Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
= كتاب الفرائض
أيمانكم﴾ والصواب: أن الآية الناسخة: ﴿وَلِكُلّ جَعَلْنَا مَوَلِىَ﴾،
والمنسوخة: ﴿والذين عاقدت أيمانكم) كذا رواه الطبري(١) (كان
الرجل) منهم (يحالف) بالحاء المهملة (الرجل) أي يتحالفان على
النصرة والموالاة على أعدائهم والمناصحة وأنهم صاروا يدًا واحدة
(ليس بينهما نسب) ولا قرابة (فيرث أحدهما) أي كل واحد منهما
(الآخر) بسبب التحالف ثم نسخ (فنسخ) بفتح النون والسين أي: نسخ
(ذلك) الميراث بالمحالفة آية سورة (الأنفال فقال تعالى) فيها (﴿وَأُوْلُواْ
الْأَرْحَامِ﴾) أي: أولوا القرابات وذوو الرحم أولى بالتوارث (﴿بَعْضُهُمْ
أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾) أي بعض ذوي المحارم أحق بالميراث لبعض ذي الرحم.
وعن ابن عباس: آخى النبي وَلَه بين أصحابه، فكانوا يتوارثون بذلك
حتى نزلت: ﴿وَأَوْلُوْ اْلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ فتوارثوا بالنسب(٢).
[٢٩٢٢] (حدثنا هارون بن عبد الله) بن مروان البغدادي البزار شيخ
(٣)
مسلم (٣).
(حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الكوفي(٤). (حدثني إدريس
ابن يزيد) الأودي(٥). (حدثنا طلحة بن مصرف(٦) عن سعيد بن جبير،
وانظر: ((الجامع لأحكام القرآن)) للقرطبي ١٦٥/٥.
(١) ((شرح صحيح البخاري)) لابن بطال ٣٦٢/٨.
(٢) أخرجه الطبري في تفسير سورة الأنفال آية (٧٢)، والبيهقي في ((السنن الكبرى))
٢٩٦/١٠.
(٣) انظر: ((تهذيب الكمال)) ٩٦/٣٠.
(٤) ((تقريب التهذيب)) (١٤٨٧).
(٥) ((التقريب)) (٢٩٦).
(٦) ((التقريب)) (٣٠٣٤).

٥٠٢
عن ابن عباس في قوله تعالى) (﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ﴾)(١) تقدمت قراءة حمزة
بفتح القاف المخففة، روى علي بن كبشة عن حمزة: عقدت بتشديد
القاف على التكثير، والمشهور عن حمزة التخفيف (٢). ومعنى عقدت:
أحكمت (أيمانكم) جمع يمين من اليد، ويحتمل أن يكون من القسم،
وذلك بأنهم كانوا يضربون صفقة البيعة بأيمانهم ويأخذ بعضهم بيد
بعض على الوفاء والتمسك بالعهد (﴿فآتوهم﴾) أعطوهم
(﴿نَصِيَهُمْ﴾) من النصرة والنصيحة على ما تقدم.
(قال: كان المهاجرون) من مكة الذين هجروا ديارهم وأموالهم (حين
قدموا المدينة تورث) أي: يورثون ماله (الأنصار) وكان الميراث يستحق
في الإسلام بأسباب منها الهجرة والمعاقد (٣) والحلف ثم نسخ ذلك
(دون ذوي رحمه) وقد تقدم ذكرهم قريبًا ودون أقاربه (للأخوة التي
آخى رسول الله
( بينهم) قال أنس بن مالك: حالف رسول الله وَله
وَسَتَّلـ
بين المهاجرين والأنصار(٤). أي: حالف بينهم في دارنا مرتين كانت
المحالفة قبل الفتح (فلما نزلت هذه الآية: ﴿وَلِكُلٍ﴾) أي لكل إنسان
(﴿جَعَلْنَا مَوَلِىَ﴾) أي: ورثة وموالي يعني عصبة يأخذون (﴿مِّمَّا
(١) ورد بعدها في الأصل: نسخة: عاقدت.
(٢) ((الجامع لأحكام القرآن)) للقرطبي ١٦٧/٥.
(٣) هكذا في الأصل ولعلها المعاقدة؛ انظر: ((أحكام القرآن)) للجصاص ٦/ ٤٦١،
((أحكام القرآن)) للكيا الهراسي، وهذا نصه: واعلم أن الميراث كان يستحق في أول
الإسلام بأسباب، منها: الحلف والتبني والمعاقدة: ومنه قوله: ﴿والّذينَ عَقَدَتْ
أيمانُكُم فَآتُوهُم نَصِيبَهُم﴾.
(٤) ((صحيح مسلم)) (٢٥٢٩).

