Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
= كتاب العلم
٢٦ - العلم
١ - باب الحَثّ عَلَى طَلَبِ العِلْمِ
٣٦٤١ - حَدَّثَنا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ داوُدَ، سَمِعْتُ عاصِمَ بْنَ
رَجاءِ بْنِ حَيْوَةَ يُحَدِّثُ، عَنْ داوُدَ بْنِ جَمِيلٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: كُنْتُ جالِسًا مَعَ
أَبِي الدَّزْداءِ في مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ: يَا أَبَا الدَّزداءِ إِنِّي جِئْتُكَ مِنْ مَدِينَةِ
الرَّسُولِ بَّهَ لَجِدِيثٍ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، مَا جِئْتُ لِحَاجَةٍ. قالَ:
فَإِنّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَهِ يَقُولُ: ((مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللهُ بِهِ
طَرِيقًا مِنْ ظُرُقِ الجَنَّةِ، وَإِنَّ المَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَها رِضًا لِطالِبِ العِلْمِ،
وَإِنَّ العالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ في السَّمَواتِ وَمَنْ في الأَرْضِ والحِيتانُ فِي جَوْفٍَ
الماءِ، وَإِنَّ فَضْلَ العالِم عَلَى العابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلَى سَائِرِ
الكَواكِبِ، وَإِنَّ العُلَماءَ وَّرَثَةُ الأَنْبِياءِ وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينارًا وَلا دِرْهَمًا
وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظّ وافٍِ ))(١).
(١) رواه أحمد ١٩٦/٥، والترمذي (٢٦٨٢)، وابن ماجه (٢٢٣).
وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٦٢٩٧).

٦٢
٣٦٤٢ - حَدَّثَنا ◌ُحَمَّدُ بْنُ الوَزِيرِ الدِّمَشْقَيُّ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ قالَ: لَقِيتُ شَبِيبَ بْنَ
شَيْبَةَ فَحَدَّثَنِي بِهِ عَنْ عُثْمانَ بْنِ أَبِي سَوْدَةَ، عَنْ أَبِي الدَّرْداءِ -يَعْني: عَنِ النَّبِيِّ ◌َّ -
بِمَغْناهُ(١).
٣٦٤٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زائِدَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صالِحٍ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةَ: (( ما مِنْ رَجُلِ يَسْلُكُ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا
إِلَا سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقَ الجَنَّةِ، وَمَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ))(٢).
الرَّحِيَةِ﴾
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِِ
أول كتاب العلم
الحث على طلب العلم
[٣٦٤١] (حدثنا مسدد بن مسرهد، حدثنا عبد الله بن داود) بن عامر
ابن الربيع الهمداني الكوفي، أخرج له البخاري (قال: سمعت عاصم بن
رجاء بن حيوة) الكندي الفلسطيني، ويقال: الأردني، قال أبو زرعة: [لا
بأس به](٣)، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٤) (يحدث عن داود بن جميل)
بفتح الجيم، وقيل: الوليد بن جميل، ذكره ابن حبان في ((الثقات)) عن كثير
ابن قيس(6). وفي رواية لابن ماجه: كبير بن قيس. بالباء الموحدة بدل
(١) أنظر الحديث السابق.
(٢) رواه مسلم (٢٦٩٩).
(٣) ليست في (م)، (ل) والمثبت من ((الجرح والتعديل)) ٣٤٢/٦.
(٤) ((الثقات)) ٢٥٩/٧.
(٥) ((الثقات)) ٢٨٠/٦.

٦٣
=
= كتاب العلم
المثلثة(١) (قال: كنت جالسا مع أبي الدرداء) وأخرجه الترمذي وقال فيه:
عن قيس بن كثير، قال: قدم رجل من المدينة على أبي الدرداء، فذكره(٢).
قال المنذري: وفي بعض طرقه أنه جاءه رجل من أهل مدينة رسول الله
وَ لير. وفي بعضها: عن كثير بن قيس قال: أتيت أبا الدرداء وهو
جالس(٣) (في مسجد دمشق) بكسر الدال وفتح الميم، ومنهم من يكسر
الميم، والأول المشهور، نسبت إلى رجل اسمه دمشق، وقيل: دمشق
بالرومية أي: مسك يضاعف؛ لطيبها. وقيل: هي من قول العرب: ناقة
دمشق اللحم. إذا كانت خفيفة، ويقال: دمشق اللحم دمشقة: إذا ضرب
ضربًا سريعًا (٤).
(فجاءه رجل فقال: يا أبا الدرداء) واسمه عويمر (فقال: إني جئتك من
مدينة الرسول ودار الحديث بلغني أنك تحدثه) ولابن ماجه: تحدث به(٥).
وهو الأصل (عن النبي (وَل#) وفيه فضيلة الارتحال إلى مدينة رسول الله وَل
في حديث واحد كما أرتحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن
أنيس في حديث واحد، أخرجه البخاري [وبوب عليه: باب الخروج -
يعني: للسفر - في طلب العلم(٦)، والحديث الذي رحل فيه جابر
(١) (سنن ابن ماجه)) (٢٢٣) وفيه بالثاء.
(٢) ((سنن الترمذي)) (٢٦٨٢).
(٣) ((مختصر سنن أبي داود)) ٢٤٤/٥.
(٤) الذي في ((تاريخ دمشق)) ١٩/١: ويقال: دمشق الضرب دمشقة إذا ضرب ضربًا
سريعًا خفيفًا.
(٥) ((سنن ابن ماجه)) (٢٢٣).
(٦) ((صحيح البخاري)) قبل حديث (٧٨).

