Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠١
= كتاب الديات
٩ - باب فِي تَرْكِ القَوَدِ بِالقَسامَةِ
٤٥٢٣ - حَدَّثَنَا الَحَسَنُ بنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ الزَّغْفَراني، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمِ، حَدَّثَنَا
سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدِ الطّائي، عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسارٍ زَعَمَ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأنَّصَارِ يُقالُ لُهُ: سَهْلُ
ابْنُ أَبِي حَثْمَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ نَفَرًا مِنْ قَوْمِهِ أَنْطَلَقُوا إِلَى خَيْبَرَ فَتَفَرَّقُوا فِيهَا فَوَجَدُوا أَحَدَهُمْ
قَتِيلاً فَقالُوا لِلَّذِينَ وَجَدُوهُ عِنْدَهُمْ: قَتَلْتُمْ صاحِبَنا؟ فَقالُوا: ما قَتَلْناهُ وَلا عَلِمْنا قاتِلاً.
فَانْطَلَقْنَا إِلَى نَبِي اللّهِ وَ ◌َّ قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ: ((تَأْتُونِي بِالبَيِّنَةِ عَلَى مَنْ قَتَلَ هُذا؟)).
قالُوا مَا لَنَا بَيِّنَةٌ. قالَ: ((فَيَحْلِفُونَ لَكُمْ )). قالُوا: لا نَرْضَى بِأَيْمانِ اليَهُودِ. فَكَرِهَ نَبي
اللهِ وََّ أَنْ يُبْطِلَ دَمَهُ، فَوَدَاهُ مِائَةً مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ (١).
٤٥٢٤ - حَدَّثَنَا الَحَسَنُ بنُ عَلي بْنِ رَاشِدٍ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ التَّيْمي،
حَدَّثَنَا عَبَايَةُ بْنُ رِفاعَةَ، عَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: أَصْبَحَ رَجُلٌ مِنَ الأَنَّصَارِ مَقْتُولاً
بِخَيْبَرَ فَانْطَلَقَ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَى النَّبِيِ بََّ فَذَكَرُواْ ذَلِكَ لَهُ فَقالَ: ((لَكُمْ شاهِدانٍ يَشْهَدانِ
عَلَى قَتْلِ صاحِبِكُمْ)). قالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، لَمْ يَكُنْ ثَمَّ أَحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَإِنَّما هُمْ
يَهُودُ وَقَدْ يَجْتَرِئُونَ عَلَى أَعْظَمَ مِنْ هذا. قالَ: ((فاخْتَارُوا مِنْهُمْ خَمْسِينَ
فاسْتَحْلِفُوهُمْ)). فَأَبَوْا فَوَدَاهُ النَّبِيَِ مِنْ عِنْدِهِ(٢).
٤٥٢٥ - حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَخْيَى الحَرّاني حَدَّثَنِي نُحَمَّدٌ -يَعْني: ابن سَلَمَةَ-
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْراهِيمَ بْنِ الحَارِثِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بُجَيْدٍ قَالَ:
إِنَّ سَهْلاً والله أَوْهَمَ الَحَدِيثَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَّلَ كَتَبَ إِلَى تَهُودَ: «أَنَّهُ قَدْ وُجِدَ بَيْنَ
أَظْهُرِكُمْ قَتِيلٌ فَدُوهُ)». فَكَتَبُوا: يَخْلِفُونَ بِاللهِ خَمْسِينَ يَمِينًا ما قَتَلْنَاهُ وَلا عَلِمْنا قاتِلاً.
قالَ: فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ مِنْ عِنْدِهِ مِائَةَ نَاقَةٍ (٣).
(١) رواه البخاري (٦٨٩٨)، ومسلم (١٦٦٩).
(٢) رواه البيهقي ١٣٤/٨، ١٤٨/١٠، وابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢١٠/٢٣، والمزي
في (تهذيب الكمال)) ٢١٧/٦-٢١٨. وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)).
(٣) رواه البيهقي ١٢٠/٨-١٢١، وابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢٠٧/٢٣-٢٠٨.

٦٠٢
٤٥٢٦ - حَدَّثَنَا الَحَسَنُ بْنُ عَلي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْري،
عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ، عَنْ رِجالٍ مِنَ الأَنْصَارِ أَنَّ النَّبي
وٍَّ قَالَ لِلْيَهُودِ وَبَدَأَ بِهِمْ: ((يَحْلِفُ مِنْكُمْ خَمْسُونَ رَجُلاً)). فَأَبَوْا، فَقَالَ لِلْأَنْصَارِ:
((اسْتَحِقُوا)). قالُوا: نَحْلِفُ عَلَى الغَيْبِ يَا رَسُولَ اللهِ، فَجَعَلَهَا رَسُولُ اللهِ وَل ◌َهِ دِيَةً
عَلَى يَهُودَ لأَنَّهُ وُجِدَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ(١).
باب في ترك القود بالقسامة
[٤٥٢٣] (ثنا الحسن بن محمد بن الصباح) أبو علي (الزعفراني) روى
عنه البخاري في غير موضع، قال (ثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال (ثنا
سعيد بن عبيد) أبو هذيل (الطائي) الكوفي، روى له الجماعة سوى ابن
ماجه (عن بشير) بضم الموحدة وفتح الشين المعجمة (بن يسار) بفتح
المثناة تحت وتخفيف المهملة، الأنصاري [المدني مولى بني حارثة،
من ثقات التابعين (زعم أن رجلاً من الأنصار يقال له: سهل بن أبي
حثمة) واسم أبي حثمة: عبد الله بن ساعدة بن عامر الأنصاري](٢)
الأوسي، ولد سنة ثلاث من الهجرة، سكن الكوفة (أخبره أن نفرًا من
قومه) بني حارثة (انطلقوا إلى خيبر) وهم يومئذ صلح (فتفرقوا فيها)
أي: بين نخيلها (فوجدوا أحدهم) عبد الله بن سهل (قتيلاً) يتشحط في
وقال الألباني: منكر.
(١) رواه البيهقي ١٢١/٨، وابن عبد البر ٢٠٧/٢٣.
وأعله البيهقي، وقال الألباني: حديث شاذ.
(٢) ما بين المعقوفتين ساقط من (م).

