Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ = كتاب السنة ٤٦٢٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، قالَ: سَمِعْتُ أَيُّوبَ يَقُولُ: كَذَبَ عَلَى الَحَسَنِ ضَرْبانٍ مِنَ النّاسِ قَوْمُ القَدَرُ رَأْتُهُمْ وَهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُنَفِّقُوا بِذَلِكَ رَأْيَهُمْ، وَقَوْمٌ لَهُ فِي قُلُوبِهِمْ شَنَانٌ وَيُغْضٌ يَقُولُونَ: أَلَيْسَ مِنْ قَوْلِهِ كَذَا أَلَيْسَ مِنْ قَوْلِهِ كَذا(١). ٤٦٢٣ - حَدَّثَنا ابن المُثَنَّى أَنَّ يَخْيَى بْنَ كَثِيرِ العَنْبَرِي حَدَّثَهُمْ قالَ: كَانَ قُرَّةُ بْنُ خالِدٍ يَقُولُ لَنا: يا فِتْيانُ لا تُغْلَبُوا عَلَى الَحَسَنِ فَإِنَّهُ كَانَ رَأْيُهُ الشُّنَّةَ وَالصَّوابَ(٢). ٤٦٢٤ - حَدَّثَنا ابن المُثَنَّى وابنُ بَشّارٍ قالا: حَدَّثَنا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَّدُ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ ابن عَوْنٍ قالَ: لَوْ عَلِمْنا أَنَّ كَلِمَةَ الَحَسَنِ تَبْلُغُ ما بَلَغَتْ لَكَتَبْنا بِرُجُوعِهِ كِتَابًا وَأَشْهَدْنا عَلَيْهِ شُهُودًا وَلَكِنّا قُلْنَا كَلِمَةٌ خَرَجَتْ لا تُحْمَلُ(٣). ٤٦٢٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قالَ: حَدَّثَنَا حَمّدُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ قالَ: قالَ لي الَحَسَنُ: ما أَنَا بِعَائِدٍ إِلَى شَيءٍ مِنْهُ أَبَدًا (٤). ٤٦٢٦ - حَدَّثَنَا هِلالُ بنُ بِشْرٍ، قالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُثْمانَ، عَنْ عُثْمانَ البَتّي قالَ: مَا فَشَرَ الَحَسَنُ آيَةً قَطُّ إِلاَّ عَلَى الإِثْباتِ (٥). باب في لزوم السنة [٤٦٠٤] (ثنا عبد الوهاب بن نجدة) الحوطي، وثقه يعقوب بن (١) رواه ابن بطة في ((الإبانة الكبرى)) ١٨٥/٤، واللالكائي في ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) ٧٥٤/٤. وقال الألباني: صحيح لغيره. (٢) رواه ابن بطة في ((الإبانة الكبرى)) ١٨٣/٤. وصححه الألباني. (٣) رواه ابن بطة في ((الإبانة الكبرى)) ١٨٨/٤. وصححه الألباني. (٤) رواه ابن بطة في ((الإبانة الكبرى)) ١٨٨/٤. وصححه الألباني. (٥) رواه ابن بطة في ((الإبانة الكبرى)) ٤/ ١٨٧. وصححه الألباني. ١٠٢ شيبة(١) (ثنا أبو عمرو) عثمان بن سعيد (بن كثير بن دينار) القرشي، مولاهم الحمصي، ثقة عابد (عن حريز) بفتح الحاء المهملة (ابن عثمان) الرحبي، ورحبة بطن من حمير، الحمصي، أخرج له البخاري في ذكر بني إسرائيل(٢) (عن عبد الرحمن بن أبي عوف) أحد العشرة(٣) (عن أبي المقدام(٤) بن معدي كرب) غير منصرف. (عن رسول الله وَي أنه قال: ألا) بتحفيف اللام حرف تنبيه (إني أوتيت الكتاب) يعني: القرآن كما في رواية(٥) (ومثله) بالنصب (معه) أي: أحكام ومواعظ وأمثال تماثل القرآن في كونها واجبة القبول وفي المقدار، قال البغوي في ((شرح السنة)): أراد ◌َّ أنه أوتي من الوحي غير المتلو والسنن التي لم ينطق القرآن بنصها، مثل ما أوتي من المتلو، قال الله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ﴾(٦) فالكتاب هو القرآن، والحكمة هي السنة، وأوتي مثله من البيان، فإن بيان الكتاب إلى الرسول وَلّه، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾(٧) انتهى (٨). (١) انظر: ((تهذيب الكمال)) ٥١٩/١٨ (٣٦٠٧). (٢) ((صحيح البخاري)) (٣٥٤٦) كتاب المناقب، باب صفة النبي ◌َّ. (٣) عبد الرحمن بن أبي عوف الجرشي، وليس كما توهم المصنف أنه الصحابي الجليل المبشر بالجنة، قال الحافظ في ((التقريب)) (٣٩٧٤): ثقة من الثانية، يُقال أدرك النبي گل﴾. (٤) الصواب: المقدام، وليس: أبي المقدام. (٥) رواها أحمد ٤/ ١٣٠. (٦) البقرة: ١٢٩. (٧) النحل: ٤٤. (٨) ((شرح السنة)) ٢٠٢/١. ١٠٣ = كتاب السنة وقوله: ((أوتيت)) يحتمل أن يكون أوتي ليلة المعراج، أو أوتي بالإلهام أو في المنام، أو نفث جبريل في روعه (ألا) بالتخفيف (يوشك) بكسر الشين (رجل شبعان) غير منصرف للوصف وزيادة الألف والنون، وفيه ذم الشبع لما ينشأ عليه من البطر والبلادة، ومن كثرة الأكل، والشبع يكنى به عن ذلك (على أريكته) متعلق بمحذوف صفة أو حال تقديره متكئ أو متكئا، أي: متكئ عليها؛ لرواية ابن ماجه: ((يوشك الرجل متكئًا على أريكته يحدث بحديث من حديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدناه من حلال استحللناه، وما وجدناه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله بَّ مثل ما حرم الله)) (١)، والأريكة السرير في الحجلة من دونه ستر، ولا يسمى منفردًا أريكة، وقيل: هو ما أتكئ عليه من سرير أو فراش أو منصة(٢). (يقول) ليس فيه شاهد على حذف (أن) من خبر (أوشك) فإنه نادر كما في خبر عسى (عليكم بهذا القرآن) أي: الزموه وتمسكوا به دون غيره (فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه) أي: ما وجدتم في القرآن من حلال فاعتقدوا حله وما وجدتم فيه من حرام فاعتقدوا تحريمه دون غيره، وقد تعلق بهذا الحديث الخوارج والروافض، وأخذوا بظاهر القرآن وتركوا السنن التي تضمنت بيان القرآن، وقالوا: ليست هذِه في كتاب الله، فتجبروا على الله وضلوا عن السبيل، كيف وقد قال تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا (١) ((سنن ابن ماجه)) (١٢). (٢) أنظر: ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٤٠/١. ١٠٤ نَهَنَكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُواْ﴾ (١)، وقد جاء في هذا الحديث بعد قوله: ((فحرموه)): ((ألا وإن ما حرم رسول الله وَّةٍ مثل ما حرم الله)) كما تقدم عن رواية ابن ماجه (ألا لا يحل لكم) أكل (لحم الحمار الأهلي) هذا مما حرم بالسنة دون الكتاب، ولهذا فصله عما قبله بقوله: ((ألا لا يحل)) قال ابن عبد البر: لا خلاف بين علماء المسلمين في تحريم الحمر الأهلية، وعن ابن عباس وعائشة أنهما كانا يقولان بظاهر قوله تعالى: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِيِ مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمَا عَلَى طَاِمٍ يَطْعَمُهُ﴾(٢)، وتلاها ابن عباس وقال: ما خلا هذا فهو حرام(٣). (ولا كل ذي ناب من السبع) أي: السباع التي تعدو بنابها فتضرب به وتفترس فتكسر الآدمي وغيره، وأكثر العلماء على تحريمه إلا الضبع(٤). وقال الشعبي وسعيد بن جبير وبعض أصحاب مالك: هو مباح لظاهر الآية، لكن حديث أبي ثعلبة الخشني المتفق عليه: نهى النبي وَّ عن كل ذي ناب من السباع(٥). فخص عموم الآية، فيدخل فيه الأسد والنمر والفهد والذئب والقرد والنمس (ولا) تحل (لقطة معاهد) بفتح الهاء الذي بينه وبين المسلمين (٢) الأنعام: ١٤٥. (١) الحشر: ٧. (٣) ((التمهيد)) ١٢٣/١٠. (٤) لما رواه أبو داود (٣٨٠١)، والترمذي (٨٥١)، والنسائي ١٩١/٥، وابن ماجه (٣٢٣٦)، أن عبد الرحمن بن أبي عمار قال: سألت جابر بن عبد الله عن الضبع أصيد هو؟ قال: نعم، قلت: آكلها. قال: نعم. قلت: أشيء سمعتَ من رسول الله ﴾؟ قال: نعم. (٥) البخاري (٥٥٢٧)، مسلم (١٩٣٦). ١٠۵ - كتاب السنة عهد (إلا أن يستغني) أي: إلا أن يتركها صاحبها ويبرئ ذمة ملتقطها. والمراد أن المعاهد لا يحل ما ضاع منه لملتقطه إلا بعد تعريفه سنة (عنها صاحبها) أي: يتركها لمالكها، فهو كقوله تعالى: ﴿فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّأَ وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾ (١)، أي: تركهم الله تعالى، والمراد أن المعاهد كالمسلم لا تحل لقطته إلا أن يتركها صاحبها، وذكر المعاهد لئلا يتواهن في لقطته كما قال ◌َ: ((من ظلم ذميًّا)) (٢) (ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه) بفتح