Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
ـ كِتَابِ الجَنَائِزِ
ليبعثوا منها يوم القيامة على هيئتهم (فرددناهم) وكانوا نقلوا إلى المدينة.
وقد يستدل(١) به على جواز نقل الميت إذا كان بقرب مكة أو المدينة
أو بيت المقدس لفضل هذه الأماكن؛ ففي الدارقطني (٢): ((من مات
بأحد الحرمين بعث يوم القيامة من الآمنين)).
قال الشيخ محب الدين الطبري: إذا كان بقرب قرية(٣) فيها صالحون
فلا بأس بنقله إليها قياسًا، وفي غير هذِه الأماكن لا يجوز النقل؛ لأن
تعجيل الدفن مأمور به، وفي نقله تعريض للتغيير وهتك حرمته.
قيل: وفي الاستدلال بهذا الحديث نظر؛ لأن (٤) قتلى أحد كانوا
قريبين للمدينة.
(١) في (ر): يستدلوا.
(٢) أنظر: ((سنن الدراقطني)) ٢٧٨/٢ (١٩٣).
(٣) في (ر): فيه.
(٤) في (ر): يطولان .

٤٢٢
٤٣ - باب في الضُفُوفِ عَلَى الجَنَازَةِ
٣١٦٦ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حدثنا حَمّادٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ
أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ مَزْئَدِ اليَزَنِّ، عَنْ مالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ قال: قال رَسُولُ اللهِ وَلَهُ: (( ما مِنْ
مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيُصَلّي عَلَيْهِ ثَلاثَةُ صُفُوفٍ مِنَ المُسْلِمِينَ إِلاَّ أَوْجَبَ)) .. قال:
فَكانَّ مالِكٌ إِذا أَسْتَقَلَّ أَهْلَ الْجَنَازَةِ جَزَّأَهُمْ ثَلاثَةَ صُفُوفٍ لِلْحَدِيثِ(١).
باب الصفوف على الجنازة
[٣١٦٦] (حدثنا محمد بن عبيد) بن حساب الغبري البصري. قال أبو
داود: عندي حجة.
(قال: حدثنا حماد) بن زيد الأزدي، أحد الأعلام، أضر، قال ابن
مهدي: ما رأيت أحدًا لم يكن يكتب أحفظ منه، ولم أر بالسنة أعلم منه.
(عن محمد بن إسحاق، عن(٢) يزيد بن أبي حبيب) الأزدي، عالم
مصر (عن) أبي الخير (مرثد(٣)) بن عبد الله (اليزني) بالمثناة تحت
(١) رواه الترمذي (١٠٢٨)، وابن ماجه (١٤٩٠)، وأحمد ٣/ ٢٩٧.
ورواه الروياني (١٥٣٧) عن ابن إسحاق مصرحا بالتحديث.
قال الألباني في ((أحكام الجنائز)) (٥٢٢٠): الحاكم قال: صحيح على شرط
مسلم. ووافقه الذهبي! وقال الترمذي وتبعه النووي في ((المجموع)) ٢١٢/٥:
حديث حسن. وأقره الحافظ في ((الفتح)) ٣ / ١٤٥. وفيه عندهم جميعا محمد بن
إسحاق، وهو حسن الحديث إذا صرح بالتحديث، ولكنه هنا قد عنعن. فلا أدري
وجه تحسينهم للحديث فكيف التصحيح!؟.
(٢) في (ر): بن.
(٣) في (ر): يزيد.

٤٢٣
ـ ڪِتَابِ الجَنَائِزِ
وبعد الزاي نون، ويزن بن حمير، المصري كان مفتي أهل مصر في زمانه.
(عن مالك بن هبيرة) كان أميرًا لمعاوية على الجيوش، وغزا الروم.
(قال رسول الله وَير: ما من مسلم يموت فيصلّيَ) منصوب بأن
المقدرة؛ لأنها جاءت بعد فاء الجواب عن النفي المحض (عليه ثلاث)
نسخة: ثلاثة (صفوف من المسلمين) فيه دليل على أنه يستحب أن
يكون المصلون على الجنازة ثلاث صفوف.
قال أحمد بن حنبل: أحب إذا كان فيهم قلة أن يجعلهم ثلاثة
صفوف، قالوا: فإن كان وراءه أربعة كيف يجعلهم؟ قال: يجعلهم
صفين في كل صف رجلين، وكره أن يكونوا ثلاث صفوف فيكون في
صفٍّ رجل واحد. وعن عطاء بن أبي رباح: أن النبي ◌َّ صلى على
جنازة فكانوا ستة؛ فجعل الصف الأول ثلاثة والثاني أثنين والثالث واحد.
وأحمد قد صار إلى خلافه، وكره أن يكون الواحد صفًّا، ولو علم
في هذا حديثًا لم يعدل إلى غيره(١).
(إلا أوجب) أي: غُفِرَ له كما صرح به في رواية الحاكم (٢).
(قال: فكان مالك) بن أبي هبيرة راوي الحديث (إذا استقلَّ) رواية:
استقبل(٣) (أهل الجنازة) أي: رآهم قليلين، ورواية الترمذي(٤): إذا قلَّ
أهلُ الجنازة (جزأهم) رواية: جزأ منهم (ثلاثة صفوف، للحديث) أي:
(١) ((المغني)) لابن قدامة ٣٧١/٢، وعزا الحديث إلى ابن عقيل أنه ذكره ثم أعله.
(٢) ((المستدرك)) ٣٦١/١.
(٣) رواه أبو يعلى ٢١٥/١٢ (٦٨٣١)، الطبراني ٢٩٩/١٩ (٦٦٥).
(٤) أنظر: ((السنن)) (١٠٢٨) بلفظ: فتقالَّ الناسَ عليها.

