Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
= كتاب الضحايا
فَقَامَ أَبُو بُزْدَةَ بْنُ نِيارٍ فَقال: يا رَسُولَ اللهِ والله لَقَدْ نَسَكْتُ قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ إِلَى الصَّلاةِ
وَعَرَفْتُ أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ فَتَعَجَّلْتُ فَأَكَلْتُ وَأَطْعَمْتُ أَهْلِي وَجِيراني. فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَ لَّ: ((تِلْكَ شاةُ لَحْم)). فَقالَ: إِنَّ عِنْدي عَناقًا جَذَعَةً وَهِيَ خَيْرٌ مِنْ شاتي
لَمْ، فَهَلْ تُجْزِئُ عَنّي؟ قالَ: ((نُّعَمْ، وَلَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ))(١).
٢٨٠١ - حدثنا مُسَدَّدٌ، حدثنا خالِدٌ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عامِرٍ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ
قال: ضَخَّى خالٌ لي -يُقالُ لَهُ: أَبُو بُرْدَةَ - قَبْلَ الصَّلاةِ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَّ:
(( شاتُكَ شاءُ لَحْم)). فَقال: يا رَسُولَ اللهِ إِنَّ عِنْدي داجِئَا جَذَعَةً مِنَ المَغْزِ، فَقالَ:
((اذْبَحْها وَلا تَصْلُحُ لِغَيْرِكَ))(٢).
باب ما يجوز من السن في الضحايا
[٢٧٩٧] (حدثنا أحمد) بن عبد الله (بن أبي شعيب الحراني) شيخ
البخاري (حدثنا زهير بن معاوية) بن خديج الحافظ شيخ الجزيرة
(حدثنا أبو الزبير) محمد بن مسلم المكي (عن جابر) بن عبد الله رضي
الله عنهما (قال: قال رسول الله وَله: لا تذبحوا) عن ضحاياكم من
البقر والغنم وغيرهما (إلا مسنة) وهي ما استكملت سنتين، ودخلت في
الثالثة؛ لأنها بلغت سن التمييز (إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا) قال
الجمهور: هذا الحديث محمول على الاستحباب والأفضل، وتقديره:
يستحب لكم ألا تذبحوا إلا مسنة فإن عجزتم عنها فاذبحوا (جذعة من
الضأن) وليس فيه تصريح بمنع جذعة الضأن وأنها لا تجزئ بحال،
(١) رواه البخاري (٩٥٥، ٩٨٣)، ومسلم (١٩٦١).
(٢) رواه البخاري (٥٥٥٦)، ومسلم (١٩٦١).

١٦٢
وقد أجمعت الأمة (١) أنه ليس على ظاهره، ولأن الجمهور يجوزون
الجذع من الضأن مع وجود غيره وعدمه.
وقال ابن عمر والزهري: لا يجزئ. ومعناه: مع وجود غيره وعدمه،
فيتعين تأويل الحديث على الاستحباب(٢)، ويدل على جواز الجذع من
الضأن ما رواه أحمد(٣) وابن جرير الطبري والبيهقي (٤) من حديث أم بلال
قالت: قال رسول الله وَله: ((ضحوا بالجذع من الضأن))(٥).
[٢٧٩٨] (حدثنا محمد بن صدران) بضم الصاد المهملة وسكون
الدال، هو محمد بن إبراهيم بن صدران البصري المؤذن، صدوق(٦)
(حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى) الشامي القرشي، أحد المحدثين
الكبار (عن محمد بن إسحاق، حدثني عمارة (٧) بن عبد الله بن طعمة)
ذكره ابن حبان في ((الثقات))(٨) (عن سعيد بن المسيب، عن زيد بن
خالد الجهني ﴾ قال: قسم رسول الله وَّر في أصحابه ضحايا) من
الغنائم أو من بيت مال المسلمين (فأعطاني عتودًا) بفتح العين وضم
المثناة، وهو الصغير من أولاد المعز إذا قوي على السفاد ورعى وأتى
(١) في (ر) : الآية.
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي ١١٧/١٣، ((فتح الباري)) ١٥/١٠.
(٣) ((مسند أحمد)) ٣٦٨/٦.
(٤) ((السنن الكبرى)) ٩/ ٢٧١، وأخرجه الطبراني في ((الكبير)) ١٦٤/٢٥. ولم أقف عليه
عند الطبري في ((التفسير)).
(٥) والحديث رواه ابن ماجه (٣١٣٩)، وضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (٦٥).
(٦) انظر: ((تقريب التهذيب)) (٥٧٣١).
(٧) في الأصل: عمار. وفي ((السنن)) ومصادر الترجمة: عمارة. وهو الصواب.
(٨) ٢٦٠/٧.

