Indexed OCR Text

Pages 621-640

٦٢١
- كتاب الأقضية
(أسود) فيه أنه يجوز أن يكون العامل من الأنصار أسود وأبيض لا
فرق في الجواز بينهما (وكأني أنظر إليه) حين جاءه (فقال: يا رسول الله،
أقبل عني عملك) النزول عن العمل الذي هو ولاية لا يحتاج إلى قبول،
بل لو قال: عزلتُ نفسي. أنعزل، فيُحمل هذا على الاستئذان، فإن فيه
نوع استشارة (قال: وما ذاك؟) لفظ مسلم: ((وما لك؟ (١))).
(قال: سمعتك تقول: كذا وكذا، قال: وأنا أقول ذاك) زاد مسلم:
((الآن)) (٢) (من أستعملناه على عمل) يدخل فيه القضاء والحسبة وما
تقدم ذكره.
(فليأت بقليله وكثيره) قال القرطبي: يدل على أنه [لا يجوز له أن](٣)
يقتطع منه شيئًا لنفسه، لا أجرة ولا غيرها، لا له ولا لغيره، إلا أن يأذن له
الإمام الذي يلزمه طاعته (٤). قلت: ويدخل في عمومه أنه يأتي بما دخل
تحت يده من صدقة الفرض والتطوع، وكذا ما أهدي إليه، فإنه لو كان
في بیت أبیه لم يُهد إليه.
وفيه: أنه يحرم على العامل أن يقتطع عنده ما أهدي إليه، فإنه لبيت
المال، فإن أقتطع منه ما أهدي إليه خان في أمانته وولايته.
(فما أوتي) بضم الهمزة، والظاهر أنه بكسر التاء وفتح آخره، مبني
لما لم يسم فاعله، التقدير: وما أوتي (منه) النبي ◌َّر (أخذ) بفتح الهمزة
(١) في (ل)، (م): ذاك. والمثبت من ((صحيح مسلم)) (١٨٣٣).
(٢) مسلم (١٨٣٣).
(٣) من ((المفهم)).
(٤) ((المفهم) ٤/ ٣٣.

٦٢٢
والخاء والذال المعجمتين. أي: أخذ ما جاز أخذه، بدليل ذكر النهي بعده
(وما نهي) بضم النون، وكسر الهاء، مبني للمفعول، التقدير: وما نهى الله
تعالى (عنه) أي: عن أخذه (انتهى) بفتح التاء والهاء، أي: أنتهى عن
أخذه، وعلى هذا فيذكر العامل الجهات التي قبض منها المال
وصفتها، فيأخذ منها ما جاز أخذه، ويترك ما لم يجز أخذه، بل يرده
على دافعه، أو يفعل فيه ما تقتضيه الشريعة، وهذا ما ظهر لي؛ إذ لم
يتكلم عليه النووي ولا القرطبي.

٦٢٣
= كتاب الأقضية
٦ - باب كَيْفَ القَضاءُ
٣٥٨٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا شَرِيكُ، عَنْ سِماكِ، عَنْ حَنَشِ، عَنْ
عَلِّ العَّ قالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ نَّهَ إِلَى الْيَمَنِ قاضِيًّا فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ تُؤْسِلُني
وَأَنَا حَدِيثُ السِّنِّ وَلا عِلْمَ لي بِالقَضاءِ فَقالَ: ((إِنَّ اللّهَ سَيَهْدِي قَلْبَكَ، وَيُثَبِّثُ
لِسانَكَ، فَإِذا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْكَ الخَصْمانِ فَلا تَقْضِيَنَّ حَتَّى تَسْمَعَ مِنَ الآخَّرِ
كَما سَمِعْتَ مِنَ الأَوَّلِ فَإِنَّهُ أَحْرِى أَنْ يَتَبِيَّنَ لَكَ القَضاءُ )). قالَ: فَمَا زِلْتُ قاضِيًا
أَوْ ما شَكَكْتُ فِي قَضاءٍ بَعْدُ(١).
باب: كيف القضاء
[٣٥٨٢] (ثنا عمرو بن عون) الواسطي البزاز (أنا) القاضي (شريك،
عن سماك) بن حرب (عن حنش) بفتح الحاء المهملة والنون، ثم شين
معجمة، وهو ابن المعتمر، ويقال: ابن ربيعة الكناني الكوفي أبو
المعتمر، قال المصنف: ثقة (٢). وقال النسائي: ليس بالقوي(٣).
(عن علي قال: بعثني رسول الله وَ لَه إلى اليمن قاضيًا) فيه: دليل على
فضيلة القضاء واستحباب قبوله؛ لأنه من المناصب الشريفة إذا كان أهلًا،
ولولا ذلك لما ارتضاه النبي وَ ﴾ لابن عمه، ولمعاذ بن جبل، ومعقل بن
يسار.
(١) رواه الترمذي (١٣٣١)، والنسائي في ((الكبرى)) (٨٣٦٦)، وأحمد ٩٠/١.
وحسنه الألباني.
(٢) ((سؤالات أبي عبيد الآجري)) (ص ٤٨٤).
(٣) ((الضعفاء والمتروكون)) (١٦٦).