٥٠٣
= كتاب الفرائض
تَرَكَ﴾) فلينتفع كل أحد بما قسم الله تعالى له من الميراث ولا يتمنى مال
غيره (قال: نسختها: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾) من الميراث بالمعاقدة
وهو السدس من ميراث الحليف ثم نسخ.
وقالت طائفة: آتوهم نصيبهم (من النصر) على أعدائهم (والنصيحة)
لهم ببذل الجهد في قصد إصلاحهم بإخلاص وصدق مودة (والرفادة)
بكسر الراء في الإعانة والإعطاء، والرفادة هو شيء كانت قريش تترافد
به في الجاهلية، أي: تتعاون فيخرج كل إنسان بقدر طاقته فيجمعون
مالًا عظيمًا يشترون به الطعام والزبيب للنبيذ الذي كانوا يصنعونه
للشرب فيطعمون الناس ويسقونهم منه أيام موسم الحاج حتى
ينقضي (١) (ويوصي له) بشيء من ماله. (وقد ذهب الميراث) الذي كانوا
يتوارثون به ونسخه الله بآية المواريث، وقد تقدمت رواية البخاري
وكلام ابن بطال قبل هذا الحديث(٢).
[٢٩٢٣] (حدثنا أحمد) بن محمد (بن حنبل، وعبد العزيز بن يحيى)
الحراني ثقة (المعنى قال أحمد) بن حنبل (حدثنا محمد بن سلمة)
ابن عبد الله الباهلي، أخرج له مسلم (حدثنا) محمد (ابن إسحاق، عن
داود بن الحصين) القرشي مولى عثمان بن عفان(٣) (قال: كنت أقرأ
على أم سعد) الخزرجية (بنت الربيع وكانت يتيمة في حجر) بفتح
(١) ((النهاية)) لابن الأثير ٥٩٥/٢.
(٢) أنظر: ((شرح صحيح البخاري)) ٣٦٣/٨.
(٣) ((تهذيب الكمال)) ٣٧٩/٨ وفيه: داود بن الحصين القرشي الأموي أبو سليمان
المدني مولى عمرو بن عثمان بن عفان.

٥٠٤
الحاء (أبي بكر) الصديق، قتل أبوها سعد بن الربيع بن عمرو الأنصاري
يوم أحد شهيدًا، وكان كاتبًا في الجاهلية، وأمر رسول الله ربَّله يوم أحد
أن يلتمس في القتلى وقال: ((من يأتيني بخبر سعد بن الربيع))، فقال
رجل: أنا، فذهب يطوف بين القتلى فوجده وبه رمق، فقال له سعد:
أذهب إلى النبي وهيل ر فأخبره أني طعنت أثنتي عشرة طعنة وأخبر قومك
أنهم لا عذر لهم عند الله إن قتل رسول الله وَّر وواحد منهم حي(١).
(فقرأت) عليها: ((والذين عاقدت أيمانكم)) الآية. (فقالت: لا
تقرأ: ﴿والذين عاقدت أيمانكم)) [لأنها (إنما نزلت في أبي بكر)
الصديق](٢) وقيل: (عاقدت أيمانكم) أي: عاقدت أيديكم بالزواج
ويذكر الزوج والزوجة بعد الوالدين والأقربين [فقالت لا تقرأ عاقدت
بالألف من المعاقدة المعاهدين](٣) وكان للحليف في صدر الإسلام
السدس [من الميراث] قاله الماوردي (٤) وغيره(٥)، فمنعت أم سعد
داود بن الحصين أن يقرأ عاقدت؛ لأنها تدل على التوارث بالمحالفة.
والأيمان جميع يمين، ومن عاقد رجلًا قال له: دمي دمك ترثني
وأرثك بالمعاقدة(٦). ومنعها من القراءة بالألف يدل على جواز القراءة
(١) ((الطبقات الكبرى)) ٥٢٤/٣.
(٢) سقط من (ع).
(٣) من (ع).
(٤) ((الحاوي)) ٦٨/٨.
(٥) أنظر: ((الفجر الساطع على الصحيح الجامع)) ٥٦/٥، ((عمدة القاري)) ٢٧٤/٣٢،
((فتح الباري)) ٥٠٢/١٠، و((الوجيز)) للواحدي ٢٦٢/١، ((تفسير الطبري)) ٢٦٢/٨.
(٦) تفسير الرازي ٦٤/١٠ والطبري ٥٢/٤ وابن كثير ١/ ٦٥٠ والقرطبي ١٥٨/٥.

