Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١
= كتاب الجهاد
غيرها، قال القاضي عياض(١): هذا هو الصواب، بخلافه رواية جميع
نسخ مسلم: ((ثم أدعهم)). بزيادة ثم.
والدعوة إلى الإسلام قبل القتال واجبة لمن لم تبلغه الدعوة [أما من
بلغته الدعوة](٢) فليس عرض الإسلام عليهم ودعوتهم إليه وقد كان النبي
ولا يدعو إلى الإسلام قبل أن يحارب حتى أظهر الله الدين وعلا الإسلام.
قال أحمد: إن الدعوة قد بلغت وانتشرت وبلغت الدعوة كل أحد،
والروم قد بلغتهم الدعوة وعلموا ما يراد منهم (٣)، ولكن إن جاز أن يكون
قوم خلف الروم وخلف الترك لم تبلغهم الدعوة لم يجز قتالهم قبل
الدعوة.
(فإن هم أجابوك) إلى الإسلام (فاقبل منهم) ذلك (وكف عنهم ثم
أدعهم) إذا أسلموا، وهذه الدعوة مستحبة (إلى التحول من دارهم)
يعني دار الكفر (إلى دار المهاجرين) وهي المدينة، فإن المهاجرين
تحولوا من دار الكفر إلى المدينة.
قال القرطبي: وكان هذا التحول في أول الأمر في وقت وجوب
الهجرة إلى المدينة على كل من دخل في الإسلام، أو على أهل مكة
خاصة، خلاف (٤).
(وأعلمهم أنهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين) قبلهم من
(١) ((إكمال المعلم)) ٦/ ٣٢.
(٢) ساقطة من (ر).
(٣) ((المغني)) ٣٧٩/١٠.
(٤) ((المفهم)) ٥١٣/٣.
٣٤٢
الأحكام في استحقاق الفيء والغنيمة وغير ذلك كأعراب.
(وأن عليهم ما على المهاجرين) من واجبات الشريعة كالصلاة
والزكاة والصيام وغير ذلك (فإن أبوا واختاروا دارهم) أي: أبوا أن
يتحولوا من بلادهم واختاروا الإقامة في دارهم (فأعلمهم أنهم يكونون
مثل أعراب المسلمين) الساكنين في البادية من غير هجرة ولا غزو،
وفي بعض الروايات: ((كأعراب المسلمين)). مثل رواية مسلم(١)
(يجرى) بضم الياء مبني (٢) للمفعول ويجوز للفاعل (عليهم حكم الله
الذي يجرى على المؤمنين) أي: أحكام الإسلام (ولا يكون لهم في
الفيء والغنيمة نصيب) أي: حق، وإنما يكون لهم نصيب من
الزكوات(٣) إن كانوا بصفة استحقاقها (إلا أن يجاهدوا مع المسلمين)
فيكون لهم نصيب من الفيء والغنيمة.
قال الشافعي: الصدقات للمساكين ونحوهم مما لا حق لهم في
الفيء والفيء للأجناد. قال: ولا نعطي أهل الفيء من الصدقات [ولا
أهل الصدقات](٤) من الفيء والأشراف الذين هم من بني هاشم
والمطلب لا يعطون من الزكوات(٥) ويعطون من الفيء كما أن أهل
الجهاد وأجناد المسلمين لا حق لهم في الصدقة. (٦) واحتج الشافعي
(١) ((صحيح مسلم)) (١٧٣١).
(٢) ساقطة من (ر).
(٣) في (ر): الزكاة.
(٤) ما بين المعقوفتين ساقط من (ر).
(٥) في (ر): الزكاة.
(٦) انظر: ((شرح صحيح مسلم)) للنووي ٣٨/١٢.
٣٤٣
= كتاب الجهاد
بهذا الحديث. وقال مالك وأبو حنيفة: المالان سواء في الاستحقاق،
ويجوز صرف كل واحد منهما إلى النوعين.(١)
وقال أبو عبيد: الحديث منسوخ.
قالوا: وإنما كان هذا الحكم في أول الإسلام لمن لم يهاجر ثم نسخ
بقوله تعالى: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾(٢).
قال النووي: وهذا الذي أدعاه أبو عبيد لا نسلم له لما فيه من
البعد(٣).
(فإن هم أبوا) أن يكونوا كأعراب المسلمين في إجراء أحكام الله
عليهم (فادعهم) رواية مسلم: ((فاسألهم)) (إلى إعطاء الجزية) فعلة من
الجزاء كأنها جزاء عن إقرارهم على دينهم وترك قتلهم وأخذ أموالهم،
هذا مما يستدل به مالك والأوزاعي في أخذ الجزية من كل كافر عربيًّا
كان أو أعجميًّا كتابيًّا كان أو مجوسيًّا أو غيرهما.