٦٢٤
وقد قبله الخلفاء الراشدون الذين بهم يقتدى ويهتدى، وما جاء
مخالفًا لذلك فمحمول على من يخاف عليه من خطره لفساد الزمان
وتغير أهله.
(فقلت: يا رسول الله، ترسلني وأنا حديث السن) يقال للفتى: حديث
السن. فإن حذفت الياء قلت: حَدَث، بفتحتين (ولا علم لي بالقضاء) زاد
في رواية أحمد لفظة: إنك تبعثني إلى قوم يكون منهم أحداث ولا علم لي
بالقضاء(١). وأراد بالأحداث: الأمور الحادثة.
(فقال: إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك) رواية أحمد: (( إن الله
سیهدي لسانك ويثبت قلبك))(٢).
(فإذا جلس بين يديك الخصمان) بضم الخاء، استدل به على أن
السنة في القضاء أن يجلس الخصمان بين يدي القاضي، مسلمين كانا
أو ذميين؛ لعموم الحديث؛ ولاستوائهما في دينهما؛ ولأنه أمكن
للحاكم في العدل بينهما والإقبال عليهما، وهذا إذا لم يكونا شريفين،
أما الشريفان فيجلس أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، فلو
تداعيا واقفين، قال الماوردي: لا تسمع الدعوى وهما قائمان حتى
یجلسا بین یدیه(٣).
(فلا تقضين) بتشديد النون (حتى تسمع من الآخر كما سمعت من
الأول) بوب عليه الترمذي: باب القاضي لا يقضي بين الخصمين حتى
(١) ((مسند أحمد)) ٨٣/١.
(٢) ((مسند أحمد)» ٨٣/١.
(٣) أنظر: ((الحاوي)) ٢٧٥/١٦.

٦٢٥
= كتاب الأقضية
يسمع كلامهما(١).
(فإنه أحرى) بالحاء المهملة. أي: أحق وأجدر (أن يتبين) بخمس
مفتوحات (لك القضاء) بينها لفظ الترمذي: (( فسوف تدري كيف
تقضي)) (٢) (فما زلت قاضيًا) بعد(٣) (أو ما شككت) شك من الراوي،
واقتصر الترمذي على الأول (في قضاء بعد) بضم الدال. أي: بعد
ذلك. وكيف يحصل له الشك بعد ذلك، وقد دعا له رسول الله وَله.
وذكر المحب الطبري من أقضيته بعد ذلك ما رواه القلعي عن زر (٤)
بن حبيش قال: جلس أثنان يتغديان ومع أحدهما خمسة أرغفة والآخر
ثلاثة أرغفة، وجلس ثالث واستأذنهما في أن يصيب من طعامهما،
فأذنا له، فأكلوا على السواء وألقى إليهما ثمانية دراهم. وقال: هذِه
عوض ما أكلت من طعامكما، فتنازعا في قسمتها على السواء، فترافعا
إلىْ عَليّ نظُه، فقال لصاحب الثلاثة: أقبل من صاحبك. فأبى،
وقال: ما أريد إلا مر الحق، فقال له علي: لك في(٥) مُر الحق درهم
واحد، وله سبعة. فقال: وكيف ذلك يا أمير المؤمنين؟ فقال: لأن
الثمانية أربعة وعشرون ثلثًا لصاحب الخمسة: خمسة(٦) عشر، ولك
(١) ((سنن الترمذي)) ٦٠٩/٣.
(٢) ((سنن الترمذي)) (١٣٣١).
(٣) ساقطة من (م).
(٤) في (ل)، (م): زيد.
(٥) ساقطة من (م).
(٦) ساقطة من (م).

٦٢٦
تسعة، وقد أستويتم في الأكل، فأكلت ثمانية وبقي لك واحد، وأكل
صاحبك ثمانية وبقي له سبعة، وأكل الثالث ثمانية، فسبعة لصاحبك
وواحد لك(١).
وقد أخرج أحمد في ((المناقب)) أنه لما توجه إلى اليمن وجد أربعة
وقعوا في حفرة، وتعلق بعضهم ببعض، فماتوا .. إلى آخرها(٢).
(١) ذكرها أيضا المحب الطبري في ((الرياض النضرة في مناقب العشرة)) (١٤٧٨)
وعزاها للقلعي.
(٢) (فضائل الصحابة)) ٢/ ٧٢٢ (١٢٣٩).