٤٢٤
للعمل بالحديث الذي رواه.
وفيه أن الإمام يأمر المصلين أن يكونوا ثلاثة صفوف أو أكثر من ذلك
بالوتر؛ فإن الله وتر يحب الوتر(١).
(١) جزء من حديث رواه مسلم (٢٦٧٧).

٤٢٥
ـ كِتَاب الجَنَائِزِ
٤٤ - باب اتّباعِ النّساءِ الجَنائِزَ
٣١٦٧ - حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حدثنا حَمّدٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حَقْصَةَ، عَنْ أُمّ
عَطِيَّةَ قالَتْ: نُهِينا أَنْ نَتَّبِعَ الْجَنَائِزَ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنا(١).
باب اتباع النساء الجنائز (٢)
[٣١٦٧] (حدثنا سليمان بن حرب قال: حدثنا حماد) بن زيد (عن
أيوب، عن حفصة) بنت سيرين (عن أم عطية) نسيبة (قالت: نهينا أن
نَتْبَع) بفتح أوله (الجنائز) قال ابن المنذر: روينا عن ابن مسعود وابن
عمر وأبي أمامة وعائشة: أنهم كرهوا للنساء أتباع الجنائز، وكره ذلك
مسروق والحسن ومحمد والنخعي والأوزاعي وأحمد(٣) وإسحاق(٤).
وأجاز ذلك ابن عباس والقاسم وسالم والزهري وأبو الزناد وربيعة.
وروى ابن القاسم عن مالك في ((العتبية)): في النساء يخرجن في
الجنائز، قال: قد خرجت قديمًا، وخرجت أسماء تقود فرس الزبير
وهي حامل، وما أرى به بأسًا إلا في الأمر المستنكر.
قال ابن المنذر: أحتج من كره ذلك بالحديث، واحتج به أيضًا من
أجاز ذلك(٥).
(١) رواه البخاري (٣١٣)، ومسلم (٩٣٨).
(٢) في (ر): الحرائر. وهو تصحيف.
(٣) في (ر): محمد.
(٤) ((الأوسط)) ٤٢٠/٥.
(٥) ((الأوسط)) ٤٢١/٥.

٤٢٦
(ولم يُعْزَم علينا) بضم الياء وفتح الزاي، أي: لم يجعل ذلك النهي
عزيمة علينا، أي: لم يحرمه علينا ولم يشدد علينا فيه، وظاهره أنه نهي
تنزيه. وإنما قالت: ولم يعزم علينا. لأنها فهمت من النبي ◌َّ- أن النهي
إنما أراد به ترك ما كانت الجاهلية تقوله من الهجر وزور الكلام
وقبيحه، ونسبة الأفعال إلى الدهر، فهي إذا تركت هذا المعنى ودعت
للميت وترحمت عليه جاز.
قال المهلب: وهذا الحديث يدل على أن النهي من النبي
صلىالله
وسلم
درجات: منه نهي تحريم ونهي كراهة ونهي تنزيه(١). وهذا يدل على
أن الأوامر تحتاج إلى معرفة تلقي الصحابة لها وكيف تتقبل منه (٢).
(١) عنه ابن بطال في ((شرح البخاري)) ٢٦٨/٣.
(٢) انظر: المصدر السابق ٢٦٨/٣.