٦٠٣
- كتاب الديات
دمه (فقالوا للذين وجدوه عندهم: قتلتم صاحبنا؟ فقالوا: ما قتلناه ولا
علمنا) له (قاتلاً) فيه أن الحالف على فعل غيره يحلف على نفي العلم.
(قال: فانطلقوا(١) إلى رسول الله وَّة) فذكروا له ذلك كما تقدم.
(قال: فقال لهم: تأتوني) أصله: أتأتوني. فحذفت همزة الاستفهام
(بالبينة) تشهد (على من قتل) بفتح القاف والتاء، أي: على من قتل
فحذف الضمير العائد على الموصول، وفي هذه الرواية دليل لما ذهب
إليه الكوفيون وكثير من البصريين والمدنيين والأوزاعي، وروي عن
الزهري وعمر ابن الخطاب، بأن القسامة يبدأ فيها بالمدعى عليهم،
متمسكين بهذا الحديث، وبقوله والر للمدعي: ((شاهداك أو يمينه))(٢)
وخالفهم الجمهور وقالوا: يبدأ المدعون في القسامة في الأيمان،
وأجابوا عن هذا الحديث بأن الصحيح المشهور المعروف من حديث
حويصة ومحيصة تبدئة المدعين بالأيمان، وهي رواية الحفاظ بالطرق
المسندة المستفيضة، قالوا: وأما رواية أبي داود هذِه الرواية، فهي من
المراسيل التي ليست معروفة عند المحدثين.
(قالوا: ما لنا) عليهم (بينة. قال(٣): فيحلفون لكم) خمسين يمينًا أنهم
لم يقتلوه (قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود. فكره رسول الله وَ له أن يُبطل)
بضم أوله وكسر الطاء ([دمه](٤) فوداه) بـ(مائة من إبل الصدقة) أنكر
هُذِهِ الرواية بعضهم وادعى أنها غلط من بعض الرواة؛ إذ ليس هذا
(١) في حاشية (ل): فانطلقنا. وفوقها: (خ)، وهو ما في المطبوع.
(٢) رواه البخاري (٢٥١٥، ٢٦٦٩)، ومسلم (١٣٨) من حديث ابن مسعود.
(٣) ساقطة من (م).
(٤) من المطبوع.

٦٠٤
من مصرف الزكاة حتى تؤخذ ديته من مال الصدقة، والأولى أن لا يغلَّط
الراوي العدل الجازم بالرواية ما أمكن، وتحمل هذِه الرواية على
تأويلات: أحدها: أنه تسلف ذلك من مال الصدقة حتى يؤديها من الفيء.
وثانيها: أن يكون أولياء القتيل مستحقين الزكاة فأعطاها لهم في
صورة الدية تسكينًا لنفرتهم وجبرًا لهم؛ لأنهم مستحقون لهما،
وللإمام أن يفعل ذلك إذا رآه.
وثالثها: أنه أعطاهم تلك من سهم المؤلفة قلوبهم استئلافًا لقلوبهم
واستجلابًا لليهود.
ورابعها: قول من قال: إنه يجوز صرف الصدقة في مثل هذا؛ لأنه
من المصالح العامة مستدلين بهذا الحديث، قال القرطبي: وهذا أبعد
الوجوه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ﴾ الآية(١).
[٤٥٢٤] (ثنا الحسن بن علي بن راشد) الواسطي، صدوق ثقة، قال
(أنا هشيم (٢)) بن بشير (عن أبي حيان) بالحاء المهملة والمثناة تحت،
واسمه يحيى بن سعيد (التيمي) إمام، مات (١٤٥) قال (ثنا عباية)
بفتح المهملة وتخفيف الباء الموحدة (بن رفاعة) بن رافع الأنصاري
الحارثي (عن رافع بن خديج) بن رافع الأنصاري الحارثي الأوسي لم
يشهد بدرًا؛ لصغره، وشهد أحدًا (قال: أصبح رجل من الأنصار بخيبر
قتيلا(٣)) أي: مقتولًا يتشحط في دمه فدفنه محيصة ابن عمه (فانطلق)
(١) التوبة: ٦٠، ((المفهم)) ١٦/٥.
(٢) فوقها في (ل): (ع).
(٣) بعدها في (ل)، (م): مقتولًا. وفوقها: خ وهو ما في المطبوع وفيها: مقتولا بخيبر.