٦٢٧
= كتاب الأقضية
٧ - باب في قَضاءِ القاضي إِذا أَخْطَأَ
٣٥٨٣- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا سُفْيانُ، عَنْ هِشامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ
زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمَّ سَلَمَةَ قالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ
تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ
عَلَى نَحْوِ ما أَسْمَعُ مِنْهُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ بِشَىءٍ فَلا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا
فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَّهُ قِطْعَةً مِنَ النّارِ ))(١).
٣٥٨٤ - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ نافِعِ أَبُو تَوْبَةَ، حَدَّثَنا ابن المبارَكِ عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدِ،
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رافِعٍ مَوْلَى أُمُّ سَلَمَّةُ، عَنْ أُمُّ سَلَمَةَ قَالَتْ: أَتَى رَسُولَ اللهِ وََّ رَجُلانِ
يَخْتَصِمانِ فِي مَوارِيثَ لَهُما لَمْ تَكُنْ لَهُما بيِّنَةٌ إِلاَ دَعُواهُما فَقالَ النَّبِيُّ وَلَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ
فَبَكَى الرَّجُلانِ وقالَ: كُلُّ واحِدٍ مِنْهُمَا حَقّي لَكَ. فَقالَ لَهُمَا النَّبِيُّ وَ: ((أَما إِذْ
فَعَلْتُّما ما فَعَلْتُما فَاقْتَسِما وَتَوَخَّيا الحَقَّ. ثُمَّ أَسْتَهِما ثُمَّ تَحالًّا))(٢).
٣٥٨٥- حَدَّثَنَا إِبْراهِيمُ بْنُ مُوسَى الزّازِيُّ، أَخْبَرَنا عِيسَى، حَدَّثَنَا أُسَامَةُ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ رافِعٍ قالَ: سَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ بهذا الحَدِيثِ قَالَ: يَخْتَصِمانٍ
في مَوارِيثَ وَأَشْيَاءَ قَدْ دَرَسَتْ. فَقالَ: ((إِنّي إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِرَأْيِيٍ فِيما لَمْ يُنْزَلْ
عَليَّ فِيهِ))(٣).
٣٥٨٦- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ داوُدَ المَهْرِيُّ، أَخْبَرَنا ابن وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ،
عَنِ ابن شِهِابٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الَخْطّابِ رَبِهِ قَالَ وَهُوَ عَلَى الِمِنْبَرِ: يا أيُّها النّاسُ إِنَّ الرَّأي
إِنَّما كانَ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ مُصِيبًا؛ لأَنَّ الهَ كانَ يُرِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنّا الظَّنُّ
والتَّكَلُّفُ (٤).
(١) رواه البخاري (٢٦٨٠)، ومسلم (١٧١٣).
(٢) رواه أحمد ٦/ ٣٢٠.
وحسنه الألباني في ((الإرواء)) (١٤٢٣).
(٤) رواه البيهقي في ((الكبرى)) ١١٧/١٠، وفي ((المدخل)) (٢١٠)، وابن عبد البر في
(٣) السابق.

٦٢٨
٣٥٨٧- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِيُّ، أَخْبَرَنا مُعاذُ بْنُ مُعاذٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو
عُثْمَانَ الشّاميُّ وَلا إِخالُنِي رَأَيْتُ شامِيًّا أَفْضَلَ مِنْهُ. يَعْني: حَرِيزَ بْنَ عُثْمَانَ (١).
باب في قضاء القاضي إذا أخطأ
[٣٥٨٣] (ثنا محمد بن كثير) العبدي المصيصي (أنا سفيان) بن
عيينة(٢) (عن هشام بن عروة) بن الزبير بن العوام [الأسدي (عن) أبيه
(عروة) بن الزبير بن العوام](٣) (عن زينب بنت أم سلمة) وهي بنت أبي
سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، وكان أسمها برة، فسماها
رسول الله وَل: زينب، سمعت النبي وَّ عند البخاري(٤).
(عن) أمها (أم سلمة) هند بنت أبي أمية زوج النبي وَّ (قالت: قال
رسول الله ◌َر) زاد في رواية الصحيحين(٥): أن رسول الله وَلو سمع جلبة
خصم بباب حجرته، فخرج إليهم، فقال: (إنما) هي هنا للحصر
المجازي؛ لأنه حصر خاص. أي: باعتبار علم الباطن، ويسمى هذا
((جامع بيان العلم وفضله)) ٢/ ١٠٤٠.
وقال الألباني: ضعيف مقطوع.
(١) هذا خبر فيه تنويه بفضل حريز بن عثمان، وليس بحديث.
(٢) كذا في الأصول: بن عيينة. وقال ابن حجر في ((الفتح)) ٣٣٩/١٢: سفيان هو
الثوري. قلت: وفي ((سنن البيهقي)) ٢٥١/١٠ من طريق الدارمي عن محمد بن كثير
قال: أنبأنا سفيان الثوري. ثم قال البيهقي: رواه البخاري في ((الصحيح)) عن محمد
بن کثیر.
(٣) ما بين المعقوفتين ساقط من (م).
(٤) ((صحيح البخاري)) (٣٤٩٢).
(٥) ((صحيح البخاري)) (٧١٨٥)، ((صحيح مسلم)) (٥/١٧١٣).