=
كِتَاب الجَنَائِزِ
=
ـسـ
٤٢٧
٤٥ - باب فَضْلِ الصَّلاةِ عَلَى الجَنائِزِ وَتَشْبِيعِها
٣١٦٨ - حدثنا مُسَدَّدٌ، حدثنا سُفْيَانُ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبي صالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
يَرْوِيِهِ قال: مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً فَصَلَّى عَلَيْها فَلَهُ قِيراطٌ وَمَنْ تَبِعَهَا حَتَّى يُفْرَغَ مِنْها فَلَهُ
قيراطانِ أَصْغَرُهُما مِثْلُ أُحُدٍ أَوْ أَحَدُهُما مِثْلُ أُحُدٍ (١).
٣١٦٩ - حدثنا هارُونُ بنُ عَبْدِ اللهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُسَيْنِ الھَرَويُّ قالا: حدثنا
المُقْرِئُ، حدثنا حَيْوَةُ، حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ -وَهُوَ حُمَيْدُ بْنُ زِيادٍ - أَنَّ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ
قُسَيْطِ حَدَّثَهُ أَنَّ داوُدَ بْنَ عامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كانَ عِنْدَ
ابن عُمَّرَ بْنِ الَخَطّابٍ إِذْ طَلَعَ خَبّابٌ صاحِبُ المَقْصُورَةِ فَقال: يا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ أَلَا
تَسْمَعُ ما يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ، إِنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِوَ لَهَ يَقُولُ: «مَنْ خَرَجَ مَعَ جَنَازَةٍ مِنْ
بَيْتِها وَصَلَّى عَلَيْها)) .. فَذَكَرَ مَغْنَى حَدِيثِ سُفْيَانَ فَأَرْسَلَ ابن عُمَرَ إِلَى عائِشَةَ
فَقَالَتْ صَدَقَ أَبُو هُرَيْرَةَ(٢).
٣١٧٠ - حدثنا الوَلِيدُ بْنُ شُجاعِ السَّكُونُّ، حدثنا ابن وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْرِ،
عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ
وَ يَقُولُ: ((ما مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جَنازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلاً لا يُشْرِكُونَ
باللهِ شَيْئًا إِلَّ شُفِّعُوا فِيهِ))(٣).
باب فضل الصلاة على الجنازة وتشييعها
[٣١٦٨] (حدثنا مسدد قال: حدثنا سفيان، عن سميٍّ، عن أبي صالح)
السمان (عن أبي هريرة يرويه) عن النبي ◌َّ (قال: من تبع جنازة فصلى
(١) رواه البخاري (٤٧)، ومسلم (٩٤٥).
(٢) رواه ومسلم (٩٤٥/ ٥٦).
(٣) رواه مسلم (٩٤٨).

٤٢٨
عليها فله قيراط) فيه الحض على أتباع الجنازة وتواصل المؤمنين وتوادهم
ومؤالفة بعضهم بعضًا (ومن تبعها حتى يُفرغ) بضم الياء مبني للمفعول
(منها) ظاهر قوله: (تبع) المشي وراء الجنازة، وهو مذهب أبي حنيفة،
وأما الثلاثة الأخر من الأئمة فقالوا: قدامها أفضل. وحملوا الأتباع
على المعنى العرفي وهو المشي معها، ورجحوا القدام بما روي أن
النبي ◌َ﴿ والشيخين كانوا يمشون(١).
وقوله: (منها) في موضع رفع؛ لأنه نائب عن الفاعل.
فإن قلت: ليس في قوله: ((حتى يفرغ منها)) ذكر الصلاة، فلو تبعها
حتى يفرغ منها ولم يصل عليها هل له قيراطان؟ قلت: لا؛ إذ المراد:
حتى يصلى عليها ويفرغ منها حملًا للمطلق على المقيد.
(فله قيراطان) القيراط لغةً: نصف دانق، والمقصود منه هاهنا
النصيب والجهة، ولعل العرف كان في ذلك الزمان عليه. قال الطيبي:
القيراط جزء من أجزاء الدينار وهو نصف عشره في أكثر البلاد، وأهل
الشام يجعلونه جزءًا من أربعة وعشرين جزءًا، وقد يطلق ويراد به بعض
الشيء أي: والمراد هنا تعظيم الأجر (٢) وتفخيمه، حتى إن
(أصغرهما(٣)) أي: أصغر القيراطين اللذين حصلا له (مثل) جبل
(أحد) وأحد منصرف، وهو الجبل الذي إلى جانب المدينة على نحو
(١) كذا بالنسخ والعبارة غير تامة وتمامه كما رواه مالك ٢٢٥/١ عن ابن شهاب: أن
رسول الله 18 وأبا وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة. والخلفاء هلم جرًا. أنظر:
((شرح مسلم)) للنووي ٧/ ١٤.
(٢) في (ر): الأمر.
(٣) في (ر): أصغرها.