١٦٣
= كتاب الضحايا
عليه حول، والجمع أعتدة وعتدان بكسر العين (جذعًا) بفتح الذال
المعجمة، وهو من المعز من تمت له سنة ودخل في الثانية (قال:
فرجعت به إليه، فقلت: إنه جذع) قال أبو القاسم(١): سمعت أبي
يقول: سألت بعض أهل البادية: كيف يعرفون الضأن إذا أجذع؟
قالوا: لا تزال الصوفة قائمة على ظهره ما دام حملًا، فإذا نامت
الصوفة على ظهره علم أنه أجذع(٢) (قال: ضح به) قيل: هو منسوخ
بقوله {وَلـ: ((ولن يجزئ عن أحد بعدك)). قاله لأبي بردة(٣).
قال القرطبي: ودل على هذا ما حكي من الإجماع على عدم إجزاء
الجذع من المعز. ثم قال: ويمكن في حديث عقبة تأويلان ولا يصار فيه
إلى النسخ(٤):
أحدهما: أن الجذع المذكور فيه هو من الضأن، وأطلق عليه العتود؛
لأنه في سنه وقوته، ولا يستنكر هذا؛ فإن العرب تسمي الشيء باسم
الشيء إذا جاوره أو كان به شبه.
وثانيهما: أن العتود وإن كان من المعز فقد يقال على ما خرج من
السنة الأولى ودخل في الثانية لتقارب ما بينهما، ودل على صحة هذا
ما حكاه القاضي عن أهل اللغة: أن العتود: الجدي الذي بلغ السفاد،
قال ابن الأعرابي: المعز والإبل والبقر لا يضرب فحولها إلا بعد أن
(١) يعني: الخرقي الحنبلي.
(٢) انظر: ((المغني)) ١٠٠/١١.
(٣) أخرجه البخاري (٩٥٥)، ومسلم (١٩٦١).
(٤) ((المفهم)) ٣٦٠/٥.

١٦٤
تثني، قال: وإذا صح هذا لا يقع التعارض مع إمكان الجمع بين
الحديثين، والنسخ لا يصح مع إمكان الجمع.
وفي حديث عقبة دليل على تأكد أمر الأضحية، وأن الإمام ينبغي له
أن تفرق الضحايا على من لا يقدر عليها من بيت مال المسلمين.
(فضحيت به) فيه أن من أعطي شيئًا ليصرفه في شيء [لا يبعد إما عين
له](١) كما أن زيد بن خالد لما أعطي العتود ليضحي لم يبعه ولا صرفه في
غير الأضحية، لكن إن دلت القرينة على أن ما ذكر ليصرفه في غير
مقصود كما إذا دفع إليه عشرين درهمًا وقال: أدخل بها الحمام؛ فإن
من المعلوم من هذا القدر أنه لا يدفع في الحمام ولا ثمنه.
[٢٧٩٩] (حدثنا الحسن بن علي) الخلال الحلواني (حدثنا عبد
الرزاق) بن همام الحميري.
(حدثنا) سفيان بن سعيد (الثوري، عن عاصم بن كليب) الجرمي،
أخرج له البخاري في كتاب ((رفع اليدين)) واستشهد به في ((الصحيح))
(عن أبيه) كليب بن شهاب الجرمي الكوفي، ذكره ابن حبان في
((الثقات))(٢). (قال: كنا مع رجل من أصحاب النبي وَلّ يقال له:
مجاشع) بن مسعود بن ثعلبة (من بني سليم) مصغر، نزل البصرة، وقتل
يوم الجمل مع عائشة، وهو أخو مجالد (فعزت) بفتح العين والزاي
المشددة (الغنم) أي: لم يقدر عليها لقلتها وارتفاع ثمنها (فأمر مناديًا
فنادى) في الناس (إن) بكسر الهمزة؛ لأن المناداة في معنى القول
(١) هكذا في الأصلين، ولعلها: لا يبعد عما عين له.
(٢) ٣٥٦/٣.

١٦٥
- كتاب الضحايا
(رسول الله وَّيو يقول: إن الجذع) والنسائي(١): ((إن الجذعة)) كما سيأتي
(يوفي) بضم المثناة تحت وتخفيف الفاء المكسورة (مما يوفي منه الثني)
أي: يقوم ويجزئ عما يجزئ منه الثني؛ بدليل رواية النسائي (٢): ((إن
الجذعة تجزئ ما تجزئ منه الثنية)). وأوله: كنا مع النبي قبل الأضحية
بيومين يعطي الجذعتين بالثنية .. الحديث.
وفي رواية له: كنا في سفر، فحضر الأضحى فجعل الرجل منا
يشتري المسنة بالجذعتين والثلاثة .. الحديث(٣).
واستدل بهذا الحديث عطاء والأوزاعي أن الجذع يجزئ من جميع
الأجناس، وأما إجزاؤه من الضأن فمذهب الجمهور (٤).
[٢٨٠٠] (حدثنا مسدد، حدثنا أبو الأحوص) سلام بن سليم الحنفي
الكوفي (حدثنا منصور) بن المعتمر (عن) عامر بن شراحيل (الشعبي، عن
البراء) بن عازب رضي الله عنهما (قال: خطبنا النبي ◌َّ- يوم) عيد (النحر
بعد الصلاة) أي: بعد صلاة العيد (فقال: من صلى صلاتنا) أي: مثل
صلاتنا (ونسك نسكنا) أي ضحى مثل ضحيتنا، وهو في الأصل
العبادة. قيل لثعلب: هل يسمى الصوم نسكًا؟ فقال: كل حق الله فهو
نسك(٥).
(١) ((المجتبى)) ٢١٩/٧.
(٢) ((المجتبى)) ٢١٩/٧.
(٣) ((المجتبى)) ٢١٩/٧.
(٤) ((الحاوي)) للماوردي ١٦/١٥.
(٥) أنظر: ((المحكم والمحيط الأعظم)) لابن سيده ٦/ ٧٢٤، ((لسان العرب)) ٤٩٨/١٠.