٦٠٥
- كتاب الديات
هو وأخوه حويصة وعبد الرحمن أخو المقتول وهم (أولياؤه إلى النبي ؛
صَلى الله
سام
فذكروا ذلك) كله (له) وَّ﴾ (فقال) أ (لكم شاهدان يشهدان على قاتل
صاحبكم) فيه حجة لما أتفق عليه العلماء أن القصاص في النفس
والجراح والحدود، وكلها لا تثبت إلا بشهادة رجلين ولا مدخل
للنساء فيها، واستثني منها حد الزنا، فلا بد فيه من أربع.
وفيه دليل على أنه يجوز الشهادة على الإقرار والقتل فإذا قال
الشاهد: أشهد على إقرار فلان، أو قتل فلان. قبلت شهادته خلافًا
لابن أبي الدم من أصحابنا فإنه قال: لا تصح الشهادة على الإقرار؛
لأنه معنىً من المعاني، ولا يصح إلا على فاعل الفعل، ويرجح ما
قاله ابن أبي الدم أن أكثر النسخ هنا ((يشهدان على قتل صاحبكم)) كما
ذكر، ويدل على هذا رواية: ((أقم شاهدين يشهدان على من قتله))(١).
(قالوا: يا رسول الله لم يكن ثم) بفتح الثاء المثلثة أي هنالك (أحد من
المسلمين) فيه دلالة على أن شرط الشاهد الإسلام، وأن الكفار لا تقبل
شهادتهم مطلقًا.
وقال أبو حنيفة: تقبل شهادة بعضهم على بعض(٢).
وقال أحمد: تقبل شهادتهم على المسلمين في الوصية وفي السفر
خاصة، ويحلف الشاهدان مع شهادتهما(٣) (وإنما هم يهود) خيبر (وقد
(١) رواه النسائي في ((المجتبى)) ١٢/٨، وفي ((السنن الكبرى)) ٢١٢/٤.
(٢) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٤٠/٣، ((المبسوط)) ١٣٣/١٦ - ١٣٤، ((بدائع
الصنائع)) ٦/ ٢٨٠.
(٣) انظر: ((المغني)) ١٤/ ١٧٠.

٦٠٦
يجترئون) بإسكان الجيم وهمزة بعد الراء، يفتعلون من الجرأة، وهي:
الجسارة (على أعظم من هذا) الأمر (فاختاروا منهم خمسين) رجلًا
(فاستحلفهم) بفتح التاء والفاء، يوضح هذا رواية البزار: فقال رسول
الله وَلقر: ((اختاروا منهم خمسين رجلا فيحلفون بالله جهد أيمانهم ثم
خذوا منهم الدية))(١) ففعلوا ([فأبوا](٢) فوداه رسول الله وَل من عنده)
ويحتمل أن يكون من بيت المال.
[٤٥٢٥] (ثنا عبد العزيز بن يحيى) أبو الأصبغ الحراني، ثقة قال
(حدثني محمد بن سلمة) بن عبد الله الباهلي، ثقة له فضل ورواية
وفتوى (عن محمد(٣) بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث)
التيمي المدني التابعي الجليل (عن عبد الرحمن بن بجيد) بضم الباء
الموحدة وفتح الجيم، مصغر، الأنصاري الحارثي المدني، صحب
النبي ◌َّر، وقيل: لا صحبة. قال ابن عبد البر: لم يسمع منه فيما
أحسب، وفي صحبته نظر (٤).
(قال: إن سهلاً) يعني: ابن أبي حثمة (والله أوهم الحديث) يقال:
أوهمت الشيء إذا أتيت بلفظ يسبق إلى وهم السامع والمراد غيره (أن
رسول الله وَليل كتب إلى يهود أنه قد وجد بين أظهركم قتيل فدوه) بضم
الدال، أي: أعطوا ديته إن كنتم قتلتموه (فكتبوا يحلفون [بالله](٥)
(١) ((البحر الزخار)) ٢٣٨/٣ (١٠٢٦).
(٢) من المطبوع.
(٣) فوقها في (ل): (ع).
(٤) ((الاستيعاب)) ٣٦٧/٢.
(٥) من المطبوع.

٦٠٧
= كتاب الديات
خمسين يمينًا: ما قتلناه ولا علمنا) له (قاتلا) وروى الطبراني أن القسامة
كانت في الجاهلية، وكانوا يتورعون عن أيمان الصبر، فلما بعث الله
محمدًا وَلّ بالقسامة كان المسلمون هم أهيب لها(١).
(قال: فوداه(٢) رسول الله وَل من عنده) بـ (مائة ناقة) حمراء.
[٤٥٢٦] (ثنا الحسن بن علي) الخلال قال (ثنا عبد الرزاق) قال
(أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة) عبد الله (بن عبد الرحمن)
ابن عوف (وسليمان بن يسار، عن رجال من الأنصار، أن النبي وَّ قال
لليهود وبدأ بهم) في الأيمان (يحلف منكم خمسون رجلاً) فيه دلالة
أيضًا على ما تقدم عن الكوفيين وكثير من البصريين أنه يبدأ بيمين
المدعى عليهم، فإن هذا هو الأصل في باب الدعاوى الذي نبه الشرع
على حكمته بقوله: ((لو أعطي الناس بدعواهم لادعى رجال دماء قوم
وأموالهم، لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر))(٣).
وأجيب عن التمسك بهذا الأصل بأن هذا أستثني من الأصل بما
رواه الدارقطني عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله
وَيخيّم قال: ((البينة على المدعي واليمين على من أنكر إلا في
القسامة)) (٤) وتتعذر إقامة البينة على القتل غالبًا؛ فإن القاصد للقتل
إنما يطلبه بالخلوة والغيلة، بخلاف سائر الحقوق.
(١) ((المعجم الكبير)) ١٠/ ٣٠٤ (١٠٧٣٧).
(٢) في (ل)، (م): فداه. والمثبت من ((السنن)).
(٣) رواه البخاري (٤٥٥٢)، ومسلم (١٧١١) من حديث ابن عباس.
(٤) (سنن الدار قطني)) ١١١/٣.

