Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
- كتاب الأدب
باب الاستئذان في العورات الثلاث
[٥١٩١] (ثنا) أحمد بن عمرو (ابن السرح، قال: ثنا، ح، وثنا)
محمد (ابن الصباح [بن سفيان] (١)) الجرجرائي، وثقه أبو زرعة
وغيره(٢) (و) أحمد (ابن عبدة) الضبي، روى عنه البخاري ومسلم.
(وهذا حديثه: قالا: ثنا سفيان) بن عيينة (عن عبيد الله بن يزيد)
المكي، من الموالي.
(سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقول: لم يؤمر) بفتح الميم وسكون
الراء (بها) أي: بالعمل بمقتضاها من الاستئذان في العورات الثلاث كما
في الآية الآتية (أكثر الناس) يعني: أن المستورة بيوتهم - وهم أكثر
الناس- لم يؤمروا بهُذِه الآية، وإنما أمر بها الذين بيوتهم غير
مستورة، وهم أقل الناس من الصعاليك الذين لم يقدروا على الستور،
والله أعلم بالمراد (آية(٣) الإذن) يعني: الاستئذان، وهي قوله تعالى:
لِيَسْتَعْدِنِكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَنْكُمْ﴾(٤) وهذا يدل على أن الآية محكمة غير
منسوخة، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: (لا يؤمر بها أكثر الناس)
يعني: أن أكثر الناس يتهاونون بالعمل بها، فكأنهم لم يؤمروا بها.
(وإني لآمر جاريتي هذِه تستأذن عليَّ) في الأوقات الثلاث الآتية،
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من (م).
(٢) ((الجرح والتعديل)) ٢٨٩/٧ (١٥٧٠)، ((الثقات)) لابن حبان ١٠٣/٩، ((تهذيب
الكمال» ٣٨٧/٢٥ (٥٢٨٧).
(٣) ورد بهامش (ل): مبتدأ مؤخر، والجملة الفعلية قبله خبر مقدم.
(٤) النور: ٥٨.

٥٠٢
يحتمل أن يراد على القول الثاني: إني لم أتهاون بها بل أعمل بها، وآمر
جاريتي التي ملكتها أن تستأذن في العورات الثلاث.
(قال) المصنف(١) (وكذلك رواه عطاء، عن ابن عباس رضي الله
عنهما) ثم (يأمر) الله (به) أكثر الناس ممن بيوتهم مستورة، أو لم يأمر
الأسياد خدمهم أن يستأذنوا في هذِه الأوقات.
[٥١٩٢] (ثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (ثنا عبد العزيز بن محمد)
الدراوردي (عن عمرو بن أبي عمرو) مولى المطلب بن عبد الله بن
حنطب، احتج به الشيخان.
(عن عكرمة أن نفرًا من أهل العراق قالوا) لعبد الله (يا ابن عباس،
كيف ترى) في (هذه الآية التي أمرنا فيها بما أمرنا) وهو يشق علينا.
(ولا يعمل بها أحد) يحتمل أن المراد لا يعمل بها أكثر الناس كما
تقدم قبله، وهي (قول الله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لِيَسْتَعْدِنَكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ
أَتْمَنْكُرْ﴾) أمر الله بالعبيد إذا دخلوا بيوت ساداتهم أن يستأذنوا، وقيل:
للعبيد والإماء (﴿وَ﴾) الأطفال من الأحرار (﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الْحُلُمَ﴾ )
أي: لم يحتلموا بعد (﴿مِنكُمْ)) أي: من إخوانكم المؤمنين، وليس
من الأطفال الذين لم يظهروا على عورات النساء، وهم الذين لم
يبلغوا حد الشهوة ولا يطيقون أمر النساء ولا عرفوا العورة من غيرها
من الصغر، بل المراد هنا الذين عرفوا أمر النساء ولكن لم يبلغوا
الحلم بعد.
(١) زاد قبلها في (م): وكذا.