١٦٦
وللبخاري(١): ((واستقبل قبلتنا)) (فقد أصاب النسك) المشروع أو
الصحيح أو نحو ذلك (ومن نسك قبل الصلاة) ظاهره قبل فعل
الصلاة، ومذهب الشافعي وجمع أن المعتبر في النسك مضي مقدار
صلاة ركعتين وخطبتين خفيفتان، فالتقدير عندهم: ومن نسك قبل
مضي وقت الصلاة. وإنما لم يذكر الخطبتين في الحديث؛ لأن
الخطبتين مقصورتان في هذه العبادة فاكتفى عن ذكرهما بذكر الصلاة،
وقيل: العبرة بصلاة النبي 18 وخطبته وقد كان يقرأ بقاف واقتربت
ورجحه ابن الرفعة في ((الكفاية))؛ لأنه ظاهر لفظ هذا الحديث(٢).
(فتلك شاة لحم) أي: ليست أضحية ولا ثواب لها، ولهذا جاء في
رواية: ((إنما هو لحم قدمته لأهلك))(٣). قال الفاكهي: لا يصح أن تكون
هُذِهِ الإضافة لفظية، [لأن اللفظية] (٤) إنما هي في صفة مضاف المعمولها
کضارب زید، ولا معنوية بمعنی من کخاتم حدید، أو للأمر کغلام زید،
أو في كصوم يوم كما هُذِه الإضافة.
قال: ويظهر لي أنه محمول على المعنى؛ لأنها إذا لم تقع أضحية
فهي مجرد لحم لا نسك فيه ولا قربة، فكأنه قال: فشاتك شاة غير
نسك(٥). (فقام أبو بردة) هانئ بالنون وبالهمز (ابن نيار) بكسر النون
وتخفيف التحتانية، الأنصاري المدني، شهد بدرًا، روى له البخاري
(١) (٣٩١، ٣٩٣، ٣٨٩، ٥٥٦٣).
(٢) ((كفاية النبيه)) ٦٣/٨-٦٤.
(٣) البخاري (٩٦٥، ٩٦٨، ٥٥٤٥، ٥٥٦٠).
(٤) من (ل).
(٥) أنظر: ((عمدة القاري)) ١١٠/٣١، ((فتح الباري)) ١٠/ ١٣.

١٦٧
- كتاب الضحايا
حديثًا واحدًا(١).
(فقال: يا رسول الله والله(٢) لقد نسكت) أي: ذبحت، والنسك جمع
نسيكة وهي الذبيحة، وقيل لها : نسيكة بالياء، مع أن فعيلاء بمعنى مفعول
للمذكر والمؤنث كجريح؛ لأنهم أجروها مجرى النطيحة إذا قلنا أنها
بمعنى منطوحة لغلبة الاسمية عليها. قال الثعلبي: أصل المنسك في
كلامهم الموضع المعتاد لعمل خير أو شر(٣) (قبل أن أخرج إلى
الصلاة، وعرفت) بفتح الراء (أن اليوم يوم) بالرفع (أكل وشرب) قال
ابن بطال: أما يوم النحر فهو يوم أكل كما قال أبو بردة، إلا أنه لا
يستحب فيه الأكل قبل الغدو إلى الصلاة، ولا ينهى عنه، ألا ترى أن
النبي ◌َّيو لم يحسن أكله ولا عنفه عليه، وإنما أجابه عما به الحاجة
إليه من سنة الذبح، وعذره في الذبح لما قصده من إطعام جيرانه منه
لحاجتهم إليه، فلم يرد العليها أن يخيب فعلته الكريمة (٤). [(فتعجلت
فأكلت) لفظ البخاري: فذبحت شاتي وتغديت قبل أن آتي الصلاة](٥)
(وأطعمت أهلي وجيراني) بكسر الجيم، جمع جار.
(فقال رسول الله ◌َ له: تلك شاة لحم) لا ثواب فيها، بل هي لحم لك
تنتفع به، قيل: هو كقولهم: خاتم فضة؛ فإن الشاة شاتان: شاة تذبح
(١) ((صحيح البخاري)) (٦٨٤٩، ٦٨٥٠).
(٢) ساقطة من الأصول، والمثبت من مطبوع ((السنن)).
(٣) ((الكشف والبيان)) ٧/ ٣٣ تفيسر سورة الفتح.
(٤) ((شرح صحيح البخاري)) لابن بطال ٥٥٣/٢.
(٥) من (ل). وانظر ((صحيح البخاري)) (٩٥٥).

١٦٨
لأجل اللحم، وشاة تذبح لأجل التقرب إلى الله تعالى(١). قال ابن دقيق
العيد: فيه دليل على أن المأمورات إذا وقعت على خلاف مقتضى الأمر
لم يعذر فيها فاعلها بالجهل، وقد فرقوا في ذلك بين المأمورات
والمنهيات فعذروا في المنهيات بالنسيان والجهل، كما في حديث
معاوية بن الحكم حين تكلم في الصلاة(٢)، وفرق بينهما من(٣)
المقصود من المأمورات إقامة مصالحها، وذلك لا يحصل إلا بفعلها،
والمنهيات مزجور عنها بسبب مفاسدها(٤) امتحانًا بالمكلف بالانكفاف
عنها، وذلك إنما يكون بالتعمد لارتكابها، ومع النسيان والجهل لم
يقصد المكلف أرتكاب المنهي، فعذر بالجهل فيه.
(فقال) أبو بردة: (إن عندي عناقًا) بفتح العين، وهو الأنثى من المعز
ما(٥) لم يتم له سنة(٦)، فإذا تمت قيل له: عتودًا. وقيل: العناق ما دامت
ترضع(٧)، وإنما تسمى عناقًا قبل أن تستكمل سنة، وأما حديث أبي بكر:
لو (٨) منعوني عناقًا مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله وَّ لقاتلتهم(٩).
(١) انظر: ((هداية القاري)) ٢٧٥/١٠، و((شرح المشكاة)) للتبريزي ٨٦/٥ .
(٢) أخرجه مسلم (٥٣٧).
(٣) هكذا في الأصل والذي في ((عمدة الأحكام)): فرق بينهما بأن. وهو أصوب. وانظر
((عمدة الأحكام)) ٢٣٠/١.
(٤) في الأصلين: تواعدها. والتصويب من ((إحكام الأحكام)).
(٥) من (ل).
(٦) ((النهاية)) لابن الأثير ٣/ ٥٩٢.
(٧) انظر: ((إكمال المعلم)) ٦/ ٢٠٧ ((شرح مسلم)) للنووي ١١٣/١٣.
(٨) من (ل).
(٩) أخرجه البخاري (١٤٠٠).