٥٠٥
= كتاب الفرائض
بـ (عقدت أيمانكم) بحذفها مع التخفيف أو التشديد، وبهذه القراءة نطقت
الدلالة على التوارث بالحلف؛ لأنها من عقد اليمين بالله تعالى وهو
القسم، ومفعول عقدت محذوف تقديره: عقدت حلفهم أيمانكم؛
ضر
لأنها إنما أنزلت في أبي بكر الصديق
(و) في (ابنه) أبي محمد (عبد الرحمن) ابن أبي بكر، وكان حضر
بدرًا مع المشركين (حين أبى) أن يدخل في (الإسلام فحلف أبو بكر
ألا يورثه) من ماله شيئا بعد موته؛ لأن الكافر لا يرث المسلم (فلما
أسلم) وهاجر قبل الفتح مع معاوية فيما قيل، وكان من أشجع قريش
وأرماهم. ولم يجرب له كذبة قط (أمره الله أن يؤتيه نصيبه) من ميراثه
بعد موته (زاد عبد العزيز) بن يحيى في روايته (فما أسلم) عبد الرحمن
(حتى حمل على الإسلام) وقاتلهم (بالسيف) مع قومه الكفار في غزوة
أحد، ثم أسلم وحسن إسلامه، وصحب النبي ◌َّل، وحضر وقعة اليمامة
مع خالد بن الوليد فقتل سبعة من كبارهم، وشهد له بذلك جماعة عند
خالد بن الوليد، وهو الذي قتل محكم اليمامة بن الطفيل، رماه بسهم
في نحره فقتله، وكان عبد الرحمن أسن ولد أبي بكر، وكان أمراً
صالحًا وكان فيه دعابة(١).
[٢٩٢٤] (حدثنا أحمد بن محمد) بن ثابت بن شبويه الثقة(٢). (حدثنا
علي بن حسين، عن أبيه) حسين بن واقد، قاضي مرو (عن يزيد) بن أبي
(١) أنظر: ترجمة عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما في ((الإصابة)) ٣٢٥/٤،
((تهذيب الكمال)) ٢٢٧/١٧، ((تاريخ دمشق)) ٢٤/٣٥.
(٢) ((التقريب)) (٩٤).

٥٠٦
سعيد (النحوي(١) عن عكرمة، عن ابن عباس) رضي الله عنهما في قوله
تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُوا﴾) أي: هجروا أوطانهم وأوطارهم
وأموالهم وقومهم في نصرة الله حبًّا لله ولرسوله ﴿وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَنَصَرُواْ﴾
يعني الأنصار أسكنوا المهاجرين ديارهم ونصروهم على أعدائهم
أولياء بعضهم أولياء بعض في الميراث يتوارثون فيما بينهم بالهجرة
والنصرة (و) كان (﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ﴾) أوطانهم ولا أموالهم
(فكان الأعرابي) منهم (لا يرث) قريبه (المهاجر) إذا مات (ولا يرثه)
الأعرابي إذا مات (المهاجر) لمخالفته له في الهجرة، بل يباعدونهم
ويحرمونهم وإن كانوا أقارب (فنسختها:) قوله تعالى: (﴿وَأُوْلُواْ
اٌلْأَرْحَامِ﴾) وهم الأقارب ذوو الرحم. قال ابن الأنباري: كان الله
تعبدهم في أول الهجرة بأن لا يرث المسلمين المهاجرين إخوانهم
الذين لم يهاجروا ولا يرثون هم إخوانهم، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى:
﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾.
(١) هُذِه النسبة إلى بطن من الأزد يقال لهم: بنو نحوة، ليسوا من نحو العربية. انظر:
((الأنساب)) للسمعاني ٤٦٩/٥، ((اللباب)) ٣٠١/٣.

