Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ = كتاب العلم ويدخل في النهي من المسائل ما لا يدركه إلا بالتوقيف عليه ولا يدرك بالتأمل والفكر، فإن هذا إتعاب للأنفس وضياع في الأزمنة، فإن المسائل التي تدرك غالبًا بغزارة العلم وجودة القريحة مثل قولنا : مال يضمن كله ولا يضمن جزؤه، ومال يضمن جزؤه ولا يضمن كله. فهذا كثير الفوائد، ويدل على جواز مثل هذا حديث ابن عمر في الصحيحين: ((إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المؤمن، حدثوني ما هي؟)) (١). [٣٦٥٧] (حدثنا الحسن بن علي) الخلال شيخ الشيخين أو الواسطي (٢)، وهو صدوق (حدثنا أبو عبد الرحمن(٣)) عبد الله بن يزيد (المقرئ، ثنا سعيد(٤) بن أبي أيوب) المصري (عن بكر بن عمرو) المعافري المصري إمام جامعها، عابد قدوة، أخرج له الشيخان (عن مسلم بن يسار) المصري (أبي عثمان) أخرج ه البخاري في كتاب ((الأدب))، وذكره ابن حبان في (الثقات))(٥) الطنبذي بضم الطاء المهملة وسكون النون نسبة إلى طنبذا قرية من قرى مصر من أعمال البهنسا، قال ابن السمعاني(٦): رضيع عبد الملك بن مروان، روى له مسلم بن (١) ((صحيح البخاري)) (٦١)، ((صحيح مسلم)) (٢٨١١). (٢) كذا قال المصنف على الشك، وإنما هو الخلال جزمًا كما في ترجمة شيخه أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ، من ((التهذيب)) ٣٢٠/١٦. (٣) فوقها في (ل): (ع). (٤) فوقها في (ل): (ع). (٥) ((الثقات)) ٣٩٠/٥. (٦) في (ل)، (م): النعماني. ١٠٢ الحجاج في ((صحيحه)) حديثًا واحدًا في صدر كتابه(١). كذا قال. (عن أبي هريرة ◌َظُه: قال رسول الله وَّه: من أفتى) بفتح الهمزة والتاء، وفي بعض النسخ المعتمدة من ابن ماجه (٢) بضم الهمزة وكسر التاء، مبني لما لم يسم فاعله، وعلى هذا فالمعنى: من أستفتى أحدًا من المفتين فأفتاه (بغير علم) عنده من الكتاب والسنة ونظر في استدلال، بل استحيا أن يقول: لا أدري. حرصًا على رئاسته. ورواية ابن ماجه: ((بغير ثبت)) أي: تثبت في فتواه ومراجعه (كان إثمه) ولابن ماجه: ((فإنما إثمه)) (على من أفتاه) بغير الصواب، لا على المستفتي المقلد، ويحتمل أن الإثم على من أذن له في الفتوى، ويدل على أن ابن ماجه ذكر هذا الحديث عقب حديث: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالم)) [وفي رواية: ((إذا لم يُبق عالمًا))](٣) ((اتخذ الناس رؤوسًا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا))(٤) وهذا لفظ روايته. وأما المعنى على الرواية الأولى بفتح الهمزة والتاء فيحتمل أن يقال: معناه: من أفتى الناس بغير علم كان إثمه على من أذن له في الفتوى، ورخص له في ذلك. ومعنى (إثمه على من أفتاه) أي: أجازه (١) ((الأنساب)) ٨٦/٩ - ٨٧. (٢) ((سنن ابن ماجه)) (٥٣). (٣) ما بين المعقوفتين ساقط من (م). (٤) ((سنن ابن ماجه)) (٥٢). ١٠٣ = كتاب العلم بالإفتاء، وهذا مما ورد في قوله وَ له: ((الإثم (١) ما حاك في صدرك وإن أفتاك الناس وأفتوك)) (٢). قال في ((النهاية)): معناه وإن جعلوا لك رخصة فيه وجوازا(٣). فلا يلتبس بما حاك في نفسك أنه إثم؛ فإن الله هو الذي أجراه. قال المصنف (وحدثنا سليمان بن داود) بن حماد أبو الربيع المهري، قال النسائي: ثقة (٤). (حدثنا) عبد الله (ابن وهب قال: حدثني يحيى(6) بن أيوب) الغافقي المصري (عن بكر بن عمرو، عن عمرو بن أبي نعيمة) بضم النون المعافري ([عن أبي عثمان] (٦) الطنبذي) بضم الطاء المهملة كما تقدم في سند هذا الحديث عن ابن السمعاني، وأنه (رضيع عبد الملك بن