١٦٩
= كتاب الضحايا
فمحمول على أن السخلة تؤخذ من السخال المنتجة في أثناء السنة
ووجبت زكاتها بحول الأصل، ولا يكلف مسنة على مذهب الشافعي
(جذعة) قال وكيع: الجذع من الضأن أن يكون له سبعة أو ستة
أشهر (١) (وهو خير من شاتي لحم) من جهة طيب لحمها وكثرة قيمتها
وسمنها (فهل تجزي) قال النووي: بفتح التاء، هكذا الرواية في جميع
الكتب، ومعناه: تكفي(٢) (عني؟ قال: نعم) تكفي عنك (ولن تجزي)
بفتح التاء بلا همز، قال الجوهري: وبنو تميم يقولون: أجزأت عنك
شاة(٣)، وعلى هُذِه اللغة فيجوز في الحديث ضم التاء والهمز. وقد
جوزها ابن الأثير (٤) وابن بري وغيرهما.
قال الزمخشري في ((أساس البلاغة)): تقول بنو تميم: البدنة تجزئ
عن سبعة، وأهل الحجاز: تجزي، وبها قرئ: ﴿لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن
نَّفْسِ﴾(٥) (عن أحد بعدك) أي غيرك؛ لأنه لابد في تضحية المعز من
الثني، وهذا من خصائص أبي بردة، كما أن قيام شهادة خزيمة مقام
الشهادتين من خصائص خزيمة، ومثله كثير في الصحابة(٦).
قال البرماوي: ليس من خصائص أبي بردة، فقد جاء في غيره أيضًا،
فإن المرخص لهم في ذلك ثلاثة: أبو بردة في هذا الحديث، وعقبة بن
(١) نقله الترمذي عن وكيع تحت حديث (١٥٠٠).
(٢) ((شرح النووي على مسلم)) ١٣/ ١١٢
(٣) ((الصحاح)) للجوهري ٦/ ١٥٢.
(٤) ((النهاية)) لابن الأثير ٧٤٨/١.
(٥) البقرة: ٤٨. ((أساس البلاغة)) ص ٩٢.
(٦) أنظر: ((عمدة القاري)) ٢٧٦/١٠، وحديث خزيمة أخرجه البخاري (٤٧٨٤).

١٧٠
عامر كما تقدم، ولفظه أنه أعطاه عتودًا جذعًا، وقال: ((ضح به)).
والثالث: زيد بن خالد الجهني وأعطاه عتودًا جذعًا فرجعت إليه،
فقلت: إنه جذع، فقال: ((ضح به)) فضحيت(١).
ورواه البيهقي من حديث ابن بكير عن الليث، وفيه: (( ولا رخصة
لأحد فيها بعدك)). وقال البيهقي: فهُذِه الزيادة إذا كانت محفوظة كانت
رخصة لأبي بردة ابن نيار(٢).
قال الفاكهي: والحكمة في اختصاص أبي بردة بذلك والسر فيه ولم
يرد على ذلك(٣)، وقد أفاده الماوردي فقال: فيه وجهان:
أحدهما: أنه كان قبل استقرار الشرع فاستثناه.
والثاني: أنه علم من طاعته وخلوص نيته ما ميزه عمن سواه.
قال: واختلفوا هل كان ذلك بوحي أو اجتهاد؟ على قولين (٤).
[٢٨٠١] (حدثنا مسدد، حدثنا خالد) بن عبد الله بن عبد الرحمن
المزني الواسطي.
(عن مطرف) بن طريف الحارثي (عن عامر) الشعبي (عن البراء بن
عازب رضيّ قال: ضحى خال لي يقال له: أبو بردة) بن نيار (قبل) فعل
(الصلاة، فقال رسول الله وَالر: شاتك شاة لحم) تنتفع بها لا أضحية
(١) أنظر: ((حياة الحيوان الكبرى)) ٤٧٨/١، ((الكوكب المنير شرح مختصر التحرير))
٣٣٧/١.
(٢) ((السنن الكبرى)) ٩/ ٢٧٠.
(٣) نص عبارة الفاكهي في نقل ابن حجر أنسب من هذا، هو: قال الفاكهي ينبغي النظر
في أختصاص أبي بردة بهذا الحكم وكشف السر فيه. أنظر: ((الفتح)) ١٥/١٠.
(٤) ((الحاوي)) ١٥/ ٧٧.

١٧١
--- كتاب الضحايا
[لها ثواب](١) (فقال: يا رسول الله إن عندي داجنًا) وهي التي ألفت
البيوت واستأنست، وحذفت التاء لأنه صار اسمًا للإلف للبيت
فاضمحل معنى الوصفية عنه فاستوى فيه المذكر والمؤنث [(جذعة من
المعز) صرح هنا بكونها ليست من الضأن بل من المعز](٢) (فقال:
أذبحها ولا تصلح لغيرك) قال عياض: أجمع العلماء على الأخذ به،
وأنه لا يجزئ الجذع من المعز(٣). قال القرطبي: فإن لم يتمكن إلا
من الجذع من الضأن كان نعم الأضحية كما قال ◌َالية (٤).
(١) من (ل).
(٢) من (ل). وانظر: ((فتح الباري)) ١٣/١٠.
(٣) ((إكمال المعلم)) ٢٠٩/٦.
(٤) ((المفهم)) ١٧ / ٦١.