٦٤
أخرجه البخاري](١) في ((الأدب المفرد)(٢) وأحمد وأبو يعلى في
مسنديهما عن جابر: بلغني عن رجل حديث سمعه من رسول الله وَلچ ،
فاشتريت بعيرًا، ثم شددت عليه رحلي، فسرت إليه شهرًا حتى قدمت
الشام، فإذا عبد الله، فقلت للبواب: قل له: جابر على الباب. فقال:
ابن عبد الله؟ قلت: نعم. فخرج فاعتنقني، فقلت: حديث بلغني عنك
أنك سمعته من رسول الله وَلهم، فخشيت أن أموت قبل أن أسمعه.
فقال: سمعت رسول الله وَل يقول: ((يحشر الناس يوم القيامة عراة،
فيناديهم)) الحديث(٣) (ما جئت لحاجة) أوضحه ابن ماجه مع زيادة،
ولفظه: قال: فما جاء بك، تجارة؟ قال: لا. ولا جاء بك غيره؟ قال:
(٤)
.
(قال: إني سمعت رسول الله وَّيه يقول: من سلك طريقًا يطلب فيه)
وللترمذي وابن ماجه: ((يلتمس فيه))(٥) (علمًا) نكر (علمًا) ليتناول أنواع
العلوم الدينية(٦)، ويندرج فيه القليل والكثير -نافعًا - من فروض العين، أو
من فروض الكفاية، أو من الفضائل، حتى يدخل فيه علم الطب، إذ هو
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من (م).
(٢) ((الأدب المفرد)) (٩٧٠).
(٣) (مسند أحمد)) ٤٩٥/٣ ورواه أبو يعلى كما في ((إتحاف الخيرة)) ١٦٩/٨ (٧٧١٣)،
وذكره البخاري تعليقًا قبل حديث (٧٨)، وقبل حديث (٧٤٨١).
(٤) ((سنن ابن ماجه)) (٢٢٣).
(٥) ((سنن الترمذي)) (٢٩٤٥) من حديث أبي هريرة، ((سنن ابن ماجه)) (٢٢٣) من حديث
أبي الدرداء.
(٦) ساقطة من (م).

٦٥
- كتاب العلم
ضروري في حاجة بقاء الإنسان، والحساب إذ هو ضروري في المعاملات
وقسمة الوصايا، فإنهما من العلوم التي لو خلا البلد عمن يقوم بها أثم
أهل البلد. ويدخل فيه علم أحوال القلب المذمومة والمحمودة، ويدخل
فيه علم النحو واللغة، ومنه: علم القراءات وأصول الفقه وعلم
الحديث، ويدخل فيه علم صناعة الزراعة والحياكة والحدادة وغيرها
من الصنائع المحمودة.
(سلك الله به) وللترمذي وابن ماجه: ((سهل له))(١) (طريقا إلى الجنة)
والمراد به على الروايتين: سهل الله بسبب سلوكه في طريق تحصيله سلوك
طريق الجنة؛ لأن بالعلم يعرف السالك إلى جنة الله تعالى كيف تسلك،
فيصير كمن يسلك طريقًا يعرفها، وأما من سلك طريقًا من طرق العبادة
التي [هي] سبب لدخول الجنة من صلاة وصيام ونحوهما بغير علم (٢)،
ضل عن طريقهما وصار كخابط ليل في عشواء، فأنى يهتدي إلى مقصوده.
(وإن الملائكة لتضع أجنحتها) وقد اختلف في وضع أجنحتها، فقيل:
هو كناية عن التواضع كما أن ﴿ وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾(٣) كناية عن
التواضع وإلانة القول لهم، ورواية الترمذي: (( ما من خارج من بيته في
طلب العلم إلا وضعت له الملائكة أجنحتها رضا بما صنع))(٤).
وقيل: هو عبارة عن النزول إليه وترك الطيران والمشي معه والجلوس
(١) أنظر التخريج السابق.
(٢) ساقطة من (م).
(٣) الحجر: ٨٨.
(٤) هذا لفظ ابن ماجه (٢٢٦) من حديث صفوان بن عسال.