٤٢٩
=ِ كِتَابِ الجَنَائِزِ
ميلين منها (أو) قال (أحدهما مثل أحد) وهو تفسير للمقدار المراد (١).
[٣١٦٩] (حدثنا هارون بن عبد الله) بن مروان البغدادي الحافظ
الحمال (وعبد الرحمن بن حسين) الحنفي ذكره ابن حبان في
((الثقات))(٢) (الهروي، قالا: حدثنا) أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد،
ثقة (المقرئ) لقن القرآن سبعين سنة، قالا (حدثنا حيوة) بن شريح
الحضرمي(٣) حافظ قال (حدثني أبو صخر وهو حميد بن زياد) المدني
الخراط. قال ابن عدي: هو عندي صالح الحديث(٤) (أن يزيد بن عبد
الله بن قُسَيط) مصغر الليثي، وثقه النسائي (حدثه، أن داود بن عامر بن
سعد بن أبي وقاص حدثه) وثق (عن أبيه) عامر بن سعد بن أبي
وقاص، وثق، وتوفي سنة ثلاث أو أربع ومائة (أنه كان عند) عبد الله
(ابن عمر إذ طلع خبَّابٌ) بخاء معجمة، وتشديد الباء الموحدة
الأولى، أبو السائب بن خباب، قال الدارقطني: مختلف في صحبته،
يكنى أبا مسلم(٥)، وهو (صاحب المقصورة) مولى فاطمة بنت عتبة بن
ربيعة فقال (يا عبد الله بن عمر، ألا تسمع ما يقول أبو هريرة؟ إنه سمع
(١) أنظر: ((فتح الباري)) ١٩٤/٣.
(٢) ٣٨٢/٨ (١٣٩٩١).
(٣) هكذا في الأصل وهو سهو من المؤلف رحمه الله وحيوة هنا المصري وهناك آخر
حضرمي، وانظر: ((المتفق والمفترق)) للخطيب البغدادي ٧٠٥/١ (٣٦٣).
(٤) ((المؤتلف والمختلف)) ١/ ٤٧٠، ونقل الشارح ملتبس الفهم وعبارة الدارقطني:
خباب مولى عتبة بن ربيعة جاهلي - بنوه أصحاب المقصورة منهم السائب بن ضباب
أبو مسلم صاحب المقصورة. مختلف في صحبته. اهـ
(٥) ((الكامل)) ٧٠/٣.

٤٣٠
رسول الله ◌َ﴾ يقول: من خرج مع جنازة من بيتها) فيه فضيلة الحضور إلى
بيت الميت؛ ليذهب مع الجنازة لا سيما إذا جلس عند الدار لينتظرها
(وصلى عليها ... فذكر معنى حديث سفيان) المتقدم (فأرسل ابن عمر
إلى عائشة) يسألها عما قال خباب (فقالت: صدق أبو هريرة) ظه.
[٣١٧٠] (حدثنا الوليد بن شجاع) بن الوليد (السَّكُوني) بفتح
المهملة، حافظ يغرب(١) قال: (حدثنا ابن وهب قال: أخبرني أبو
صخر) حميد المدني (عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن كريب،
عن ابن عباس رضي الله عنهما (قال: سمعت رسول الله وَل يقول: ما
من مسلم يموت، فيقومَ) منصوب بأن المقدرة كما تقدم (على جنازته)
أي: للصلاة عليه، ولم يذكر من أفعال الصلاة على الجنازة وأقوالها
إلا القيام؛ لكونه أعظم أركانها صرح به النووي آخر التيمم (أربعون
رجلاً) ظاهره أن لا يكون فيهم أمرأة، ورواية لمسلم(٢): ((صلى عليه
أمة من المسلمين يبلغون مائة))، وذكر أيضًا رواية الأربعين(٣)،
واقتصر المصنف رحمه الله على رواية الأربعين؛ لأن الشفاعة إذا
حصلت بالأربعين حصلت بالمائة من باب الأولى، لكن ذكر الثلاثة
الصفوف في الرواية المتقدمة يفهم أن الشفاعة تحصل بدون الأربعين؛
إذ يتصور الثلاثة صفوف بستة أنفس.
قال النووي(٤): تحصل الشفاعة بأقل الأمرين من ثلاثة صفوف
وأربعين، هكذا قاله النووي، لكن قد يقال: إن شفاعة الأربعين مقيدة
(١) في (ر): يعرف.
(٢) (٩٤٧).
(٤) انظر: شرح ((صحيح مسلم)) ٧/ ١٧.
(٣) (٩٤٨).

٤٣
- كِتَاب الجَنَائِزِ
بالثلاثة الصفوف، وعلى هذا فلا تحصل الشفاعة بالأربعين إلا إذا وجد
شرطه وهو أن يكونوا ثلاثة صفوف فيكون فيه جمع بين الحديثين،
ويحمل المطلق على المقيد، والله أعلم (لا يشركون بالله شيئًا) وهذا
شرط في الأربعين أيضًا، وهو شرط صعب إذا قيل: إن معناه أن
تكون أعمالهم خالصة لله تعالى من شوائب الرياء في صلاتهم لا
يشركون في عملهم التودد إلى أقارب الميت وطلب أرتفاع المنزلة في
قلوبهم؛ ولهذا قال بعض العلماء: من تطهر للتبرد والعبادة أو صام
لتخف معدته من الطعام الكثير الذي أكله مع نية الصيام، وكذا من
حضر الجنازة للصلاة مع غرض آخر من جهة أقارب الميت لم تصح
صلاته؛ لأنه مزج مع نية التقرب نية دنياوية، وليس لله إلا العمل
الصالح كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوَاْ إِلَّا لِبَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ أُلِدِينَ﴾(١)،
وإذا لم تصح صلاتهم أنتفت الشفاعة، ويدل على ما ذكرته أن رواية
المائة لم يذكر فيها هذا الشرط؛ [وتعد زيادة العدد في الصلاة تقوم
مقام هذا الشرط](٢) لأن زيادة الستين إذا دعوا له وإن لم تقبل
صلاتهم تحصل بها الشفاعة (إلا شُفِّعوا) بضم الشين وتشديد الفاء
المكسورة (فيه) ورواية ابن ماجه(٣): ((ما من أربعين من مؤمن
يستغفرون لمؤمن إلا شفعهم الله فيه))، فاقتصر في هذا الحديث على
الاستغفار دون الصلاة، ولم يشترط فيه إلا الإيمان.
(١) البينة: ٥.
(٢) من (ل).
(٣) (١٤٨٩) بلفظ: يشفعون بدل: يستغفرون.