٥٠٧
= كتاب الفرائض
١٧ - باب في الحلف
٢٩٢٥ - حدثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ وابنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ،
عَنْ زَكَرِيًّا، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْراهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم قال: قال رَسُولُ اللهِ
وَّ: (( لا حِلْفَ في الإِسْلامِ وَأَيُّما حِلْفٍ كانَ في الجاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الإِسْلامُ
إِلَّ شِدَّةً))(١).
٢٩٢٦ - حدثنا مُسَدَّدٌ، حدثنا سُفْيانُ، عَنْ عَاصِمِ الأَخْوَلِ قالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ
ابْنَ مالِكٍ يَقُولُ: حَالَفَ رَسُولُ اللهِ وََّ بَيْنَ المُهاجِرِينَ وَالأَنَّصارِ في دارِنا. فَقِيلَ لَهُ:
أَلَيْسَ قَالَ رَسُولُ اللهِوَلَهَ: (( لا حِلْفَ في الإِسْلام؟)). فَقال: حَالَفَ رَسُولُ اللهِ وَه
بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأنَّصارِ في دارِنا. مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا(٢).
باب في الحلف
الحلف بكسر الحاء وسكون اللام هو الذي يفعل في الجاهلية(٣).
[٢٩٢٥] (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن بشر و) عبد الله
(ابن نمير) الهمداني(٤). (وأبو أسامة) حماد بن أسامة الكوفي.
(عن زكريا) بن أبي زائدة الهمداني الأعمى.
(عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه) إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف
(١) رواه مسلم (٢٥٣٠).
(٢) رواه البخاري (٢٢٩٤)، ومسلم (٢٥٢٩).
(٣) انظر: ((فتح الباري)) ٤٧٣/٤، ((النهاية)) لابن الأثير ١٠٣٣/١.
(٤) الهمداني: بفتح الهاء وسكون الميم والدال المهملة، هي منسوبة إلى همدان، وهي
قبيلة من اليمن، نزلت الكوفة. ((الأنساب)) ٦٤٧/٥.

٥٠٨
الزهري. (عن جبير بن مطعم عليه قال رسول الله وَله: لا حلف) بكسر
المهملة وسكون اللام.
(في الإسلام) وإنما قال النبي ◌َّر: ((لا حلف في الإسلام بعد نسخ
التوارث)) أي: لا يتحالف أهل الإسلام كما كان أهل الجاهلية
يتحالفون، وذلك أن المتحالفين كانا يتناصران في كل شيء، فيمنع
الرجل حليفه وإن كان ظالمًا، ويقوم دونه، ويدفع عنه بكل ممكن،
فيمنع الحقوق وينتصر به على الظلم والبغي والفساد، ولما جاء الشرع
بالانتصاف من الظالم وأنه يؤخذ منه ما عليه من الحق ولا يمنعه أحد
من ذلك، وحدَّ رسول الله ◌َّ الحدود وبين الأحكام، وأبطل ما كانت
الجاهلية عليه من ذلك ونفى التعاقد والتحالف على نصرة الحق
والقيام، وأوجب ذلك بأصل الشريعة إيجابًا عامًّا على من قدر عليه
من المكلفين. قاله القرطبي(١).
(وأيما حلف) مجرور بالإضافة تقديره: وأي حلف (كان) أي حدث
ووجد فهي كان التامة.
(في الجاهلية) يعني: أي حلف وقع في أيام الجاهلية بالقيام بنصرة
الحق والمواساة وصدق المحبة في الله تعالى ودخل الإسلام عليه (لم يزده
الإسلام إلا شدة) تأكيد وتقوية، وهذا كنحو حلف الفضول الذي ذكره
ابن إسحاق(٢) وغيره(٣)، قال: اجتمعت قبائل من قريش في دار
(١) ((المفهم)) ٤٠/٢١، ((الجامع لأحكام القرآن)) للقرطبي ١٥١/١٠.
(٢) ((سيرة ابن هشام)) ١/ ١٣٣.
(٣) انظر: ((عيون الأثر)) ٦٧/١، و((الروض الأنف)) ٢٤١/١.