وقال أبو حنيفة: تؤخذ الجزية من جميع الكفار إلا من مشركي
العرب ومجوسهم، وهو قول عبد الملك وابن وهب من المالكية.
وقال الشافعي: لا تقبل إلا من أهل الكتاب والمجوس عربيًّا كان أو
أعجميًّا، واحتج بمفهوم آية الجزية، ولحديث: (( سنوا بهم سنة أهل
الكتاب)) (٤) [وتأول هذا الحديث على أن المراد بإعطاء الجزية أهل
(١) السابق.
(٢) الأنفال: ٧٥.
(٣) ((شرح النووي على مسلم)) ٣٩/١٢.
(٤) رواه الإمام مالك في ((الموطأ)) ٢٧٨/١، وعبد الرزاق ٦٨/٦ (١٠٠٢٥)، ١٠/
٣٢٥ (١٩٢٥٣) من حديث عبد الرحمن بن عوف مرفوعا.
٣٤٤
الكتاب](١) والمجوس دون غيرهم. وكان تخصيص هذا الحديث معلومًا
عند الصحابة(٢).
(فإن هم أجابوك) إلى إعطاء الجزية (فاقبل منهم) ما أجابوا إليه
(وكف) القتال (عنهم، فإن أبوا) عن ذلك (فاستعن بالله) أي: فاطلب
منه العون والتأييد (وقاتلهم) طالبًا من الله الإعانة.
(وإذا حاصرت أهل حصن) أي: أهل بلد لها سور (فأرادوك) أي
طلبوا منك (أن تنزلهم على حكم الله وقت فلا تنزلهم) على حكم الله
كما في مسلم (فإنكم لا تدرون بما يحكم الله فيهم) رواية مسلم:
((فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا)).
قال النووي(٣): هذا النهي للتنزيه والاحتياط، وفيه حجة لمن يقول:
ليس كل مجتهد مصيب، بل المصيب واحد، وهو الموافق لحكم الله في
نفس الأمر.
وهو المعروف من مذهب مالك وغيره.
ووجه الاستدلال هو أنه وُ لّه قد نص على أن لله حكمًا معينًا في
المجتهدات، فمن وافقه فهو المصيب، ومن لم يوافقه مخطئ.
وقد ذهب قومٌ من الفقهاء والأصوليين إلى أن كل مجتهد مصيب،
وتأولوا هذا الحديث بأن قالوا: إن معناه: إنك لا تأمن أن ينزل علي
وحي في حال غيبتك، وهو بخلاف ما حكمت. وهذا المعنى منتفٍ
(١) ساقطة من (ر).
(٢) أنظر: ((المفهم)) ٥١٤/٣، و((شرح النووي على مسلم)) ٣٩/١٢.
(٣) ((شرح النووي على مسلم)) ٣٩/١٢.
٣٤٥
-- كتاب الجهاد
بعد رسول الله يقول بأن نزول الوحي قد انقطع بعده (ولكن أنزلهم (١) على
حكمكم) فإنكم إن تنقضوا حكمكم وتخالفوه خير من أن تنقضوا حكم الله
(ثم أقضوا فيهم بعد) مبني على الضم؛ لأنه قطع عن الإضافة، تقديره:
بعد ذلك (بما شئتم) أي: بما أدى إليه اجتهادكم بعد مشاورة أهل العلم
في ذلك لا أن الأمير يحكم بما تشتهي نفسه، والله أعلم.
(قال سفيان: قال علقمة: فذكرت هذا الحديث لمقاتل بن حيان)
بالياء المثناة تحت (فقال: حدثني مسلم، قال أبو داود: ) مسلم هذا
(هو ابن هيصم، عن النعمان بن مقرن، عن النبي ◌ّيّ بمثل حديث
سليمان بن بريدة).
[٢٦١٣] ([حدثنا أبو صالح الأنطاكى محبوب بن موسى، أخبرنا أبو
إسحاق الفزارى، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد](٢) عن سليمان بن
بريدة، عن أبيه) بريدة بن حصيب (أن النبي ◌َّ- قال: أَغزوا باسم الله)
أي: أسرعوا في فعل الخير مستعينين بالله مخلصين له في النية وقاتلوا
(في سبيل الله) أي: في الطريق الموصلة إلى الله (وقاتلوا من كفر بالله)
قال القرطبي (٣): هذا العموم يشمل جميع أهل الكفر المحاربين
وغيرهم، وقد خصص منه من له عهد، والرهبان، والنسوان، ومن لم
يبلغ الحلم، وقد قال بعده: ((ولا تقتلوا وليدًا)).