٦٦
عنده بسماع العلم والتبرك، كما أنهم يجلسون لذكر الله تعالى، ويحفون
مجالسيه إذ هو طلبتهم ورغبتهم.
وقيل: المراد به توقير الملائكة أهل العلم وتعظيمهم كما يوقر أهل
الدين والصلاح .
وقيل: معناه أن الملائكة تحمل طلبة العلم بأجنحتها، فيمشي عليها
وهي تعينه ليصل إلى مقصوده سريعًا. وعلى هذا فيكون الجناح حقيقة.
وقد شك بعضهم في هذا الحديث فطعن فيه وبالغ، حتى إنه استعمل
لنعاله مسامير وقال: إن كان يمشي على أجنحة الملائكة فهم يتأذون
بالمسامير، فعوقب سريعًا عاجلًا وابتلاه الله تعالى بالعقوبة عاجلا(١).
وقيل: المراد به إظلال طلبة العلم بأجنحتها في طرقهم ومجالستهم.
ومنه الحديث الآخر: ((تظلهم الطير بأجنحتها)) (٢) وجناح الطير يده
(رضا) هو مفعول لأجله. أي: تضع أجنحتها لرضا قلب طالب العلم
وتألف خاطره، فإن (لطالب العلم) حرمة عند الله تعالى ومنزلة عظيمة.
(وإن العالم) العامل بعلمه الذي ينتفع بعلمه وينتفع به (ليستغفر له من
في السماوات ومن في الأرض) توضحه رواية الترمذي بزيادة ولفظه: ((إن
(١) روى أبو طاهر السلفي في ((الطيوريات)) ٢/ ٢٧٠ (١٩٨) بسنده عن أبي داود
السجستاني قال: كان في أصحاب الحديث رجل خليج لما أن سمع بحديث النبي
وَله: ((إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع)) فجعل في نعليه حديد
مسامير وقال: أريد أن أطأ أجنحة الملائكة فأصابته الأكلة في رجله.
(٢) لم أجده مسندًا، وأظن المصنف نقله من ((النهاية في غريب الحديث والأثر))
٣٠٥/١.

٦٧
= كتاب العلم
الله وملائكته وأهل السماوات والأرض، حتى النملة في جحرها، حتى
الحوت ليصلون على معلمي الناس الخير))(١) وهذا الاستغفار يعم
الحقيقة والمجاز، كما عم: افعلوا الخير. الواجب والمندوب. أي:
يدعو لمعلم الناس الخير كل من في السماوات والأرض من ملائكة
وإنس وجن وطير ووحش ودابة لوصول نفعه إليهم؛ فإن نفع العلم يعم
الجميع بما يدعو الخليقة إليه.
(والحيتان) هذا من عطف الخاص على العام، فإن الحيتان داخلة فيما
قبله، وهو على قسمين، فإنه تارة يكون لعطف الأعلى على الأدنى، كقدم
الناس والأنبياء وبالعكس، كقَدِمَ الحاجُ حتى المشاة كما هنا، وهذا
يستعمل بـ(حتى) في الثاني دون الأول، كما في رواية الترمذي.
رواية عائشة: ((معلم الخير يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في
البحر)) (٢) ولابن ماجه: ((حتى الحيتان في الماء))(٣).
(في جوف الماء) وبمعنى إلهام الحيتان وغيرها من الحيوانات
بالاستغفار للعالم، فقيل: إنها خلقت لمصالح العباد ولمنافعهم.
والعلماء هم الذين يوصون بالإحسان إليها ونفي الضرر كما في قوله:
((وليرح أحدكم ذبيحته)) (٤) ويبينون ما يحل منها وما يحرم، و ((إن في
(١) (سنن الترمذي)) (٢٦٠٩) من حديث أبي أمامة الباهلي.
(٢) رواه البزار كما في ((الترغيب والترهيب)) للمنذري ٦٠/١، وانظر ((السلسلة
الصحیحة)» (٣٠٢٤).
(٣) ((سنن ابن ماجه)) (٢٢٣).
(٤) تقدم برقم (٢٨١٥) من حديث شداد بن أوس.