٥٠٩
== كتاب الفرائض
عبد الله ابن جدعان لشرفه ونسبه فتعاقدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلومًا
إلا قاموا معه حتى يرد عليه مظلمته سواء كان من مكة أو غيرها فسمت
قريش ذلك الحلف حلف الفضول أي: حلف الفضائل، والفضول هنا
جمع فضل للكثرة كفلس وفلوس.
وروى ابن إسحاق عن ابن شهاب: قال رسول الله وَالخلية: ((لقد شهدت
في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعي به
في الإسلام لأجبت))(١).
[٢٩٢٦] (حدثنا مسدد، حدثنا سفيان) بن عيينة (عن عاصم الأحول
قال: سمعت أنس بن مالك يقول: حالف رسول الله وَله بين المهاجرين
والأنصار) لفظ مسلم (٢): بين قريش والأنصار. أي: آخى بينهم.
والمؤاخاة: مفاعلة من الأخوة، ومعناها: أن يتعاقد الرجلان على
التناصر والمواساة والتوارث حتى يصير كالأخوين نسبًا، وكان ذلك
أمرًا معروفًا في الجاهلية معمولا به عندهم، ولم يكونوا يسمونه إلا
حلفًا(٣).
قال القرطبي: ولما جاء الإسلام عمل النبي ◌ُّيقوم به وورثه على ما
حكاه أهل السير، وذلك أنهم قالوا: إن رسول الله وَّةٍ آخى بين
أصحابه مرتين بمكة قبل الهجرة وبعد الهجرة(٤).
قال ابن عبد البر: والصحيح عند أهل السير والعلم بالآثار والخبر
(١) ((السيرة النبوية)) لابن هشام ١٣٣/١.
(٢) (٢٥٢٩).
(٣)، (٤) ((المفهم)) للقرطبي ٣٨/٢١.

٥١٠
في المؤاخاة التي عقدها رسول الله ومؤ بين المهاجرين والأنصار حين
قدومه إلى المدينة بعد بنائه المسجد على المواساة والمساعدة على
سائر الحق، فكانوا يتوارثون بذلك دون القرابات، كما تقدم(١).
(في دارنا) وفي رواية مسلم(٢): في داري التي بالمدينة، وفي رواية:
في داره. وهكذا قال البخاري(٣) في داري، ولم يقل: في داره.
(فقيل له: أليس قال رسول الله وَله: لا حلف في الإسلام؟!) الحلف
الذي ورد النهي عنه في الإسلام ما كان منه في الجاهلية على التعاضد في
الفتن والشرور والقتال بين القبائل والغارات، كما يقع في هذا الزمان كما
بين العربان والفلاحين على محاربة الأعداء من المسلمين المؤمنين وعلى
سفك دمائهم وأخذ أموالهم، وربما يقع ذلك في الأشهر الحرم
وغيرها (٤).
(فقال) أنس (حالف) أي: آخى (رسول الله وَل بين المهاجرين
والأنصار في دارنا) التي بالمدينة.
(مرتين أو ثلاثًا) شك من الراوي، وهذه الزيادة ليست في
الصحيحين.
(١) ((المفهم)) للقرطبي ٣٨/٢١.
(٢) الحديث في ((صحيح مسلم)) (٢٥٢٩ و٢٥٣٠) وليس فيه هذِه اللفظة، وإنما الذي
فيه: في داره.
(٣) (٢٢٩٤، ٦٠٨٣، ٧٣٤٠).
(٤) أنظر: ((شرح مسلم)) للنووي ٨٢/١٦، ((النهاية)) ١٠٣١/١، ((عمدة القاري))
٣٥/ ٤٥٢.