٦٠٨
(فأبوا) بفتح الموحدة، أي: امتنعوا عن الأيمان؛ لأنهم كانوا
يتورعون عنها كما تقدم (فقال للأنصار) أحلفوا (تستحقوا) الدية عليهم
(قالوا: نحلف(١) على الغيب يا رسول الله) وأقرهم عليه (فجعلها
رسول الله وَّي- دية على يهود). ثم بين العلة الموجبة للدية عليهم (لأنه
وجد بين أظهرهم) روى الطبراني بمعناه، وقال في آخره: فقضى
رسول الله ◌َي بعقله على يهود؛ لأنه وجد بين أظهرهم، وفي ديارهم (٢).
حكي عن أحمد في رواية عنه أن الدية تجب عليهم؛ لأن الدم لا
يبطل، ووجوبها في بيت المال يفضي إلى إبطال الدم وإسقاط حق
المدعين، وفي رواية أخرى عنه كمذهب أبي حنيفة أنهم يحبسون إلى
أن يحلفوا(٣).
(١) في (م) وبعدها في (ل): لا نحلف.
(٢) ((المعجم الكبير)) ١٠/ ٣٠٤.
(٣) انظر: ((المغني)) ٢٠٦/١٢، ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٧٧/٥، ((المبسوط)» ٢٦/
١١١.

٦٠٩
إ كتاب الديات
١٠ - باب يُقادُ مِنَ القاتِلِ(١)
٤٥٢٧ - حَدَّثَنَا يُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا هَمّاٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ جارِيَةً
وُجِدَتْ قَدْ رُضَّ رَأْسُها بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَقِيلَ لَها: مَنْ فَعَلَ بِكِ هذا؟ أَفُلانٌ؟ أَفُلانٌ؟
حَتَّى سُمّي اليَّهُودِي فَأَوْمَتْ بِرَأْسِها فَأُخِذَ الَهُودِي فَاعْتَرَفَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ وَ أَنْ
يُرَضَّ رَأْسُهُ بِالحِجارَةِ(٢).
٤٥٢٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صالِحِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ
أَبِي قِلابَةَ، عَنْ أَنَسِ أَنَّ بَهُودِيًّا قَتَلَ جارِيَةً مِنَ الأَنَّصَارِ عَلَى حُلي لَها، ثُمَّ أَلَّقاها في
قَلِيبٍ وَرَضَخَ رَأْسَها بِالِحِجَارَةِ فَأُخِذَ فَأُتي بِهِ النَّبِي ◌ََّ فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ حَتَّى يَمُوتَ،
فَرُجِمَ حَتَّى ماتَ(٣).
قالَ أَبُو داوُدَ: رَواهُ ابن جُرَيْجِ عَنْ أَيُّوبَ نَحْوَهُ.
٤٥٢٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا ابن إِذْرِيسَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ هِشام
ابْنِ زَيْدٍ، عَنْ جَدِّهِ أَنَسٍ أَنَّ جارِيَةً كانَ عَلَيْها أَوْضاحٌ لَها فَرَضَخَ رَأْسَها بَهُودي پِحَجَرٍ،
فَدَخَلَ عَلَيْها رَسُولُ اللهِ وََّ وَبِها رَمَقْ فَقَالَ لَها: ((مَنْ قَتَلَكِ؟ فُلانٌ قَتَلَكِ؟)).
فَقَالَتْ: لا. بِرَأْسِها. قالَ: ((مَنْ قَتَلَكِ؟ فُلانٌ قَتَلَكِ؟ )). قالَتْ: لا. بِرَأْسِها. قالَ:
((فُلانٌ قَتَلَكِ)). قالَتْ: نَعَمْ. بِرَأْسِها. فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ وََّ فَقُتِلَ بَيْنَ حَجَرَيْنِ (٤).
باب يقاد من القاتل بغير حديدة
(١) كذا في نشرة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد والحوت ومكنز، وفي نشرة
الشيخ شعيب: باب يقاد من القاتل أو يقتل بحجر بمثل ما قتل، وفي نسخة المصنف
كما سيأتي: باب يقاد من القاتل بغير حديدة.
(٢) رواه البخاري (٢٤١٣، ٢٧٤٦، ٦٨٦٧، ٦٨٨٤).
(٣) رواه مسلم (١٦٧٢).
(٤) رواه البخاري (٥٢٩٥، ٦٨٧٧)، ومسلم (١٦٧٢).