٦٢٩
= كتاب الأقضية
عند أهل البيان قصرًا.
قلت: لأنه أتى به للرد على من يزعم أن من كان رسولًا يعلم الغيب
ولا يخفى عليه المظلوم ونحو ذلك (أنا بشر) أي: من الخلق سمِّ بذلك
لظهور البشرية، والبشر يطلق على الواحد، كما في هذا الحديث، وعلى
الجمع نحو قوله تعالى: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ
والمراد بقوله: (إنما أنا بشر) أي: إنما أنا مشارك لغيري من البشر
في صفاتهم الخلقية، وإن زاد عليهم بما أعطاه الله تعالى من المعجزات
الظاهرة وإطلاعه على الغيوب، حيث أطلعه الله تعالى، ولكن إنما نحكم
بين الناس بالظاهر، والله متولي السرائر، فيحكم بالبينة واليمين ونحوهما
من أحكام الظاهر مع جواز كون الباطن على خلافه، ومثله حديث:
((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها
عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله)) (٢).
وقوله في المتلاعنين: ((لولا الأيمان لكان لي ولها شأن))(٣) لكن لما
كان أمته مثله ومأمورون باتباعه والاقتداء به، جعل له من الحكم ما
يكون حكمًا لهم؛ لأن الحكم بالظاهر أطيب للقلوب وأسكن للنفوس،
وهذا نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَنْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾(٤).
(١) المدثر: ٣٦.
(٢) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٠) من حديث ابن عمر، وقد تقدم عند أبي داود
برقم (١٥٥٦، ٢٦٤٠) من حديث أبي هريرة، (٢٦٤١، ٢٦٤٢) من حديث أنس.
(٣) تقدم عند أبي داود برقم (٢٢٥٦) من حديث ابن عباس.
(٤) الكهف: ١١٠.

٦٣٠
(وإنكم تختصمون إلي) في الأحكام (ولعل بعضكم أن يكون) فيه
شاهد على أقتران (أن) بخبر (لعل) حملاً لها على (عسى)، كقول
الشاعر :
لعلك يومًا أن تلم ملمة
عليك من اللائي يدعنك أجدعا(١)
(ألحن) بالنصب خبر (كان) (بحجته من بعض) ومعنى (ألحن) أفطن
لها. ويجوز أن يكون معناه: أفصح تعبيرًا عنها وأظهر احتجاجًا، يخيل
أنه محق، وهو في الحقيقة مبطل. والأظهر أن معناه: أبلغ، كما في
رواية الصحيحين(٢)، أي: أحسن إيرادًا للكلام. ولا بد في هذا الكلام
من محذوف لتصحيح معناه. أي: وهو كاذب. ويسمى هذا عند
الأصوليين دلالة اقتضاء؛ لأن هذا المحذوف اقتضاه اللفظ الظاهر
المذكور بعده وهو قوله بعده في رواية الصحيحين: ((فأحسب أنه
صادق))(٣). فاقتضى هذا أن الذي ألحن به حجته.
(فأقضي له على نحو) بالتنوين (مما أسمع) منكم. كذا لابن ماجه (٤).
فيه أن الحاكم يحكم بظاهر ما يسمع من الألفاظ، والله تعالى متولي
السرائر يحكم بها يوم القيامة، وأما في الدنيا فيحكم بالظاهر.
(١) البيت لمتمم بن نويرة، أنظر ((الكامل)) للمبرد ١٦٣/١، ((المقتضب)) ٧٤/٣،
((خزانة الأدب)) ٣٣٧/٥، ((لسان العرب)) ٣٠٨٢/٥ (علل).
(٢) ((صحيح البخاري)) (٢٤٥٨)، ((صحيح مسلم)) (٥/١٧١٣).
(٣) ((صحيح البخاري)) (٧١٨١)، ((صحيح مسلم)) (٥/١٧١٣).
(٤) ((سنن ابن ماجه)) (٢٣١٧).