(اغزوا ولا تغدروا) بكسر الدال، فيه تحريم الغدر وهو نقض العهد،
(١) ورد بعدها في (ر): (نسخة: أنزلوهم). وغير واضحة في (ل).
(٢) ليست في الأصول ومستدرك من الطبوع.
(٣) ((المفهم)) ٥١٤/٣.
٣٤٦
(ولا تغلوا) بضم الغين وتشديد اللام المضمومة. فيه تحريم الغلول،
وهو: الأخذ من الغنيمة قبل قسمتها.
(ولا تمثلوا) بضم المثناة وكسر المثلثة مع التشديد شدد للتكثير. فيه
كراهة المثلة. والتمثيل هنا: التشويه بالقتيل كجدع أنفه وأذنه.
(ولا تقتلوا وليدًا) بفتح الواو أي: صبيًّا. وفيه تحريم قتل الصبيان إذا
لم يقاتلوا، فإن قاتلوا جاز قتلهم دفعًا، نص عليه الشافعي والأصحاب،
ولا يتبع مدبرهم ولا يذفف جريحهم.
قال الماوردي(١): تقتلوا مقبلين لا مدبرين.
[٢٦١٤] (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثني يحيى بن آدم وعبيد الله
ابن موسى، عن حسن بن صالح، عن خالد بن الفِزْر) بكسر الفاء وإسكان
الزاي على المشهور عند المحدثين. قال يحيى بن معين(٢): خالد بن
الفزر ليس بذاك.
وقال عبد الحق(٣): ليس بالقوي. [قال أبو حاتم(٤): هو شيخ](6)
(حدثني أنس بن مالك، أن رسول الله وَالر قال: انطلقوا باسم الله) فيه
دليل على أنه يقال لمن عزم على فعل من سفر وغيره: أفعل باسم
الله، وسافر باسم الله.
(١) ((الحاوي)) ١٢٥/١٣.
(٢) ((الجرح والتعديل)) ٣٤٦/٣.
(٣) ((الأحكام الوسطى)) ٤٣/٣.
(٤) ((الجرح والتعديل)) ٣٤٦/٣.
(٥) ساقطة من (ر).
٣٤٧
كتاب الجهاد
=
قال النووي(١): وكره بعضهم أن يقال: سافر على اسم الله؛ لأن
أسمه تعالى علا كل شيء.
قال القاضي عياض: وهذا القول غلط؛ لقوله {وَالّ لأصحابه:
((اذبحوا على اسم الله)).(٢)
(وبالله وعلى ملة رسول الله) الفرق بين الثلاثة أن قوله: أنطلقوا باسم
الله أن المراد به متبركين باسم الله، فإن اسم الله للتبرك به، ولطرد
الشيطان إذا ذكر اسم الله في أول الفعل فإن الشيطان لا يحضر طعامًا
ذكر عليه اسم الله، ولا يدخل بيتًا ذكر اسم الله عند دخوله.
وأما قوله: (وبالله) فهي للاستعانة بقوة الله، أي: أنطلقوا مستعينين
بقوة الله لا بقوتكم.
وأما قوله: (وعلى ملة رسول الله) فمعناه والله أعلم: سافروا متبعين
أحكام الله وملتزمين شريعته في القتال وفي الثبات عليها، وفي الفيء
والغنيمة الحاصلين إن شاء الله.
(لا تقتلوا شيخًا فانيًا) أي: كبيرًا. فيه دليل على أن الشيخ الكبير لا
يقتل إذا لم يقاتل، فإن قاتل بالفعل قتل بلا خلاف، واستدل على عدم
القتل بحديث زيد بن خالد: (( لا تقتلوا شيخًا كبيرًا ولا أصحاب
الصوامع)). لكن قال البيهقي(٣): منقطع ضعيف.
(١) ((شرح النووي على مسلم)) ١٣/ ١١٢.
(٢) رواه عبد الرزاق ٤/ ٣٣٠ (٧٩٦٣)، وأبو يعلى (٤٥٢١)، والبيهقي ٣٠٣/٩، من
حديث عائشة
(٣) ((السنن الكبرى)) ٩/ ٩١.
٣٤٨
والأظهر أنه يجوز قتله لعموم قوله تعالى: ﴿اقتلوا المشركين﴾(١).
وحسّن الترمذي وصحح رواية الحسن عن سمرة يرفعه(٢): ((اقتلوا
شيوخ المشركين، واستبقوا شرخهم)). بالشين المعجمة والخاء
المعجمة أيضًا، وهم: الصغار، وقيل: الشباب.
(ولا طفلاً ولا صغيرًا) الطفل أول ما يولد ثم صغيرًا، فإن قيل: إذا
كان الصغير لا يقتل فالطفل أولى بأن لا يقتل، فكان الصغير تكرارًا.