٦٨
كل كبد حرَّاء أجرًا))(١) حتى في إلقاء ما يفضل من الأطعمة ومن فتات
الخبز في الماء للسمك أجر.
(وإن فضل العالم) الذي يعلم الناس الخير (على العابد) الذي يقتصر
نفع عبادته على نفسه (كفضل القمر) إذا تكامل نوره (ليلة البدر على سائر
الكواكب) السيارة وغيرها، ولفظ الأصبهاني في معناه من رواية ابن
عمر: قال رسول الله وَله: ((فضل العالم على العابد سبعون درجة،
كل درجتين حضر الفرس سبعين عاما )) ثم زاد ما هو كالعلم؛ ليفضل
العالم على العابد، فقال في تتمة الحديث: ((وذلك لأن الشيطان يبدع
البدعة للناس، فيبصرها العالم فينهى عنها، والعابد مقبل على عبادته
لا يتوجه لها ولا يعرفها)»(٢).
وروى الأصبهاني أيضا عن أبي أمامة قال رسول الله وَله: ((يجاء
بالعالم والعابد فيقال للعابد: أدخل الجنة، ويقال للعالم: قف حتى
تشفع للناس))(٣) زاد البيهقي في روايته بلفظ: ((يقال للعالم: أثبت
حتى تشفع للناس بما أحسنت إليهم)) (٤).
(وإن العلماء ورثة الأنبياء) وحسبك بهُذِه الدرجة مجدًا وفخرًا، وبهذه
الرتبة شرفا وكرما، فكما لا رتبة فوق رتبة النبوة لا شرف فوق شرف
(١) رواه أحمد ١٧٥/٤ من حديث سراقة بن مالك، ٢٢٢/٢ من حديث عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده.
(٢) ((الترغيب والترهيب)) للأصبهاني ٩٥/٣ (٢١٤٣).
(٣) ((الترغيب والترهيب)) ١٠٠/٣ (٢١٥٧).
(٤) (شعب الإيمان)) ٢٦٨/٢ (١٧١٧) من حديث جابر، وفيه: أدبهم. بدل: إليهم.

٦٩
- كتاب العلم ـ
وارث تلك الرتبة، والعلماء ورثوا الأنبياء في سياسة إصلاح الخلق
وإرشادهم إلى النجاة في الدنيا والآخرة، فالسياسة على أربع مراتب:
الأولى: وهي العليا: سياسة الأنبياء وحلمهم على الخاصة والعامة
في ظاهرهم وباطنهم.
والثانية: الخلفاء والملوك وحكمهم على الخاصة والعامة جميعا،
ولكن على ظاهرهم لا على باطنهم.
والثالث: العلماء بالله وبدين الله الذين هم ورثة الأنبياء وحكمهم
على باطن الخاصة ولا تستطيع قوتهم على التصرف في ظواهرهم
بالإلزام والمنع، وأشرف هُذِه السياسات الأربع بعد النبوة إفادة العلم
وتهذيب نفوس الناس عن الأخلاق المذمومة المهلكة، وإرشادهم إلى
الأخلاق المحمودة والمسعدة، وهو المراد بالتعليم، فتعليم العلم من
وجه عبادة لله، ومن وجه خلافة لله، وهو أجل خلافة، فأية رتبة أجل
من كون العبد واسطة بين الله وبين خلقه في دلالتهم عليه وتعريفهم إياه.
(وإن الأنبياء لم يورثوا) من بعدهم (دينارا ولا درهما) كما يورث
غيرهم إنما (ورثوا العلم) الذي قد نقل عنهم ولا يتملك ورثته ما ترك
من أموال بني النضير، بل هو كما قال: ((ما تركت بعدي صدقة))(١).
وفيه رد للشيعة القائلين بأن النبي وَ ل يورث كما يورث غيره متمسكين
بعموم آية المواريث، معرضين كما كان معلوما عند الصحابة من الحديث
الدال على الخصوص، وهو قوله: ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما
(١) تقدم برقم (٢٩٧٤) من حديث أبي هريرة ولفظه: ((لا تقتسم ورثتي دينارًا، ما تركت
بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة)).

٧٠
تركنا صدقة)) (١) كما تقدم.
(فمن أخذه) وفي ابن ماجه: ((أخذ به))(٢) (أخذ بحظ وافر) كثير،
وأي حظ أوفر من أن يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودم الشهداء، قال
بعضهم: وهذا مع أن أعلى ما في الشهيد دمه وأدنى ما للعالم مداده،
ونقل القاضي حسين بن محمد في أول ((تعليقته)) أنه روي عن النبي وقليل
أنه قال: ((من أحب العلم والعلماء لم تكتب عليه خطيئة أيام حياته))(٣).
[٣٦٤٢] (حدثنا محمد (٤) بن الوزير) بن الحكم السلمي الدمشقي،
وثقه أبو حاتم(٥) والدارقطني(٦) (حدثنا الوليد) بن مزيد العذري بضم
العين المهملة وسكون الذال، ثقة (قال: لقيت شعيب) بن رزيق بتقديم
الراء على الزاي (بن شيبة) المقدسي، وثقه الدارقطني (٧) (فحدثني به
عن عثمان بن أبي سودة) القرشي، أدرك عبادة بن الصامت وهو مولاه
(عن أبي الدرداء) عويمر بن مالك، وكان حكيم الأمة (يعني: عن النبي
ال﴾ بمعناه) المذكور.
[٣٦٤٥] (حدثنا أحمد) بن عبد الله (بن يونس) اليربوعي (حدثنا
(١) تقدم برقم (٢٩٦٣) من حديث عمر دون قوله: ((نحن معاشر الأنبياء)).
(٢) ((سنن ابن ماجه)) (٢٢٣)، وفيه: فمن أخذه.
(٣) ورواه أيضا ابن مفلح في ((مشيخة ابن أبي الصقر)) (٧) من حديث أنس، وأورده ابن
عراق في ((تنزيه الشريعة)) ٢٢٩/١ (١٠٢).
(٤) فوقها في (ل): (د).
(٥) ((الجرح والتعديل)) ١١٥/٨.
(٦) أنظر: ((تهذيب الكمال)) ٥٨٣/٢٦.
(٧) انظر: ((تاريخ بغداد)) ٢٤٤/٩.

٧١
- كتاب العلم
زائدة (١)) بن قدامة الثقفي(٢) الكوفي (عن) سليمان بن مهران (الأعمش عن
أبي صالح) باذام مولى أم هانئ، روى عنه الأربعة.
(عن أبي هريرة ◌َظُبه قال رسول الله وَّر: ما من رجل يسلك طريقا
يطلب) لفظ مسلم: ((يلتمس))(٣) (فيه علما) فيه فضل المشي في طلب
العلم، ويلزم من ذلك فضل الاشتغال بالعلم، والمراد العلم الشرعي
بشرط أن يقصد به وجه الله تعالى، وإن كان شرطا في كل عبادة، لكن
عبادة العلماء وطلب الإخلاص منهم أبلغ؛ لأنهم يقتدى بهم وإنما
نلفت لهذا؛ لأن بعض طلبة العلم يتساهل في هذا ويغفل عنه، ولا
ينظر في الإخلاص ولا شروطه ولا يعتني به.
(إلا سهل الله له به طريق الجنة) فيه ما تقدم (ومن أبطأ) لفظ مسلم:
((بطأ)) وآخره همزة، يقال: بطأ وأبطأ بمعنىّ (به عمله لم يسرع به نسبه)
معناه: من كان عمله ناقصا، لم يلحقه نسبه بمرتبة أصحاب الأعمال،
فينبغي ألا يتكل الآدمي على شرف النسب وفضيلة الآباء، ويقصر في
العمل.
(١) فوقها في (ل): (ع).
(٢) في (م) الليثي.
(٣) ((صحيح مسلم)) (٢٦٩٩).

٧٢
٢ - باب روايةٍ حَدِيثِ أَهلِ الكِتابِ
٣٦٤٤- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتِ المَزْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ،
عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَني ابن أَبِي نَمْلَةَ الأنْصَارِيُّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ بَيْنَما هُوَ جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولٍ
اللهِ وَّهِ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنَ اليَّهُودِ مُرَّ بِجَنَازَةٍ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، هَلْ تَتَكَلَّمُ هَذِه الْجَنَازَةُ؟
فَقالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((اللهُ أَعْلَمُ)). فَقَالَ اليَهُودِيُّ إِنَّا تَتَكَلَّمُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (( ما
حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الكِتابِ فَلا تُصَدِّقُوهُمْ وَلا تُكَذِّبُوهُمْ وَقُولُوا آمَنّا باللهِ وَرُسُلِهِ فَإِنْ
كانَ باطِلًا لَمْ تُصَدِّقُوهُ وَإِنْ كانَ حَقّا لَمْ تُكَذِّبُوهُ)) (١).
٣٦٤٥- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنا ابن أَبي الزِّنادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ خارِجَةَ -
يَغْني: ابن زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - قَالَ: قَالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ وَِّ فَتَعَلَّمْتُ لَهُ
كِتَابَ يَهُودَ وقالَ: ((إِنّي والله ما آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتابِي)». فَتَعَلَّمْتُهُ فَلَمْ يَمُرَّ بِي إِلا
نِصْفُ شَهْرٍ حَتَّى حَذَقْتُهُ فَكُنْتُ أَكْتُبُ لَهُ إِذا كَتَبَ وَأَقْرَأُ لَهُ إِذا كُتِبَ إِلَيْهِ(٢).
باب رواية حديث أهل الكتاب
[٣٦٤٤] (حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت) بالمثلثة ابن شبويه
المروزي من كبار الأئمة (حدثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري
قال: أخبرني) بمكة (ابن أبي نملة الأنصاري، عن أبيه) أبي نملة عمار
ابن معاذ بن زرارة بن عمرو الأوسي، شهد بدرا مع أبيه، وشهد أحدا
والخندق، له حديثان هذا أحدهما.
(١) رواه أحمد ١٣٦/٤، وعبد الرزاق ١١٠/٦ (١٠١٦٠)، وابن حبان (٦٢٥٧).
وضعفه الألباني في ((ضعيف الجامع)) (٥٠٥٢).
(٢) رواه الترمذي (٢٧١٥) وأحمد ١٨٦/٥، ١٩١، وعلقه البخاري (٧١٩٥) بصيغة
الجزم.