الياء، تقول: قريت الضيف قرَّى. مثل قليته قلَى. قيل: كان هذا في أول الإسلام، كان النبي ◌َّ يبعث الجيوش إلى الغزو فيمرون بأحياء العرب، وليس هناك سوق يشترون منه الطعام ولا زاد معهم، فأوجب ضيافتهم؛ لئلا ينقطع الغزو، فلما قوي الإسلام وانتشر أمره نسخ الوجوب. وقيل: هذا في حق المضطر فإطعامه بقدر سد الرمق واجب، فعلى هذا لا يكون منسوخًا. (فإن لم يقروه) بفتح الياء (فله أن يعقبهم) بضم أوله (بمثل قراه) أي: للضيف أن يأخذ منهم قدر قراه عوضًا عن ذلك حين حرموه، وهذا في المضطر الذي لا يجد طعامًا ويخاف على نفسه التلف، يقال: عقبهم مشددًا ومخففًا، وأعقبهم إذا أخذ بدلًا عما فاته، وقد تقدم في الزكاة والأطعمة. [٤٦١١](٣) (ثنا يزيد بن عبد الله بن موهب) بفتح الميم والهاء (١) التغابن: ٦. (٢) أنظر ما سلف (٣٠٥٢). (٣) هكذا تقدم شرح هذا الحديث وبعده شرح حديث (٤٦٠٥). ١٠٦ (الهمداني) بسكون الميم، الرملي، الثقة الزاهد، وهو يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله (ثنا الليث عن عقيل (١)) بضم العين المهملة، مصغر، [وهو ابن](٢) خالد الأيلي (عن) محمد (ابن شهاب) الزهري. (أن أبا إدريس الخولاني) بفتح الخاء المعجمة، نسبة إلى خولان قبيلة نزلت الشام، وهو خولان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، واسمه (عائذ الله) بالذال المعجمة ابن عبد الله، ولد عام حنين، وهو من كبار التابعين. (أن يزيد بن عميرة) بفتح العين المهملة وكسر الميم، الحمصي الزبيدي أو الكندي، ثقة من كبار التابعين نزل الكوفة (وكان من) كبار (أصحاب معاذ بن جبل ظُئه) قال ابن عبد البر: سماع أبي إدريس من معاذ عندنا صحيح(٣). (أخبره، قال: كان) أبو إدريس الخولاني (لا يجلس مجلسًا [للذكر](٤) حين يجلس) له (إلا قال) قبل أن يتكلم (الله حكم) والحكم هو الحاكم الذي سلم له الحكم كله ورد إليه (قسط) بكسر القاف، كذا الرواية هنا، والمشهور في غيره المقسط، ومعناه: العادل في حكمه. (هلك المرتابون) من الارتياب، وهو الشك. أي: هلك من أرتاب في شيء مما جاء عن الله على لسان رسوله، والظاهر أنه خبر في معنى الدعاء، والمراد: اللهم أهلكهم، كقوله تعالى: ﴿قَنَّلَهُمُ (١) فوقها في (ل): (ع). (٢) ساقطة من (م). (٣) من ((السنن)). (٤) ((الاستيعاب)) ٤/ ١٥٧. ١٠٧ كتاب السنة - اللَّهُ﴾ (١) وغفر الله لفلان. (فقال معاذ بن جبل رضيُبه يومًا) من الأيام (إن من ورائكم) أي: أمامكم وقدامكم، كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَآءَ هُم مَّلِكٌ﴾ (٢) (فتنا) كثيرة (يكثر فيها المال) حتى لا يجد من يقبله حتى يعطى الفقير المال الكثير فيقول: لا حاجة لي به [لو جئتني](٣) بالأمس قبلته (ويفتح) بضم التحتانية أوله وفتح ثالثه، أي: يسهل الله (فيها) حفظ (القرآن) وييسره على من قرأه بعد أن كان صعبًا(٤)، ويخفف على من كان يتتعتع فيه مع أن الله يسره للحفظ في أول الإسلام، ولولا ذلك ما طاق العباد أن يتكلموا بكلام الله العظيم، وهذا بخلاف كتب أهل الأديان نحو التوراة والإنجيل، فإنهم إنما يتلونه نظرًا، ولا يكادون يحفظون كتبهم من أولها إلى آخرها كما يحفظ القرآن، ومن ورود الفتح بمعنى التسهيل حديث: ((أوتيت مفاتيح خزائن الأرض))(٥) فالمراد به ما سهل الله للنبي وَلچ ولأمته من أفتتاح البلاد الذي كان ممتنعًا (حتى يأخذه) أي: يحفظه (المؤمن والمنافق) فلا يختص حفظه بالمتقي الطائع (والرجل والمرأة، والصغير والكبير، والحر والعبد) هُذا علم من أعلام النبوة إذ أخبر بما وقع بعده، ولقد شوهد قديمًا وحديثًا حفظ النساء القرآن، وكذا حفظ الصغار القرآن جميعه مع عدة من كتب غيره، يعرضها عن ظهر قلب يجري في حفظها جري الجواد. (١) التوبة: ٣٠. (٢) الكهف: ٧٩. (٣) ، (٤) مكانها بياض في (م). (٥) رواه البخاري (٢٩٧٧)، ومسلم (٥٢٣) من حديث أبي هريرة. ١٠٨ (فيوشك) أي: يشرع (قائل) من حفاظ القرآن (أن يقول: ما للناس لا يتبعوني) فيما أقول ويعظموني (وقد قرأت القرآن) كله عن ظهر قلب، وقرأت كذا وكذا من كتب الشريعة. قال أبو بكر محمد الطرسوسي في كتاب ((البدع)): مما ابتدعه الناس في القرآن الاقتصار على حفظ حروفه دون التفقه فيه. روى مالك في ((الموطأ)» أن عبد الله بن عمر مكث في سورة البقرة ثمان سنين يتعلمها(١). لأنه كان يتعلم فرائضها وأحكامها، وحلالها وحرامها، ووعدها ووعيدها، وناسخها ومنسوخها، وغير ذلك من أحكامها. وعن مالك في ((العتبية)) قال: كتب إلى عمر بن الخطاب من العراق يخبرونه أن رجالًا جمعوا كتاب الله، فكتب عمر أن أفرض لهم في الديوان، قال: وكثر من يطلب القرآن، فكتب إليه من قابل إنه قد جمع القرآن سبعمائة رجل، فقال: إني لأخشى أن يشرعوا في القرآن قبل أن يتفقهوا في الدين، فكان لا يعطيهم شيئًا. قال مالك: معناه: مخافة أن يتأولوه غير تأويله. وهذا هو حال المقرئين في هذِه الأعصر، فإنك تجد أحدهم يروي القرآن بمائة رواية وينفق حروفه تنفيق القدح، وهو أجهل الجاهلين بأحكامه، فلو سألته عن حقيقة النية في الوضوء ومحلها وتفريقها على أعضاء الوضوء لم تجد جوابًا، وهو يتلو عمره: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ (٢) بل لو سألته: ما أمر الله على الوجوب أو (١) ((الموطأ)) ٢٠٥/١. (٢) المائدة: ٦. ١٠٩ = كتاب السنة الندب(١) أو الاستحباب، أم الإباحة؟ لم تجد جوابًا. وسئل مالك عن صبي ابن سبع سنين جمع القرآن، فقال: ما أرى ما هُذا ينبغي لظاهر هذا الحديث. ووجه إنكاره ما تقرر في الصحابة من كراهة الشرع حفظ القرآن دون التفقه فيه، ومن ذلك حديث مالك عن ابن مسعود: إنكم في زمن كثير فقهاؤه، قليل قراؤه، تحفظ فيه حدود القرآن وتضيع حروفه، قليل من يسأل، كثير من يعطي(٢). وقال الحسن: إن هذا القرآن قد قرأه عبيد وصبيان(٣). يعني: ونساء لا علم عندهم بتأويله، قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَذَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾(٤)، وما تدبر آياته إلا أتباعه، أما والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: والله لقد قرأت القرآن كله، ما أسقطت منه حرفًا. وقد والله أسقطه كله؛ ما رئي القرآن له في خلق ولا عمل، فمتى كان القراء يقولون مثل هذا، فلا كثرهم الله. قال الحسن: لقد قرأ القرآن ثلاثة نفر: فرجل قرأ القرآن فأعده بضاعة يطلب بها ما عند الناس، وقوم قرؤوا القرآن فنفقوه كما ينفق القدح، وأقاموا حروفه وضيعوا حدوده، واستدروا به ما عند الولاة، واستطالوا به على أهل بلادهم، وما أكثر هذا في حملة القرآن، لا (١) مكانها بياض في (م). (٢) ((الموطأ)» ١٧٣/١. قال الألباني في ((الصحيحة)) ٧/ ٥٧٥: صحيح معضل. (٣) رواه سعيد بن منصور في ((التفسير)) ٤٢٢/٢ (١٣٥)، ومن طريقه البيهقي في (الشعب)) ٢٠٩/٤ (٢٤٠٨). (٤) ص: ٢٩. ١١٠ كثرهم الله! ورجل قرأ القرآن فجعله على داء قلبه، فهملت عيناه، وسهر ليله وتسربل الحزن، وارتدى الخشوع، فبهم يسقي الله الغيث ويدفع البلاء، وهذا في الناس أقل من الكبريت الأحمر(١). فمن حفظ القرآن ولم يفهمه ولا عمل بما فيه كان كما قال الشاعر : زَوَامِلُ للأَشْعارِ لا عِلْمَ عِنْدَهُمُ بِأحكامِها إِلاَّ كعِلْمِ الأَباعِرِ لَعَمْرُكَ ما يَدْرِي البَعِيرُ إِذا غَدَا بأَسْفَارِهِ أو رَاحَ ما في الغَرائِرِ (ما هم بمتبعيّ) بتشديد ياء النسب آخره (حتى أبتدع لهم غيره) وقد كثرت البدع وفشت في الخلق حتى لا مطمع لأحد في حصرها؛ لأنها خطأ وباطل، والخطأ لا تنحصر سبله، وإنما الذي تنحصر مداركه وتنضبط مآخذه، وهو الحق؛ لأنه أمر واحد. (وإياكم وما ابتدع) مبني للمفعول، فيه تحذير من البدع المضلة كما سيأتي (فإن) كل (ما ابتدع ضلالة) وأصل البدعة من الاختراع، وهو الشيء يحدث من غير أصل