عليه الأئمة الستة، وكتاب في
ترتيب الوهم والإيهام لابن القطان، وقد تقدمه في ذلك صدر الدين ابن 'لمرحل،
وكتاب(٣)، وله شرح على ((سنن أبي داود)) لم يكمل، وكذا على طائفة من ((سنن ابن
مجه)، و(الواضح المبين في ذكر من استشهد من المحبين)) (٤)، فحصل له بسببه
· قال ابن حجر - بعد أن ذكر عدة شيوخ له -: وأكثر جدًّا من القراءة بنفسه والسماع وكتب الطباق،
وكان قد لازم الجلال القزويني، فلما مات ابن سيد الناس تكلم له مع السلطان، فولاه تدريس
الحديث بالظاهرية، فقام الناس بسبب ذلك، وقعدوا وبالغوا في ذمه، وألحوه، ولم يبال بهم،
وعدة تصانيفه نحو المائة أو أزيد، وله مآخذ على أهل اللغة وعلى كثير من المحدثين. اهـ.
وبينه وبين الحنابلة بعض الضغائن.
: وهو المسمى بالإكمال، وقد استمد ابن حجر منه كثيرًا في عدة كتب له في الرجال.
- هكذا في الأصل.
: بدعوى الصلاح العلائي أن فيه ما يمس بالصديقة، ولولا لطف الله به لأوقعه خصومه فيما لا خير
فيه، ولما رأى الأمير الكبير الورع الزاهد العالم جنكلي ابن البابا العجلي سليل إبراهيم بن أدهم
الزاهد المشهور أنه في ذلك مظلوم صار إلى جانبه، وحال دون ما يريدون، وحاشاه أن يصدر عنه
ما يمس بالصديقة، وحاشا هذا الأمير الورع العالم الذي شهر بدينه وزهده في تواريخ المعتبرين أن
يكون في جانبه لولا تحقيق براءته مما وصموه ب:، ولكن المنافسات بين القرناء لها شؤون في =
٣٢
المقدمة
محنة: عُزِّر، واعتقل فيها، ومنعه أهل سرق الكتب من بيعه، وكان يحفظ كفاية
المتحفظ، والفصيح الثعلب، وله اتساع في نقل اللغة، وفي الاطلاع على طرق
الحديث، وكان دائم الاشتغال منجمعًا على الناس، وقد ولي التدريس بأماكن
منها: الظاهرية، وليها بعد شيخه ابن سيد الناس، وجامع القلعة، والمدرسة
الصرغتمشية، والجامع الصالحي، وقبة خانقاه بيبرس، والمدرسة المجدية
بالشارع، والمدرسة النجمية.
قال الحافظ تقي الدين بن رافع: طلب الحديث، وقرأ قليلًا، وجمع السيرة
النبوية .
وقال الصلاح الصفدي: كان جامد الحركة، كثير المطالعة، والدأب، والكتابة،
وعنده كتب كثيرة جدًّا، ولم يزل يدأب، ويكتب إلى أن مات في شعبان في سنة
اثنتين وستين وسبعمائة. انتهى، وذلك في يوم الثلاثاء الرابع والعشرين في المهدية
خارج باب زويلة من القاهرة بحارة حلب، ودفن بالريدانية، وتقدم في الصلاة عليه
القاضي عز الدين ابن جماعة.
أخبرنا الإمامان العلامتان الحافظان عمدة الحفاظ أبو الفضل عبد الرحيم بن
الحسين بن عبد الرحمن العراقي، وأبو الحسن علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي
= جميع القرون، لاسيما إذا كان بينهم تزاحم في المناصب، أو تخالف في المذاهب، ولولا تولية
المترجم مشيخة الحديث بالظاهرية بعيد وفاة شيخه ابن سيد الناس لما بدت كوامن الحسد من
أقرانه المخالفين له في المذهب، الظانين أن هذا العلم وقف عليهم، تارة يتكلمون في إسناده عن
شيوخ له بأشياء لا حجة فيها، وطورًا في كتبه كما ترى مع أنه في معرفة المؤتلف والمختلف،
والأنساب، واللغة، وطرق الحديث لا تجد بين معاصريه من يوازنه، بل الحق أن الناس بعذه
عالة في الرجال على كتبه، وعلى كتب المزي فقط، ومن اطلع على التهذيب وعلى الإكمال ثم
على ما كتبه الناس لا يرتاب في ذلك، ولا يضره أن يكون له أوهام معدودة، فمن ذا الذي لا يهم
من المكثرين؟، وإكمال ابن الملقن كنسخ لإكماله عفوًا بلا تعب، كما أن شرحه للبخاري
كذلك، وكان من جملة ما يثير خواطر معاصريه أنه كان يكشف الستار عن وجوه الجرح
والتعديل، ويثبت في كتبه في الرجال من الكلام فيهم ما لم يعهدوه وما يقصر علمهم عنه، وهذه
جريمة لا تُغفر عندهم، سامحهم الله.