مروان) أحد الخلفاء (قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله وَ له: من أفتى بغير علم كان إثمه على من أفتاه) كما تقدم. (١) ساقطة من (م). (٢) صدره رواه مسلم (٢٥٥٣) من حديث النواس بن سمعان، ورواه بتمامه أحمد في «المسند» ٢٢٨/٤، والدارمي في ((سننه)) ١٦٤٩/٣ (٢٥٧٥) وأبو يعلى ١٦٠/٣ (١٥٨٦) والطبراني ٢١/١٦ (١٧٨٥٨) من حديث وابصة بن معبد. قال الهيثمي في ((المجمع)) ١/ ١٧٥: رواه أحمد وأبو يعلى، وفيه أيوب بن عبد الله ابن مكرز، قال ابن عدي: لا يتابع على حديثه، ووثقه ابن حبان. (٣) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٤١١/٣. (٤) انظر: ((تهذيب الكمال)) ٤١٠/١١. (٥) فوقها في (ل): (ع). (٦) ما بين المعقوفتين ساقط من (ل)، (م)، والمثبت من ((سنن أبي داود)). ١٠٤ (زاد سليمان) بن داود (المهري) بفتح الميم وسكون الهاء، نسبة إلى مهرة بن حيدان قبيلة من قضاعة كما تقدم (في حديثه: ومن أشار على أخيه) المسلم الذي أستشاره واستنصحه (بأمر يعلم أن الرشد في غيره) أو يغلب على ظنه أنه الصواب، ويدخل في إطلاق الحديث من استشاره بغير الرشد، ومن أشار عليه ابتداء دون استشارة بغير الرشد (فقد خانه) في الانتقاص من حقه؛ فإن حق الأخوة النصح، ففي ((صحيح مسلم): ((حق المسلم على المسلم ستة)) وفيها: ((إذا استنصحك فانصح له))(١) فالنصح واجب لظاهر هذا الأمر ولغيره. (وهذا) الشطر الأخير (لفظ سليمان) بن داود المهري دون الحسن بن علي. (١) (صحيح مسلم)) (٢١٦٢/ ٥) من حديث أبي هريرة. ١٠٥ - كتاب العلم ٩ - باب كَرَاهِيَةٍ مَنْعِ العِلْمِ ٣٦٥٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمّادٌ، أَخْبَرَنا عَلِيُّ بْنُ الحَكَم، عَنْ عَطاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ: «مَنْ سُئِلَ، عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أَلْجَمَهُ اللهُ بِلِجامٍ مِنْ نارٍ يَوْمَ القِيامَةِ))(١). باب كراهية منع العلم [٣٦٥٨] (حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد) بن سلمة (أنا علي ابن الحكم) البناني، أخرج ه البخاري في الإجارة (عن عطاء) بن أبي رباح (عن أبي هريرة ظنّه: قال رسول الله وَّل: من سئل عن علم) يعلمه (فكتمه) وله في (٢) رواية أخرى مبينة للعلم من رواية أبي سعيد الخدري بلفظ: ((من كتم علما مما ينفع الله به في أمر الناس في الدين))(٣). وله من رواية أخرى: ((ما من رجل يحفظ علمًا فيكتمه إلا أتى يوم القيامة ملجمًا بلجام من نار))(٤) ولابن ماجه أيضًا من رواية (١) رواه الترمذي (٢٦٤٩)، وابن ماجه (٢٦١)، (٢٦٦)، وأحمد ٢٦٣/٢، ٣٠٥، ٣٤٤، ٤٩٥، ٤٩٩، ٥٠٨، وابن حبان (٩٥). وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٦٢٨٤). (٢) ساقطة من (م). (٣) رواه ابن ماجه (٢٦٥)، وقال البوصيري في ((مصباح الزجاجة)) ٤٠/١: هذا إسناد ضعيف فيه محمد بن داب كذبه أبو زرعة ((علل الحديث)) لابن أبي حاتم ١٣٢/٤، وغيره، ونسب إلى وضع الحدیث. وقال الألباني في ((ضعيف ابن ماجه)) (٥٦): ضعيف جدًّا. (٤) رواه ابن ماجه (٢٦١) من حديث أبي هريرة. ١٠٦ جابر: قال رسول الله وَله: ((إذا لعن آخر هذه الأمة أولها فمن كتم حديثًا فقد كتم ما أنزل الله)) (١) وفيه أنقطاع. وحمله سحنون المالكي على كتمان الشهادة التي يحملها، قال ابن العربي: والصحيح خلافه؛ لأن لفظ الحديث: ((من سئل عن علم)) ولم يقل: عن شهادة. والعمل على بقاء الحديث على ظاهره حتى يأتي مخصص له كما سيأتي، فما كان من العلوم غير نافع