٧٣
= كتاب العلم
(أنه بينما هو جالس عند رسول الله وَ ل وعنده رجل من اليهود) فيه
جواز الجلوس مع أهل الكتاب إن كان فيه مصلحة، ودخوله المسجد
إذا أذن له مسلم، ولعله كان جالسا هنا في المسجد (مر) [مبني] (١)
لما لم يسم فاعله (بجنازة) الأرجح بكسر الجيم: السرير، وبفتحها
للميت، الأعلى للأعلى، والأسفل للأسفل، وقيل: الفتح والكسر لغتان.
(فقال: يا محمد، هل تتكلم) بمثناتين من فوق (هذِه الجنازة؟) أي:
هل يتكلم الميت الذي عليها؟ (فقال النبي ◌ّ: الله أعلم) من آداب العالم
أنه إذا سئل عما لا يعلمه أن يقول: الله أعلم، فكان علي بن أبي طالب
يقول: وابردها على الكبد ثلاث مرات، قالوا: وما ذاك يا أمير
المؤمنين؟ قال: أن تسأل الرجل عما لا يعلم فيقول: الله أعلم (٢).
فيحتمل أن يكون في ذلك الوقت لم ينزل عليه فيه شيء، فلما نزل
عليه قال كما في البخاري عن أبي سعيد أن رسول الله وَله قال: ((إذا
وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم فإن كانت صالحة
قالت: قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها، أين يذهبون
بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعه لصعق))(٣)، فهذا
الحديث يدل على أن الميت يتكلم على الجنازة. وفي قوله: ((يسمع
(١) زيادة يقتضيها السياق.
(٢) رواه بنحوه الدارمي في ((سننه)) ٢٧٥/١ (١٨٤)، والبيهقي في ((المدخل)) (٧٩٤)،
والخطيب في ((الفقيه المتفقه)) ٢٥٥/٣ (١٠٩٩)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق))
٥١٠/٤٢.
(٣) ((صحيح البخاري)) (١٣١٤).

٧٤
صوتها كل شيء)) دليل على أن قوله: ((قدموني)) و((يا ويلها أين يذهبون
بها)) حقيقة لا مجاز، وأن الله يحدث النطق في الميت إذا شاء، لكن إنما
يتكلم روح الجنازة؛ لأن الجسد لا يتكلم بعد خروج الروح منه إلا أن يرده
الله فيه، وإنما يسمع الروح من هو مثله ومجانسه، وهم الملائكة والجن،
ويحتمل أنه كان يعلم لكنه لم يرد أن يذكره لليهودي، ويحتمل أنه أراد
يعلمهم هذا الأدب في السؤال (قال اليهودي: إنها تتكلم) يحتمل
كلامها إن صح ((قدموني)) كما في الحديث.
(فقال رسول الله ويتر: ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا
تكذبوهم) وخرج البخاري عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب
يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الكتاب، فقال
رسول الله قال: (( لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم))(١) يعني:
لأنهم حرفوا بعضه وكتموا بعضا، قال بعض العلماء: كتموا ما أنزل
إليهم في محمد ◌َّ، وهذا الحديث أصل في وجوب التوقف في كل
مشكل من الأمور والعلوم، فلا يقضى عليه بجواز ولا بطلان ولا
تحليل ولا تحريم ولا تصديق ولا تكذيب.
(وقولوا: آمنا بالله ورسوله) فقد أمرنا أن نؤمن بالله فيما أنزل وبرسوله
فيما بلغ، ونؤمن بالكتب المنزلة على الأنبياء، إلا أن اليهود والنصارى
حرفوا وبدلوا، وسئل بعض المتقدمين عن رجل قيل له: أتؤمن بفلان
النبي؟ فسماه باسم لم يعرفه، فلو قال: نعم، فلعله لم يكن نبيا، وإن
(١) ((صحيح البخاري)) (٤٤٨٥).

٧٥
= كتاب العلم .
قال: لا، فلعله كان نبيا فقد جحد نبوة نبي من الأنبياء، فكيف يصنع؟
فقال: ينبغي أن يقول: إن كان نبيا فقد آمنت به.
(فإن كان ما قاله) اليهودي (باطلا لم تصدقوه) فيما قاله (وإن كان) ما
قاله (حقا لم تكذبوه) فتكونوا قد سلمتم في الحالتين. قال ابن سيرين، إذا
قيل لك أنت مؤمن فقل: آمنا بالله(١).
[٣٦٤٥] (حدثنا أحمد) بن عبد الله (بن يونس) اليربوعي (حدثنا)
عبد الرحمن (ابن أبي الزناد) استشهد به البخاري في ((الصحيح)) تعليقا
(عن أبيه(٢)) أبي الزناد عبد الله بن ذكوان المدني (عن خارجة) يعني
(بن زيد بن ثابت قال: قال زيد بن ثابت ◌ُله: أمرني رسول الله وَليه)
زاد الترمذي: أن أتعلم كلمات يهود(٣) (فتعلمت له كتاب) أي: كتابة
(يهود) غير منصرف التأنيث القبيلة والعجمة، ولفظ البخاري: أمره أن
يتعلم كتابة اليهود (٤). يعني: خطهم ومكاتباتهم (فتعلمت له كتاب يهود)
أي: كتابتهم.
وقد استدل بهذا الحديث على أنه يستحب للإمام والقاضي أن يتخذ
كاتبا ومترجما يعرف لسان الخصم والشهود، وإن لم يكن القاضي يحسن
ذلك، وذكر الحاكم هذا الحديث في الإيمان من ((مستدركه))، وقال:
حديث صحيح لا أعرف الرخصة لتعلم كتابة أهل الكتاب غير هذا
(١) انظر: ((الجامع لأحكام القرآن)) ١٤٠/٢.
(٢) فوقها في (ل): (ع).
(٣) ((سنن الترمذي)) (٢٧١٥) وفيه: أن أتعلم له كتاب يهود.
(٤) ((صحيح البخاري)) (٧١٩٥).