١٧٢
٦- باب ما يُكْرَهُ مِنَ الضَّحايا
٢٨٠٢- حدثنا حَقْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَرِيُّ، حدثنا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ فَيْرُوزَ قالَ: سَأَلْتُ البَرَاءَ بْنَ عازِبٍ: ما لا يَجُوزُ في
الأضاحي؟ فَقالَ: قَامَ فِينا رَسُولُ اللهِ وَيُّهَ وَأَصابِعِي أَقْصَرُ مِنْ أَصابِعِهِ وَأَنَامِلِي أَقْصَرُ
مِنْ أَنَامِلِهِ فَقالَ: ((أَرْبَعٌ لا تَجُوزُ فِي الأَضَاحِي: العَوْراءُ بَيِّنٌ عَوَرُها،
والمَرِيضَةُ بَيِّنٌ مَرَضُها، والعَرْجَاءُ بَيِّنُ ظَلْعُها، والكَسِيرُ التي لا تَنْقَى)). قال:
قُلْتُ: فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ فِي السَّنِّ نَقْصَ. قالَ: (( ما كَرِهْتَ فَدَعْهُ وَلا تُحَرِّمْهُ عَلَى
أَحَدٍ )). قالَ أَبُو داوُدَ: لَيْسَ لَها مُخُّ(١).
٢٨٠٣ - حدثنا إِْراهِيمُ بْنُ مُوسَى الرّازِيُّ قالَ: أَخْبَرَنا ح وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ بَحْرِ
ابْنِ بَرِّيٌّ، حدثنا عِيسَى -الَغْنَى - عَنْ ثَوْرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو حُمَيْدِ الرُّعَيْنِيُّ، أَخْبَرَنِي يَزِيدُ ذُو
مِصْرٍ قال: أَتَيْتُ عُثْبَةَ بْنَ عَبْدِ السُّلَميَّ فَقُلْتُ: يَا أَبَا الوَلِيدِ إِنّ خَرَجْتُ أَلْتَمِسُ
الضَّحايا فَلَمْ أَجِدْ شَيْئًا يُعْجِبُنِي غَيْرَ ثَزْمَاءَ فَكَرِهْتُها فَما تَقُولُ؟ قال: أَفَلا جِئْتَنِي بِها.
قُلْتُ: سُبْحانَ اللهِ تَجُوزُ عَنْكَ وَلا تَجُوزُ عَنّي! قال: نَعَمْ إِنَّكَ تَشُكُّ وَلا أَشُكُّ، إِنَّمَا نَهَى
رَسُولُ اللهِ وَّةِ عَنِ المُضْفَرَّةِ والمسْتَأْصَلَةِ والبَحْقَاءِ والمُشَيَّعَةِ والكَسْراءِ، فَالمُضْفَرَّةُ التي
تُسْتَأْصَلُ أُذُنُها حَتَّى يَبْدُوَ سِماخُها، والمُسْتَأْصَلَةُ التي أَسْتُؤْصِلَ قَرْنُهَا مِنْ أَصْلِهِ،
والبَحْقَاءُ التي تَبْخَقُ عَيْنُهَا، والمشَيَّعَةُ التي لا تَتْبَعُ الغَنَمَ عَجْفًا وَضَعْفًا، والكَسْراءُ
الكَسِيرَةُ(٢).
(١) رواه الترمذي (١٤٩٧)، والنسائي ٢١٥/٧، وابن ماجه (٣١٤٤)، وأحمد
٢٨٤/٤، ٢٨٩، ٣٠٠.
وصححه ابن الملقن في ((البدر المنير)) ٢٨٥/٩- ٢٨٦، والألباني في ((صحيح أبي
داود)» (٢٤٩٧)، وفي ((الإرواء)) (١١٤٨).
(٢) رواه أحمد ١٨٥/٤، والطبراني ١٢٨/١٧ (٣١٤)، والحاكم ٤٦٨/١، والبيهقي
٩/ ٢٧٥. وضعفه الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (٤٨٦).