سبق، ولا مثال أحتذي، ولا ألف مثله، ومنه قولهم: أبدع الله الخلق. أي خلقهم على غير مثال سبق، ومنه: ﴿بديع السموات والأرض﴾(٢). ونظير هذا ما رواه المصنف وغيره: (( إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة))(٣) فالمراد بهذِه (١) رواه بنحوه البيهقي في ((شعب الإيمان)) ٥٣١/٢ (٢٦٢١). (٢) البقرة: ١١٧. (٣) سلف قريبًا برقم (٤٦٠٧). ١١١ = كتاب السنة البدعة ما خالف الشريعة ولم يوافق السنة، فإنه في حيز الذم والإنكار، وما كان واقعًا تحت عموم ما ندب الله إليه وحث عليه أو رسوله فهو في حيز المدح، لقوله القفيها: ((من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها))(١) ومن هذا النوع [قول عمر](٢) في التراويح جماعة: نعمت البدعة هذِه(٣). فلما كانت داخلة في أفعال الخير سماها بدعة ومدحها. وقد قسم ابن عبد السلام البدعة إلى خمسة أقسام: واجبة كنظم أدلة المتكلمين للرد على الملاحدة، ومندوبة كتصنيف كتب العلم وبناء المدارس والربط، ومباح كالتبسط في أنواع الأطعمة، وحرام، ومكروه، وهما ظاهران، فهو عام، والمراد غالب البدع(٤). (وأحذركم زيغة الحكيم) وهو ما مال فيه عن الحق وعدل عنه، وقد روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله وَ لا قال: (( لا حليم إلا ذو عثرة، ولا حكيم إلا ذو تجربة)) (٥) (فإن الشيطان قد يقول كلمة) من (الضلالة على لسان الحكيم) كأن يتكلم الشيطان بكلمة الضلالة، فيسمعها الناس ويظهر لهم أنها من الحكيم، وذلك محنة من الله يمتحن بها عباده، (١) رواه مسلم (١٠١٧). (٢) ساقطة من (م). (٣) رواه مالك في ((الموطأ)) ١١٤/١، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) ١٧٧/٣ (٣٢٦٩). (٤) ((قواعد الأحكام في مصالح الأنام)) ٢/ ٢٠٤، وقد مثَّل للبدعة المحرمة بالمذاهب المنحرفة كالقدرية والجهمية والمرجئة .. ، ومثل للبدعة المكروة بزخرفة المسجد وتزويق المصحف. (٥) ((سنن الترمذي)) (٢٠٣٣). ورواه أحمد ٨/٣، ٦٩. وصححه الحاكم في ((المستدرك)) ٢٩٣/٤، وابن حبان في ((صحيحه)) ٤٢١/١ (١٩٣). ١١٢ ويحتمل أن الشيطان يوسوس للحكيم في قلبه بكلمة الضلالة فيسبق لسانه إليها على سبيل السهو والذهول عما ينطق به لسانه؛ ليضل الله بتلك الكلمة من يشاء، ثم إن الحكيم قد يهتدي إلى ما جرى على لسانه فيرجع إلى الحق، وقد يشتهر عنه فلا يستطيع إبطالها. (وقد يقول المنافق) أو الكافر (كلمة الحق) والصواب بأن يجريها الله على لسانه وإن لم يكن من أهلها، ولعل هذا هو السر في قوله تعالى: ﴿يُؤْتِ الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ﴾(١) ولم يقل: من يتقي الله تعالى. بل يدخل في السنة المؤمن والمنافق، كما روي عن علي رضي ◌ُبه أنه قال لرجل خرج من الحمام: طهرت فلا نجست. فلم يجبه، وهناك مجوسي فقال: هلا أجبت أمير المؤمنين؟! قال: بأي شيء أجيبه؟ قال: قل له: سعدت فلا شقيت. فقال علي: الحكمة ضالة المؤمن، خذوها ولو من أفواه المشركين(٢). (قال: قلت لمعاذ) بن جبل (ما يدريني) بضم أوله ([رحمك الله](٣) أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟) أي: بأي شيء أعلم كلمة الحق من الباطل؟ (قال: بلى) إن أردت معرفة الصواب من ذلك. (اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات) التي اشتهرت بين الناس وظهر (١) البقرة: ٢٦٩. (٢) ذكره النووي في الأذكار ١/ ٤٣١، وقال: هذا المحل لم يصح فيه شيء. وأما المرفوع منه وهو: ((الحكمة ضالة المؤمن)) فرواه الترمذي (٢٦٨٧) وقال: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإبراهيم بن الفضل المخزومي يضعف في الحديث من قبل حفظه. (٣) من ((السنن)). ١١٣ = كتاب السنة شنعها في الشريعة وقبحها مع اشتباه حقيقتها فهي (التي يقال) فيها (ما هذِه؟) الكلمة (ولا يثنينك(١)) بفتح أوله وسكون المثلثة وتشديد نون التوكيد