في الدين جاز كتمه، لا سيما إن كان مع ذلك خوف، فإن ذلك آكد في الكتمان، فقد كتم أبو هريرة راوي الحديث حين خاف فقال: حفظت من رسول الله ◌َ ﴾ وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثئته لقطع هذا البلعوم. أخرجه البخاري(٢). قال العلماء: وهذا الذي لم يبثئه وخاف على نفسه فيه الفتنة أو القتل إنما هو فيما يتعلق بأمر الفتن، والنص على أعيان المرتدين والمنافقين، ونحو ذلك. وقد استدل بهذا الحديث والآية التي قال أبو هريرة عنها: لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم. وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَاَلْهُدَى﴾(٣) على وجوب تبليغ العلم وإظهاره للانتفاع به، ودل وحسنه الألباني في ((صحيح ابن ماجه)) (٢١٠). (١) رواه ابن ماجه (٢٦٣)، قال البوصيري في ((مصباح الزجاجة)) ٣٩/١: هذا إسناد فيه الحسين بن أبي السري كذاب، وعبد الله بن السري ضعيف، وذكر المزي في ((الأطراف)» ٣٦٨/٢ أن عبد الله بن السري لم يدرك محمد بن زكريا عن عنبسة بن عبد الرحمن عن محمد بن زاذان عن محمد بن المنكدر. (٢) ((صحيح البخاري)) (١٢٠). (٣) البقرة: ١٥٩. ١٠٧ = = - كتاب العلم : الحديث بتخصيصه على أن ما لا ينتفع به في الدين لا يجب إظهاره ولا تعليمه، فلا يجوز تعليم الكافر القرآن والعلم حتى يسلم، وكذلك لا يجوز تعليم المبتدع الجدال والحجاج ليجادل به أهل الحق، ولا يعلم الخصم على خصمه حجة يقتطع بها ماله، ولا يعلم المفتي المستفتي حيلا يتوصل بها إلى أكل مال غرمائه بالباطل، ولا يعلم السلطان تأويلًا يتطرق به على مكاره الرعية، ولا تنشر الرخص عند السفهاء؛ فيجعلوا ذلك طريقًا إلى أرتكاب المحذورات وترك الواجبات؛ لما روي عن النبي وَ ل : ((لا تعلقوا الدر في أعناق الخنازير))(١). وروى ابن ماجه عن أنس: ((واضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر واللؤلؤ))(٢). يريد تعليم الفقه لمن ليس من أهله. (ألجمه الله تعالى بلجام من نار يوم القيامة) في هذا بيان تعظيم تحريم كتمان العلم المحتاج إلیه، فإن التحریم یزید بزيادة الاحتیاج، کمن یری (١) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ١٤١/٤٣، وابن الجوزي في ((الموضوعات)) ٢٣٢/١ من حديث أنس. قال ابن الجوزي: قال الدارقطني: تفرد به يحيى بن عقبة. قال المصنف: قلت: وهو المتهم به، قال يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به بحال. (٢) رواه ابن ماجه (٢٢٤). قال البوصيري في ((مصباح الزجاجة)) ١/ ٣٠: هذا إسناد ضعيف؛ لضعف حفص ابن سليمان البزاز. وضعفه الألباني جدًّا في ((ضعيف الجامع)) (٣٦٢٦). وقال في ((ضعيف ابن ماجه)) (٤٢): صحيح دون قوله: ((وواضع العلم ... )) إلخ، فإنه ضعيف جدًّا. ١٠٨ رجلًا حديث عهد بالإسلام ولا يحسن الصلاة وقد حضر وقتها فيقول: علمني أصلي. ومقتضى هذا الحديث أن الكاتم للعلم يفعل به ما فعل بالناس في الدنيا، فكما ألجم نفسه في الدنيا بلجام السكوت يلجمه الله يوم القيامة بلجام من نار؛ ليظهر للناس في الآخرة كتمه للعلم الذي تفضل الله عليه به في الدنيا فكتمه عن خلقه، فيجمع له يوم القيامة بين العقوبة بلجام النار ومذمة الناس له في الموقف وشهرته بذلك. كما أن من أظهر العلم ونشره للناس ورفع بعضهم به في الدنيا بتعليمه يرفعه الله تعالى يوم القيامة على منابر من نور؛ ليظهروا للناس ويقصدوهم بالشفاعة؛ فإنهم يشفعون بعد الأنبياء، جعلنا الله تعالى منهم. ١٠٩ - كتاب العلم ١٠ - باب فَضْلٍ نَشْرِ العِلْمِ ٣٦٥٩- حَدَّثَنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قالا: حَدَّثَنا جَرِيرٌ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ مَّهِ: (تَسْمَعُونَ وَيُسْمَعُ مِنْكُمْ وَيُسْمَعُ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْكُمْ))(١). ٣٦٦٠- حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ، حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ شُعْبَةَ حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ سُلَيْمانَ - مِنْ وَلَدِ عُمَرَ بْنِ الَخْطَّابِ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهَ يَقُولُ: ((نَضَّرَ اللهُ أَمْرَأْ سَمِعَ مِنّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ فَرُبَّ حامِلٍ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ وَرُبَّ حامِلٍ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيٍ))(٢). ٣٦٦١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبي حازِمِ، عَنْ أَبِیهِ، عَنْ سَهْلٍ - يَعْني: ابن سَعْدٍ - عَنِ النَّبيِّ ◌َّهِ قالَ: ((والله لأَنْ يُهْدِى بِهُداكَ رَجْلٌ واحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ )) (٣). باب فضل نشر العلم [٣٦٥٩] (حدثنا زهير بن حرب وعثمان بن أبي شيبة قالا: حدثنا جرير) بن عبد الحميد بن قرط الضبي. (عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله) الرازي قاضي الري، وثقه ابن (١) رواه أحمد ٣٢١/١، والبزار (٥٠٥٤)، وابن حبان (٦٢)، والحاكم ١/ ٩٥. وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (١٧٨٤). (٢) رواه الترمذي (٢٦٥٦)، وابن ماجه (٢٣٠)، وأحمد ١٨٣/٥، والدارمي (٢٣٥)، والنسائي في ((الكبرى)) (٥٨٤٧). وصححه الألباني في («الصحيحة» (٤٠٤). (٣) رواه البخاري (٢٩٤٢)، ومسلم (٢٤٠٦). ١١٠ حنبل(١) وغيره (عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما: قال رسول الله وتلقى: تسمعون) بفتح التاء وسكون السين (ويسمع) بضم أوله وفتح ثالثه مبني للمجهول (منكم) يشبه أن يكون خبرًا في معنى الأمر، أي: لتسمعوا مني الحديث وتبلغوه عني، وليسمعه من بعدي منكم، وهُذا نحو قوله التَّة: ((تصدق رجل بديناره ودرهمه))(٢) أي: ليتصدق، جمع عليه ثيابه(٣). أي: ليجمع. وقوله العَّ في دعاء المسافر إذا أسحر (٤): ((سمع سامع))(٥) أي: ليسمع سامع وليبلغ، ويجوز أن يقرأ (تسمِّعون) بتشديد الميم أي: تبلغون ما سمعتم مني، كما روي في ((سمع سامع)) أن (سمَّع) بفتح السين، والميم المشددة. قال القاضي: معناه: بلغ مني من سمع قولي (٦). وكلا الحديثين فيهما دليل على نشر العلم وإظهاره وتبليغه لمن لم يسمعه ولا علمه (ويُسمَع) بضم أوله، وفتح ثالثه مخففا مبني للمجهول (ممن يسمع) بفتح أوله، وسكون ثانيه أي: ويسمع الغير من الذي يسمع منكم حديثي، وكذا من بعدهم يسمع منهم، وهلم جرا؛ ليشتهر العلم ويظهر لمن يسمعه ويعمل به، ومن هذا المعنى: ((ليبلغ الشاهد منكم الغائب))(٧) والحديث الذي (١) أنظر: (مسائل صالح)) (١٣٤٩)، ((الجامع لعلوم الإمام أحمد)» ٥٢٣/١٧. (٢) رواه مسلم (١٠١٧) من حديث جرير بن عبد الله. (٣) رواه البخاري (٣٦٥) عن عمر. (٤) ساقطة من (م). (٥) سيأتي برقم (٥٠٨٦) من حديث أبي هريرة. (٦) ((إكمال المعلم)) ٢١٤/٨. (٧) رواه البخاري (٦٧)، ومسلم (٣٠/١٦٧٩) من حديث أبي بكرة. ١١١ - كتاب العلم يأتي بعده، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. [٣٦٦٠] (حدثنا