قلنا: التقدير: لا يقتل الطفل فضلًا [عن الصغير كما في قوله تعالى:
﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَّةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (٣) تقدير الآية: لا تأخذه سنة فضلًا](٤) عن أن
یأخذه نوم.
(ولا امرأة) مما يستدل على أن المرأة لا تقتل لما في الصحيحين عن
ابن عمر(٥): نهى رسول الله وَليل عن قتل النساء والصبيان. وألحق
المجنون بالصبي والخنثى بالمرأة لاحتمال أنوثته.
قال الشافعي: إنما نهى عن قتل الولدان لأنهم لم يبلغوا كفرًا
يتعلمونه فيقتلون به، وعن قتل النساء لأنه لا معنى فيهن لقتال، ونص
على أنه لا إثم في قتلهم ولا دية ولا كفارة. وهذا إذا لم يقاتلوا.
(ولا تَغُلوا) بضم الغين ويجوز كسرها (٦)، يقال: غل وأغل. والغلول
(١) التوبة: ٥.
(٢) ((سنن الترمذي)) (١٥٨٣)، وسيأتي قريبًا.
(٣) البقرة: ٢٥٥
(٤) ما بين المعقوفتين ساقط من (ر).
(٥) ((صحيح البخاري)) (٣٠١٤)، ((صحيح مسلم)) (١٧٤٤).
(٦) بعدها في الأصول: لكن مع ضم الفاء. ولا وجه لها.
٣٤٩
- كتاب الجهاد
الخيانة، وكل خيانة غلول، لكنه صار في عرف الشرع الخيانة للغانم
خاصة. وفيه دليل على تحريم الغلول لما تقدم، وأما القطع بسرقته
ففيه تفصيل في الفقه.
(وضموا غنائمكم) المأخوذة من أهل الحرب قهرًا، أي: أجمعوا
المتفرق وضموا بعضه إلى بعض واحفظوه من الفساد.
(وأصلحوا) أي: أموال الغنائم بما يؤدي إلى استنمائها وحفظها من
غير أجرة ولا أخذ عوض، فإنه أعظم لأجوركم (وأحسنوا) أي: في
إصلاح أموال الغنيمة، ويحتمل العموم، أي: أحسنوا في جميع
أقوالكم وأفعالكم، ومنها إصلاح الأموال، ويحتمل أن يراد:
وأحسنوا الظن بالله في إثابتكم على الإصلاح (إن الله يحب المحسنين)
ويضاعف أجورهم.
٣٥٠
٩١ - باب في الحَزْقِ في بِلادِ العَدُوّ
٢٦١٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنا اللّيْثُ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وِ لّ حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَعَ وَهِيَ البُويِرَةُ فَأَنْزَلَ الله ◌َّ ﴿مَا قَطَعْتُم
مِّنِ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُوُهَا﴾(١).
٢٦١٦ - حَدَّثَنَا هَنّادُ بْنُ السَّريِّ عَنِ ابن المُبارَكِ عَنْ صالِحِ بْنِ أَبي الأَخْضَرِ عَنِ
الزُّهْرِيِّ قالَ عُزْوَةُ فَحَدَّثَنِي أُسَامَةُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ إِلَّ كَانَ عَهِدَ إِلَيْهِ فَقَالَ: «أَغِرْ عَلَى
أُبْتَى صَباحًا وَحَرِّقْ)) (٢).
٢٦١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو الغَرِّيُّ سَمِعْتُ أَبَا مُشْهِرٍ قِيلَ لَهُ أُبْنَى. قالَ
نَحْنُ أَعْلَمُ هِيَ يُبْنَى فِلَسْطِينَ(٣).
باب في الحرق في بلاد العدو
أي: الحرق بالنار.
[٢٦١٥] (حدثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء البلخي (حدثنا الليث، عن
نافع) مولى ابن عمر، (عن ابن عمر: أن رسول الله وَلِّ حرَّق) بتشديد الراء
(نخل بني النضير وقطع أشجارهم) وفي معنى النخل جميع الأشجار
والنبات، وهدم البناء في معنى الحريق (وهي) موضع بأرض (البويرة)
(١) رواه البخاري (٢٣٢٦)، ومسلم (١٧٤٦).
(٢) رواه ابن ماجه (٢٨٤٣)، وأحمد ٢٠٥/٥.
وضعفه الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (٤٥١).
(٣) رواه البيهقي ٩/ ٨٤.
وقال الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (٤٥٢): أثر مقطوع.
٣٥١
كتاب الجهاد
بضم الباء الموحدة مصغر. وفيه دليل على جواز إتلاف أشجارهم وبنائهم
بهدم وقطع وغير ذلك؛ لأنه إذا جاز بالإحراق جاز بغيره، وروى
البيهقي(١): أنه قطع لأهل الطائف كرومًا.