٦٣١
- كتاب الأقضية:
(فمن قضيت له من حق أخيه) المسلم، كما هو مصرح به في
الصحيحين(١) (بشيء) والمسلم هنا لا مفهوم له؛ لأنه خرج مخرج
الغالب؛ وإلا فالذمي والمعاهد كذلك، أو هو من باب التهييج كما
سبق (فلا يأخذ منه شيئًا، فإنما أقطع له قطعة) بكسر القاف. أي: طائف
(من النار) زاد ابن ماجه: ((يأتى بها يوم القيامة)) (٢) أي: حاملًا لها مع
أثقاله، وأطلق عليه نارًا؛ لأنه سبب لحصول النار، فهو من باب
التشبيه، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَى كُلْمًا إِنَّمَا
يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾(٣).
[٣٥٨٤] (ثنا الربيع بن نافع) الحلبي كنيته (أبو توبة) شيخ الشيخين
(ثنا) عبد الله (بن المبارك، عن أسامة بن زيد) بن أسلم المدني مولى
عمر نظُبه قال النسائي وغيره: ليس بالقوي. قال ابن سعد: توفي زمن
المنصور (٤).
(عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة) زوج النبي ◌َّ، يكنى أبا رافع.
أخرج له مسلم.
(عن أم سلمة قالت: أتى(٥) رسول) بالنصب مفعول مقدم (الله وَليه
(١) ((صحيح البخاري)) (٧١٨١)، ((صحيح مسلم)) (١٧١٣ /٥).
(٢) ((سنن ابن ماجه)) (٢٣١٧).
(٣) النساء: ١٠.
(٤) كذا في النسخ: بن أسلم المدني مولى عمر ﴾. قال النسائي وغيره: ليس بالقوي.
قال ابن سعد: توفي زمن المنصور، وهو خطأ. والصواب أنه الليثي، أنظر ((تهذيب
الكمال)» ٣٤٧/٢.
(٥) ساقطة من (م).

٦٣٢
رجلان يختصمان في مواريث) غير منصرف، سيأتي في رواية: قد
درست(١). (لهما) و(لم يكن لهما بينة) الظاهر ولا لأحدهما (إلا
دعواهما، فقال النبي ◌َّ) الحديث (فذكر مثله) وفيه: ((فإنما أقطع له
قطعة من النار)) (٢). ويؤخذ من هذا الحديث استحباب وعظ الحاكم
الخصم قبل التحاكم، لا سيما إذا قامت عنده قرينة بإبطال أحد(٣)
الخصمين، كما في حديث المتلاعنين: ((أحدكما كاذب، فهل منكما
تائب، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة)) (٤). ويلحق بالحاكم
المفتي إذا جاءه من يستفتيه، وظهرت له قرينة بإبطال ما يستفتيه.
(فبكى الرجلان) يعني: حين سمعا ذكر النار والتوعد بها (وقال: كل
واحد منهما) قد جعلت، أو وهبت (حقي لك) يا رسول الله.
فيه دليل على هبة المجهول وهبة ما يدعيه قبل ثبوته، وفيه هبة
الحاكم بحضرة خصمه، ولا يكون هذا رشوة، وفيه: جواز هبة
الشريك قبل أن يستأذن شريكه إذا كان حاضرًا (فقال لهما النبي ◌َّ:
أما) بتخفيف الميم، يحتمل أن يكون بمعنى حقًّا (إذ) يجوز أن تكون
للتعليل كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ
فَأُرِاْ إِلَى الْكَهْفِ﴾ (٥).
(١) هو الحديث الآتي بعد هذا.
(٢) هو الحديث السابق على هذا.
(٣) في (ل)، (م): إحدى، والجادة ما أثبتناه.
(٤) رواه بهذا اللفظ البيهقي ٧/ ٣٩٤.
(٥) الكهف: ١٦.

٦٣٣
- كتاب الأقضية
(فعلتما ما فعلتما فاقتسما) يحتمل زيادة [الفاء] (١) فقد قيد الفراء
والأعلم جواز زيادتها أن تكون داخلة على أمر أو نهي، وحمل عليه:
لا تجزعي إن منفسًا أهلكته
فإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي (٢)
وتقدير الكلام على هذا: فاقتسما هذا الذي تدافعتماه؛ لأنكما
فعلتما ما فعلتماه من الخروج عنه خوفًا من نار جهنم.
وفيه: أن الهبة لا تصح إلا بالقبول، فحيث لم يقبل النبي بَلّ لم
تصح الهبة، ولهذا أقتصر على قوله: (اقتسما) من غير أن يذكر إعادة
الموهوب لهما، وأيضًا فالهبة لا تنتقل إلى ملك الموهوب إلا
بالقبض، ولا قبض هُنا.
وفيه دليل على أن الخصمين إذا تداعيا عينًا في يد ثالث [أو لا يد
عليها](٣) ولا بينة لهما أنها تقسم بينهما، وكذا إذا أقام كل منهما بينة،
فإنهما يتعارضان حيث لا ترجيح، وكأنه لا بينة لهما، وكان قول كل
واحد منهما: حقي لك. لا أعتبار به، لأنها هبة باطلة (وتوخيا) بفتح
الخاء المعجمة المشددة.
قال في ((النهاية)): أي: أقصدا. (الحق) فيما تصنعانه من القسمة(٤).
(١) ليست في (ل)، (م) والسياق يقتضيها.
(٢) البيت للنمر بن تولب ، أنظر: ((الكتاب)) لسيبويه ٢٨/١، ١٣٤.
(٣) في الأصل: (لا يدعيا) ولا معنى لها، والمثبت مفهوم ما في ((البيان)) للعمراني
١٦١/٣.
(٤) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ١٦٤/٥.