مسدد، حدثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن شعبة قال: حدثني عمر بن سليمان) العدوي (من ولد عمر بن الخطاب) وثقه ابن معين(١)، روى له الأربعة (عن عبد الرحمن بن أبان) غير منصرف وهو: ابن عبد الرحمن(٢) الأموي، وثقه النسائي(٣)، حكى الواقدي عن [محمد بن موسى بن محمد](٤) قال: ما رأيت أجمع للدين والشرف منه(٥). (عن أبان) بن عثمان بن عفان (عن زيد بن ثابت منه ضى قال: سمعت رسول الله وَله يقول: نضر الله) بتشديد الضاد وتخفيفها. قال الخطابي: أجودهما التخفيف(٦). يقال: نضَره ونضَّره وأنضره ثلاث لغات، ومعناه الدعاء له بنضارة الوجه، وهي النعمة والبهجة والحسن والبريق. والمراد هنا: ألبسه الله حسن الخلقة وخلوص اللون والبهجة، فيكون تقديره: جَمَّله الله وذريته. وقيل: أوصله الله إلى نضرة الجنة، وهو نعيمها ونضارتها، قال الله تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَصْرَةَ (١) أنظر ((الجرح والتعديل)) ٦/ ١١٢. (٢) كذا في الأصول: عبد الرحمن، وهو خطأ، والصواب: ابن عثمان بن عفان، أنظر ترجمته في (تهذيب الكمال)» ١٦/ ٤٩٢. (٣) ((تهذيب الكمال) ١١٩/٦. (٤) ما بين المعقوفتين في (م): محمد بن موسى. وصوابه موسى بن محمد بن إبراهيم، أنظر: ((الطبقات الكبرى)) (ص٢٠٨)، ((تهذيب الكمال)) ٤٩٢/١٦، ويؤيده ما في ((سير أعلام النبلاء)) ١٠/٥ حيث قال: موسى التيمي. (٥) رواه عنه ابن سعد في ((الطبقات)) الجزء المتمم (ص٢٠٨). (٦) ((معالم السنن)) ٤/ ١٧٢. ١١٢ (®﴾(١) وقيل: ليس هذا من الحسن، إنما معناه: حسن الله وجهه النَّعِيمِ في الناس. أي: رفع جاهه وقدره؛ ولهذا من كانت هذِه صفته من المحدثين إلا كان عليه النضرة والبهجة كما أخبر وَل ببركة دعائه. (امرأ سمع منا حديثا فحفظه) بكسر الفاء، ولابن ماجه وأحمد: ((نضر الله عبدا سمع مقالتي فحفظها ووعاها)) (٢) وفيه اعتناء الطالب بحفظ ما سمعه، فإن نتيجة العلم الحفظ ليبلغ ويعمل. (حتى يبلغه) (( من لم يسمعه)) كما في رواية (٣)، وفيه فضيلة تبليغ الحديث والآثار إلى من لم يسمعها، ونسخها في معنى التبليغ، فرب حامل فقه بالحفظ ويدخل فيه حمل كتبه إلى من هو أفقه منه، فيه أن الفقيه لا يستنكف أن يأخذ الفقه ممن هو دونه، بل يكون حريصا على تحصيل الفائدة حيث كانت؛ فقد كان جماعة من السلف يستفيدون من طلبتهم ما ليس عندهم، قال الحميدي وهو تلميذ الشافعي: صحبت الشافعي من مكة إلى مصر فكنت أستفيد منه المسائل، ويستفيد مني الحدیث(٤). (فرب حامل فقه) وهو (ليس بفقيه) هذا قد وجد في زماننا، وكثير في (١) المطففين: ٢٤. (٢) ((سنن ابن ماجه)) (٢٣٠)، من حديث زيد بن ثابت ((مسند أحمد)» ٨٠/٤ من حديث جبير بن مطعم. (٣) رواها أحمد ٨٠/٤، وأبو يعلى ٣٣٥/١٣ (٧٤١٣)، والطبراني ١٢٦/٢ (١٥٤١) من حديث جبير بن مطعم. (٤) أنظر: ((تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم)) (ص٢٩). ١١٣ = كتاب العلم طلبة العلم؛ لأجل العلو(١) في الوظائف من الخير وغيره، فيقرؤون كتب الفقه ويحملونه بالحفظ والعرض في أوقات العراضة، فترى الطالب يقرأ كتاب الفقه يحفظ ألفاظه، وإذا سئل عن مسألة يقول: في أي باب حتى أقول لك الباب؟! فيقتصرون على الحفظ دون أن يتصوروا مسائله، ولا يعرفون أدلته، فربما استفتي الفقيه عن نسخة يكشف منها، فهو حامل للفقه وليس بفقيه. وهذا علم من أعلام النبوة في إخباره عن المغيبات قبل وقوعها، فنحن في زمان كثير حفاظه قليل فقهاؤه. [٣٦٦١] (حدثنا سعيد بن منصور) بن شعبة الخراساني، ويقال: الطالقاني (حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم) الأسلمي (عن أبيه) أبي حازم سلمة بن دينار الأعرج المدني الزاهد، ومن كلامه: يسير الدنيا يشغل عن كثير الآخرة (عن) راويه (سهل بن سعد) الساعدي ضرعنه (عن النبي ◌َّ) أنه (قال) لعلي بن أبي طالب حين أعطاه [الراية](٢) يوم وقعة خيبر (والله لأن) بفتح اللام(٣) التي هي جواب القسم، وفتح همزة (أن) المصدرية الناصبة للمضارع (يهدى) بضم أوله، وفتح ثالثه مبني للمفعول، ولفظ البخاري: ((فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا)» (٤) (بهداك) أي: لأن ينتفع بك رجل واحد بشيء من أمور (١) في (ل)، (م): العلوم، والمثبت هو الأنسب للسياق. (٢) ليست في النسخ، وأثبتناها ليستقيم السياق. (٣) في (ل)، (م): الهمزة، والجادة ما أثبتناه. (٤) ((صحيح البخاري)) (٣٠٠٩). ١١٤ الدين بما يسمعه منك أو يراك عملته، فيقتدي بك فيه، ويعمل به (خير لك من حمر) بسكون الميم جمع أحمر (النعم) وبوب عليه البخاري: باب فضل من أسلم على يديه رجل. قال ابن الأنباري: حمر النعم: كرامها وأعلاها منزلة(١). وعن الأصمعي: بعير أحمر إذا لم يخالط حمرته شيء، فإن خالطت حمرته فهو كميت، والإبل الحمر هي أحسن أموال العرب، يضربون بها المثل في نفاسة الشيء، وليس عندهم شيء أعظم منه. وتشبيه أمور الآخرة بأعراض الدنيا إنما هو للتقريب إلى الأفهام، وإلا فذرة من الآخرة لا تعادلها الدنيا، وجميع ما فيها لا يعادل تلك الذرة، ولو كان مع الدنيا أمثال أمثالها. (١) ((الزاهر في معاني كلمات الناس)) ٢/ ٢٨٠. ١١٥ - كتاب العلم ١١ - باب الحَدِيثِ عَنْ بَنِي إِسْرائيلَ ٣٦٦٢ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَه: ((حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرائيلَ وَلا حَرَجَ ))(١). ٣٦٦٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعاذٌ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أَبي حَسّانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو قالَ: كانَ نَبيُّ اللهِ وَآل﴾ مُحَدِّثُنا عَنْ بَني إِسْرائِیلَ حَتَّى يُصْبِحَ ما يَقُومُ إِلّ إِلَىْ عُظْمِ صَلاةٍ(٢). باب الحديث عن بني إسرائيل [٣٦٦٢] (حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة، حدثنا علي(٣) بن مسهر) الكوفي (عن محمد بن عمرو) بن علقمة بن أبي وقاص(٤)، روى له البخاري مقرونا بغيره، ومسلم في المتابعات (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن. (عن أبي هريرة رضيبه قال رسول الله وَلخير: حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) الحرج: الضيق، ويقع على الإثم والحرام، وقيل: الحرج: أضيق الضيق، والأمر في (حدثوا) أمر إباحة، إذ لا وجوب ولا ندب فيه بالإجماع(6) أي: إذا بلغكم حديث عنهم فلا حرج في أدائه. (١) رواه أحمد ٤٧٤/٢، ٥٠٢، ١٢/٣، والبزار (٨٧٦٣)، وابن حبان (٦٢٥٤). وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٣١٣١). (٢) رواه أحمد ٤/ ٤٣٧، وابن خزيمة (١٣٤٢). وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (٣٠٢٥). (٣) فوقها في (ل): (ع). (٥) ساقطة من (م). (٤) كذا، والصواب: ابن وقاص. ١١٦ قال الشافعي: معنى حديث النبي ◌ّ (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) أي: لا بأس ولا إثم أن تحدثوا عنهم ما سمعتم، وإن استحال أن يكون في هذِه الأمة مثل ما روي أن ثيابهم كانت تطول، وأن النار كانت تنزل من السماء لتأكل القربان وغير ذلك، لا