٥٠٣
= كتاب الأدب
(﴿ثَلَثَ مَرَّتٍ﴾) أي: في ثلاث أوقات في كل يوم وليلة (﴿مِّن قَبْلِ صَلَوَةٍ
الْفَجْرِ﴾) أي: يستأذنوا في الدخول قبل صلاة الصبح؛ لأنه وقت القيام من
المضاجع وطرح ما ينام فيه من الثياب، ولبس ثياب اليقظة (﴿وَحِينَ
تَضَعُونَ﴾)(١) عنكم (﴿ثِيَابَكُمْ مِّنَ﴾) حر (﴿الظّهِيَرَةِ﴾) وهو وقت القائلة
(﴿وَمِنْ بَعْدٍ صَلَوْةِ الْعِشَاءِ﴾) لأنه وقت التجرد من ثياب اليقظة
والالتحاف بثياب النوم.
فالناس في الاستئذان على ثلاثة أنواع: فمنهم من يدخل في هذِه
الثلاثة أوقات وفي غيرها بلا إذن، وهم الأطفال الذين لم يبلغوا حد
الشهوة ولا عرفوا العورة من غيرها، سواء كانوا من أولادهم أو أولاد
غيرهم. ومنهم من يستأذن في هذِه الثلاث دون غيرها، وهم: العبيد
والإماء الذين في ملكهم، والأطفال الذين لم يبلغوا الصبا بالاحتلام،
والبنت بالحيض أو الاحتلام، والاحتلام ليس بشرط، بل لو نزل
المني في اليقظة بجماع أو غيره كان في حكم الاحتلام، وعلى هذا
فذكر الاحتلام في الآية لكونه الغالب؛ فلا مفهوم للتقييد به (﴿ثَثُ
عَوْرَتٍ﴾) قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر بنصب الثلاثة، على أنه بدل
من قوله: ﴿ثَلَثَ مَّتٍ﴾، وقرأ الباقون بالرفع على أنه خبر مبتدأ
محذوف(٢)، أي: هذِهِ الأوقات. ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ، وسميت هذِهِ
الأوقات عورات؛ لأن الناس يختل سرهم ويقل تحفظهم ثيابهم فيها،
فربما دخلوا وعورة أحدهم مكشوفة في هذِه الأوقات، والعورة كل ما
(١) في (ل)، (م): تنزعون. بدل ﴿تَضَعُونَ﴾.
(٢) أنظر: ((السبعة في القراءات)) لابن مجاهد ص٤٥٩.

٥٠٤
يستحى من رؤيته إذا ظهر، وأصله الخلل، ومنه: أعور العين (
ولأمثالكم ممن يأتي بعدكم (﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيَّهِمْ﴾) أي: ليس على
الأسياد ولا على العبيد والإماء الذين في ملكهم دون من عداهم من
مماليك الأجانب، فإنهم يستأذنون في هذِه الأوقات وفي غيرها، ولا
على الأطفال من البنين والبنات الذين منهم ومن غيرهم من أولاد
الأجانب، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿اَلَِّيْنَ مَلَكَتْ أَيْمَنْكُمْ﴾(١) فغيره
يملك يمين الأسياد، ومن في معناهم من الآباء والأجداد، ولم يقيد
الأطفال في قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوْ اْحُلُمْ﴾ إذ لو قيده لقال: منكم.
(﴿جُنَاحَ﴾) أي: إثم وحرج (﴿بَعْدَهُنَّ﴾) أي: بعد هذِه الأوقات
الثلاثة في الدخول، وأنث (﴿بَعْدَهُنَّ﴾) لتأنيث العورات، فلا إثم في
الدخول عليهم في غير هذِه الأوقات الثلاث، وهما في الحقيقة
وقتان، وهما: وقت القيلولة، والثاني: من بعد صلاة العشاء إلى
وقت صلاة الفجر.
ومفهوم الظرف في قوله (﴿بَعْدَهُنَّ﴾) أن في هذِه الأوقات عليهم
الإثم إذا لم يستأذنوا.
والمراد بالإثم هنا على العبيد والإماء البالغين، فأما غير البالغين من
البنين والبنات والعبيد والإماء فلا إثم عليهم وليسوا مأمورين، إنما
الوجوب في أمرهم على الآباء والأجداد والجدات والأسياد.
(﴿لَوَّفُونَ﴾) أي: العبيد يطوفون (﴿عَلَيْكُمْ﴾) بالتردد في الدخول
(١) النور: ٥٨.