١٧٣
= كتاب الضحايا
٢٨٠٤- حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ النُّفَيْلِيُّ، حدثنا زُهَيْرٌ، حدثنا أَبُو إِسْحاقَ، عَنْ
شُرَيْحِ بْنِ النُّعمانِ - وَكَانَ رَجُلَ صِدْقٍ - عَنْ عَلِيٍّ قال: أَمَرَنا رَسُولُ اللهِ وَ أَنْ
نَسْتَشْرِفَ العَيْنَ والأُذُنَيْنِ وَلا نُضَحِّيَ بِعَوْراءَ وَلا مُقَابَلَةٍ وَلا مُدابَرَةٍ وَلا خَرْقَاءَ وَلا
شَرْقاءَ. قالَ زُهَيْرٌ: فَقُلْتُ لِأَبِي إِسْحَاقَ: أَذَكَرَ عَضْباءَ؟ قال: لا. قُلْتُ: فَمَا المُقابَلَةُ؟
قال: يُقْطَعُ طَرَفُ الأُذُنِ. قُلْتُ: فَمَا المُدابَرَةُ؟ قال: يُقْطَعُ مِنْ مُؤَخَّرِ الأُذُنِ. قُلْتُ: فَما
الشَّرْقَاءُ؟ قال: تُشَقُّ الأُذُنُ. قُلْتُ: فَمَا الَخْقَاءُ؟ قال: تُخْرَقُ أُذُنُّهَا لِلسَّمَةِ (١).
٢٨٠٥ - حدثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبراهِيمَ، حدثنا هِشامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللهِ الدَّسْتَوائِيُّ
- وَيُقالُ لَهُ: هِشَامُ بْنُ سَنْبَرٍ- عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ جُرىُ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ عَلِيّ أَنَّ النَّبيَّ
صَلى الله
نَهَى أَنْ يُضَخَّى بِعَضْباءِ الأُذُنِ والقَزْنِ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: ◌ُرىُ سَدُوسيُّ بَصْرِيٌّ لَمْ يُحَدِّثْ عَنْهُ إِلاَّ قَتَادَةٌ(٢).
٢٨٠٦- حدثنا مُسَدَّدٌ، حدثنا يَخْيَى، حدثنا هِشامٌ، عَنْ قَتادَةَ قال: قُلْتُ لِسَعِيدٍ
ابْنِ الْمُسَيَّبِ: ما الأَغَضَبُ؟ قال: النِّصْفُ فَما فَوْقَهُ(٣).
(١) رواه الترمذي (١٤٩٨)، والنسائي ٢١٦/٧-٢١٧، وابن ماجه (٣١٤٢)، وأحمد
٨٠/١، ١٠٨، ١٢٨، ١٤٩.
وصححه ابن الملقن في ((البدر المنير)) ٢٩١/٩.
لكن ضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود)) (٤٨٧).
(٢) رواه الترمذي (١٥٠٤)، والنسائي ٧/ ٢١٧، وابن ماجه (٣١٤٥)، وأحمد ٨٣/١،
١٠١، ١٢٧، ١٢٩، ١٣٧.
وضعفه الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (٤٨٨).
(٣) رواه الترمذي (١٥٨١).
وقال الألباني في (ضعيف أبي داود)) ١٠/ ٣٨١ (٤٨٩): إسناد رجاله ثقات رجال
البخاري؛ ولكنه مقطوع موقوف على سعيد.

١٧٤
باب ما يكره من الضحايا
[٢٨٠٢] (حدثنا حفص بن عمر) بن الحارث (النمري) بفتح النون
والميم، نسبة إلى النمر بن قاسط بن هنب، والنمر بكسر النون والنسبة
إليه بفتح الميم، شيخ البخاري (حدثنا شعبة) بن الحجاج (عن سليمان
ابن عبد الرحمن) بن عيسى الدمشقي، قال إسحاق بن منصور وأبو
حاتم والنسائي: ثقة (١) (عن عبيد بن فيروز) مولى بني شيبان، وثقه أبو
حاتم (٢) (قال: سألت البراء بن عازب) رضي الله عنهما قال: (ما لا
يجوز في الأضاحي؟) لفظ النسائي(٣): قلت للبراء: حدثني عما نهى
عنه رسول الله وَالهول.
(فقال: قام فينا رسول الله وَله وأصابعي أقصر من أصابعه) لفظ ابن
ماجه: قال رسول الله وَلر هكذا بيده ويدي أقصر من يده(٤) (وأناملي
أقصر من أنامله) الأنامل جمع أنملة بفتح الهمزة، وفتح الميم أكثر من
ضمها، وابن قتيبة جعل المضموم من لحن العوام، وبعض المتأخرين
حكى بتثليث الهمزة مع تثليث الميم، والأنملة: العقدة من الأصابع،
وقيل: الأنامل: رؤوس الأصابع، وعطف الأنامل على الأصابع من
عطف البعض على الكل(٥).
(١) انظر: ((الجرح والتعديل)) ١٢٨/٤، ((تهذيب الكمال)) ٣٣/١٢.
(٢) ((الجرح والتعديل)) ٤١١/٥.
(٣) ((المجتبى)) ٢١٤/٧، ٢١٥.
(٤) ((سنن ابن ماجه)) (٣١٤٤).
(٥) أنظر: ((المصباح المنير)) ٦٢٦/٢، ((تاج العروس)) ٤٠/٣١.

١٧٥
= كتاب الضحايا
(فقال: أربع لا تجوز) والنسائي(١) وابن ماجه(٢): أربع لا تجزئ(٣)
(في الأضاحي) أحتج السبكي بقوله: ((أربع لا تجزئ في الأضاحي )) على
ما صححه هو وجماعة أن الإجزاء يعم الواجب والمندوب؛ لأن
الأضحية سنة، وقد استعملت بلفظ الإجزاء، ورجح القرافي
والأصبهاني ((شارح المحصول)) أن الإجزاء يختص بالواجب ولا
يستعمل في المسنون، لكن يعكر على استدلال أصحابنا احتجاجهم
على إيجاب الاستنجاء بحديث: ((إذا ذهب أحدكم إلى الغائط
فليذهب معه بثلاثة أحجار؛ فإنها تجزئ عنه)). قالوا(٤): والإجزاء لا
يكون إلا عن واجب(٥) (العوراء) بالمد (بين) بالتنوين (عورها) لفظ
النسائي وابن ماجه: ((البين عورها)) (٦)، وهي التي قد أنخسفت عينها
وذهبت؛ فإنها لا تجزئ؛ لأن العين قد ذهبت وهي عضو مستطاب.
قال الروياني تبعًا للماوردي: إن غطى ناظر العين بياض فذهب أكثره
منع الإجزاء، وأقله لم يمنع على الأصح؛ لأن عورها ليس ببين، ولا
ينقص (٧) ذلك لحمها. قال الشافعي: أقل العور البياض الذي يغطي
الناظر، والمعنى فيه الخلل الحاصل في النظر المانع كمال الرعي
(١) النسائي ٢١٤/٧ - ٢١٥.
(٢) ابن ماجه (٣١٤٤).
(٣) ورد بعدها في الأصل: نسخة: لا يجزئن.
(٤) في (ل) قال.
(٥) أنظر: ((البحر المحيط)) ٢٥٦/١.
(٦) (سنن النسائي)) ٢١٥/٧، ((سنن ابن ماجه)) (٣١٤٤).
(٧) من (ل)، وفي (ر): يتغطى.