وهذا إذا لم يرج حصولها للمسلمين مغايظة للعدو، فإن رجي
حصولها ندب الترك حفظًا لحق الغانمين، وقيل: يحرم القطع، وحمل
فعله ◌ٍَّ على حالة غلبة الظن بعدم الحصول. وجعل الماوردي ذلك
أربعة أقسام:
أحدها: أن يعلم أن لا يصل إليهم إلا بذلك، فيجب؛ لأن ما أدى
إلى الظفر بهم واجب.
[والثاني: أن يقدر على الظفر بهم بدون ذلك فيحرم القطع لأنها مغنم
لنا](٢).
والثالث: أن ينفعنا ذلك ولا ينفعهم فهو مباح.
الرابع: أن لا ينفعنا ولا ينفعهم فهو مكروه لا محظور (٣).
(فأنزل الله رَقْ) في ذلك: (﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّبِنَةٍ﴾) وهي أنواع التمر
كلها إلا العجوة، وقيل: كل النخل. وقيل: كل الشجر للينها. وقد قيل:
إن أنواع نخل المدينة مائة وعشرون نوعًا، فأهل المدينة يسمون ما خلا
العجوة الألوان واحدها لون. ولينة أصلها لون بفتح الواو، وكسرت الواو
الكسرة ما قبلها.
(١) ((سنن البيهقي الكبرى)) (١٧٨٩٦).
(٢) ساقطة من (ر).
(٣) ((الحاوي)) ١٨٦/١٤.
٣٥٢
[٢٦١٦] ([حدثنا هناد بن السري، عن ابن المبارك، عن صالح بن أبي
الأخضر، عن الزهري](١) قال عروة) بن الزبير يعني أنه حدثه: (فحدثني
أسامة بن زيد) بن حارثة مولى رسول الله وَ ليل (أن رسول الله كان عهد إليه)
أي: أوصى إليه يوم الاثنين لأربع بقين من رجب سنة إحدى عشرة بالتهيؤ
لغزو الروم. ورواه الشافعي(٢) بلفظ: أمرني رسول الله وَ الر أن أغير صباحًا
على أهل أُبنى وأحرق. فرواية الشافعي هي حكاية قول أسامة عند خطابه
لعروة، ورواية أبي داود ردًّا من المتكلم إلى الغائب، فعروة حكى ما قاله
أسامة لا بلفظه، ورواية الشافعي أعاد فيها لفظه عند خطابه وهو أبلغ
وأتقن؛ لأن رواية الحديث بالمعنى مختلف فيها. ويجاب عن رواية
أبي داود أنها أبلغ؛ لأنها حكاية لفظ النبي وَسير. (أن أغِر) بفتح الهمزة
وكسر الغين من الإغارة، وهي: المهاجمة على القوم لاستلاب
أموالهم ونفوسهم بالخيل الذي يغير في أول النهار وهم غافلون.
وفي هذا الحديث جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم الدعوة من
غير إنذار بالإغارة.
واختلفوا في هذِه المسألة على ثلاثة(٣) مذاهب:
أحدها: يجب الإنذار قبل الإغارة مطلقًا، قاله مالك (٤) وغيره، وهو
ضعيف.
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصول، واستدركناه من المطبوع.
(٢) ((مسند الشافعي)) (١٤٩٥).
(٣) في الأصول: ثلاث. وما أثبتناه هو الجادة.
(٤) ((المدونة)) ٤٩٦/١.
٣٥٣
- كتاب الجهاد
والثاني: لا يجب مطلقًا، وهذا أضعف منه.
والثالث: يجب إن لم تبلغهم الدعوة، ولا يجب إن بلغتهم، لكن
يستحب، وهذا هو الصحيح. وهو قول الشافعي والجمهور (١).
(على) أهل (أَبنى) بضم الهمزة (وإسكان الباء الموحدة ثم نون ثم
ألف مقصورة، أرض بالسراة في ناحية البلقاء التي قتل فيها أبوه](٢)
(صباحًا) أي: في وقت الصباح (وحرَّق) عليهم، أي: زروعهم وقطع
أشجارهم. وفيه دليل على جواز ذلك إذا (٣) لم يرج حصوله للمسلمين
ولا دعت الحاجة إلى إتلافه كالذي يقرب من حصونهم ويمنع من
قتالهم أو يستترون به عن المسلمين أو يحتاج إلى قطعه لتوسعة طريق
أو نحو ذلك، وبه قال مالك والشافعي(٤).
قال إسحاق: هو سنة إذا كان أنكى في العدو (٥).