أن يحدث عنهم بالكذب، ويدل على صحة قول الشافعي ما جاء في بعض رواياته عقيب الحديث: ((فإن فيهم العجائب)) (١). وقال المزني: معناه أن الحديث عنهم إذا حدثت به -كما سمعته- حقًّا كان أو باطلا لم يكن عليك إثم ولا حرج؛ لوقوع الفترة وطولها، بخلاف الحديث عن النبي وَّر، فإنه إنما يكون الحديث به بعد العلم بصحة روايته وعدالة رواته الثقات(٢). وقيل: معناه أن الحديث عنهم ليس على الوجوب؛ لأن قوله وَلقر في أول الحديث الذي رواه البخاري في باب ما ذكر عن بني إسرائيل، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي وَّر قال: ((بلغوا عني ولو آية))(٣) هو على الوجوب. أي: بلغوا عني من القرآن ولو آية، هذا مع تكفل الله بحفظه، فتبليغ الحديث بطريق أولى، ثم قال في حديث البخاري: ((حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)) أي: لا حرج عليكم إن لم تحدثوا عنهم بشيء. (١) رواه البزار كما في ((كشف الأستار)) ١٠٨/١ (١٩٢) من حديث جابر. قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ١/ ١٩١ : رواه البزار عن شيخه جعفر بن محمد ابن أبي وكيع عن أبيه، ولم أعرفهما، وبقية رجاله ثقات. (٢) أنظر: ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٣٦١/١. (٣) ((صحيح البخاري)) (٣٤٦١). ١١٧ = كتاب العلم قال ابن حبان في ((صحيحه)) في قوله في حديث البخاري: (( بلغوا عني ولو آية)» دليل على أن السنن يقال لها: آي(١). وفيه نظر، إذ لا ينحصر التبليغ عنه في السنن، بل القرآن كذلك كما سبق، وقيل: المراد بالآية العلامة الظاهرة. أي: وإن كان التبليغ بعلامة إشارة ونحوها. [٣٦٦٣] (حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا معاذ(٢)) بن هشام الدستوائي البصري (قال: حدثني أبي(٣)) هشام بن أبي عبد الله الدستوائي (عن قتادة، عن أبي حسان) مسلم بن عبد الله، استشهد به البخاري تعليقا. (عن عبد الله ابن عمرو بن العاص ﴿يا) قال: (كان نبي الله وَّل يحدثنا عن بني إسرائيل) تحديثا من الليل (حتى يصبح) أي: حتى يقرب من الصبح (ما يقوم) فيها من حديثه عنهم (إلا إلى عظم) بضم العين المهملة (صلاة). قال في ((النهاية)): عظم الشيء: أكبره ومعظمه، كأنه أراد: لا يقوم إلا إلى الصلاة المفروضة، ومنه الحديث: فأسندوا عظم ذلك إلى ابن الدخشم(٤). أي: معظمه، ويقرب من حديث النبي ◌َّ عن بني إسرائيل أكثر الليل ما يقع في هذا من الجلوس في قراءة الدلهمة والبطال وعنترة ونحو ذلك؛ فإنهم أيضا كانوا في الفترة، فلا حرج في الكلام عنهم، حقا كان أو باطلا، فإنه لا إثم فيه. (١) ((صحيح ابن حبان)) ١٧٩/١٤. (٢) فوقها في (ل): (ع). (٣) فوقها في (ل): (ع). (٤) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٢٦٠/٣. والحديث رواه أحمد ١٣٥/٣ من حديث أنس. ١١٨ ١٢ - باب في طَلَبِ العِلْمِ لِغَيْرِ اللهِ تَعالَى ٣٦٦٤ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّغْمانِ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ أَبي طُوالَةَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعِمَرِ الأَنَّصَارِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: (( مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ څّ لا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّ لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ)). يَغْني رِيجَها(١). باب طلب العلم لغير الله [٣٦٦٤] (حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة، حدثنا