٥٠۵
== كتاب الأدب
والخروج لأشغالكم بغير إذن لهم، وهذا تعليل وعذر في إباحة الدخول
بغير إذن في غير الأوقات الثلاث (قرأ) عبد الله بن مسلمة (القعنبي) الآية
(إلى:) قوله تعالى (﴿عَلِيةٌ حَكِيمٌ﴾(١) قال ابن عباس رضي الله عنهما:
إن الله تعالى حليم) باللام دون الكاف، كذا الرواية الصحيحة باللام(٢).
(رحيم بالمؤمنين) في أحكامه، حلم عليهم ورحمهم، حيث شق
عليهم الدخول في هذِه الأوقات، فإن سبب نزول هذه الآية على ما
روي أن النبي وَ﴿ وجه غلاما من الأنصار يقال له: مدلج بن عمرو
إلى عمر بن الخطاب في شغل له في وقت الظهيرة ليدعوه، فدخل
بغير إذن وهو نائم قد أنكشف عنه ثوبه، فكره ذلك عمر وشق عليه،
وقال: لوددت أن الله تعالى نهى أبناءنا وإماءنا وخدمنا أن لا يدخلوا
علينا هذِه الساعات إلا بإذن. ثم انطلق معه إلى النبي وَّر، فوجده قد
أنزلت عليه هذِهِ الآية(٣). وهُذِه الآية إحدى موافقات عمر ظُه التي
نزلت بسببه.
(يحب الستر) وروي في الحديث: ((إن الله حيي ستير، يحب الحياء
والستر)) (٤) أي: من شأنه وإرادته يحب الستر والصون.
(١) النور: ٥٨.
(٢) في (ل، م): بلا لام. والمثبت الأنسب للسياق.
(٣) أنظر: ((أسباب نزول القرآن)) للواحدي ص٣٣٩.
(٤) سبق برقم (٤٠١٢، ٤٠١٣) ورواه أيضًا النسائي ١/ ٢٠٠، وأحمد ٢٢٤/٤ من
حديث يعلى بن أمية مرفوعًا.
وصححه النووي في ((خلاصة الأحكام)) ٢٠٤/١ (٥١٤)، والألباني في «إرواء
الغليل)) (٢٣٣٥).

٥٠٦
(وكان الناس ليس لبيوتهم ستور) تسترهم عن الرؤية (ولا حجال)
جمع حجلة بفتح الحاء والجيم، بيت كالقبة يستر بالثياب، ويكون له
أزرار كبار، وبواحده جاء الحديث: كان خاتم النبوة مثل زر
الحجلة(١). وهذا هو المسمى في زماننا بالبشخانة (٢)، ينام فيها الرجل
وامرأته، وهي جميعها من ثياب كتان أو حرير ونحوه، ولها باب يزرر
بأزرار كبار عند النوم (فربما دخل الخادم) عبدًا كان أو جارية (أو
الولد) الصغير ابنا كان أو بنتًا (أو يتيمة الرجل) أو المرأة التي تربى
عنده، كالولد (والرجل على أهله) في حالة جماع أو نحوه، فكرهوا ذلك.
(فأمرهم الله تعالى بالاستئذان في تلك العورات) الثلاث (فجاءهم الله)
أي: أمره وحكمه (بالستور) وبسط عليهم في الرزق (فلم أر أحدًا) من
الناس (يعمل بذلك بعد) نزول الآية وتهاونوا بها في العمل بها، وعن
الشعبي أنه قيل له: إن الناس لا يعملون بهذه الآية. فقال: الله
المستعان(٣).
(قال أبو داود: حديث عبيد(٤) الله وعطاء يفسد هذا الحديث) وعن
ابن عباس: ثلاث آيات(٥). ونقله القرطبي عن قتادة، عن يحيى بن
(١) رواه البخاري (١٩٠)، ومسلم (٢٣٤٥) من حديث السائب بن يزيد.
(٢) قال الشهاب الخفاجي: ويقال لها الناموسية، عامية معربة بشه خانه، أي: بيت
البعوض. ((شفاء الغليل فيما في كلام العرب من الدخيل)) ص٥٥.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٤٤/٤ (١٧٦٠٨).
(٤) في (ل)، (م): عبد، والمثبت من ((سنن أبي داود)).
(٥) رواه معمر في ((الجامع)) ٣٧٩/١٠ - ٣٨٠ (١٩٤١٩).

٥٠٧
- كتاب الأدب
-
يعمر: ثلاث آيات محكمات تركهن الناس: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
لِيَسْتَعْدِنِكُمْ﴾(١)، وقوله تعالى ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَ وَاَلْيَى
وَالْمَسَكِينُ فَأَرْزُقُوُهُم مِّنْهُ﴾ (٢)، وقوله تعالى ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَفْتَكُمْ مِّنْ
ذَّكَرٍ وَأُنثَى﴾(٣). ولقد صدق الله قائل هذا، فإن الاستئذان قد ترك من
الخدم والأجانب، لاسيما في النساء، فيكون الرجل مع امرأته فلا
يدري إلا والمرأة داخلة عليه في وقت القائلة وغيرها، وكذا حاضر
القسمة من الميراث لا يعطى في هذا الزمان، ولا يطعم شيئًا، ولا
يقال له بالمعروف، وكذا التفاخر في هذا الزمان بالآباء والأجداد
وكثرة الأموال والأعوان والاتساع في المال، ولم يجعل الله الإكرام
[إلا بالتقوى](٤).
(١) النور: ٥٨.
(٢) النساء: ٨.
(٣) الحجرات: ١٣، وانظر: ((الجامع لأحكام القرآن)) ٥٠/٥.
(٤) ما بين المعقوفتين ساقط من (م).