٣٣
ـكمة
المصريان في كتابيهما منها: أن الحافظ أبا عبد الله مغلطاي بن قليج بن عبد الله
الكجري الحنفي أخبرهما سماعًا عليه بقراءة الأول في يوم الخميس رابع عشر صفر
سنة أربع وخمسين وسبعمائة في منزله بجوار المدرسة الظاهرية من القاهرة قال:
أخبرنا الإمام تاج الدين أبو العباس(١) أحمد بن علي بن وهب بن مُطيع بن أبي
الدعة القشيري سماعًا عليه في يوم الاثنين الأول من شهر ربيع الأول سنة سبع
عشرة وسبعمائة بالمدرسة الكاملية من القاهرة المعزية ح أخبرنا بعلو درجة الشيخ
الصالح الإمام أمين الدين أبو اليمن محمد بن أحمد بن إبراهيم الطبري سماعًا عليه
في يوم الثلاثاء العشرين من شهر (٢) وثماني مائة بمكة المشرفة في منزله من السويقة
أذ با زكرياء يحيى بن يوسف بن ... (ومحمد بن أحمد المصري) قالا : أخبرنا
الإمام أبو الحسن علي بن هبة الله بن سلامة اللخمي قال ابن المصري إذنا، وقال
لآخر: سماعًا في يوم الأحد الثاني عشر من شوال سنة خمس وأربعين وستمائة
بمشهد ظاهر مدينة قوص قال: أخبرنا الفقيه أبو طالب أحمد بن المسلم بن رجاء
نسخمي بقراءتي عليه بالإسكندرية سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة قال: أخبرنا الشيخ : .
بو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الأزجي العدل قراءة عليه قال: أخبرنا أبو
لفضل محمد بن أحمد بن عيسى السعدي بمصر قال: أخبرنا أبو عبد الله عبيد الله
- محمد بن بطة العكبري قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي
قن: حدثنا كامل عن طلحة أبي يحيى الجحدري قال: حدثنا عباد بن عبد الصمد
قد: حدثنا راعي رسول الله وَل﴾ قال: أخبرني رسول الله وَلاير قال: «بخ بخ بخمس ما
فهن في الميزان))، قلت: وما هي يا رسول الله؟ قال: ((سبحان الله، والحمد لله، ولا
إله إلا الله، والله أكبر، والولد الصالح يتوفى، يحتسبه والده».
أخرجه النسائي في ((اليوم والليلة)) من (سنته الكبرى)) عن عمرو بن عثمان
حمصي، وعيسى بن مساور البغدادي كلاهما عن الوليد بن مسلم عن عبد الله بن
◌ْخو التقي بن دقيق العيد.
* هنا وفي الصفحة الآتية بياض في الأصل.
٣٤
المقدمة
العلاء بن جابر كلاهما عن أبي سلام عن أبي سلمى، وهو راعي رسول الله ولاتهم
المدلف، واسمه حريث ورثته، فوقع لنا عاليًا فيما رويناه من طريق النسائي بدرجتين
عن طريقنا الثانية، ولله تعالى الحمد والمنة.