١٧٦
وأفهم منع العمياء بطريق الأولى(١) (والمريضة بيِّن مرضها) بالتنوين
بالرفع، كذا للترمذي(٢)، وللنسائي وابن ماجه(٣): ((البين مرضها)).
وهي التي تبين أثر المرض عليها، وضابطه ما يظهر بسببه هزال الدابة
وفساد لحمها ونقصه، وذكر القاضي أن المراد بالمريضة الجرباء؛ لأن
الجرب يفسد اللحم ويهزله إذا كثر، وهذا تقييد للمطلق وتخصيص
للعموم بلا دليل، والمعنى يقتضي عموم اللفظ؛ فإن كل المرض يفسد
اللحم وينقصه فلا معنى للتخصيص مع عموم اللفظ والمعنى (٤).
قال الإمام(٥): ولو هجم عليها مرض وهي كأسمن ما يكون أمثالها
فابتدر وضحى بها فلا وجه للحكم بإجزائها وإن كانت سمينة؛ لأن التغير
غالب في هذِه الصفات، وفيه وجه حكاه بعد ذلك، ومدار الخلاف
التمسك بلفظ الخبر أو الرجوع إلى المعنى وهو سلامة اللحم كالتردد
في بيع اللحم بالحيوان غير مأكول مع النهي عن بيع اللحم بالحيوان
مطلقًا. (والعرجاء بين) بالتنوين (ظلعها) بفتح الظاء المعجمة واللام،
قال المنذري: بتسكين اللام هو العرج، والظالع: العاثر في مشيه،
وقد جاء في رواية النسائي: ((البين عرجها)). وهو تفسير الظلع، قال
[في ((النهاية))](٦): في الحديث: فإنه لا يربع على ظلعك من ليس
(١) انظر: ((الحاوي)) للماوردي ٨١/١٥.
(٢) (١٤٩٧).
(٣) النسائي ٧/ ٢١٤، ابن ماجه (٣١٤٤).
(٤) أنظر: ((المغني)) ١٠١/١١.
(٥) هو الإمام الجويني، وكلامه هذا في ((نهاية المطلب)) ١٦٦/١٨.
(٦) من (ل).

١٧٧
= كتاب الضحايا
يحزنه أمرك(١). الظلع بالسكون العرج، وقد ظلع يظلع ظلعًا فهو ظالع،
ومعنى الحديث: لا يقيم عليك في حال ضعفك وعرجك إلا من يهتم
لأمرك وشأنك ويحزنه أمرك. وربع بالمكان أقام به، قال(٢): ومنه
حديث الأضاحي: ((ولا العرجاء البين ظلعها))(٣) والبينة العرج هي
التي عرجها فاحش بحيث يمنعها من اللحاق بالغنم فتسبقها المواشي
إلى الكلأ الطيب فترعاه ولا تدركه معهن فينقص لحمها، فإن كان
عرجًا يسيرًا لا يفضي بها إلى ذلك أجزأت، ولا فرق بين أن تطول
مدة العرج أو تقصر فتذبح عقب حصوله وهي سمينة كما تقدم عن
الإمام في المرض، وكذا لو عرجت عند الاضطجاع للتضحية بسبب
الاضطراب على الأصح.
قال الرافعي: فإذا منع العرج من إجزائها فالمقطوعة الأذن (٤) بعدم
الإجزاء أولى. ونازعه ابن الرفعة وقال: لا نسلم المساواة فضلاً عن
الأولوية؛ لأن العرجاء تكسل(٥) عن رعيها، والمقطوعة تعلف(٦)
ويقدم لها ما يكفيها (والكسير) وهي (التي) كسر رجلها فلا تقدر على
المشي، فعيل بمعنى مفعول (لا تنقي) بضم المثناة فوق وسكون النون
(١) لم أجد من خرجه وذكره من الأمثال الزمخشري في ((المستقصى)) ٢٦٩/٢،
والفيروزآبادي في ((القاموس)) (٧٤٥).
(٢) من (ل).
(٣) راجع في معنى الظلع (تاج العروس)) ٤٧٠/٢١، ((المعجم الوسيط)) ٥٧٦/٢،
((النهاية)) لابن الأثير ٣٥٤/٣.
(٤) هكذا في الأصلين، والصواب: الرجل. لأن السياق يدل عليه.
(٥) في (ر): يكل.
(٦) في (ر): تعلق.