٦١٠
[٤٥٢٧] (ثنا محمد بن كثير) قال (ثنا همام، عن قتادة، عن أنس رَظ ◌ُعلبه
أن جارية وجدت) بالمدينة (قد رض) بالضاد المعجمة (رأسها) والرض
هو الدق والكسر دون إبانة (بين حجرين) سيأتي في رواية: فدخل
عليها رسول الله رَلي وبها رمق (١) (فقيل لها: من فعل بك هذا) الذي
بك (أفلان، أفلان؟) فيه حذف تقديره: أقتلك فلان أقتلك فلان؟ فإن
قيل: ما فائدة السؤال منها ولا يثبت بإقرارها شيء عليه. فالجواب:
أن فائدته أن يعرف المتهم من غيره فيطالب، فإن أقر ثبت عليه القتل،
وإن أنكر فالقول قوله مع يمينه، ولا يلزمه شيء بمجرد قول المجروح.
هذا مذهب الشافعي (٢) والجمهور، ومذهب مالك: ثبوت القتل
على المتهم بمجرد قول المجروح(٣)، واستدل بهذا الحديث، وأجاب
الشافعي بأنه لم يقتل اليهودي إلا باعترافه(٤) كما سيأتي. (حتى سمي)
بضم السين، وكسر الميم (اليهودي فأومأت برأسها) أي: نعم، فيه
دلالة على العمل بإشارة القادر على النطق وغير الأخرس وأن حكمه
حكم النطق، وبوب عليه البخاري: باب الإشارة في الطلاق والأمور(٥).
(فأخذ اليهودي) فسئل (فاعترف) بأنه قتل، استدل به الشافعي على
أن قول المقتول بأنه قتله أو إشارته بقتله لا يقبل، وأن اليهودي لم
يقتل إلا باعترافه (٦) (فأمر النبي ◌َليل أن يرض رأسه بالحجارة) فيه دليل
(٢) انظر: ((البيان)) ٢٣٩/١٣.
(١) (٤٥٢٩).
(٣) أنظر: ((الذخيرة)) ٣٣٠/١٢.
(٤) أنظر: ((شرح مسلم)) للنووي ١٥٩/١١.
(٥) ((صحيح البخاري)) (٥٢٩٥).
(٦) بعدها في (م): كما سيأتي.

٦١١
- كتاب الديات
على أن الجاني عمدًا يقتل قصاصًا على الصفة التي قتل، فإن قتل بسيف
قتل بسيف، وإن قتل بحجر أو خشب أو نحوها قتل بمثله؛ لأن اليهودي
رضها فرضَّ رأسه؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَّدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا
اُعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾(١).
[٤٥٢٨] (ثنا أحمد بن صالح) قال (ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن
أيوب، عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد.
(عن أنس ظ ◌ُّه أن يهوديًّا قتل جارية من الأنصار على حَلْي) بفتح
الحاء، وإسكان اللام، أي: حلي فضة، وهي الأوضاح كما سيأتي
(ثم ألقاها في قليب) وهي البئر قبل أن تنطوي بالحجارة، وقال أبو
عبيد: هي البئر العادية القديم(٢). جمع القليل: أقلبة، والكثير: قلب
بضم القاف واللام، ككثيب وكثب (ورض(٣) رأسها بالحجارة) أي:
رجم رأسها بالحجارة في البئر حتى ماتت (فأخذ) اليهودي (فأتي به
النبي وَلّ فأمر به أن يرجم) هو محمول عند الجمهور على أنه اعترف
كما تقدم في الرواية السابقة، وفي رواية في الصحيحين: فأمر به
فرجم باعترافه. وفيه دليل على قتل الرجل بالمرأة، وهو قول
الجمهور، خلافًا لمن شذ فقال: لا يقتل بها. وهو قول عطاء
والحسن، وروي عن علي رظه(٤) (حتى يموت، فرجم حتى مات) فيه
(١) البقرة: ١٩٤.
(٢) ((غريب الحديث)) ٢/ ٤٠٤.
(٣) في المطبوع: ورضخ.
(٤) روىُ هُذِه الآثار ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ١٨٧/١٤ - ١٨٨ (٢٨٠٥٤-
٢٨٠٥٦).

٦١٢
حجة على أبي حنيفة في قوله: لا يقاد إلا بالسيف(١).
(قال أبو داود: ورواه) عبد الملك (ابن جريج عن أيوب نحوه) أي:
بنحو الرواية المتقدمة.
[٤٥٢٩] (ثنا عثمان بن أبي شيبة) قال (ثنا ابن إدريس، عن شعبة، عن
هشام بن زيد) بن أنس (عن جده أنس بن مالك نظراته (أن جارية كان عليها
أوضاح) جمع وضح بفتح الواو والضاد المعجمة، وهو الحلي من
الفضة، مأخوذ من الوضح وهو البياض، ومنه أنه أمر بصيام
الأوضاح. الأواضح. يعني: الأيام البيض (لها فرضخ) بالضاد والخاء
المعجمتين أنكسر (رأسها يهودي بحجر) فأتى أهلها إلى رسول الله وَل
فأخبروه (فدخل عليها رسول الله وَ لل وبها رمق) أي: بقية روح (فقال
لها: من قتلك؟) أ (فلان قتلك؟) فيه جواز سؤال الجريح عمن جرحه
ليعرف المتهم فيطالب (فقالت: لا. برأسها) فيه التجوز بتسمية الإشارة
بالرأس قولًا كما قال الشاعر:
فقالت له العينان سمعًا وطاعةً
ثم (قال) ثانيًا ([من قتلك])(٢) هل (فلان قتلك؟) فيه جواز تكرار
السؤال (قالت: لا. برأسها. قال: فلان قتلك؟ قالت: نعم. برأسها)
أي: أومأت برأسها لما ذكر لها القاتل ولم تقدر على الكلام بلسانها،
ومن قال من الرواة: إنها قالت: نعم. فإنما عبر عما فهم عنها من
الإشارة بالقول؛ فإنها تنزل منزلة القول، وفيه جواز ذكر من أتهم
(١) انظر: ((المبسوط)) ١٢٢/٢٦، ((بدائع الصنائع)) ٢٤٥/٧.
(٢) من المطبوع.