وقال الأوزاعي، والليث، وأبو ثور: لا يجوز؛ لحديث أبي بكر
ووصيته، ولأن فيه إتلافًا محضًا فلم يجز كعقر الحيوان(٦).
[٢٦١٧] (حدثنا عبد الله بن عمرو) بن عمر (الغزي) بفتح الغين
المعجمة وكسر الزاي (قال: سمعت أبا مسهر) هو عبد الأعلى بن
(١) أنظر: ((شرح النووي على مسلم)) ٣٦/١٢.
(٢) ما بين المعقوفتين ساقط من (ر).
(٣) في (ر): إن.
(٤) ((المدونة)) ٥٠٠/١، ((الأم)) ٣٠٦/٥.
(٥) ((مسائل أحمد وإسحاق برواية الكوسج)) (٢٧٦١).
(٦) أنظر: ((المغني)) ١٤٦/١٣.
٣٥٤
مسهر الغساني (قيل له: أبنى) بضم الهمزة كما تقدم قرية من أرض الكرك
في أطراف الشام. (قال: نحن أعلم) ببلادنا من غيرنا (هي يُبْنَى) بضم
الياء المثناة تحت وإسكان الباء الموحدة قرية كبيرة بين الرملة وغزة
بالقرب من عسقلان من أرض (فلسطين) بكسر الفاء وفتح اللام صقع
من الشام منه الرملة، وغزة وقاعدته إيلياء، وهي بيت المقدس؛
سميت بذلك لأن أول من سكنها فليشين(١) بن كسلوخيم بن يونان بن
يافث بن نوح القفيها.
قال موفق الدين عبد الله بن قدامة في ((المغني)): الصحيح أنها أبنى
كما جاءت الرواية وهي قرية من أرض الكرك في الناحية التي قتل فيها
أبوه، فأما يبنى فهي من أرض فلسطين، ولم يكن أسامة ليصل إليها
ولا يأمره النبي ◌َله بالإغارة عليها لبعدها، والخطر بالمصير إليها
لتوسطها في البلاد وبُعدها من طرف الشام، فما كان النبي وَّ ليأمره
بالتغرير بالمسلمين، فكيف يُحمل اللفظ عليها مع مخالفة لفظ الرواية
وفساد المعنى! (٢)
قال ابن الأثير (٣): هي مدينة عند الرملة والمشهور في أسمها يبنى (٤)
كما تسمى اليوم، والله أعلم.
(١) في الأصول: فلسطين. وما أثبتناه كما في ((معجم البلدان)) ٤/ ٢٧٤.
(٢) ((المغني)) ١٣/ ١٤٧ - ١٤٨.
(٣) ((النهاية في غريب الأثر)) ١٨/١.
(٤) ساقطة من (ر).
٣٥٥
= كتاب الجهاد
٩٢ - باب بَعْثِ العُيُونِ
٢٦١٨ - حَدَّثَنا هارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنا هاشِمُ بنُ القاسِمِ، حَدَّثَنا سُليمانُ -
يَغْنِي: ابن المُغِيرَةِ - عَنْ ثابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ بَعَثَ - يَعْنِي النَّبِيِ وَِّ - بُشْبَسَةً عيْنًا
يَنْظُرُ مَا صَنَعَتْ عِيرُ أَبِي سُفْيَانَ (١).
باب في بعث العيون
جمع عين، وهو: الجاسوس صاحب سر الشر، والناموس: صاحب
سر الخير، والجاسوس: هو الذي يفحص عن بواطن الأمور ويحسر(٢)
عنها.
[٢٦١٨] (حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا
سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس قال) أبو داود: (بعث يعني رسول
الله بُسيس) بضم الباء الموحدة وتكرير السين المهملة مصغر، هكذا في
أصل أبي داود والذي ذكر ابن إسحاق، والمنذري بسبس بن عمرو بفتح
الموحدة غير مصغر، وفي بعضها بسبسة بزيادة هاء التأنيث (عينًا) يعني:
جاسوسًا، سمي بذلك لأنه يعاين العدو ثم يخبر مرسله بما يراه، فكأنه
عينه التي يبصر بها.
(يبصر ما صنعت عير) بكسر العين المهملة، الإبل التي تحمل الميرة
وهو الطعام الذي يمتاره القوم (أبي سفيان) صخر بن حرب بن أمية
(١) رواه مسلم (١٩٠١).
(٢) في (ل): يخبر.
٣٥٦
القرشي، فيه دليل على جواز بعث الإمام الواحد أو الجماعة [جاسوسًا
يعلمون](١) خبر العدو وكثرته أو قلته وما معهم من الأنعام وغير ذلك مما
يحتاج الجيش إلى معرفته ليأخذوا أهبة العدو، وهذا البعث يشاركون
الجيش في الغنيمة؛ لأنهم في مصلحتهم كما يشاركهم الرسول والدليل
والطليعة ومن كانت عينه في مصلحة الجيش وما يحتاجون إليه.