٥١١
= كتاب الفرائض
١٨ - باب في المَزْأَةِ تَرِثُ مِنْ دِیَةٍ زَوْجِها
٢٩٢٧ - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صالِحِ، حدثنا سُفْيانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ قال:
كانَ عُمَرُ بْنُ الَخَطَّابِ يَقُولُ الدِّيَةُ لِلْعَاقِلَةِ وَلا تَرِثُ المَزْأَةُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِها شَيْئًا حَتَّى قال
لَهُ الضَّحّاكُ بْنُ سُفْيَانَ: كَتَبَ إِلَى رَسُولُ اللهِ وَ أَنْ أُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضِّبابِيِّ مِنْ دِیَةِ
زَوْجِها. فَرَجَعَ عُمَرُ.
قالَ أَحْمَدُ بْنُ صالِحٍ: حدثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بهذا الحَدِيثِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهريِّ،
عَنْ سَعِيدٍ وقالَ فِيهِ: وَكَانَ النَّبِيُّ ◌َلَّ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الأَغْرَابِ(١).
باب في المرأة ترث من دية زوجها
[٢٩٢٧] (حدثنا أحمد بن صالح) المصري الحافظ شيخ البخاري.
(حدثنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد) بن المسيب.
(قال: كان عمر بن الخطاب #ه يقول: الدية) يعني دية المقتول
(للعاقلة) يعني لعصباته الذين يعقلون أي يعطون دية قتل الخطأ عن
الجاني وهم الأقارب من جهة الأب، وكان عمر يقول بهذا ويذهب
إليه في أول الأمر لظاهر القياس، وذلك أن المقتول لا تجب ديته ولا
يستحقها إلا إذا مات وبالموت تزول أملاك الميت الثابتة له، ويخرج
عن أن يكون أهلاً للملك، وهي إحدى الروايتين عن علي (٢)، ثم
(١) رواه الترمذي (٢١١٢)، وابن ماجه (٢٧٥٢)، وأحمد ١٠٢/٤، ١٠٣.
وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢٥٩٩).
(٢) رواية توريثه لها أخرجها ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٣١٤/٩ (٢٨١٢٩)، ورواية
المنع أخرجها الدرامي (٣٠٤٢).

٥١٢
رجع عمر لما بلغه عن النبي وساقوه وأبطل قياسه بالنص كما سيأتي.
(ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئًا) لأنها لا ترث عنه إلا ما كان
يملكه قبل موته، ودية المقتول لا ترثها إلا بعد موته، كما تقدم.
(حتى قال له الضحاك بن سفيان) بن عوف العامري الكلابي، ولاه
رسول الله * على قومه الذين أسلموا، وكان أحد الأبطال، وكان
يعد بمائة فارس، ولما سار رسول الله إلى مكة أمَّره على بني سليم(١).
(كتب إلي رسول الله وَير أن أورث أمرأة أشيم) بفتح الهمزة وسكون
الشين المعجمة وفتح المثناة تحت (الضبابي) بكسر الضاد المعجمة وفتح
الموحدة الأولى وكذا الثانية المكسورة، نسبة إلى معاوية بن كلاب بطن
من مضر، وقيده بعضهم بفتح الضاد وهو وهم(٢).
(من دية زوجها) الذي قتل في عهد النبي وَ له مسلمًا(٣).
[وفيه من الفقه] (٤) أن القتيل إذا عفا عن الدية كان عفوه جائزًا في
ثلث ماله؛ لأنه قد ملكه، وإنما يجوز في قتل الخطأ؛ لأن الوصية فيه
إنما تقع للقاتل بالدية أنها تقع للعاقلة الذين يغرمون الدية دون قتل
العمد ولا وصية للقاتل كالميراث. قاله الخطابي، وفيه أنه لو أوصى
لرجل بشيء من ديته دون الثلث جازت وصيته على هذا.
وفي هذا الحديث من الفقه: أن من أوصى بثلث ماله لرجل فقتل
(١) الإصابة)) ٣/ ٤٧٧.
(٢) ((الأنساب)) ٦/٤.
(٣) ((الإصابة)) ٩٠/١ (٢٠٧). وما بين المعقوفين سقط من (ع)،.
(٤) في (ل) طمس، والمثبت من (ع).

٥١٣
- كتاب الفرائض
الموصي ولم يخلف إلا ديته وأخذت فللموصى له بالثلث تلك الدية؛ لأن
ظاهر الحديث أن الدية ملك للمقتول تورث عنه للزوجة وغيرها، وكذا
تخرج منها وصیته.
والدليل على أن الدية ملك للمقتول أنها بدل نفسه فيكون بدلها له
كدية أطرافه المقطوعة منه في الحياة؛ ولأنه لو أسقطها عن القاتل بعد
جرحه إياه كان صحيحًا، وليس له إسقاط حق الورثة، ولأنها مال
موروث فأشبهت سائر أمواله.
(فرجع عمر) عما كان قال به حين بلغه النص الصريح، وهذا
الحديث صححه الترمذي(١)، إلا أن لفظه: الدية على العاقلة، ولا
ترث أمرأة من دية زوجها شيئًا.
وعند ابن ماجه(٢): أن رسول الله وَّيقول قام يوم فتح مكة فقال: ((المرأة
ترث من دية زوجها وماله وهو يرث من ديتها ومالها ما لم يقتل أحدهما
صاحبه، فإذا قتل أحدهما صاحبه خطأ ورث من ماله ولم يرث عمدًا)).
ورواه أبو القاسم البغوي من طريق الزهري أن عمر قال: أيكم سمع
رسول الله ورث امرأة من عقل زوجها فقام الضحاك فقال: كتبت
لرسول الله ﴿ أسأله: هل لامرأته من عقله شيء؟ فكتب إلي أن ورثها.
وروى أبو يعلى عن المغيرة بن شعبة: أن رسول الله وَ لل كتب إلى
الضحاك أن يورث أمرأة أشيم من دية زوجها(٣).
(١) ((السنن)) (١٤١٥).
(٢) (٢٧٣٦).
(٣) رواه الطبراني في ((مسند الشاميين)) ٣٢١/٢، والدار قطني ٧٦/٤.