الثقيلة، أي: لا يصرفنك ويصدنك (ذلك عنه) أي: عن متابعة الحكيم الذي أرجح كلامه الحكمة الصادرة عن العقل الكامل والفهم الثاقب (فإنه لعله أن يراجع) بكسر الجيم، أي: يرجع إلى الحكمة والصواب (وتلق) بفتح المثناة فوق واللام والقاف المشددة (الحق) أي: استقبلته بكليتك وخذه وتفهمه واعمل به، وعلمه للمحتاج إليه (إذا سمعته) من الحكيم أو غيره (فإن على الحق نورًا) أي: كلمة الحق لها نور وضوء كضوء النهار، كما أن كلمة الباطل عليها ظلمة كظلمة الليل ينكرها القلب كما يقبل كلمة الحق. (قال) المصنف (قال معمر) في روايته (عن الزهري في هذا) الحديث (ولا يثانيك) بضم أوله وتخفيف المثلثة وكسر النون وسكون التحتانية، وروي: ولا ينثينك(٢). بضم المثناة تحت وسكون النون بعدها وكسر الهمزة وفتح المثناة الثانية وتشديد نون التوكيد، من النأي، وهو البعد، قال الله تعالى: ﴿وَيَثْنَ عَنْهُ﴾ (٣) أي: لا تطردنك وتبعدنك تلك الكلمة من الضلالة التي تكلم بها الشيطان على لسانه (ذلك عنه) أي: عن أتباعه (مكان يثنينك) ذلك عنه. و(قال صالح بن كيسان) في روايته (عن الزهري في هذا) الحديث (١) ورد في صلب (ل)، (م): نسخة: يثنيك. (٢) هو ما في المطبوع. (٣) الأنعام: ٢٦. ١١٤ (المشبهات) بفتح الشين والموحدة المشددة، وفي بعضها: المشتبهات بزيادة المثناة. أي: المشتبهات اللائي اشتبه أمرها على كثير من الناس لترددها بين معان محتملة حتى يقول القائل: ما هذِه؟ (مكان المشتهرات) كما تقدم (وقال) في هذِه (لا يثنيك كما قال عقيل) بالتصغير فيما تقدم. (وقال) محمد (ابن إسحاق) بن يسار، أخرج له مسلم (عن الزهري قال: بلى ما تشابه) بفتح المثناة فوق وتخفيف الشين (عليك من قول الحكيم) وهو الذي يحتمل أن يكون كلمة حق وكلمة باطل (حتى يقول) السامع للكلمة (ما أراد بهذِه الكلمة) فما كان من هذا المشتبه فاجتنبه حتى يتضح أمره، ولا يصدنك ذلك عن الحكيم. [٤٦٠٥] (ثنا أحمد بن محمد بن حنبل وعبد الله بن محمد النفيلي قالا: ثنا سفيان) بن عيينة (عن أبي النضر) سالم بن أبي أمية (عن عبيد الله) بالتصغير (ابن أبي رافع، عن أبيه) أبي رافع مولى رسول الله وَالنوم (عن النبي ◌َّر قال: ألا(١)) بتخفيف اللام (ألفين) بضم الهمزة وكسر الفاء وتشديد النون، أي: لا أجدن. من قوله تعالى: ﴿بَلْ نَتَِّعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَيْهِ ءَابَاءَنَا﴾ (٢) ويجوز: لا ألقين بفتح الهمزة والقاف، والمعنى متقارب، فقوله: (لا ألفين) نفي في معنى النهي، كقوله تعالى: ﴿لَّ ٣) ٧٩ يَمَشُّهُ: إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (١) بعدها في (ل): خـ: لا ألفين، وهو ما في المطبوع. (٢) البقرة: ١٧. (٣) الواقعة: ٧٩. ١١٥ كتاب السنة = (أحدكم متكئًا على أريكته) قال الأزهري: كل ما يتكأ عليه فهو أريكة (يأتيه الأمر من أمري) قال البغوي: أريد بهُذِه الصفة أصحاب الترف والدعة الذين لزموا البيوت وقعدوا عن طلب العلم(١). يعني: من مظانه (مما أمرت به) هو بدل من ((أمري)) الذي قلته (أو نهيت عنه، فيقول: لا ندري) نتبين القرآن (ما وجدناه في كتاب الله) تعالى (اتبعناه) وما لا فلا، وأراد بهذه الصفة أصحاب الترفه والدعة الذين لزموا البيوت والنوم على السرر المرتفعة والعوالي المترفهات الذين غذوا بالنعيم ونشؤوا عليه، فألهاهم ذلك عن طلب الحديث والرحلة في تحصيله والتردد إلى مشايخه والتفهم فيه، والبحث عن معانيه والجمع بين الكتاب والسنة، وفيه النهي عن الاتكاء على الأرائك والمداومة عليه، والإعراض عن الأحاديث النبوية، ورد الأحاديث التي قصر في تحصيلها، فمن لم يقبل الأحاديث ويعمل بها، فكأنه لم يقبل القرآن ولا عمل بقوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا تَهَنَكُمْ عَنْهُ فَنْتَهُواْ﴾(٢) . [٤٦٠٦] (ثنا محمد بن الصباح البزاز) بزاءين، أبو [جعفر] (٣) التاجر الدولابي مصنف ((السنن)) (ثنا إبراهيم بن سعد) سيأتي. (وثنا محمد بن عيسى) بن سورة(٤) (ثنا عبد الله [بن جعفر](٥) (٢) الحشر: ٧. (١) ((شرح السنة)) ١/ ٢٠١. (٣) ساقطة من النسخ، والمثبت كما في مصادر ترجمته. (٤) كذا في (ل)، (م)، وهو خطأ، والصواب: (الطباع)، فابن سورة هو الإمام الترمذي، ولم يرو عنه أبو داود، إنما الثابت العكس. (٥) ما بين المعقوفتين ساقط من (م). ١١٦ المخرمي) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وتخفيف الراء، نسبة إلى جده، فإنه عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة من أهل المدينة، أخرج له مسلم. (وإبراهيم بن سعد) الزهري المدني (عن سعد بن إبراهيم) بن عبد الرحمن(١) بن عوف الزهري (عن القاسم (٢) بن محمد) التيمي الفقيه. (عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله وَّ: من أحدث في أمرنا ما ليس فيه فهو رد) أي: مردود عليه باطل غير معتد به، وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كلمه وَّل، وهو صريح في رد كل البدع الحادثة المخالفة لقواعد الشرع والمخترعات التي أحدثت بعده، وفي الحديث دليل على ما قاله الأصوليون أن النهي يقتضي الفساد، ومن قال: لا يقتضي الفساد يقول: هذا خبر واحد، فلا يكفي في إثبات هذه القاعدة العظيمة، قال النووي: وهذا جواب فاسد(٣). (قال) محمد (ابن عيسى) في روايته (قال النبي ◌َّر: من صنع أمرًا على غير أمرنا) أي: على غير أصول شريعتنا وسننا (فهو رد) أي: مردود عليه لا يعمل به ولا يلتفت إليه، وقد اختلف حال المنهيات في الشرع، فبعضها يصح كالطلاق في الحيض، وبعضها لا يصح كبيع الملاقيح والمضامين، وبعضها مختلف فيه كالبيع وقت النداء، وعدة (١) في (م): الله. (٢) فوقها في (ل): (ع). (٣) ((مسلم بشرح النووي)) ١٦/١٢. ١١٧ - كتاب السنة هذا كتب الأصول. [٤٦٠٧] (ثنا أحمد بن حنبل، ثنا الوليد(١) بن مسلم) عالم أهل الشام (ثنا ثور بن يزيد) الحمصي الحافظ، أخرج له البخاري (حدثني خالد بن معدان، حدثني عبد الرحمن بن عمرو) بن عبسة (السلمي) بضم السين من بني سليم، صدوق (وحجر (٢)) بضم الحاء المهملة وسكون الجيم، ثم راء (ابن حجر) بضم الحاء أيضًا الكلاعي بفتح الكاف وتخفيف اللام، الحمصي، مقبول. (قالا: أتينا العرباض بن سارية) السلمي (وهو ممن نزل فيه) قوله تعالى: (﴿وَلَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوَّكَ﴾) وهم نفر من قبائل شتى (﴿لِتَحْمِلَهُمْ﴾) وكانوا سألوه أن يحملهم على الدواب ليغزوا عليها (﴿قُلْتَ﴾) لهم (﴿لَآَ أَجِدُ مَآ أَحْلُكُمْ عَلَيْهِ﴾) لأن الشقة بعيدة والرجل يحتاج إلى بعيرين بعير يركبه وبعير يحمل ماءه وزاده، وكان العرباض من بني سليم من النفر الذين طلبوا أن يحملهم، وكان من فقهاء أهل الصفة (فسلمنا) على العرباض (وقلنا) له (أتيناك زائرين) مثنى الزائر المتفقد حال صاحبه من محبة لا من سبب طرأ عليه (وعائذين) العائذ بالذال المعجمة المستجير بالشخص المتفقد إذا كان شاكيا من شيء أصابه، فهو فاعل بمعنى المفعول، كقولهم: سر كاتم (ومقتبسين) جمع مقتبس، والمقتبس الذي يطلب نورًا ليستضيء به. والمراد هنا الطالبين علمًا يستضيئون به من ظلمة الجهل، ومنه (١) فوقها في (ل): (ع)، وقبلها في النسخ زاد: أبو. وهو خطأ. (٢) فوقها في (ل): (د). ١١٨ الحديث: ((من أقتبس علمًا من النجوم اقتبس شعبة من السحر))(١). (فقال العرباض: صلى بنا رسول الله وَ ﴿ ذات يوم) من الأيام (ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت) بفتح الذال المعجمة والراء، أي: جرت (منها العيون) أي: عيون الحاضرين (ووجلت) بكسر الجيم، أي: خافت؛ لأن الموعظة كانت موعظة تخويف ووعيد (منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأن هذِه موعظة مودع) أي: كأنك تودعنا بهذه الخطبة البليغة (فماذا