٥٠٨
١٤٣ - باب فِي إِفْشاءِ السَّلامِ
٥١٩٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبي شُعَيْبٍ، حَدَّثَنا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا الأَغَمَشُ، عَنْ أَبِي
صالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((والَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ لا تَدْخُلُوا
الجَنَّةُ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحابُوا أَفَلا أَدُلَّكُمْ عَلَى أَمْرٍ إِذا فَعَلْتُمُوهُ
تَحابَيْتُمْ أَقْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ)) (١).
٥١٩٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِیدٍ، حدثنا اللَّثُ، عَنْ تَزِيدَ بنِ أبي حَبِیبٍ، عَنْ أَبي
الَخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللهِ وَ أَى الإِسْلامِ خَيْرٌ؟ قَالَ:
((تُطْعِمُ الطَّعامَ وَتَقْرَأُ السَّلامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ))(٢).
باب في إفشاء السلام
[٥١٩٣] (حدثنا أحمد بن أبي شعيب) مسلم الحراني، أخرج له
البخاري بواسطة محمد بن يحيى في تفسير براءة(٣).
(ثنا زهير، ثنا الأعمش، عن أبي صالح) السمان (عن أبي هريرة، قال
رسول الله ◌َي: والذي نفسي بيده لا تدخلوا) هكذا الرواية بحذف النون،
وهي لغة صحيحة معروفة، واللغة الفصحى عند أهل العربية إثباتها؛ لأن
لفظة (لا) ليست للنهي، بل للنفي، فثبتت النون (٤).
(١) رواه مسلم (٥٤).
(٢) رواه البخاري (١٢).
(٣) ((صحيح البخاري)) (٤٦٧٧).
(٤) قال القاري في ((مرقاة المفاتيح)) ٧/ ٢٩٣٧: لعل الوجه أن النهي قد يراد به النفي
كعكسه المشهور عند أهل العلم.
وقال العظيم آبادي في ((عون المعبود)) ٢٤٧١/٩: وفي نسخة المنذري: ((لا

٥٠٩
- كتاب الأدب
(الجنة حتى تؤمنوا) والمراد بهذا الإيمان التصديق الشرعي المذكور
في حديث جبريل الثَّة، وإن لم يكن كامل الإيمان (ولا تؤمنوا (١) حتى
تحابوا) بضم الباء الموحدة المشددة، ومعناه لا يكمل إيمانكم ولا
يصلح حالكم في الإيمان إلا بالتحابب. وقال ابن الصلاح: معنى
الحديث: لا يكمل إيمانكم إلا بالتحابب، ولا تدخلوا الجنة عند
دخول أهلها إذا لم تكونوا كذلك(٢). قال النووي: وهذا الذي قاله
محتمل(٣).
(أفلا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا) بقطع الهمزة
المفتوحة (السلام بينكم) وبذله للمسلمين كلهم من عرفت ومن لم
تعرف، والمراد بإفشاء السلام: إظهاره وإشاعته، والسلام أول أسباب
التآلف ومفتاح استجلاب المودة، وفي إفشائه إظهار شعار الإسلام
المميز لهم من غيرهم من الملل، مع ما فيه من رياضة النفس ولزوم
التواضع، وإعظام حرمة المسلمين، وفيه: رفع التقاطع والتهاجر.
[٥١٩٤] (ثنا قتيبة(٤) بن سعيد) البلخي (ثنا الليث، عن يزيد بن أبي
حبيب، عن أبي الخير) مرثد بفتح الميم والثاء المثلثة، ابن عبد الله
اليزني، مفتي أهل مصر التابعي (عن عبد الله بن عمرو) بن العاص (أن
رجلاً سأل رسول الله وي ليه: أي الإسلام) قال أبو البقاء: تقديره: أي
تدخلون)» بإثبات النون، وكذلك في رواية مسلم.
(١) بعدها في (ل): يؤمنون، وعليها (خـ).
(٢) ((صيانة صحيح مسلم)) ص٢١٨.
(٣) ((شرح مسلم)) ٣٦/٢.
(٤) فوقها في (ل): (ع).