١٧٨
وكسر القاف، وهي التي لا مخ في عظامها لكثرة هزالها، والنقي بكسر
النون وسكون القاف هو المخ الذي(١) في داخل العظم، يقال: نقيت
العظم ونقوته وأنقيته، وفي حديث أم زرع: لا سمين فينتقى(٢). أي:
ليس له نقي فتستخرج منه للأكل(٣)، فالناقة التي لا تنقى لا تصح
الأضحية بها؛ لأنها لا لحم فيها إنما هي عظام مجتمعة، فأما إذا كان
بها بعض الهزال ولم يذهب مخها أجزأت، كذا أطلقه الأكثرون.
وقال الماوردي: إن كان خلقيا فالحكم كذلك في (٤) جوازها، وإن
كان لمرض منع الإجزاء؛ لأنه داء(٥). قال إمام الحرمين: كما لا يعتبر
السمن البالغ للإجزاء لا يعتبر العجف البالغ للمنع (٦).
(قال) عبيد بن فيروز: (قلت) للبراء: (فإني أكره أن يكون في السن
نقص) أي ذهب بعض أسنانها، ويقال: هو سقوط الثنية، ويقال: إنه
قلع السن من أصله. وهو قول ابن يونس. زاد النسائي: وأن يكون في
القرن نقص (٧). وزاد ابن ماجه(٨): وإني أكره أن يكون في الأذن نقص.
(١) من (ل).
(٢) ذكر هذه الرواية أبو عبيد في ((الغريب)) ٢٨٦/٢، والبغوي في ((شرح السنة)) ٩/
١٧٢، عزاها الحميدي في ((الجمع بين الصحيحين)) ٨٩/٤. للبخاري، وليست فيه.
(٣) ((شرح النووي على مسلم)) ١٣/١٥، وانظر: ((جامع الأصول)) ٦/ ٥٠٧.
(٤) من (ل).
(٥) ((الحاوي)) ١٥/ ٨٢.
(٦) ((نهاية المطلب)) ١٦٤/١٨.
(٧) ((سنن النسائي)) ٢١٤/٧-٢١٥.
(٨) (٣١٤٤).

١٧٩
- كتاب الضحايا
(قال: ما كرهت فدعه ولا تحرمه على أحد) لفظ النسائي: ما
كرهته (١). لفظ ابن ماجه: ما كرهت منه(٢). وفي رواية لغير المصنف:
فإني أكره النقص من القرن ومن الذنب. فقال: أكره لنفسك ما شئت
وإياك أن تضيق على الناس (٣).
وفيه حجة على أن ذهاب بعض الأسنان يكره الأضحية بها مع
الصحة. قال النووي في ((شرح المهذب)): تجزئ ذاهبة بعض الأسنان،
فإن تكسرت جميع أسنانها أو تناثرت فقد أطلق البغوي وآخرون أنها
تجزئ، وقال بعض أصحابنا: إن كان ذلك لمرض يؤثر (٤) في
الاعتلاف وينقص اللحم منع، وإلا فلا. قال الرافعي: وهو حسن،
ولكنه يؤثر بلا شك، فرجع الكلام إلى المنع المطلق، أنتهى (٥).
والصحيح عند الشافعي المنع مطلقًا، وهو الأظهر في ((الشرح الصغير)).
ثم الظاهر من كلام الرافعي والنووي أن ذهاب البعض وانكساره لا
يؤثر في الصحة، وهو مقتضى الحديث، وكما سيأتي.
[٢٨٠٣] (حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي) الفراء الحافظ (قال: ح،
وحدثنا علي بن بحر) بفتح الموحدة وسكون المهملة (بن بري) القطان،
وثقوه(٦) (حدثنا عيسى) بن يونس الهمداني (المعنى، عن) أبي حميد
(١) ٢١٤/٧.
(٢) (٣١٤٤).
(٣) ((السنن الكبرى)) للبيهقي ٩/ ٢٧٤ بنحوه دون ذكر (الذنب).
(٤) في الأصل: لم يؤثر.
(٥) ((المجموع)) ٤٠١/٨، وانظر: ((الشرح الكبير)) ٦٩/١٢.
(٦) انظر: ((الكاشف)) ٢٧٩/٢.

١٨٠
(ثور) بن يزيد الكلاعي الحمصي، أخرج له البخاري (حدثني أبو حميد
الرعيني) الشامي، ذكره ابن عبد البر فيمن لم يذكر له اسم سوى كنيته(١)
قال: (أخبرني يزيد ذو مصر) بكسر الميم وسكون الصاد المهملة، كذا
صحح عليه الذهبي بخطه في ((الكاشف)) (٢)، وفي ((جامع ابن
الأثير))(٣)، كذا قال في ((الكمال)): له حديث واحد في الأضاحي،
وكذا ذكره الأمير في ضبطه(٤)، وكذا ضبطه في ((المنتقى))، وضبطه
المنذري في حواشيه بضم الميم وبالضاد المعجمة، والصواب
الأول(٥)، وهو حمصي ذكره ابن حبان في ((الثقات))(٦).
(قال: أتيت عتبة بن عبد السلمي) بضم السين، نزل حمص، شهد
خيبر، وهو آخر من مات بالشام من الصحابة، قاله الواقدي، وكان
أسمه عتلة(٧) بفتح المهملة والمثناة فوق، وهي في الأصل هراوة
غليظة تكسر بها الحجارة، وسماه: عتلة؛ لأن عتلة من الشدة
والغلظة، ومنه قولهم: رجل عتل. أي: شديد غليظ، وليست هذِه
صفة المؤمن، بل صفته اللين والسهولة.
(فقلت) له: (يا أبا الوليد) فيه استحباب نداء أهل الفضل ومخاطبتهم
(١) ((الاستغناء في أسماء المشهورين من حملة العلم بالكنى)) ٢/ ١١٤٢.
(٢) ٢٨٩/٣.
(٣) ((جامع الأصول)) لابن الأثير (١٦٥٢، ٢٩٨٥).
(٤)
((الإكمال)» ٧ /١٩٩.
أنظر: ((البدر المنير)) ٢٦٩/٩.
(٥)
(٦) ((الثقات)) ٥٣٨/٥.
(٧) في (ر): عتبة. وفي (ل): علبة. والصواب ما أثبتناه انظر: ((الإكمال)) ٣٠٨/٦.