٣٥
مقدمة
وأقول: هذه ترجمة المؤلف علاء الدين مغلطاي رحمه الله من ((لحظ الألحاظ
جميع طبقات الحفاظ)» للحافظ تقي الدين محمد بن فهد ص(١٣٣ - ١٤٢)، وقد
◌ُّها كما هي لكون ابن فهد رحمه الله قد استفاض في الكلام عن المؤلف
رحمه الله، والحاشية لمحمد زاهد الكوثري، وهو مع كونه حنفيًّا متعصبًا منحرفا
عن أهل السنة، إلا أن كلامه في الذب عن مغلطاي رحمه الله وجیه جدًّا، فإن ما
فرده الطاعنون فيه لرميه بادعاء سماع لا يثبت له غير كاف لقبول هذا الطعن، فإنه
محبتي على الظن، والظن لا يغني من الحق شيئًا، ومن ثبتت إمامته في الدين لا تزول
لا بیقین.
وقد قام الأستاذ/ أحمد حاج عبد الرحمن محمد ببحث موسع، سماه: ((الحافظ
مقطاي بن قليج، وجهوده في علم الحديث)) - رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه
- إشراف فضيلة الأستاذ الدكتور/ محمد أحمد يوسف القاسم من كلية الدعوة
وأصول الدين - جامعة أم القرى.
قال فيه ص (١٨) في رد هذا الطعن: ابن البخاري، علي بن أحمد السعدي
تمعروف بالفخر ابن البخاري، توفي في يوم الأربعاء، ثاني شهر ربيع الآخر، سنة
تعين وستمائة، أي بعد ولادة مغلطاي، فقد جزمنا أنه ولد في أواخر سنة ٦٨٩،
وهو لم يدع السماع منه، بل يذكر أنه أجاز له، وقد جرت عادة بعض العلماء كتابة
جزات عامة، فلعله وقف على نوع من هذه الإجازات، وهي تشمله، أو أن أهله
حتّلوا له إجازة خاصة، علمًا بأن ابن البخاري من المعمرين الذين احتيج إلى
_ یاتهم.
قال ابن كثير: تفرد - يعني ابن البخاري - بروايات كثيرة لطول عمره، وخرجت
ـه مشيخات، وسمع منه الخلق الكثير والجم الغفير.
قال الأستاذ أحمد حاج: وقف مغلطاي على إجازة كتبها له جده من جهة أمه
صورتها: يقول أبو البركات محمد بن عامر بن حسين: ((إنني استجزت لابن ابنتي
٣٦
المقدمة
مغلطية - كذا كتبها بالهاء - فذكر جماعة منهم: ابن البخاري رحمه الله، والحافظان
الدمياطي وابن الظاهري وغيرهما))، وجد مغلطاي هذه الإجازة مكتوبة على ورق
بعد تهدم بيتهم بالحكر سنة ٧٣٦ - الإيصال - ١٦٩ .
أما استبعاد أن يكون سمع من ابن دقيق العيد، وقد توفي ٧٠٢(١)، وعمر مغلطاي
آنذاك ١٣ سنة، وهو بلديه، وقد شغف بالعلم قديمًا، فلا غرابة في سماعه منه، ولا
عبرة بخطئه في سنة السماع؛ لأنه في ذلك الوقت كان صغيرًا(٢)، والقول في
الدمياطي كالقول في ابن دقيق العيد، علمًا بأن الدمياطي توفي سنة ٧٠٥، وقطع
مغلطاي كل شك في هذا الموضع حيث ذكر أنه كان يحضر ميعاد الشيخين ابن دقيق
العيد والدمياطي بصحبة والده. اهـ.
وأما رميهم له بالانحلال، فلأجل كتابه («الواضح المبين في ذكر من مات من
المحبين))، وهو كتاب كتبه للترويح عن النفس حيث قال في مقدمته كما في البحث
المشار إليه: قصدت به إجمام خواطر الناظرين في تصانيفي، سيما كتاب ((الإعلام
بسنته عليه السلام)) (٣)، وترويح قلوبهم المتعبة بإجالة الفكر في استخراج ودائع
علمه وخباياه، والتنفيس عن أذهانهم المكدودة باستيضاح غوامضه وخفاياه. اهـ
فتسبب هذا الكتاب في محنته.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في ((الدرر الكامنة)) (٥/ ١٢٢): فلما كان في
سنة ٤٥ وقف له العلائي لما رحل إلى القاهرة بابنه شيخنا أبي الخير، ليسمعه على
شيوخ العصر، وهو بسوق الكتب على كتاب جمعه في العشق تعرض فيه لذكر
الصديقة، فأنكر عليه ذلك، ورفع أمره إلى الموفق الحنبلي، فاعتقله بعد أن غزره،
فانتصر له جنكلي بن البابا، وخلصه. أهـ.