٤٣٢
٤٦ - باب في النّارِ يُتْبَعُ بِها المَيِّتُ
٣١٧١ - حدثنا هارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حدثنا عَبْدُ الصَّمَدِ ح، وَحَدَّثَنا ابن المُثَنَّى،
حدثنا أَبُو دَاوُدَ قالا: حدثنا حَزْبٌ - يَعْني: ابن شَدّادٍ - حدثنا يَجْيَى، حَدَّثَني بابُ بْنُ
عُمَيٍْ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ، عَنْ أَبِيِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بََّ قالَ:
((لا تُتْبَعُ الجَنَازَةُ بِصَوْتٍ وَلا نارٍ)) .. زادَ هارُونُ: ((وَلا يُمْشَىْ بَيْنَ يَدَيْها))(١).
باب النار يتبع بها الميت
[٣١٧١] (حدثنا هارون بن عبد الله) بن مروان البغدادي (٢) الحافظ،
الثقة، قال: (حدثنا عبد الصمد) بن عبد الوارث التنوري الحافظ.
(وحدثنا ابن المثنى قال: حدثنا أبو داود) الطيالسي (قالا: حدثنا حرب
يعني: ابن شداد) أبو الخطاب وثقه أحمد، قال: (حدثنا يحيى) بن أبي
كثير قال (حدثني بابُ) بالباء الموحدة المكررة بينهما ألف (ابن عُمير)
الحنفي، تفرد عنه أبو داود قال (حدثني رجل من أهل المدينة، عن
أبيه، عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ قال: لا تُتْبَعُ) بضم أوله، وفتح
ثالثه، وهو خبر بمعنى النهي (الجنازة بصوتٍ) أي: مع صوت، فالباء
بمعنى مع، وهو النياحة. وروى الإمام أحمد (٣) وابن ماجه(٤) عن ابن
(١) رواه وأحمد ٥٣١/٢، والبيهقي ٣٩٤/٣. وضعفه الألباني في ((الإرواء)) (٧٤٢).
وقال في ((أحكام الجنائز)) (ص ٧٠): وفي سنده من لم يسم، لكنه يتقوى بشواهده
المرفوعة، وبعض الآثار الموقوفة.
(٢) في (ل): العبدي. والمثبت من (ر) ومن مصادر الترجمة.
(٣) انظر: ((المسند)) ٤٧٩/٩.
(٤) (١٥٨٣).

٤٣٣
- ڪِتَاب الجَنَائِزِ
عمر: نهى رسول الله وَّر أن تتبع جنازة معها رانة. وفيه النهي الصريح عن
أتباع الجنازة التي معها محرم من صوت بنائحة أو ندب أو شق جيب أو
لطم وجه، أو معها نساء مكشوفات العورة أو نشر شعر ونحو ذلك.
وظاهر الحديث أن من صلى على الجنازة ولم يتبعها حتى يفرغ منها
لا يحصل له قيراطان (ولا نار) يعني: محرمة.
قال الشافعيُّ والأصحاب: يكره أن يتبع الجنازة بنار في مجمرة أو
غيرها، وأن يكون عند القبر مجمرة.
وروى البيهقي عن أبي موسى أنه أوصى حين حضره الموت: لا
تتبعوني بمجمرة، ولا تجعلوا على قبري نارًا. قالوا: لقد سمع فيه
شيئًا؟ قال: نعم، من النبي وَل﴾(١). وعن ابن عباس النهي عنه.
ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع عليه. وسبب الكراهة كونه من شعار
الجاهلية. وقال ابن حبيب المالكي: سببه(٢) التفاؤل بالنار.
وقال بعض أصحابنا: يحرم، ونسبه النووي إلى الشيخ أبي نصر (٣).
(زاد هارون) بن عبد الله (ولا يُمشى بين يديها) أي: بنار ولا صوت،
وقد يستدل بظاهره الحنفية على أن الماشي معها لا يمشي أمامها بل
خلفها كما تقدم (٤).
(١) ((سنن البيهقي)) ٣٩٥/٣، وليس فيه: ولا تجعلوا على قبري نارًا.
(٢) في (ر): شبيه، وانظر: ((المنتقى شرح الموطأ)) ١٠/٢.
(٣) أنظر: ((المجموع)) للنووي ٢٨١/٥، ((كشاف القناع)) ١٢٩/٢.
(٤) انظر: ((فيض القدير)) ٦/ ٥٠٢.