٦٣٤
يقال: توخيت الشيء أتوخاه توخيا: إذا قصدت إليه وتعمدت فعله (ثم
أستهما) أي: ليأخذ كل واحد منكما [ما تخرجه القرعة من القسمة؛
ليتميز بينهما كل واحد منكما](١) عن الآخر.
وفيه: الأمر بالقرعة عند المساواة أو المشاححة. وقد وردت القرعة
في كتاب الله تعالى في قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ﴾ (٢)
وقوله: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ﴾(٣) وجاءت في خمس أحاديث
من السنة: أحدها: هذا الحديث، وفي الثاني: في أنه كان إذا أراد
سفرًا أقرع بين نسائه(٤). والثالث: أقرع في ستة مملوكين(6). والرابع:
قوله: ((لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول لاستهموا عليه)) (٦)،
والخامس: حديث الزبير أن صفية جاءت بثوبين؛ لتكفن فيهما حمزة
فوجدنا إلى جنبه قتيلًا، فقلنا: لحمزة ثوب وللأنصاري ثوب. فوجدنا
أحد الثوبين أوسع من الآخر، فأقرعنا عليهما، ثم كفَّنَّا كل واحد في
الثوب الذي خرج له (٧).
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من (م).
(٢) آل عمران: ٤٤.
(٣) الصافات: ١٤١.
(٤) رواه البخاري (٢٥٩٣)، ومسلم (٢٤٤٥) من حديث عائشة، وقد سبق برقم
(٢١٣٨).
(٥) رواه مسلم (٤٤٢٥) من حديث عمران بن حصين.
(٦) رواه البخاري (٦١٥)، مسلم (٤٣٧) من حديث أبي هريرة.
(٧) رواه أحمد ١٦٥/١، والبزار ١٧٩/١ (٩٨٠)، وأبو يعلي ٤٥/٢ (٦٨٦)، وابن
الأعرابي في ((المعجم)) (١٦٣١)، والبيهقي ٤٠١/٣، ٤٠٢. قال الهيثمي في
((المجمع)) ١١٨/٦: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار، وفيه عبد الرحمن بن أبي
الزناد، وهو ضعيف، وقد وثق. وصححه الألباني في ((الإرواء)) (٧١١).

٦٣٥
= كتاب الأقضية
وتشاح الناس يوم القادسية في الأذان، فأقرع بينهم سعد(١).
(ثم تحالاً) بتشديد اللام المتصلة بألف التثنية. أي: ليسأل كل واحد
منهما صاحبه أن يجعله في حل من قبله بإبراء ذمته، وقد يؤخذ منه صحة
الإبراء من المجهول، فإن الذي يبرئ ذمة كل واحد منهما غير معلوم في
الحدیث.
[٣٥٨٥] (ثنا إبراهيم بن موسى الرازي) شيخ الشيخين (أنا عيسى) بن
يونس بن أبي إسحاق [أبو](٢) عمرو الهمداني الكوفي (ثنا أسامة) بن زيد
الليثي (عن عبد الله بن رافع) مولى أم سلمة (قال: سمعت أم سلمة) زوج
النبي ◌َّ (بهذا الحديث) المذكور و(قال) في هذِه الرواية (يختصمان في
مواريث) وزاد هنا (وأشياء قد درست(٣)) بفتح الراء، يقال: دَرَسَ المنزل
دروسًا كقعد قُعودًا إذا عفى وخفيت آثاره (فقال: إني إنما أقضي بينكم
برأيي) هذا الحديث مما استدل به الأصوليون على العمل بالقياس،
وأنه حجة، وكذا استدلوا بحديث بعث معاذ إلى اليمن كما سيأتي في
باب اجتهاد الرأي (٤).
والصحيح الذي عليه الأئمة الأربعة وجمهور العلماء أن القياس أحد
(١) علقه البخاري قبل حديث (٦١٥) دون ذكر القادسية قال الحافظ في ((الفتح)) ٩٦/٢ :
أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي ٤٢٨/١٠ من طريق أبي عبيد ((غريب الحديث))
١٤١/٢ عن هشيم عن عبد الله بن شبرمة.
قال: وهذا منقطع، وقد وصله سيف بن عمر في ((الفتوح) والطبري من طريقه.
(٢) ليست في النسخ، والمثبت من ((تهذيب الكمال)) ٦٢/٢٣.
(٣) بعدها في (ل): خـ: درس.
(٤) سيأتي برقم (٣٥٩٢).