٥١٠
خصال الإسلام(١) (خير؟) أي: أفضل (قال: تطعم الطعام) قال البيهقي:
يحتمل إطعام المحاويج أو الضيافة أو هما جميعًا، وللضيافة في التحابب
والتأليف أثر عظيم (٢). انتهى. لكن إطعام المحاويج أفضل؛ لأنه به قوام
أبدانهم.
فإن قلت: كيف يصح أن يكون: (تطعم الطعام) جوابًا لقوله: (أي
الإسلام خير؟) ولا يستقيم أن يقال: أن تطعم خيرًا والخير أن تطعم؟
فالجواب: هو مثل قولهم: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه. فهو في
تقدير المصدر، والتقدير فيها: إطعام الطعام خير، وسماعك بالمعيدي
خير من رؤيته. وقرينه قوله من بعده ((على من عرفت ومن لم تعرف ))
على أن الإطعام يكون كذلك؛ فتطعم من عرفت ومن لم تعرف، كما
في إقراء السلام الذي قارنه ((على من عرفت ومن لم تعرف )).
(وتقرأ) بفتح أوله وثالثه (السلام) المشروع (على من عرفت ومن لم
تعرف) ولا تخص به من ترعى وده وله عليك فضل وتترك غيره تكبِّرا أو
تهاونًا، أو مصانعة وملقًا، بل تسلم على كل أحد مراعاة لإخوة الإسلام
وتعظيمًا لشعار الشريعة، ولا ينبغي أن تكون المعادة مانعة من السلام.
ولا تسلم على الكافر إجماعًا.
وقد جمع في هذا الحديث بين مكارم الأخلاق المالية والبدنية،
فالمالية إطعام الطعام، والبدنية إقراء السلام، وهما من نظام الشريعة.
(١) ((إعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث النبوي)) لأبي البقاء العكبري ص١٢٦.
(٢) ((شعب الإيمان)) ٤٧٨/٦.

-
كتاب الأدب
٥١١
١٤٤ - باب كَيْفَ السَّلامُ
٥١٩٥ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرِ، أَخْبَرَنا جَعْفَرُ بْنُ سُلَیْمانَ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي
رَجاءٍ، عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: جاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِي ◌ََّ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ.
فَرَدَّ الَُّ ثُمَّ جَلَسَ فَقالَ النَّبِي ◌ِّ: ((عَشْرٌ)). ثُمَّ جاءَ آخَرُ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ
وَرَحْمَةُ اللهِ. فَرَدَّ عَلَيْهِ فَجَلَسَ فَقالَ: ((عِشْرُونَ )). ثُمَّ جاءَ آخَرُ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ
وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ. فَرَدَّ عَلَيْهِ فَجَلَسَ فَقالَ: ((ثَلاثُونَ)) (١).
٥١٩٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُوَيْدِ الرَّمْلي، حَدَّثَنا ابن أَبي مَرْيَمَ قَالَ: أَظُنُّ أَنِي
سَمِعْتُ نافِعَ بْنَ يَزِيدَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو مَرْحُومٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعاذٍ بْنِ أَنَسٍٍ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنِ النَّبِي وََّ بِمَعْناهُ زادَ: ثُمَّ أَتَى آخَرُ فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ
وَمَغْفِرَتُهُ فَقالَ: ((أَرْبَعُونَ)). قالَ: ((هَكَذا تَكُونُ الفَضائِلُ))(٢).
باب كيف السلام
[٥١٩٥] (ثنا محمد (٣) بن كثير) العبدي البصري (ثنا جعفر بن
سليمان) الضبعي، أخرج له مسلم (عن عوف (٤)) بن أبي جميلة زيد(٥)
(١) رواه الترمذي (٢٦٨٩)، وأحمد ٤٣٦/٤، والبزار ٦٢/٩، والطبراني في
((الأوسط)) ١٠٨/٦. وصححه الألباني في ((صحيح الترغيب والترهيب)) (٢٧١٠).
(٢) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) ٢٤٥/١١.
قال الألباني: ضعيف الإسناد.
(٣) فوقها في (ل): (ع).
(٤) فوقها في (ل): (ع).
(٥) كذا في النسخ، وهو خطأ، والصواب: (رزينة) كما في ((تهذيب الكمال))
٤٣٧/٢٢-٤٣٨ (٤٥٤٥).