(١) تصحفت في البحث إلى (٧٠٣).
(٢) ويضاف إلى ذلك أن مراجعة من راجعه كان بعد مدة طويلة؛ لأن العراقي الذي راجعه ولد سنة
٧٢٥ .
(٣) هذا مما يوثق نسبة كتاب ((الإعلام)» للمؤلف، ويبين مدى ما بذله فيه من الجهد.
٣٧
المقدمة
قال الأخ الأستاذ أحمد حاج ص(٧٠): بعد قراءتي للكتاب لم أر فيه ما يُسيء إلى
الصديقة عائشة رواية . اهـ.
ثم ذكر كلامًا لا أحب ذكره، ومع ذلك فهو لا يقوى على أن يكون سببًّا لوصفه
بالانحلال، وإنما هو استرسال مع الخيال كان الأولى في حق مثل هذا الإمام أن
يعرض عنه، ولكن قدر الله، وما شاء فعل.
قال الأستاذ أحمد ص (٧٣): فالذي حصل لمغلطاي كان بدافع الغيرة والتنافس،
كما صرَّح به غير واحد، كالصفدي وابن حجر حيث ذكروا أنهم قاموا عليه بسبب
توليه التدريس بالظاهرية بعد وفاة ابن سيد الناس.
وقد أبان السخاوي رحمه الله عن ذلك، فقال: وكما اتفق لمغلطاي مع جلالته،
ثم لابن دقماق مع وجاهته، فقد كان حسن الاعتقاد، غير فاحش اللسان، ولا
تقلم، وكذا لابن أبي حجلة مع كونه بخصوصه معذورًا، بل كلهم ممن تعصب
'ُعدو علیهم، ونصب حبائل الحسد إليهم(١).
قلت: فبان بما سبق سلامة هذا الإمام من الطعن الذي وجه نحوه، ولولا ذلك
ما زكاه الأئمة.
فقد قال الحافظ ابن كثير في («البداية والنهاية)) (١٤/ ٣٢٣): الشيخ الحافظ علاء
"لدين مغلطاي المصري، قد كتب الكثير، وصنف، وجمع، وكانت عنده كتب
كثيرة رحمه الله.
وقال عنه الصفدي: الشيخ الإمام الحافظ القدوة.
وقال عنه أيضًا: شيخ حديث، يعرف القديم والحديث، ويطول في معرفة.
لأسماء إلى السماء بفرع أثيث، وينتقي بمعرفته الطيب من الخبيث.
(١) (الإعلان بالتوبيح لمن ذم التاريخ)) ص (١٢٨).
٣٨
المقدمة
وقال أيضًا:
وما ضاع، بل قد أحرزته الدفاتر
أبا حافظًا قد ضاع عرف حديثه
وقال في رسالته إليه: وقد شجع المملوك نفسه، وأرسل الجواب في هذا الورق
الأحمر، لأمر يرجو فيه خيرًا، ولأن الحمرة دليل الخجل إذا نشرت بين يدي مولانا
الذي حمد البيان عند صباحه سُرى وسرًّا، ولأنها متى أوردت حديثًا بديعًا(١) قال
لها: حفظ مولانا ونقده لا يصح حديث جاء فيه ذكر الحميراء، ولمولانا علو الرأي
في الإتحاف بهذه الفوائد، والمحاسن التي لا تزال غصون رياضها للمتطفلين على
الأدب موائد.
وقال عنه ابن تغري بردي: الحافظ المتفنن، له عدة مصنفات، وكان له اطلاع
كبير، وباع واسع في الحديث وعلومه، وله مشاركة في فنون عديدة، تغمده الله
برحمته، ((النجوم الزاهرة)، (١١ / ٩).