(١) ساقطة من (ر).
=
كتاب الجهاد
٣٥٧
٩٣ - باب في ابن السَّبِيلِ يَأْكُلُ مِنَ التَّمْرِ
ويَشْرَبُ مِنَ اللَّبَنِ إِذا مَرَّ بِهِ
٢٦١٩ - حَدَّثَنا عيّاشُ بْنُ الوَلِيدِ الرَّقَامُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَغْلَىِ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ
قَتَادَةَ، عَنِ الَحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّ نَبِي اللهِ وََّ قَالَ: ((إِذا أَتَىْ أَحَدُكُمْ
عَلَى مَاشِيَةٍ فَإِنْ كَانَ فِيها صاحِبُها فَلْيَسْتَأْذِنْهُ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فَلْيَحْلِبْ وَلْيَشْرَبْ
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا فَلْيُصَوِّتْ ثَلاثًا فَإِنْ أَجابَهُ فَلْيَسْتَأْذِنْهُ وَإِلاَّ فَلْيَحْتَلِبْ وَلْيَشْرَبْ
وَلا يَحْمِلْ))(١).
٢٦٢٠ - حَدَّثَنَا عُبِيْدُ اللهِ بْنُ مُعاذِ العَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنا أَبي، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ أَبِي
بِشْرٍ، عَنْ عَبّادِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، قالَ: أَصابَتْني سَنَةٌ فَدَخَلْتُ حائِطًا مِنْ حِيطانِ المَدِينَةِ
فَفَرَكْتُ سُنْبُلاً فَأَكَلْتُ وَحَمَلْتُ فِي ثَوْبي فَجَاءَ صاحِبُهُ فَضَرَبَنِي وَأَخَذَ ثَوْبِي فَأَتَيْتُ
رَسُولَ اللهِ وَّهِ فَقَالَ لَهُ: «ما عَلَّمْتَ إِذْ كَانَ جاهِلاً وَلا أَطْعَمْتَ إِذْ كانَ جائِعًا)).
أَوْ قالَ: ((ساغِبًا)). وَأَمَرَهُ فَرَدَّ عَلَّ ثَوْبِي وَأَغْطَانِي وَسْقًّا أَوْ نِصْفَ وَسْقٍ مِنْ طَعامٍ (٢).
٢٦٢١ - حَدَّثَنِي ◌ُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُغْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرِ
قالَ: سَمِعْتُ عَبّادَ بْنَ شُرَحْبِيلَ - رَجُلاً مِنّا مِنْ بَنِي غُبَرَ - بِمَعْناهُ (٣).
باب في ابن السبيل يأكل من الثمرة،
ويشرب من اللبن إذا مر به
[٢٦١٩] (حدثنا عياش) بالمثناة والمعجمة (بن الوليد الرقام) بالقاف
(١) رواه الترمذي (١٢٩٦). وصححه الألباني في ((الإرواء)) (٢٥٢٠).
(٢) رواه النسائي ٨/ ٢٤٠، وابن ماجه (٢٢٩٨)، وأحمد ١٦٦/٤.
وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)» (٢٣٥٧).
(٣) أنظر الحديث السابق.
٣٥٨
(حدثنا عبد الأعلى، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن
جندب) الفزاري البصري (أن نبي الله وَ الر قال: إذا أتى أحدكم على ماشية
فإن كان فيها صاحبها) أو وكيله الذي أقامه مقام نفسه (فليستأذنه) في
أحتلابها والشرب منها، وهذا الاستئذان واجب.
(فإن أذن له المالك) باللفظ أو الإشارة المفهمة للعاجز عن اللفظ
(فليحتلب) بنفسه أو بما دونه قدر العادة، ولا يجوز له إلا حلب ما
يفضل عن ري ولدها وإن أذن له المالك أن يحلب ما يحتاجه ولدها
لم يجز (وليشرب) منه قدر عادة الناس، ويحرم عليه أن يحمل منه إلا
بإذن المالك (فإن لم يكن فيها) صاحبها ولا وكيله (فليصوت) أي:
فليصح له يقال: صاته وصوت له إذا صاح (ثلاثًا) كما يستأذن صاحب
المنزل في الدخول ثلاثًا.