٤٣٤
٤٧ - باب القِيامِ لِلْجَنَازَةِ
٣١٧٢ - حدثنا مُسَدَّدٌ، حدثنا سُفْيانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سالم، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
عامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ◌َ: ((إِذا رَأَيْتُمُ الجَنَازَةَ فَقُومُوا لَهاَ حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ
أَوْ تُوضَعَ))(١).
٣١٧٣ - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حدثنا زُهَيْرٌ، حدثنا سُهَيْلُ بْنُ أَبي صالِحٍ، عَنِ
ابن أَبِي سَعِيدِ الْخُذْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قال: قال رَسُولُ اللهِ وَةَ: ((إِذا تَبِعْتُمُ الجَنَازَةَ فَلا
تَجْلِسُوا حَتَّى تُوضَعَ )) .. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوى هذا الحَدِيثَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ فِيهِ: حَتَّى تُوضَعَ بِالأَرَضِ وَرَواهُ أَبُو مُعاوِيَةَ، عَنْ سُهَيْلٍ قال:
حَتَّى تُوضَعَ في اللَّحْدِ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَسُفْيَانُ أَحْفَظُ مِنْ أَبِي مُعاوِيَةَ(٢).
٣١٧٤ - حدثنا مُؤَمَّلُ بْنُ الفَضْلِ الحَرّانُّ، حدثنا الوَلِيدُ، حدثنا أَبُو عَمْرٍو، عَنْ
يَجْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِقْسَمِ، حَدَّثَنِي جَابِرٌ قَالَ: كُنّا مَعَ النَّبِيِّ ◌َهَ إِذْ
مَرَّتْ بِنا جَنَازَةٌ فَقامَ لَها فَلَمَّا ذَهَبْنا لِنَحْمِلَ إِذا هيَ جَنَازَةٌ تَهُودِيٌّ فَقُلْنا: يا رَسُولَ
اللهِ، إِنَّمَا هِيَ جَنازَةُ يَهُودِيٌّ. فَقَالَ: ((إِنَّ المَوْتَ فَزَعٌ، فَإِذا رَأَيْتُمْ جَنَازَةٌ
فَقُومُوا »(٣).
٣١٧٥ - حدثنا القَغْنَبِيُّ، عَنْ مالِكِ، عَنْ يَخْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ واقِدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ
سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ الأَنَّصاريِّ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ مَسْعُودِ بْنِ الحَكَمِ، عَنْ
عَلِّ بْنِ أَبي طالِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ بََّ قامَ فِي الْجَنَائِزِ ثُمَّ قَعَدَ بَعْدُ(٤).
٣١٧٦ - حدثنا هِشامُ بْنُ بَهْرامَ المدائِنِيُّ، أَخْبَرَنا حاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حدثنا أَبُو
(١) رواه البخاري (١٣٠٧)، ومسلم (٩٥٨).
(٢) رواه البخاري (١٣١٠)، ومسلم (٩٥٩).
(٣) رواه البخاري (١٣١١)، ومسلم (٩٦٠).
(٤) رواه مسلم (٩٦٢).

٤٣٥
ـ كِتَابِ الجَنَائِزِ
الأَسْباطِ الحَارِثِيُّ،، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سُلَيْمانَ بْنِ جُنادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
جَدِّهِ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قال: كانَ رَسُولُ اللهِ وَلَهِ يَقُومُ في الْجَنازَةِ حَتَّى تُوضَعَ
في اللَّحْدِ فَمَرَّ بِهِ حَبْرٌ مِنَ اليَهُودِ فَقال: هَكَذا نَفْعَلُ. فَجَلَسَ النَّبِيُّ وَِّ وقالَ:
((اجْلِسُوا خالِفُوهُمْ))(١).
باب القيام للجنازة
[٣١٧٢] (حدثنا مسدد قال: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن سالم)
ابن عبد الله (عن أبيه) عبد الله [بن عمر](٢) بن الخطاب.
(عن عامر بن ربيعة) صاحب الهجرتين، وهذا من باب رواية
الصحابي عن الصحابي (يبلغ به النبيَّ ◌َّر: إذا رأيتم جنازة فقوموا)
رواية: ((لها)) هذا الأمر إنما يكون متوجهًا لمن لم يكن متبعًا للجنازة
بدليل ما جاء في حديث أبي سعيد: ((إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن
تبعها فلا يجلس))(٣). قال المهلب: يعني: القيام للجنازة - والله أعلم-
على التعظيم لأمر الموت والإجلال لأمر الله؛ لأن الموت (٤) فزع
يجب استقباله بالقيام له(٥).
وروى ابن أبي الدنيا عن أبي سعيد قال: قال رسول الله وَلّةٍ:
(١) رواه الترمذي (١٠٢٠)، وابن ماجه (١٥٤٥)، والبزار (٢٦٨٥).
وضعفه الألباني في ((المشكاة)) (١٦٨١).
(٢) سقط من (ر).
(٣) رواه البخاري (١٣١٠)، ومسلم (٩٥٩).
(٤) في النسخ الخطية: الميت. والمثبت من ((شرح ابن بطال)).
(٥) أنظر: ((شرح البخاري)) لابن بطال ٢٩١/٣.