٥١٤
ورواه ابن شاهين عن المغيرة أنه قال: حدث عمر بن الخطاب بقصة
أشيم فقال: لتأتيني على هذا بما أعرف. فنشدت الناس في الموسم،
فأقبل رجل يقال له زرارة بن جزء فحدثه عن النبي وال9 بذلك(١).
والحمد لله وحده وصلى الله على من لا نبي بعده.
(١) ((المعجم الكبير)) للطبراني ٢٧٦/٥. وراجع ((نصب الراية)) ٣٥٢/٤.
.

لِكِتَابُ الخَرَاجِ وَالأْابُ وَالْفَيِّيء

.

٥١٧
ـ كِتَابِ الخَرَاجِ وَالْإِمَارَةِ وَالْفَيْءِ
كِتَاب الخَرَاجِ وَالْإِمَارَةِ وَالْفَيْءِ
١ - باب ما يَلْزَمُ الإِمامَ مِنْ حَقِّ الرَّعِيَّةِ
٢٩٢٨ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينارٍ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِّهِ قَالَ: «أَلَا كُلُّكُمْ راعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِّهِ
فالأَمِيرُ الذي عَلَى النّاسِ راعٍ عَلَيْهِمْ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ والرَّجُلُ راعٍ عَلَى
أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ والمَرْأَةُ راعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِها وَوَلَدِهِ وَهِيَ مُّسْئُولَةٌ
عَنْهُمْ والَعَبْدُ راعٍ عَلَىْ مالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ فَكُلُّكُمْ راعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ
عَنْ رَعِيَّتِهِ))(١).
(١) رواه البخاري (٨٩٣، ٢٤٠٩، ٢٥٥٤)، ومسلم (١٨٢٩).

٥١٨
ـرِ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الَّغْيِ الرَّحَيَ
كتاب الخراج والإمارة [والفيء
باب ما يلزم الإمام من حق الرعية](١)
[٢٩٢٨] (حدثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك، عن عبد الله
ابن دينار، عن عبد الله بن عمر) رضي الله عنهما (أن رسول الله وَالله قال:
ألا) بتخفيف اللام، حرف استفتاح (كلكم) رواية: ((إن كلكم)) (راع) قال
النووي: الأصل في الراعي القيام على إصلاح ما يتولى عليه الراعي أي:
حافظ مؤتمن مستلزم صلاح ما قام عليه والاجتهاد في النصيحة له وإلى ما
استند إليه أمر رعيته.
وفيه أن كل من تحت نظره شيء مطالب بالعدل فيه والقيام بمصالحه
في دينه ودنياه، وأن لا يفرط في شيء من أمره، فإن وفى بما عليه من
الرعاية حصل له الحظ الأوفر والأجر الأكبر (٢) (وكلكم مسؤول)
ومطالب (عن) كل واحد من (رعيته) فإن لم يف بحسن الرعاية
بحقوقهم كثر مطالبوه وناقشه محاسبوه. ومن جملة الرعية المسؤول
عنها أعضاؤه وجوارحه هل استعملها في طاعة الله أو معصيته؟ وهي
شاهدة عليه (فالأمير الذي) يحكم (على الناس) هو (راع) قائم
بمصالحهم وحافظ (عليهم) مصالحهم (وهو مسؤول عنهم) عن كل
(١) سقط من (ع).
(٢) أنظر: ((شرح مسلم)) للنووي ٢١٢/١٢، ((عمدة القاري)) ٦٠/١٠، ((فتح الباري))
١٣/ ١١٢.