٦١٣
= كتاب الديات
وعرضهم على المقتول واحدًا بعد واحد بعينه واسمه، وإن لم تقم دلالة
على لطخه أكثر من أنه يحتمل ذلك، ولا يكون ذلك غيبة ولا استباحة
عرض، وفي نسخة قاضي المارستان عن شيوخه بسنده إلى أنس أن
جارية خرجت عليها أوضاح، فأخذها يهودي، فرضخ رأسها وأخذ ما
عليها، فأتي بها رسول الله وَّيله وبها رمق .. الحديث، من رواية يزيد،
عن شعبة(١).
وفيه قتل الكبير بالصغير؛ لأن الجارية أسم لمن لم تبلغ من النساء
كالغلام من الرجال، وهذا لا يختلف فيه.
(فأمر به رسول الله وَّ فقتل بين حجرين) فيه أن من قتل بشيء قتل
به، وقد اختلف فيه، فمذهب الجمهور أنه يقتل بمثل ما قتل به ما لم يقتله
بفسق كاللوطية وإسقاء الخمر والحرق بالنار، وذهب أبو حنيفة والشعبي
والنخعي (٢) إلى أنه لا قود إلا بالسيف؛ لما رواه الطبراني أن رسول الله
وَل ﴾ قال: ((لا قود إلا بالسيف))(٣) وهو ضعيف عند المحدثين؛ لأن في
سنده سليمان بن أرقم، وهو متروك (٤).
(١) ((مشيخة قاضي المارستان)) ٦٦٤/٢ (١٧١).
(٢) رواه عنهما ابن أبي شيبة ١٤/ ٢٤٠ - ٢٤١ (٢٨٢٩٦ - ٢٨٢٩٨).
(٣) ((المعجم الكبير)) ٨٩/١٠ (١٠٠٤٤) من حديث ابن مسعود.
(٤) وفي الباب عن أبي بكرة والنعمان بن بشير وأبي هريرة وغيرهم، وضعفه بالجملة
الألباني في ((الإرواء)) (٢٢٢٩).

٦١٤
١١ - باب أَيْقادُ المُسْلِمُ بِالكافِرِ؟
٤٥٣٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمُسَدَّدٌ قالا: حَدَّثَنا نَخْيَى بْنُ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنا
سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتادَةَ، عَنِ الَحَسَنِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبّادٍ قَالَ: أَنْطَلَقْتُ أَنَا
والأَشْتَرُ إِلَى عَلِي الَّهُ: فَقُلْنا: هَلْ عَهِدَ إِلَيْكَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ شَيْئًا لَمْ يَعْهَدْهُ إِلَى النّاسِ
عامَّةً؟ قالَ: لا، إِلاَّ ما في كِتابي هذا. قالَ مُسَدَّدٌ: قالَ: فَأَخْرَجَ كِتَابًا. وقالَ أَحْمَدُ: كِتَابًا
مِنْ قِرابٍ سَيْفِهِ، فَإِذا فِيهِ: ((المُؤْمِنُونَ تَكافَأُ دِماؤُهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِواهُمْ
وَيَسْعَىَّ بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، أَلا لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ،
مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فَعَلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًّا أَوْ آوى مُحْدِثًّا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ
والمَلائِكَةِ والنّاسِ أَجْمَعِينَ))(١). قالَ مُسَدَّدٌ عَنِ ابن أَبِي عَرُوبَةَ: فَأَخْرَجَ كِتَابًا.
٤٥٣١ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يَخْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرِو
ابْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ عَلي، زادَ
فِيهِ: ((وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصاهُمْ وَيَرُدُّ مُشِدُّهُمْ عَلَى مُضْعِفِهِمْ وَمُتَسَرِّيهِمْ عَلَى
(٢)
قاعِدِهِمْ))(٢).
باب إيقاد المسلم بالكافر
[٤٥٣٠] (ثنا أحمد بن حنبل ومسدد قالا: ثنا يحيى بن سعيد) قال
(ثنا سعيد بن أبي عروبة) مهران، أحد الأعلام البصريين (عن قتادة،
(١) رواه النسائي ١٩/٨، وأحمد ١٢٢/١.
قال الشيخ أحمد شاكر في ((شرح المسند)) ٢١٣/٢ (٩٩٣): إسناده صحيح.
وقال الألباني في ((الإرواء)) ٢٦٧/٧: رجاله ثقات رجال الشيخين.
(٢) تقدم برقم (٢٧٥١). ورواه ابن الجارود في ((المنتقى)) (١٠٧٣)، والبيهقي ٢٩/٨.
وصححه الألباني في ((الإرواء)) (٢٢٠٨).