٥١٢
العبدي البصري (عن أبي رجاء(١)) عمران بن ملحان العطاردي.
(عن عمران بن حصين) بن عبيد الخزاعي، أسلم عام خيبر
(قال: جاء رجل إلى النبي ◌َّر، فقال: السلام عليكم. فرد عليه)
السلام (ثم جلس، فقال النبي ◌ََّ) هُذِه (عشر) وهذا أقل ما يحصل به
السلام المشروع كما يحصل بالتنكير، كقوله: سلام عليكم.
فلو كان المسلم عليه واحدًا فأقله: السلام عليك. والأفضل أن
يقول: السلام عليكم. إما لتعظيم المسلم عليه وإقامته مقام الجمع، أو
ليتأوله مع كاتبيه الحافظين وغيرهم من الملائكة.
(ثم جاء) رجل (آخر، فقال: السلام عليكم ورحمة الله. فرد عليه)
السلام (فجلس) عنده (فقال) النبي ◌َّ: هاتان (عشرون)(٢) حسنة.
(ثم جاء) رجل(٣) (آخر، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)
أي: السلام عليكم من الآفات ودوامها المستمر حاصل لكم، وتطلق
البركة على الزيادة، أي: وزيادة الرحمة لكم.
(فرد عليه، فجلس) فيه أن السنة لمن جاء إلى شخص أن لا يجلس
عنده حتى يسلم عليه ويرد عليه الجواب كما في الحديث.
(فقال: ثلاثون) قد يستدل بهذا من يقول أن كمال السلام ينتهي
بقوله: (وبركاته) كما يقول المسلمون كلهم في التشهد: السلام عليك
أيها النبي ورحمة الله وبركاته. إذ [لو] (٤) كان أفضل منه لزادوا:
(١) فوقها في (ل): (ع).
(٢) بعدها في (ل)، (م): رواية: عشرين.
(٣) ليست في (ل)، والمثبت من (م).
(٤) ليست في (ل)، (م)، والمثبت ما يقتضيه السياق.

٥١٣
- كتاب الأدب
ومغفرته ورضوانه. ويدل على هذا ما حكاه البغوي أن رجلًا سلم على
ابن عباس فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ثم زاد فقال ابن عباس: إن السلام قد انتهى إلى البركة (١) (٢).
قال: وسلم رجل على عبد الله بن عمر فقال: السلام عليكم ورحمة
الله وبركاته والغاديات الرائحات. فكره ذلك(٣)(٤)، يعني: الزيادة الآتية
في الرواية الآتية.
[٥١٩٦] (ثنا إسحاق بن) إبراهيم بن (سويد) أبو يعقوب (الرملي)
وثقه النسائي(6) (ثنا) سعيد بن الحكم (ابن أبي مريم) الجمحي (قال:
أظن أني سمعت نافع بن يزيد) بوزن الفعل من الزيادة، الكلاعي بفتح
الكاف واللام المخففة، المصري، يقال: إنه مولى شرحبيل بن
حسنة، أخرج له الشيخان في الصلاة وغيرها (٦).
(قال: أخبرني أبو مرحوم) عبد الرحيم بن ميمون المعافري نزيل
مصر، قال شيخنا ابن حجر: صدوق زاهد(٧).
(عن سهل بن معاذ بن أنس) الجهني، ذكره ابن حبان في ((الثقات))(٨)
(١) رواه مالك ٢ /٩٥٩.
(٢) ((شرح السنة)) ١٢/ ٢٥٧.
(٣) رواه مالك ٢/ ٩٦٢.
(٤) ((شرح السنة)) ١٢/ ٢٥٧.
(٥) أنظر: ((تهذيب الكمال)) ٣٦٦/٢ (٣٢٧).
(٦) ((صحيح البخاري)) (٨٥٠)، (١٢٤٣)، ((صحيح مسلم)) (١٩٠٦) (١٥٤).
(٧) ((تقريب التهذيب)) (٤٠٥٩).
(٨) ٤ / ٣٢١.

٥١٤
وروى له البخاري في ((الأدب))(١).
(عن أبيه) معاذ بن أنس الجهني، صحابي سكن مصر، لم يرو عنه
غير ابنه أنس.
(عن النبي (وَّر بمعناه) المذكور و(زاد: ثم أتى) رجل (آخر، فقال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته) فرد عليه وجلس (فقال)
النبي (أربعون) حسنة و(قال: هكذا تكون الفضائل) أي: تزيد بزيادة
الألفاظ، فكلما زاد اللفظ المشروع زادت فضيلته ونما أجره وثوابه
كما يكثر الثواب والأجر بزيادة الأعمال، ويكثر الثواب بزيادة المال
في الصدقة وغيرها، إلا ما أستثني من قوله: (( سبق درهم مائة ألف
درهم)) فقال رجل: كيف ذاك يا رسول الله؟ قال: ((رجل له مال
كثير، أخذ من عرضه مائة ألف درهم تصدق بها، ورجل ليس له إلا
درهمان، فأخذ أحدهما، فتصدق به)). رواه النسائي(٢)، وكذا ما في
معناه.
(١) ((الأدب المفرد)» ص ٢٢.
(٢) ((المجتبى)) ٥٩/٥، ((السنن الكبرى)) ٤٨/٣ (٢٣١٩).
ورواه أيضًا البيهقي في ((السنن الكبرى)) ١٨١/٤ من طريق ابن عجلان عن زيد بن
أسلم عن أبي هريرة، مرفوعًا به.
وصححه ابن خزيمة ٩٩/٤ (٢٤٤٣)، وابن حبان ١٣٥/٨ (٣٣٤٧)، والحاكم في
((المستدرك)) ٤١٥/١، وحسنه الألباني في ((صحيح الترغيب)) (٨٨٣).
ورواه أيضًا النسائي في ((المجتبى)) ٥٩/٥، وفي ((السنن الكبرى)) ٤٧/٣
(٢٣١٨)، وأحمد ٣٧٩/٢ من طريق ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد المقبري
والقعقاع بن حكيم عن أبي هريرة.