٦٣٦
الأدلة الشرعية كما سيأتي(١)، وخالف في ذلك ابن حزم، وأجاب ابن
حزم في كتاب ((النكت)) له في إبطال الأمور الخمسة: التقليد،
والقياس، والرأي، والاستحسان. والتعليل عن هذا الحديث بأنه غير
صحيح، لأنه من رواية أسامة الليثي، وهو ضعيف، ولأن رأي رسول
الله اَخر حق لا يلحق به غيره؛ لأنه لا ينطق عن الهوى(٢)، قال الله:
﴿لِتَحْكُمْ بَيْنَ اَلنَّاسِ بِمَآ أَرَئِكَ اَللَّهُ﴾(٣) وسيأتي في حديث معاذ جوابه عنه
(فيما) أي: في كل ما (لم ينزل) بضم أوله، ويجوز تشديد الزاي
وتخفيفها مع فتحها على البناء للمفعول(٤)، وكسرها على البناء للفاعل
(عليَّ فيه) شيء والمراد بالحديث -والله أعلم- أن ما لم ينزل الله علي
فيه وحيًا(٥) أنظر فيه، وأحكم فيه برأيي الجاري على سنن الوحي.
ولهذا قلنا: إن هذا الحديث وحديث معاذ أصل في القياس، وهو يدل
على أن النبي وَ﴾ إذا ظهر له رأي فهو صواب؛ لأنه لا ينطق عن الهوى.
[٣٥٨٦] ([حدثنا](٦) سليمان بن داود المهري) بفتح الميم (قال: أنا)
عبد الله (ابن وهب، عن يونس(٧) بن يزيد) الأيلي (عن) محمد (ابن
(١) انظر: ((الرسالة)) ٤٧٦/١، ((الفصول في الأصول)) ٢٣/٤، و((رسالة في أصول
الفقه)) للعكبري ٦٥/١.
(٢) ((الإحكام)) ١٣٦/٥.
(٣) النساء: ١٠٥.
(٤) في (ل)، (م): للفاعل، والمثبت هو الصواب ..
(٥) في النسخ، وحي، والجادة ما أثبتناه.
(٦) زيادة يقتضيها السياق مثبتة من ((السنن)).
(٧) فوقها في (ل): (ع).

٦٣٧
- كتاب الأقضية
شهاب) الزهري (أن عمر بن الخطاب) هذا منقطع، لأن الزهري لم يدرك
عمر تَخيته ([قال وهو على المنبر] (١): يا أيها الناس، إن الرأي إنما كان من
رسول الله وَ﴾ مصيبًا) فيه، معصومًا من الخطأ (لأن الله تعالى كان يريه)
الصواب، كما قال تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَئِكَ اَللَّهُ﴾(٢) تعالى،
بواسطة نظره واجتهاده في أحكام الكتاب وأدلته.
وفيه دليل على هذا بأنه التَّ كان يجتهد فيما لا نص فيه عنده من
الحوادث، وهي مسألة خلاف في أصول الفقه، [وهذا الحديث](٣)
والآية حجة لمن أجاز؛ ولأن الاجتهاد منصب كمال، فلا ينبغي أن
يفوته عليه الصلاة والسلام. وقد دل على وقوعه منه قوله التَّها: ((لو
قلت: نعم لوجبت))(٤) و((لو سمعت شعرها قبل أن أقتله لم أقتله))(٥)
في قضيتين مشهورتين، و(إنما هو) يعني: الرأي (منا الظن) الغالب
الذي لا تعين فيه (والتكلف) الشديد في استنباط الحكم الشرعي من
الكتاب والسنة؛ ولهذا كان طريقه الاجتهاد، بخلاف اجتهاده وَلَّ، فإنه
قادر على اليقين، وهو معصوم من الخطأ وجميع الأنبياء عليهم السلام.
(١) زيادة من ((السنن)).
(٢) النساء: ١٠٥.
(٣) ساقطة من (م).
(٤) رواه مسلم (١٣٣٧) من حديث أبي هريرة.
(٥) لم أجده مسندًا، وقد ذكره ابن هشام في ((سيرته)) ٢/ ٤٢١، وابن الأثير في ((أسد
الغابة)) ٢٤٢/٧ في ترجمة قتيلة بنت النضر.