٥١٩
= ڪِتَابِ الخَرَاجِ وَالْإِمَارَةِ وَالْفَيْءِ
واحد من رعيته، وفيه حث عظيم على وجوب النصيحة على كل من ولي
أمر المسلمين، وبذل الاجتهاد في مصالحهم الدينية والدنيوية.
وروى الطبراني في ((الأوسط))(١) عن معقل بن يسار: أن رسول الله
وَالر قال: ((من ولي أمة من أمتي قلَّت أو كثرت فلم يعدل فيهم كبه الله
على وجهه في النار)). (والرجل راع على أهل بيته) من زوجة وخادم
وولد وغير ذلك (وهو مسؤول عنهم) أي: عن كل واحد منهم صغيرًا
كان أو كبيرًا وكذا تعليم الأولاد القراءة والكتابة والصنعة والحرفة
الذي هو مسلم إليه هو راعٍ عليهم ومسؤول عنهم، هل ينصح لهم في
التعليم؟ والرجل مسؤول عن نفقة زوجته وخادمه وأولاده وكسوتهم
وما يحتاجون إليه، وعن تعليمهم ما يحتاجون إليه في صلاتهم
ووضوئهم، وما يحتاجون إليه في أمر دينهم وهو أهم من الكسوة
والنفقة، فإنها تسقط عنه إذا كان معسرا وعاجزًا عن التكسب، وأما
تعليم دينهم فإن لم يعرف فيتعلم ويعلمهم، أو يسأل، أو يسلمهم إلى
من يعلمهم عليه (٢) إن ساغ ذلك لقوله تعالى: ﴿قُواْ أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ
نَارًا﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِ﴾ (٤) (والمرأة راعية) الرعاية:
الحفظ والأمانة من قولهم: رعاك الله، أي: حفظك الله، وراعي
الغنم: حافظها والمؤتمن عليها (على) ما في (بيت بعلها) البعل:
الزوج، جمعه: بعول، كقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَهُنَّ﴾(٥)، ومنه حديث
(١) (٦٦٢٩).
(٣) التحريم: ٦.
(٥) البقرة: ٢٢٨.
(٢) سقط من (ع).
(٤) طه: ١٣٢.

٥٢٠
التشريق: ((إنها أيام أكل وشرب وبعال))(١). أي: نكاح وملاعبة الرجل
لأهله(٢) (وولده) الولد بفتح الواو واللام يطلق على الذكر والأنثى
والمفرد والمثنى والمجموع (وهي مسؤولة عنهم) عن عمل مصالحهم،
وتدبير أمر البيت وما فيه (والعبد راع على مال سيده) الذي استخلفه
عليه (وهو مسؤول عنه) يوم القيامة (فكلكم راع وكلكم مسؤول عن
رعيته) وأعاد هذِه الجملة تأكيدًا للأمر وتهويلاً(٣) له، وفيه رد لما
يتوهم كثير من الناس أن الراعي هو الخليفة، وأن غيره ممن ذكر في
معناه، فلا يقول الأبن: مال أبي ما علي منه بل هو الحاكم [ ... ](٤)
ولا تقول الزوجة والخادم كذا فتضيع من حقوق الآدميين [في
التنبيه](٥) على ذلك من باب توفية نصح كل منهم وهو عليه الصلاة
والسلام أكثر الرعاة، وبوب عليه البخاري(٦) باب الجمعة في القرى
والمدن. وفي النكاح(٧): أن المرأة راعية في بيت زوجها(٨).
(١) رواه بهذا اللفظ ابن أبي شيبة ٦٦٣/٨ (١٥٥٠٠)، وعبد بن حميد (١٥٦٢)، وابن
أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) ١٤٧/٦ وغيرهم.
(٢) ((النهاية)) لابن الأثير ١/ ٣٦٨.
(٣) بياض في الأصل. (ع) وفي (ل) بياض ثم كلمة: والخادم. فوق السطر.
(٤) كذا في الأصل (ل، ر) وفي (ع) فما التنبيه ...
(٥) قبل حديث (٨٩٢).
(٦) قبل حديث (٥٢٠٠).
(٧) في الأصول: تأكيد تهويل، والصحيح ما أثبت.
(٨) ((صحيح البخاري)) (٥١٨٨) من حديث ابن عمر.