٧٦
الحديث، أنتهى(١).
والظاهر تعدي الرخصة إلى كل من احتيج إلى مكاتبته دون غيرهم،
فإن هذا محل ضرورة، والضرورة لا تجاوز محلها.
(وقال: إني والله) فيه جواز الحلف لتأكيد الكلام، وإن لم يستحلف
(ما آمن يهود على) كتب (كتابي) ومعرفة ما فيه، ويجوز: ما آمن يهود على
حمل كتابي، ولفظ الترمذي: ((ما آمن يهود على كتاب))(٢). وهو أعم،
وفيه دليل أن الكاتب والمترجم يكون أمينا عدلا حرًّا كما في زيد نَظُّه،
ويدل على الأمانة قوله تعالى: ﴿رسول أمين﴾(٣) قال الضحاك: أمين
على الرسالة.
(فتعلمته) له (فلم يمر بي) من الزمن (إلا نصف) بالرفع استثناء مفرغ
(شهر حتى) رواية: تعلمته (حذقته) بفتح الذال المعجمة، والكسر لغة،
أي: عرفته وأتقنته، ومهرت فيه، وعرفت دقائقه، وهكذا ينبغي أن
يكون الكاتب والمترجم عارفا بدقائق ما يكتبه ماهرا فيه (فكنت أكتب
له إذا كتب) أي: أراد الكتابة إليهم، ولفظ الترمذي: كان إذا كتب إلى
یهود کتبت إليهم(٤).
وترجم البخاري على هذا الحديث: باب ترجمة الحكام، وهل
يجوز ترجمان واحد؟(٥) يعني: كما في الحديث.
(١) ((المستدرك)) ١/ ٧٥.
(٢) ((سنن الترمذي)) (٢٧١٥).
(٣) الشعراء: ١٠٧.
(٤) ((سنن الترمذي)) (٢٧١٥).
(٥) (صحيح البخاري)) قبل حديث (٧١٩٥).

٧٧
- كتاب العلم
والمذهب اشتراط العدد في المترجم دون الكاتب(١).
(وأقرأ له) الكتاب (إذا كتب) بضم الكاف، وكسر التاء (إليه) ولفظ
الترمذي: وإذا كتبوا إليه قرأت له كتابتهم. وللبخاري نحوه، وترجم عليه
الترمذي: باب في تعليم السريانية، وذكر الحديث ثم قال: حديث حسن
صحيح، وفي حديث(٢) ثابت بن عبيد: أمرني رسول الله وَّ ر أن أتعلم
السريانية(٣).
(١) ((الرسالة)) ٥٠٦/٧.
(٢) ساقطة من (م).
(٣) ((سنن الترمذي)) بعد حديث (٢٧١٥).

٧٨
٣ - باب في كِتابَةِ العِلْم
٣٦٤٦- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبي شَيْبَةَ قالا: حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ
الأَخْنَسِ، عَنِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبي مُغِيثٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ ماهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ
ابْنِ عَمْرٍو قالَ: كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَىءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ لَ أُرِيدُ حِفْظَهُ فَنَهَتْني
قُرَيْشٌ وَقَالُوا: أَتَكْتُبُ كُلَّ شَىءٍ تَسْمَعُهُ وَرَسُولُ اللهِ وَلَهَ بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ
والرِّضا، فَأَمْسَكْتُ عَنِ الكِتابِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ◌َّرِ فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ
فَقالَ: ((اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ ما يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّ حَقٌّ))(١).
٣٦٤٧ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا كَثِرُ بْنُ زَيْدِ، عَنِ المُطَّلِبِ
ابْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَنْطَبٍ قالَ: دَخَلَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَسَأَلَهُ عَنْ حَدِيثٍ فَأَمَرَ
إِنْسانًا يَكْتُبُهُ، فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ أَمَرَنا أَنْ لا نَكْتُبَ شَيْئًا مِنْ حَدِيثِهِ
فَمَحاهُ(٢).
٣٦٤٨- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهابٍ، عَنِ الَحَذّاءِ، عَنْ أَبِي المُتَوَكِّلِ
النَّاجِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ قالَ: ما كُنّا نَكْتُبُ غَيْرَ التَّشَهُّدِ والقُرْآنِ (٣).
٣٦٤٩- حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ قَالَ: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ ح، وَحَدَّثَنَا العَبَّاسُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ مَزْيَدٍ،
قالَ: أَخْبَرَنِي أَبي، عَنِ الأوزاعيِّ، عَنْ يَخْيَى بْنِ أَبِ كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ - يَغْني:
ابن عَبْدِ الرَّحْمَنِ - قالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ قالَ: لَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ قامَ النَّبِيُّ ◌َّهِ فَذَكَرَ
(١) رواه أحمد ٢/ ١٦٢، ١٩٢، والحاكم ١٠٥/١-١٠٦.
وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (١٥٣٢).
(٢) رواه أحمد ١٨٢/٥، وابن عبد البر في ((جامع بيان العلم)) (٣٣٦)، والخطيب في
«تقیید العلم)» ص ٣٥.
وضعفه الألباني.
(٣) رواه الخطيب في ((تقييد العلم)) ص ٩٣.
وقال الألباني: شاذ.