٤٣٦
((الموت فزع فإذا مرت بكم جنازة فقوموا))(١) (حتى تُخَلَّفَكُم) بضم التاء
وكسر اللام المشددة، أي: يصيرون وراءها غائبين عنها.
فيه دليل على أن من قام للجنازة (٢) يستمر قائمًا حتى تغيب عن بصره،
هُذا إذا لم يتبعها (أو توضع) قال ابن المنذر: وممن رأى أن لا يجلس من
الجنازة حتى توضع عن مناكب الرجال: أبو هريرة وابن الزبير وابن عمر
والحسن بن علي والنخعي والشعبي والأوزاعي(٣).
[٣١٧٣] (حدثنا أحمد بن) عبد الله (بن يونس) اليربوعي الحافظ،
قال أحمد لرجل: أخرج إلى أحمد بن يونس فإنه شيخ الإسلام. قال:
(حدثنا زهير) بن معاوية (قال: ثنا (٤) سهيل بن أبي صالح، عن)
عبد الرحمن (ابن أبي سعيد الخدري، عن أبيه) أبي سعيد ابن مالك
الخدري (قال: قال رسول الله وَلطفى: إذا تبعتم) نسخة: اتبعتم (الجنازة
فلا تجلسوا) أي: إذا وصلت إلى المقبرة (حتى توضع) يستحب
للماشي مع الجنازة أن لا يتقدمها إلى المقبرة، بل يكون قريبًا منها
بحيث لو التفت لرآها، فلو تقدم فاتته فضيلة الأتباع، فإذا حضرت
الجنازة فقال أبوحنيفة وأحمد: يكره الجلوس حتى توضع؛ لهذا
الحديث. ومذهب الشافعي: إن شاء استمر قائمًا، وإن شاء قعد
الحديث علي الآتي.
(١) رواه مسلم (٧٨/٩٦٠) من حديث جابر بن عبد الله. ولم أقف عليه عند ابن أبي
الدنيا في المطبوع من كتبه.
(٢) زاد هنا في (ر): حتى.
(٣) أنظر: ((الأوسط)) ٤٢٦/٥، ((شرح البخاري)) لابن بطال ٢٩٣/٣.
(٤) في (ر): ابن. والمثبت من (ل).

٤٣٧
-- ڪِتَاب الجَنَائِزِ
(وروى هذا الحديثَ سفيان الثوريُّ، عن سهيل بن أبي صالح [عن
أبيه) أبي صالح](١) السمان الزيات، سمي بذلك؛ لأنه كان يجلب
السمن والزيت إلى الكوفة (عن أبي هريرة وقال فيه) لا تجلسوا (حتى
توضع بالأرض) وفي البخاري(٢) عن أبي سعيد: كنا في جنازة فأخذ
أبو هريرة بيد مروان فجلسا قبل أن توضع، فجاء أبو سعيد فأخذ بيد
مروان فقال: قم، فوالله لقد علم (٣) هذا أن النبي وَلّ نهى عن ذلك
فقال أبو هريرة: صدق. قال ابن بطال: أما أمر أبي سعيد لمروان
بالقيام فلا أعلم من قال به (٤). (ورواه أبو معاوية عن سهيل قال: حتى
توضع في اللَّحْد) قال صاحب ((التتمة)): يستحب لمن يتبع جنازة أن لا
يجلس حتى توضع في اللحد، قال النووي: وهو المختار(٥). وسفيان
الثوري أحفظ من أبي معاوية محمد بن خازم الضرير، وهذا لا شك
فيه؛ فإن [سفيانَ مجمع](٦) على إمامته، ومن كلامه: كان المال مما
یکړه وهو الیوم یزین(٧) المؤمن.
[٣١٧٤] (حدثنا مُؤمَّل بن الفضل الحراني) ثقة، توفي ٢٢٩ (قال:
حدثنا الوليد قال: حدثنا أبو عمرو) عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي
(١) سقط من (ر).
(٢) (١٣٠٩).
(٣) في (ر): علمتم.
(٤) ((شرح البخاري)) ٢٩٤/٣.
(٥) ((المجموع)) ٢٨٠/٥.
(٦) في النسخ الخطية: سفيانًا مجمعًا. والجادة ما أثبتناه.
(٧) كذا في النسخ، وفي ((سير السلف الصالحين)» ص١٠٠٢، و((تهذيب الكمال)) ١١/
١٦٨ : ترس.