سريج) بضم السين المهملة، آخره جيم (ابن النعمان) البغدادي الجوهري اللؤلؤي، أخرج له البخاري في عمرة القضاء (حدثنا فليح (٢)) بن سليمان العدوي، مولاهم المدني. (عن أبي طوالة) بضم الطاء المهملة، وتخفيف الواو (عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الأنصاري) النجاري قاضي المدينة (عن سعيد بن يسار) بالتحتانية والمهملة أبو الحباب المدني، مولى ميمونة زوج النبي وَلة. (عن أبي هريرة به قال رسول الله وَله: من تعلم علما مما يبتغى) بضم أوله، وفتح المعجمة (به) أي: يطلب به (وجه) أي: رضا (١) رواه ابن ماجه (٢٥٢)، وأحمد ٣٣٨/٢، وأبو يعلى (٦٣٧٣)، وابن حبان (٧٨)، والحاكم ١/ ٨٥. وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٦١٥٩). (٢) فوقها في (ل): (ع). ١١٩ == كتاب العلم : الله بالرفع نائب عن الفاعل (الله) أي: صلاح دين الله من العلوم الظاهرة أو الباطنة، فكلاهما فرض عين أو كفاية، فكما أن علم أحوال القلب وعلاجه من علوم الآخرة فرض عين في فتوى علوم الآخرة، والمعرض عنه هالك بسطوة ملك الملوك في الآخرة، كما أن المعرض عن الأعمال الظاهرة هالك بسيف سلاطين الدنيا بحكم فتوى علماء الدنيا، فنظر الفقهاء في فروض العين بالإضافة إلى صلاح الدنيا، وعلوم المعاملة بالإضافة إلى صلاح الآخرة، واحترز به عن العلوم التي لا يبتغى [بها] صلاح قوام الدين، بل صلاح قوام هذا العالم الظاهر وانتظام أمره، كعلوم الفلاحة والتجارة والبيطرة والحياكة، وغير ذلك من علوم الحرف والصناعات فإن من تعلمها لطلب عرض الدنيا لا يدخل في هذا الوعيد العظيم. (لا يتعلمه) هذا العلم الذي هو موضوع للعبادة الدينية (إلا ليصيب به عرضا) بفتح الراء (من الدنيا) أي: أخذ مالا من الدنيا، ويسمى متاع الدنيا عرضًا؛ لأنه عارض(١) زائل غير ثابت. قال أبو عبيدة: يقال: جميع متاع الدنيا عرض بفتح الراء، ومنه: ((الدنيا عرض يأكل منها البر والفاجر)) (٢) والعرض بسكون الراء ما سوى الدينار والدرهم (لم يجد عرف) بفتح العين، وسكون الراء (١) ساقطة من (م). (٢) رواه الطبراني ٢٨٨/٧ (٧١٥٨)، وأبو نعيم في (الحلية)) ٢٦٤/١، والبيهقي ٢١٦/٣ من حدیث شداد بن أوس. قال الهيثمي في ((المجمع)) ١٨٨/٢: فيه أبو مهدي سعيد بن سنان، وهو ضعيف جدًّا. ١٢٠ المهملتين (الجنة) والعرف هو الريح الطيبة، وقال الفارسي: يستعمل العرف غالبا في الريح الطيبة، ونادرا في غير الطيبة (يوم القيامة، يعني: ريحها) الطيب، وإن ريحها ليشم من مائة عام. وروى عبد الرزاق في كتابه موقوفا عن ابن عباس، وفيه: كيف بكم إذا قلَّت فقهاؤكم، وكثرت قراؤكم، وتفقه لغير الدين، والتمست الدنيا بعمل الآخرة(١). وروى الترمذي وابن ماجه عن ابن عمر عن النبي وَّ قال: ((من تعلم علما لغير الله، أو أراد به غير الله؛ فليتبوأ مقعده من النار))(٢). وهذا الحديث معناه التهديد والزجر عن طلب الدنيا بعمل الآخرة، وفيه دلالة أن هذا الشخص لا يجد رائحة الجنة في يوم القيامة فقط ويجد ريحها في غير يومه، وطالب العلم لله يجد رائحة الجنة؛ ليقوى بها قلبه وبدنه فيسلي همومه وأشجانه ويسر بذلك، ومن تعلمه لله وللدنيا كان بمعزل عن هذا الوعيد، وتنكير (عرضا) يتناول جميع الأعراض قليلها وكثيرها من الجاه، والمال، والرفعة. (١) ((مصنف عبد الرزاق)) ٣٥٩/١١ (٢٠٧٤٢) عن عبد الله بن مسعود ولم أجده فيه عن ابن عباس. (٢) ((سنن الترمذي)) (٢٦٥٥) وقال الترمذي: حسن غريب. ((سنن ابن ماجه)) (٢٥٨)، وضعفه الشيخ الألباني في ((الضعيفة)) (٥٠١٨).