(فإن أجابه) أحد كما في الترمذي(١) (فليستأذنه) فإن أذن له فليحلب
وليشرب (وإلا) أي: وإن لم يجبه أحد كذا في رواية الترمذي (فليحتلب
وليشرب) وله أن يشرب منه ما يسد به الرمق، وهذا فيه دليل لما ذهب إليه
إسحاق، وبه يقول أحمد في إحدى الروايتين، وحمله الشافعي والجمهور
على المضطر الذي لا يجد طعامًا وهو يخاف على نفسه التلف، فإنه
يجوز له أن يحلب ويشرب وتستقر قيمته في ذمته باعتبار ذلك المكان
والزمان، وإن لم يكن مضطرًا لم يجز أن يحلب ولا يشرب لرواية ابن
عمر الآتية: ((لا يحتلبن أحد ماشية أحد بغير إذنه ... )) الحديث.
(ولا) يجوز له أن (يحمل) من المحلوب شيئًا إلا بإذنه أو يكون
(١) ((سنن الترمذي)) (١٢٩٦).
٣٥٩
= كتاب الجهاد
المالك صديقًا له كما قال تعالى: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾(١)، وجواز الشرب من
مال الصديق مخصوص بمن علم رضاه أو غلب على ظنه، فإن شك
حرم، وكذا إذا علم رضاه أو ظنه وكان غير صديق له.
[٢٦٢٠] (حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، حدثنا شعبة،
عن أبي بشر) بكسر الباء وإسكان الشين المعجمة هو جعفر بن أبي وحشية
اليشكري، مات سنة ثلاث وعشرين ومائة، (عن عَبَّاد) بفتح العين وتشديد
الباء الموحدة (بن شُرحبيل) بضم الشين المعجمة العنزي اليشكري.
(قال: أصابني(٢) سَنة) بفتح السين أي: جدب وقحط، قال الله
تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاءَالَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾(٣) أي: بالجدب والمحل.
(فدخلت حائطًا) أي: بستانًا، سمي بذلك لأنه يحوط به الجدران (من
حيطان المدينة) النبوية (ففركت) بفتح الراء (سنبلاً) جمع سنبلة وهو
سنبل الزرع (فأكلت) أكله الحب اليابس بمفرده يدل على ما كانت
الصحابة عليه من خشونة العيش ويبس المؤنة واقتصارهم على أكل
الحب والخبز بغير أدم (وحملت في ثوبي) منه، يدل على كثرة
تواضعهم لتعاطيهم أشغالهم بأنفسهم وحملهم أمتعتهم بأيديهم تأسيا
بأفعاله وَّر. قال علي : لا ينقص الرجل من كماله ما حمل من
شيء إلى عياله(٤). وكان أبو عبيدة بن الجراح وهو أمير يحمل صطلا
(١) النور: ٦١.
(٢) ورد بعدها في الأصل: نسخة: أصابتني.
(٣) الأعراف: ١٣٠.
(٤) ذكره الغزالي في ((الإحياء)) ٢٤٠/٢.
٣٦٠
له من خشب إلى الحمام(١). قال بعضهم: رأيت عليًّا اشترى لحمًا بدرهم
فحمله في ملحفته، قلت له: أحمل عنك يا أمير المؤمنين. قال: لا ، أبو
العيال أحق أن يحمل. (٢)
(فجاء صاحبه) يدل على أنه كان غائبًا حين قطع من زرعه وفرك
وحمل في ثوبه منه (فضربني) يحتمل أن يكون ضربه بيده أو بشيء كان
في يده. وفيه دليل على احتمالهم الأذى وأخذهم بالعفو والصفح حيث
لم يضربه في مقابلة ضربه ولا سبه ولا تغير من الضرب (وأخذ ثوبي)
بما فيه من الحب.
(فأتيت رسول الله (وَ ل38) فيه حذف تقديره والله أعلم: فذكرت له ذلك
فطلبه فأتي به (فقال له: ما عَلَّمت) بفتح العين واللام المشددة أي: ما
علمته (إذا كان جاهلاً) فيه تعليم الجاهل وإن لم يطلب التعليم وأن من
ظلمه في شيء يعرفه أولًا أن هذا حرام عليه؛ لاحتمال أن يكون يعتقد
حله (ولا أطعمت) أي: أطعمته مما أنعم الله به عليك (إذا كان جائعًا)
فيه أن جاهل الحكم معذور لا إثم عليه واللوم على من رأى جائعًا ولا
يطعمه (أو قال) هذا شك من الراوي (ساغبًا) تقديره: ولا أطعمت إذ
كان ساغبًا. والسغب: الجوع، قال الله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ﴾(٣)
أي: مجاعة. وفيه دليل على أن المضطر يأكل مما هو داخل الحائط،
ولا يحمل منه من الزرع والثمار، وعند عدم الاضطرار لا يأكل؛ لأن
(١) ذكره ابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)) (٩٧).
(٢) رواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٥٥١).
(٣) البلد: ١٤.