٤٣٨
(عن يحيى بن أبي كثير، عن عبيد الله) بالتصغير (ابن مِقْسَم) بكسر الميم،
قال (حدثني جابر قال: كنا مع النبي وّر إذ مرت بنا جنازة، فقام لها)
وقمنا معه كما في مسلم (١) (فلما ذهبنا، لنحمل) يعني الجنازة (إذا هي
جنازة يهوديّ، فقلنا: يا رسول الله، إنها جنازة يهودي! فقال: إن
الموت فزَع) بفتح الزاء أي: ذعر، قيل: إنما قام النبي وَطّ الجنازة
اليهودي لأنه كره أن تعلو جنازة اليهودي رأسه، أي يفزع إليه ومنه،
وهو تنبيه على استذكاره واستعظامه، وأنه من أهم ما يجعله الإنسان
بين عينيه، وأنه صائر قريبًا إليه.
والمقصود من هذا الحديث أن لا يستمر الإنسان على غفلته عند رؤية
الميت؛ فإنه إذا رأى الميت ثم تمادى على ما كان عليه من الشغل [كان
هُذا دليلا على غفلته وتساهله بأمر الموت، وأمر الشارع أن يترك ما كان
عليه من الشغل](٢) ويقوم؛ تعظيمًا لأمر الموت واستشعارًا به، وعلى هذا
يستوي في ذلك المسلم والكافر، ولهذا قال في الذمي: ((أليست نفسًا؟))
معناه: أليست هذه الجنازة نفسًا جاءها الموت؟(٣).
(فإذا رأيتم الجنازة فقوموا) أي: سواء كان الميت يهوديًّا أو غيره.
[٣١٧٥] (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن واقد
ابن سعد بن معاذ الأنصاري) ثقة، مات ١٢٠ (عن نافع بن جبير بن مطعم)
شريف مفتي (عن مسعود بن الحكم) الزرقي، مدني كبير القدر(٤) (عن
(١) (٩٦٠).
(٢) سقط من (ر).
(٣) انظر: ((المفهم)) ٦٢٠/٢ - ٦٢١.
(٤) في (ر): العذر.

٤٣٩
۔ ڪِتَّابِ الجَنَائِرِ
علي بن أبي طالب ه أن النبي ◌َّر قام في الجنازة) قيل: إنما قام النبي وَل
إجلالًا للملائكة الذين (مع الميت)(١) وقد يؤخذ من هذا جواز القيام
لليهودي أو غيره من الكفار إذا كان حيًّا وأتى إليه يقوم له المسلم
تعظيمًا للملكين لا له (ثم قعدَ بعدُ) بضم الدال، أي: قعد بعد ذلك،
فلما قطع عن الإضافة بني على الضم ونوى المضاف إليه.
زاد في رواية مسلم: وأمرهم بالقعود (٢). كما سيأتي بعده: أجلسوا.
[٣١٧٦] (حدثنا هشام بن بهرام) بكسر الباء الموحدة (المدائني) وثق،
وبقي إلى سنة ٢٢ قال (أخبرنا حاتم بن إسماعيل) المدائني ثقة صدوق،
لكن كان فيه غفلة. قال (أنبأنا أبو الأسباط) بشر بن رافع (الحارثي) قواه ابن
معين(٣) (عن عبد الله بن سليمان بن جُنادة) بضم الجيم (ابن أبي أمية) (٤)
قيل: ذكره ابن حبان في ((ثقاته))(٥).
(عن أبيه) سليمان بن جنادة بن أبي أمية الأزدي، أسم أبي أمية:
مالك (عن جدِّه) جنادة مختلف في صحبته. قاله الذهبي(٦). قال ابن
الأثير(٧): إنه من صغار الصحابة، وقد سمع من النبي ◌َّ، وروى
عنه، شهد فتح مصر وولي البحر لمعاوية على غزو الروم، وقيل: إن
(١) في النسخ: للميت. والمثبت من ((المفهم)).
(٢) لم أقف عليه بهذا اللفظ في مسلم.
(٣) أنظر: ((تهذيب الكمال)) ١١٩/٤ (٦٨٧).
(٤) زاد هنا في (ر): أسم أبي أمية. وهي زيادة مقحمة.
(٥) ٨/ ٣٣٧.
(٦) ((الكاشف)) (٨١٥).
(٧) أنظر: ((أسد الغابة)) ٥٥٧/٥ (٧٨٩).

٤٤٠
جنادة بن أبي أمية غير جنادة بن مالك.
(عن عبادة بن الصامت # قال: كان وَّر يقوم في الجنازة) يحتمل أن
يكون في بمعنى مع (حتى توضع في اللحد) يرده ما وقع في حديث البراء
الطويل الذي صححه أبو عوانة وغيره: كنا مع رسول الله وَّل في جنازة
فانتهينا إلى القبر ولم يلحد بعد، فجلس وجلسنا حوله(١) (فمر به حَبرٌ)
بفتح الحاء واحد الأحبار (من اليهود فقال: هكذا نفعل) أي: مع
موتانا (فجلس النبي ◌َّ- وقال: أجلسوا. ثم قال: خالفوهم) رواية:
((وخالفوهم))، وكان النبي وَّ يحب مخالفة أهل الكتاب فيما لم يؤمر
(٢)
فيه بشيءٍ(٢).
(١) سيأتي برقم (٣٢١٢) وأنظر: ((التلخيص الحبير)) ٢٦٤/٢.
(٢) رواه البخاري (٣٥٥٨).