٧٩
= كتاب العلم
الْخُطْبَةَ خُطْبَةَ النَّبِيِّ وَِّ قالَ: فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ يُقالُ لَهُ: أَبُو شاهٍ فَقالَ: يا
رَسُولَ اللهِ أَكْتُبُوا لي. فَقَالَ: ((اكْتُبُوا لأَّبِي شاهٍ))(١).
٣٦٥٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلِ الرَّمْلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ قالَ: قُلْتُ لأَبِي عَمْرٍو:
ما يَكْتُبُوهُ؟ قالَ: الْخَطْبَةَ التي سَمِعَها يَوْمَئِذٍ مِنْهُ(٢).
باب في كتابة العلم
[٣٦٤٦] (حدثنا مسدد، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قالا: حدثنا
يحيى) بن سعيد القطان (عن عبيد(٣) الله) بالتصغير (ابن الأخنس)
النخعي الخزاز (عن الوليد بن عبد الله) بن أبي مغيث، ثقة (عن يوسف
ابن ماهك) بفتح الهاء والكاف غير منصرف (عن عبد الله بن عمرو) بن
العاص رضي الله عنهما.
(قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله (وَل(3) و(أريد حفظه)
فيه أن من آداب المحدث أن يكتب ما يسمعه ولا يحضر عند شيخه إلا
ومعه الدواة والقلم والسكين، وإن كان هناك دواة لغيره، ويكون على
طهارة، ويتجنب الكتابة الدقيقة، فقد قال بعضهم: أكتب ما ينفعك
وقت حاجتك، ولا تكتب ما لا ينفعك وقت حاجتك إليه. أراد وقت
الكبر وضعف البصر، وإذا كتب فيصحح ما يريد حفظه على الشيخ
ويعتني بحفظ ما يكتبه، ولا يقتصر على الكتابة الكثيرة لكثرة الكتب،
(١) رواه البخاري (٢٤٣٤)، ومسلم (١٣٥٥).
(٢) أنظر الحديث السابق.
(٣) فوقها في (ل): (ع).

٨٠
فيشتغل بذلك عن النفع العظيم، فلقد أحسن القائل :
إذا لم تكن حافظا واعيا
فجمعك للكتْب لا ينفع (١)
(فنهتني) جماعة من (قريش وقالوا: تكتب كل شيء) تسمعه (ورسول
الله وَله) أي: يعتريه ما يعتري غيره من الغضب والسهو (بشر) ولمسلم:
((إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر))(٢)
وتغير الفكر وغير ذلك من الأحوال البشرية وهو يتكلم في حال الغضب
والرضا، فلا يكتب عنه في كل أحواله ولا كل ما يقوله.
(فأمسكت عن الكتاب) يعني: الكتابة حتى أذكر ذلك له، وأعمل بما
يقوله (فذكرت ذلك إلى رسول الله وَل*) هذِه الرواية الصحيحة، تعدي
(ذكرت) بـ (إلى) ويجوز أن تكون (إلى) بمعنى اللام كقوله تعالى:
﴿وَأَلْأَمُرُ إِلَيْكِ﴾ (٣) ويكون التقدير: ذكرت ذلك لرسول الله وسلّ كما في
بعض النسخ.
(فأومأ) بهمزة آخره (بإصبعه إلى فيه) فيه جواز اعتماد الإشارة
المفهمة والعمل بها في مثل هذا، وفيه أن المستمع من الشيخ ليأخذ
عنه ينظر إلى فيه حين يتكلم ليستمع كلامه، وينظر كيف يتلفظ بالكلمة
ويخرجها ليكون أبلغ من استماعه مطرقا (فقال: أكتب فوالذي نفسي
(١) رواه الخطيب بإسناده في ((الجامع لأخلاق الراوي)) ٣٢/٥، ٣٣ عن محمد بن
یسیر.
(٢) ((صحيح مسلم)) (٢٦٠٣).
(٣) النمل: ٣٣.