تعهد إلينا) أي: فماذا الذي توصينا به، لفظ ابن ماجه: فاعهد إلينا(٢). (فقال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة) هو ظاهر في وجوب السمع والطاعة للأئمة والأمراء والقضاة، ولا خلاف فيه إذا لم يأمروا بمعصية (وإن) بسكون النون، وروي: ((إن عبدًا حبشيًّا)) تقديره: وإن كان عبدًا حبشيًّا (عبد حبشي) كذا بالرفع كما في الترمذي(٣)، وفي بعض النسخ المعتمدة: ((وإن عبدًا حبشيًّا)) كما في مسلم، وكلاهما جائز، وتقدير الرفع: وإن تأمر وولي عليكم عبد، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ﴾ (٤) تقديره: وإن استجارك أحد. وتقدير النصب: وإن كان المتأمر (١) سلف برقم (٣٩٠٥) من حديث ابن عباس. ورواه ابن ماجه (٣٧٢٦)، وأحمد ٣١١/١. وهو حديث صحح إسناده الحافظ العراقي في ((المغني)) ١٠٢٩/٢ (٣٧٤٧)، والشيخ أحمد شاكر في ((شرح المسند)) ٣٠٢/٤ (٢٨٤١)، وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (٧٩٣). (٢) ((سنن ابن ماجه)) (٤٢). (٣) ((سنن الترمذي)) (٢٦٧٦)، وفي المطبوع: بالنصب. (٤) التوبة: ٦. ١١٩ = كتاب السنة الحاكم(١) عبدًا حبشيًّا، فإن حذف (كان) مع أسمها كثير، ومنه قول الشاعر : قد قيل ما قيل إن صدقًا وإن كذبًا فما اعتذارك في قول إذا قيلا وزاد مسلم: ((مجدع الأطراف))(٢)، وهذا مبالغة في وصف هذا العبد بالصفة، وهذا مبالغة على عادة العرب في تمثيلهم المعاني وتأكيدها، كما قال التَّها: ((من بنى مسجدًا ولو مفحص قطاة))(٣) [ومفحص القطاة](٤) لا يصلح للمسجد، وإنما تمثيل للصغر، وفيه دليل على جواز تأمير العبد فيما دون الإمامة الكبرى؛ لأن الأتفاق على أن الإمام الأعظم لا بد أن يكون حرًّا، وكذا القاضي؛ لأنها مناصب دينية تتعلق بها أحكام شرعية. (فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا) هُذا علم من أعلام النبوة في وقوع الاختلاف الذي بعده (فعليكم بسنتي) فيه الحث على شدة الملازمة للسنة؛ لأن من أراد أن يأخذ أخذًا شديدًا يمسكه بكلتا يديه (وسنة الخلفاء المهديين) أمره وال بسنة الخلفاء لأمرين: أحدهما: (١) في (م): الحكم. (٢) مسلم (٦٤٨ / ٢٤٠، ١٨٣٧). (٣) رواه ابن ماجه (٧٣٨) من حديث جابر. قال الحافظ العراقي في ((المغني)) ١٠٦/١ (٤٠٢): سنده صحيح، وفي الباب عن أبي ذر وابن عباس وعائشة. وأصله في البخاري (٤٥٠)، ومسلم (٥٣٣) من حديث عثمان بن عفان. (٤) ما بين المعقوفتين ساقط من (م). ١٢٠ التقليد لمن عجز عن النظر. والثاني: الترجيح عند أختلاف الصحابة، نبه عليه في ((الموطأ)) المهدي الذي هداه الله تعالى الحق (الراشدين) والمراد بـ ((المهديين الراشدين)) الخلفاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وإن كان اللفظ عامًا في كل من سار سيرهم من الأئمة (تمسكوا بها) بيديكم (وعضوا عليها بالنواجذ) أي: أحترصوا على ملازمة السنة كما يلزم العاض على الشيء بنواجذه؛ خوفا من ذهابه وتفلته منه، والنواجذ بالجيم والذال المعجمة: هي الأنياب، وقيل: الأضراس التي هي آخر الأسنان. ويسمى ضرس الحلم؛ لأنه نبت بعد البلوغ، أي: أمسكوها وعضوا عليها بجميع الفم والأسنان، ولا تأخذوها بأطراف الأسنان، وقد يكون معناه الصبر على ما يصيبه من المضض في ذات الله تعالى. (وإياكم ومحدثات) بخفض التاء علامة جمع المؤنث، والمحدثات جمع محدثة (الأمور، فإن كل محدثة) بفتح الدال (بدعة، وكل) بالرفع (بدعة ضلالة) زاد ابن ماجه: (( وقد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، ولا يزيغ عنها بعدي إلا هالك))(١)، والمحدث على قسمين: محدث ليس له أصل إلا الشهرة والعمل بشهوة النفس وإرادتها، وهذا باطل، ومحدث على قواعد الأصول وممهد عليها، فليس ذلك ببدعة ولا ضلالة. [٤٦٠٨] (ثنا مسدد، ثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن) عبد الملك (١) ((سنن ابن ماجه)) (٤٣).