٥١٥
= كتاب الأدب
وعلى هذا الحديث رواية المصنف: لو قال: السلام عليكم ورحمة
الله وبركاته ومغفرته ورضوانه كان له خمسون حسنة، بخلاف ما إذا زاد
[ما](١) لا يوافق الشريعة، كما تقدم في زيادة: الغاديات الرائحات،
ونحوه.
(١) ليست في (ل)، (م)، والسياق يقتضيها.

٥١٦
١٤٥ - باب فِي فَضْلٍ مَنْ بَدَأَ بِالسَّلامِ
٥١٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَخْيَى بْنِ فارِسِ الذُّهْلِي، حَدَّثَنَا أَبُو عاصِمِ، عَنْ أَبِي
خالِدٍ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ الِحِمْصي، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ وَلَ: ((إِنَّ
أَوْلَى النّاسِ بِاللهِ مَنْ بَدَأَّهُمْ بِالسَّلامِ)) (١).
باب في فضل من بدأ بالسلام
[٥١٩٧] (حدثنا محمد بن يحيى [بن فارس](٢) الذهلي) بضم الذال
المعجمة، نسبة إلى قبيلة معروفة، وهو ذهل بن ثعلبة، وهو شيخ البخاري
(ثنا أبو (٣) عاصم) الضحاك بن مخلد النبيل (عن أبي خالد وهب) بن خالد
الحمصي، ثقة (عن أبي سفيان) محمد بن زياد الألهاني (الحمصي) أخرج
له البخاري في المزارعة(٤) (عن أبي أمامة) صدي بن عجلان الباهلي
السهمي، آخر الصحابة موتًا بالشام.
(قال رسول الله وَله: إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام) ورواه
الترمذي عن أبي أمامة أيضًا بلفظ: قيل: يا رسول الله، الرجلان
يلتقيان أيهما يبدأ بالسلام؟ قال: ((أولاهما بالله))(٥). ومعنى الروايتين
(١) رواه الترمذي (٢٦٩٤)، وأحمد ٢٥٤/٥.
وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (٣٣٨٢).
(٢) زيادة من ((السنن)).
(٣) فوقها في (ل): (ع).
(٤) ((صحيح البخاري)) (٢٣٢١).
(٥) (سنن الترمذي)) (٢٦٩٤).

٥١٧
= كتاب الأدب
أن أقرب الناس من الله تعالى بالطاعة من بدأ أخاه بالسلام عند ملاقاته،
لأنه السابق إلى ذكر الله ومذكره، كما روى البيهقي في ((الشعب)): عن
ابن مسعود نظّ يرفعه إلى النبي وَل﴾، قال: ((إذا مر الرجل بالقوم
فسلم عليهم فردوا عليه كان له عليهم فضل، لأنه ذكرهم السلام، وإن
لم يردوا عليه ردّ عليه ملأ خير منهم وأطيب)) (١).
قال القرطبي: الأولى بمبادرة السلام ذوو المراتب الدينية كأهل
العلم والفضل؛ احترامًا لهم وتوقيرًا، بخلاف ذوي المراتب الدنيوية(٢).
(١) ((شعب الإيمان)) ٤٣٢/٦، ٤٣٣ (٨٧٨٢، ٨٧٨٣) وقد ضعفه البيهقي.
ورواه أيضًا (٨٧٧٩) موقوفًا على ابن مسعود.
قال الحافظ العراقي في ((المغني)) ٥٠٦/١-٥٠٧ (١٩٤٦): سنده صحيح.
(٢) ((المفهم)) ٤٨٣/٥.