وقال عنه أيضًا: قرأ بنفسه، فأكثر، ودأب، وحصَّل، وتفقه، وبرع في عدة
علوم، وصنف، وكتب بخطه الكثير، وكان يحفظ كتاب ((الفصيح)) الثعلب، و((كفاية
المتحفظ))، وكان له اتساع باع في اللغة، وفي الاطلاع على طرق الحديث.
وقال عنه السخاوي: أكثر المطالعة والكتابة والاجتهاد في الجمع والتأليف، وله
مآخذ على أهل اللغة وكثير من المحدثين، وامتحن على يد الموفق الحنبلي،
وانتصر له جنكلي بن البابا، ولينه العراقي وأتباعه(٢)، وعظمه البلقيني، وابن
الملقن، والأبناسي وآخرون، والحق أنه كثير الاطلاع، واسع الدائرة في الجمع،
ومن يكون كذلك لا ينكر ما يتفق له من الأوهام(٣).
(١) في البحث: حدیث بديع، ولم أجد له وجهًا.
(٢) ليتأمل القارئ أن الكلام فيه لما صدر من العراقي رحمه الله، اتبعه جماعته، فعبارة السخاوي
رحمه الله تشعر بأنهم - مع فضلهم - كانوا إلبًا عليه، والله أعلم.
(٣) ((الحافظ مغلطاي وجهوده في علم الحديث)) ص(٧٩ - ٨٠).
٣٩
المقدمة
ووصفه الحافظ ابن حجر بالحافظ.
وقال ابن العماد في «شذرات الذهب)) (٦/ ١٩٧): الحافظ علاء الدين مغلطاي
صاحب التصانيف، أكثر جدًّا من القراءة والسماع، وكتب الطباق.
ومع اتباع الحافظ ابن حجر رحمه الله لشيخه العراقي رحمه الله في الكلام في
محافظ الإمام مغلطاي إلا أن ذلك لم یحمله على إهماله، ولا على عدم تقدیرہ، بل
قد قال رحمه الله في ((مقدمة تهذيب التهذيب)) ص(٨) بعد ذكره «تذهيب التهذيب))
المحافظ الذهبي: وقد انتفعت في هذا الكتاب المختصر بالكتاب الذي جمعه الإمام
"علامة علاء الدين مغلطاي على ((تهذيب الكمال)) مع عدم تقليدي له في شيء مما
يثقله، وإنما استعنت به في العاجل، وكشفت الأصول التي عزى النقل إليها في
الآجل، فما وافق أثبته، وما باين أهملته، فلو لم يكن في هذا المختصر إلا الجمع
بين هذين الكتابين الكبيرين في حجم لطيف لكان معنى مقصودًا. اهـ.
فلو كان الكلام عن مغلطاي رحمه الله مسقطًا لعدالته رافعًا لأمانته عند الإمام
"حافظ ابن حجر رحمه الله، فهل يمكن مع ذلك أن يصفه بالإمام العلامة، وأن
يقدر كتابه وجمعه هذا التقدير؟ كلا.
وقال الحافظ ابن حجر أيضًا: هذه الفائدة لم يذكرها شيخنا ابن الملقن، ولا
شيخه مغلطاي، ولا شيخه القطب، ولا ذكرها ابن بطال، ولا ابن التين - وهما
جدر بأمور مالك، لكونهما على مذهبه - ولا الكرماني، ولا الزركشي، وهؤلاء
هم الذين يستمد من كلامهم من يتكلم على ((صحيح البخاري))، لوجود شروحهم
بين أيديهم، بخلاف كثير من الشارحين ممن بعد العهد بالوقوف على كتبهم (١).
وقال الحافظ أبو زرعة العراقي في كتابه «الإطراف بأوهام الأطراف)): وكنت جمعت
في ذلك أوراقًا عديدة من مدة مديدة، ثم وقفت على مصنف في ذلك للإمام علاء
تدين مغلطاي رحمه الله، فتتبعته فيما ذكر، وضممت إلى ما عندي ما طابق فيه
(١٠) (انتقاض الاعتراض)) (١/ ٦٨)، نقلًا من ((الحافظ مغلطاي وجهوده) ص (٣٧٧).