٦١٥
- كتاب الديات
عن الحسن، عن قيس بن عباد) بضم المهملة، وتخفيف الموحدة، رضى عنه
(قال: انطلقت أنا والأشتر) النخعي، من أمراء علي نظابه (إلى علي) بن
أبي طالب رَظُه (فقلنا) له (هل عهد إليك) أي: أوصاك (نبي الله وَل
شيئا لم يعهده) قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾(١) (إلى الناس
عامة؟) العامة خلاف الخاصة (قال: لا، إلا ما في كتابي هذا. قال
مسدد) في روايته (فأخرج كتابًا [وقال أحمد: كتابًا](٢) من قراب) بكسر
القاف (سيفه) أي: وهو وعاء من جلد يدخل فيه السيف بغمده،
وقيل: هو غمده الذي يوضع فيه.
والظاهر أن سبب اقتران الكتاب بالسيف الإشعار بأن مصالح الدين
ليست بالسيف وحده، بل بالقتل بالسيف تارة وبالدية تارة وبالعفو أخرى
(فإذا فيه: المؤمنون تتكافأ) بهمز آخره، أي: تتساوى (دماؤهم) في
القصاص والديات، الشريف والمشروف، فيقتل السلطان بسائس
الدواب وآحاد الرعية، والكفؤ المثل، قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ
كُفُوَا أَحَدّ ﴾﴾(٣).
(وهم يد) أي: يد واحدة (على من سواهم) أي: أنهم مجتمعون يدًا
واحدة على غيرهم من أرباب الملل والأديان، فلا يسع أحدا منهم أن
يتقاعد عن نصرة أخيه المسلم، بل يكونوا كعضو واحد إذا اشتكى
بعضه تداعى له سائر الجسد (ويسعى بذمتهم) أي (٤): بأمانهم
(١) يس: ٦٠.
(٢) من المطبوع.
(٤) ساقطة من (ل).
(٣) الإخلاص: ٤.

٦١٦
وعهدهم (أدناهم) أي: إن أدنى المسلمين إذا أعطى أحدًا أمانًا أو عهدًا
كان على الباقين موافقته، وأن لا ينقضوا عهده، ولا ذمته (ألا لا يقتل
مؤمن بكافر) فيه دليل على أن المسلم لا يقتل بالذمي(١) قصاصًا،
وعليه مالك والشافعي وأحمد(٢)، وذهبت الحنفية إلى أنه يقتل به (٣)؛
لما روى عبد الرحمن بن البيلماني أن رجلًا من المسلمين قتل رجلاً
من أهل الذمة، فأمر رسول الله وَله بقتله(٤).
قال البيضاوي: إنه منقطع لا احتجاج به، ولأنه روي أن الكافر الذي
في الحديث كان رسولًا فيكون مستأمنًا لا ذميًّا، والمستأمن لا يقتل به
المسلم وفاقًا، ثم إن صح الحديث فهو منسوخ؛ لأنه روي أنه كان
قبل الفتح وقال ◌َله يوم الفتح في خطبة خطبها على درجة البيت
الشريف: (( لا يقتل مؤمن بكافر))(٥) (ولا ذو عهد) أي: ولا يقتل
(١) في (م): بالكافر. وفي هامشها: بالذمي.
(٢) انظر: ((الذخيرة)) للقرافي ٣٢٠/١٢، ((الحاوي الكبير)) ١١/١٢، ((روضة الطالبين))
١٥٠/٩، ((المغني)) لابن قدامة ٤٦٥/١١ - ٤٦٦.
(٣) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٥٧/٥، ((بدائع الصنائع)» ٢٣٧/٧.
(٤) رواه أبو داود في (المراسيل)) (٢٥٠)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٤٠٨/٥
(٢٧٤٦٠)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ١٩٥/٣، والدارقطني ١٣٥/٣،
والبيهقي ٥٦/٨.
وقال الألباني في ((الضعيفة)) (٤٦٠): منكر.
(٥) رواه أحمد ٢/ ١٨٠، ٢١٥، وابن الجارود في ((المنتقى)) (١٠٥٢)، والبيهقي في
((السنن الكبرى)) ٥٤/٨، وفي ((السنن الصغير)) ٢١٠/٣، والبغوي في ((شرح السنة))
١٠/ ٢٠٢ - ٢٠٣ (٢٥٤٢) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.
وصححه ابن خزيمة ٢٦/٤ (٢٢٨٠).

٦١٧
= كتاب الديات
مشرك أعطي أمانًا وعهدًا حتى دخل دار الإسلام، فلا يقتل ما دام(١) (في
عهده) وأمانه حتى يعود إلى مأمنه، وقيل: تقديره: ولا يقتل ذو عهد في
عهده بكافر. ومعنى ذلك وبيانه أن له تأويلين مقتضى أختلاف المذهبين.
فأما من ذهب إلى أن المسلم لا يقتل بالكافر مطلقا معاهدًا كان أو
غير معاهد، وهو مذهب الشافعي(٢) فإنه حمل اللفظ على ظاهره ولم
يضمنه شيئًا، فقال: (( لا يقتل مسلم بكافر)) والكافر من خالف ملة
الإسلام سواء كان مشركًا أو كتابيًّا معاهدًا أو غير معاهد. فأما قوله:
((ولا ذو عهد في عهده)) فمعناه عند الشافعي: نهي عن قتل المعاهد،
قال: وفائدة ذكره هنا بعد قوله: ((لا يقتل مسلم بكافر)) لأنه لما نفى
القود عن المسلم إذا قتل الكافر عقبه بقوله: (ولا ذو عهد في عهده))
لئلا يتوهم متوهم أنه قد نفى عنه القود بقتله الكافر؛ فيظن أن المعاهد
لو قتله كان حكمه كذلك(٣)، فقال: ولا يقتل ذو عهد في عهده
ويكون الكلام معطوفًا على ما قبله منتظمًا في سلكه من غير تقدير
شيء، وأما من ذهب إلى أن المسلم يقتل بالذمي -وهو أبو حنيفة-
فاحتاج إلى أن يضمر في الكلام شيئًا مقدرًا ويجعل فيه تقديمًا
وتأخيرًا، فيكون التقدير: لا يقتل مسلم ولا ذو عهد في عهده بكافر.
فكأنه قال: ولا يقتل مسلم ولا كافر بمعاهد بكافر قد يكون معاهدًا
وغير معاهد.
(١) في (ل)، (م): أيام. والتصحيح من حاشية (ل).
(٢) أنظر: ((الحاوي الكبير)) ١٢/ ١١.
(٣) ((الأم)) ط. دار الوفاء ١٣٥/٩.