٦٣٨
٨ - باب كَيْفَ يَجْلِسُ الخَضمانِ بَيْنَ يَدى القاضي
٣٥٨٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبارَكِ، حَدَّثَنا مُضْعَبُ بْنُ
ثابتٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ وَّرِ أَنَّ الَخَضْمَيْنِ يَقْعُدانِ بَيْنَ
يَدى الحَكُمْ(١).
باب كيف يجلس الخصمان بين يدي القاضي
[٣٥٨٨] (ثنا أحمد بن منيع) بفتح الميم، وكسر النون، البغوي
الحافظ، صاحب ((المسند)) (ثنا عبد الله بن المبارك، ثنا مصعب بن
ثابت) بن عبد الله بن الزبير الأسدي المديني، روى عن جدِّه مرسلًا
وعن أبيه وعمه عامر، قال أبو حاتم: صدوق كثير الغلط(٢). وقال
النسائي وغيره: ليس بالقوي(٣).
(عن) جده عبد الله (بن الزبير رضيالله قال: قضى رسول الله وَ ليل أن
الخصمين) إذا تداعيا (يقعدان بين يدي الحاكم(٤)) كما تقدم قبله.
(١) رواه أحمد ٤/ ٤.
وقال الألباني: ضعيف الإسناد.
(٢) ((الجرح والتعديل)) ٣٠٤/٨.
(٣) ((المجتبى)) ٩٠/٨.
(٤) في هامش (ل): الحكم، وفوقها: خ.

٦٣٩
- كتاب الأقضية
٩ - باب القاضي يَقْضِي وَهُوَ عَضْبانُ
٣٥٨٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرِ، أَخْبَرَنا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الَلِكِ بْنِ عُمَثْرٍ، حَدَّثَنا
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى ابنهِ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَ: (( لا
يَقْضي الحَكَمُ بَيْنَ أَثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبانُ)) (١).
باب: القاضي يقضي وهو غضبان
[٣٥٨٩] (ثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن عبد الملك بن عمير)
الكوفي رأى علي بن أبي طالب (ثنا عبد الرحمن بن أبي بكرة) الثقفي،
أول مولود بالبصرة (عن أبيه) أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي
الطائفي (أنه كتب إلى ابنه) لفظ رواية مسلم: عن عبد الرحمن بن أبي
بكرة قال: كتب أبي -وكتبت له- إلى عبد الله بن أبي بكرة وهو قاضٍ
بسجستان (٢). (قال رسول الله وَلل: لا يقضي) رواية النسائي أن عبد
الرحمن قال: كتب إلي أبو بكرة: سمعت رسول الله وَ ل يقول(٣). وفيه
دليل على أن الكتاب بالحديث كالسماع من الشيخ في وجوب العمل به
(الحكم) بفتح الحاء والكاف. يعني: الحاكم كقولهم في المثل: في بيته
يؤتى الحكم(٤). ومن أسماء الله تعالى الحكم.
(١) رواه البخاري (٧١٥٨)، ومسلم (١٧١٧).
(٢)
((صحيح مسلم)) (١٧١٧).
(٣) ((المجتبي)) ٢٤٧/٨.
(٤) رواه أبو الشيخ في ((أمثال الحديث)) (٣٢٦) عن النعمان بن بشير، ورواه البغوي في
((الجعديات)) (١٧٢٨)، وعمر بن شبه في ((تاريخ المدينة)) ٢/ ٧٥٥ ووكيع في ((أخبار

٦٤٠
وفي الحديث أن أبا شريح كان يكنى أبا الحكم، فقال له النبي وي:
((إن الله هو الحكم)) وكناه أبا شريح(١).
(بين اثنين) هذا أقل ما يتأتى فيه الحكم، وإلا فقد يحكم بين ثلاثة
فصاعدًا، المفهوم العدد غير معمول(٢) به هنا؛ لكونه خرج مخرج الغالب
(وهو غضبان) جملة اسمية في موضع نصب على الحال. أي: لا يقضي في
حال غضبه، قالوا: علة النهي عنه لما يحدث للنفس بسبب الغضب من
التشويش الموجب لاختلال النظر في المسائل الاجتهادية، وبهذا يظهر
مناسبة ذكر هذا الحديث بعد ما قبله، ودقة نظر المصنف في ترتيب
الأحاديث والأبواب لمن تدبر ذلك.
وقاس الفقهاء عليه كل ما كان في معناه من مشوشات الفكر الآتية،
وهذا القياس أحد أنواع الأسماء الخمسة، ووجهه أن ترتيب حكم
القضاء على وصف الغضب فيه إنما يشعر بأنه هو علة النهي، لكنا
نعلم أن خصوص كونه غضبًا لا مناسبة فيه، فيلزم أن يكون متغيرًا من
جهة عمومه، وهو كونه مشوشًا للفكر.
وهذا الوصف غير مذكور، لكنه هو المناسب يلزم أن يلحق به ما في
معناه من الجوع وغيره كما سيأتي، فظهر بهذا أن العلة في الحقيقة هو
التشويش لا الغضب. وقال الإمام فخر الدين: لا مناسبة بين التشويش
والغضب؛ لأن التشويش إنما ينشأ عن الغضب الشديد لا عن مطلقه،
القضاة)) ١٠٨/١، والبيهقي ١٣٦/١ عن عمر بن الخطاب.
(١) سيأتي عند أبي داود برقم (٤٩٥٥) من حديثه.
(٢) في النسخ: معلوم، ولعل مراد المصنف ما أثبتناه.