٥١٨
١٤٦ - باب مَنْ أَوْلَى بِالسَّلامِ
٥١٩٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمّامِ بْنِ
مُنَبِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَالَ: ((يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الكَبِيرِ والمارُّ
عَلَى القاعِدِ والقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ ))(١).
٥١٩٩ - حَدَّثَنا يَخْيَى بْنُ حَبِيبٍ بْنِ عَرَبي، أَخْبَرَنا رَوْخُ، حَدَّثَنا ابن جُرَئِجِ،
قالَ: أَخْبَرَنا زِيادٌ أَنَّ ثابتًا مَؤْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ:
قالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((يُسَلِّمُ الرّاكِبُ عَلَى الماشَي)). ثُمَّ ذَكَرَ الَحَدِيثَ(٢).
باب من أولى بالسلام
[٥١٩٨] (حدثنا أحمد بن حنبل، ثنا عبد الرزاق، أبنا معمر، عن
همام بن منبه، عن أبي هريرة: قال رسول الله ير: يسلم الصغير على
الكبير) هذا من زيادة البخاري على مسلم (٣)، فيحتمل أن يراد الصغير
السن على الرجل الكامل (٤)، ويحتمل أن يراد به الصغير المرتبة على
الجليل القدر والمرتبة، ويحتمل أن يرادا معا، لأن اللفظ شامل لهما،
وإن كان صغير السن أظهر، والحكمة فيه أن الصغير ينبغي أن يتواضع
مع الكبير ویوقره.
(و) يسلم (المار) بالطريق (على القاعد) وفي رواية الصحيحين:
(١) رواه البخاري (٦٢٣١)، والترمذي (٢٧٠٣).
(٢) رواه البخاري (٦٢٣٣)، ومسلم (٢١٦٠).
(٣) ((صحيح البخاري)) (٦٢٣١).
(٤) في (م): الكبير.

٥١٩
- كتاب الأدب
((الماشي على القاعد)) (١) وهو بمعناه، لأن الداخل على القوم ينبغي
مبادرته بالسلام استعجالًا لإعلامهم بالسلام ولأمانهم من شره بدعائه
لهم بالسلامة. (و) يسلم الجمع (القليل على الكثير) لشرف كثرة
الجماعة من المسلمين على القليل منهم، فإن قلت: فالمناسب أن
يسلم الكبير على الصغير، والجمع الكثير على القليل؛ لأن الغالب أن
الصغير يخاف من الكبير، والقليل من الكثير؟
والجواب: حيث كان الغالب في المسلمين أمن بعضهم من بعض
لوحظ جانب التواضع الذي هو لازم السلام ومن حقوق أهل
الإسلام، وحيث لم يظهر رجحان أحد في السلام.
فإن قلت: إذا كان المشاة كثيرًا أو القاعدون قليلًا فباعتبار المشي
السلام على الماشي، وباعتبار القلة السلام على القاعد، فهما
متعارضان، فما حكم ذلك؟
فالجواب: لما تعارض المعنيان تساقطا، وصار الحكم كرجلين
التقيا معًا، فخيرهما الذي يبدأ بالسلام، أو ترجح ظاهر أمر الماشي،
وكذلك الراكب، فإنه يوجب الأمان.
[٥١٩٩] (ثنا يحيى(٢) بن حبيب بن عربي) شيخ مسلم.
(ثنا روح، ثنا) عبد الملك (ابن جريج(٣)، أخبرني زياد(٤)) بن سعيد
(١) ((صحيح البخاري)) (٦٢٣٣)، ((صحيح مسلم)) (٢١٦٠).
(٢)
فوقها في (ل): (د).
(٣) في (ل)، (م): جرير، وهو خطأ، انظر: ((تهذيب الكمال)) ٣٣٨/١٨.
(٤) فوقها في (ل): (ع).

٥٢٠
الخراساني (أن ثابتًا) بن عياض (مولى عبد الرحمن) بن زيد بن الخطاب،
أخرج له الشيخان.
(أخبره أنه سمع أبا هريرة نظُه يقول: قال رسول الله وَطل: يسلم
الراكب على الماشي) لعلو مرتبته، ولأن ذلك أبعد له من الزهو
والعجب، ولأن الماشي يخاف من الراكب، لا سيما إن كان معه
سلاح (ثم ذكر الحديث) المذكور، وهذا حكم الاختلاف، فإن
تساوت أحوالهم فخيرهم الذي يبدأ صاحبه بالسلام، كالماشي مع
الماشي والراكب على الراكب.
وحال الاختلاف المذكور هو المستحب، فلو عكسوا وسلم الماشي
على الراكب والكثير على القليل جاز؛ وكان خلاف الأفضل والأولى.