٦١٨
(من أحدث حدثًا) بفتح الدال، والحدث الأمر الحادث، والمراد أن
من أحدث في الدين أمرًا حادثًا ليس منه ولا على طريقته وشريعته (فعلى
نفسه) أي: فهو مردود عليه، أي: يرجع وباله عليه لا على غيره، كما في
الحديث: ((من أحدث(١) في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد))(٢) أي: مردود
عليه (ومن أحدث حدثا) قال ابن الأثير: الحدث: الجناية والجرم.
(أو آوى) بالمد، أي: ضم إليه (محدثًا) وهو الذي وقعت منه جناية
وإثم، وحماه من أن يقتص منه ما وقع فيه (فعليه لعنة الله) أي: إبعاده من
رحمته، وأصل اللعن الطرد والإبعاد.
وقيل: اللعنة من العباد الطرد، ومن الله تعالى العذاب (والملائكة
والناس أجمعين) وأجاز الحسن رفع (الملائكة) و(الناس)
و(أجمعون)، وتأويلها: أولئك جزاؤهم أن يلعنهم الله ويلعنهم
الملائكة ويلعنهم الناس أجمعون، كما تقول: كرهت قيام زيد وعمرو
وخالد. فيعطف على المعنى لا على اللفظ.
قال ابن العربي: قال لي كثير من أشياخي: إن الكافر المعين لا
يجوز لعنه؛ لأن حاله عند الوفاة لا يعلم، وقد شرط الله في إطلاق
اللعنة الموت على الكفر(٣). وأما لعن العاصي مطلقًا فيجوز إجماعًا؛
لما في الحديث: ((لعن الله السارق يسرق البيضة)) (٤) فإن قيل: ليس
(١) في (ل)، (م): أخذ.
(٢) رواه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨) من حديث عائشة.
(٣) ((أحكام القرآن)) ١/ ٧٤.
(٤) رواه البخاري (٦٧٨٣، ٦٧٩٩)، ومسلم (١٦٨٧) من حديث أبي هريرة.

٦١٩
- كتاب الديات
يلعنهم جميع الناس؛ لأن (١) قومهم لا يلعنونهم.
فالجواب أن اللعنة من أكثر الناس يطلق عليها لعنة جميع الناس
تغليبًا لحكم الأكثر على الأقل. وقال السدي: كل أحد يلعن الظالم،
فإذا لعن الكافر الظالم فقد لعن نفسه(٢).
(قال مسدد عن ابن أبي عروبة).
[٤٥٣١] (ثنا عبيد الله) بالتصغير (ابن عمر) القواريري، حدث بمائة
ألف حديث، قال (ثنا هشيم، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن شعيب،
عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله وَّر. ذكر نحو حديث علي) بن أبي
طالب.
و(زاد فيه: ويجير) أي: من أستجاره، ويمنعه من الظلم (عليهم) من
(أقصاهم) إلى أدناهم، والمراد أن المسلمين كعضو واحد ونفس منفردة،
فإذا أعطى أحد منهم -ولو كان أدناهم- الأمان الحربي أو غيره نفَّذ غيره
من المسلمين كبيرهم وصغيرهم أمانه، ولا يجوز لأحد منهم أن ينقض
ذمته وعهده، ولو كان عبدًا أو أمة.
(ويرد مشدهم) بضم الميم، وكسر الشين المعجمة، وتشديد الدال،
وهو الذي دوابُّه قوية شديدة (على مضعفهم) بضم الميم، وكسر العين،
الذي دوابه ضعاف، يقال: هو ضعيف مضعف، فالضعف في بدنه
والمضعف في دابته، [كما يقال: فلان قوي مقوى. فالقوي في نفسه،
(١) في (ل)، (م): لا.
(٢) ذكره القرطبي في ((الجامع لأحكام القرآن)) ١٧٤/٢، ورواه بنحوه الطبري في
((جامع البيان)) ٢/ ٥٨.

٦٢٠
والمقوى في دابته](١) والظاهر أن الهمزة في أضعف وأقوى للصيرورة
كما يقال: أحصد الزرع. أي: صار ذا سنبل يحصد، وألام إذا صار
ذا فعل يلام عليه، وأصرم النخل صار ذا تمر يصلح للصرام
(ومتسريهم) بفتح التاء، والسين، وتشديد الراء المكسورة، المتسري
هو الذي خرج في السرية إلى قصد العدو، وهم طائفة من الجيش
توجهوا إلى الغزو، والمعنى أنه يرد من مضى في السرية من سهمه
الذي حصل له من الغنيمة (على قاعدهم) أي: القاعد منهم، فهذا من
باب المواساة، كما أن الغني يواسي الفقير في الإقامة.
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من (م).