Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
= كتاب الصوم
يعمل به. ووافقنا على وجوب الفدية على الكبير والكبيرة أبو حنيفة(١)
وأحمد(٢)؛ إلا أن أبا حنيفة قال: لكل يوم صاع تمر أو نصف صاع
حنطة، وأحمد قال: مد حنطة، أو مدان من تمر أو شعير.
والقول الثاني عند الشافعي: أنه لا يجب عليه شيء، وبه قال مالك؛
لأنه سقط عنه شرط الصوم فأشبه الصبي، واختاره أبو ثور وابن
المنذر(٣)، والخلاف جارٍ في المريض الذي لا يرجى برؤه، وحكمه
حكم الشيخ الهرم وحيث أوجبنا الفدية فلا يجوز تعجيلها قبل
رمضان، ويجوز بعد فجر كل يوم، وقطع الدارمي بالجواز قبل الفجر.
وقال النووي: إنه الصواب(٤).
وإذا قلنا بوجوب الفدية على الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة فلا قضاء
عليهما لما أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) من طريق عكرمة عن(٥) ابن
عباس بمعنى هذا الحديث، وزاد: ولا قضاء عليه(٦).
(والحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما)(٧) أي: ولديهما (أفطرتا
وأطعمتا) رواه البزار، وزاد: وكان ابن عباس يقول لأم ولد له حبلى:
أنت بمنزلة التي لا تطيقه فعليك بالفداء ولا قضاء عليك(٨). وصحح
(١) أنظر: ((فتح القدير)) لابن الهمام ٣٥٦/٢.
(٢) أنظر: ((كشاف القناع)) ٣١٣/٢.
(٣) ((الإشراف على مذاهب العلماء)) لابن المنذر ١٥١/٣.
(٥) زيادة من (ل).
(٤) ((المجموع)) ٢٥٩/٦-٢٦٠.
(٦) ((المستدرك)) ٤٣٩/١.
(٧) بعدها في الأصل: نسخة ولدهما.
(٨) ((مسند البزار)) (٤٩٩٦)، وقال: هذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ بإسناد
أحسن من هذا الإسناد.

٢٦٢
الدار قطني إسناده(١).
فيه دليل للأظهر من قولي الشافعي أن الحامل والمرضع إذا خافتا
على ولديهما أفطرتا ولزمتهما الفدية بالإطعام عن كل يوم مدًّا(٢) وقد
نص عليه الشافعي في أكثر كتبه، وبه قال مجاهد.
والقول الثاني: يلزم المرضع دون الحامل كما نص عليه الشافعي في
البويطي(٣) وبه قال مالك: إن الحامل أفطرت لمعنى فيها، فهي
كالمريض والمرضع أفطرت للمنفصل عنها.
والثالث: لا يلزمهما، بل تستحب، وبه قال أبو حنيفة(٤) والمزني(٥)
ونقل أبو علي الطبري أن الشافعي نص عليه في موضع آخر، أما القضاء
فواجب بلا خلاف عندنا، وعن ابن عمر وابن عباس﴾: تجب الفدية
دون القضاء، وإذا أوجبنا الفدية فهل تتعدد بتعدد الأولاد فيه طريقان:
أصحهما: لا، أما إذا خافتا على أنفسهما، فيجب القضاء إذا أفطرتا
ويجوز لهما ذلك. قال الزيادي: ويجوز للحامل تقديم الفدية على الفطر،
ولا تقدم الفدية إلا يوم واحد(٦).
(١) ((سنن الدارقطني)) ٢٠٦/٢.
(٢) ((الأم)) ١٠٣/٢.
(٣) أنظر: ((الحاوي)) للماوردي ٢٩٢/٣.
(٤) انظر: ((البحر الرائق)) لابن نجيم ٣٠٨/٢.
(٥) ((مختصر المزني)) (ص ٥٧).
(٦) انظر: ((المجموع)» ١٣٣/٦.

٢٦٣
- كتاب الصوم :
٤ - باب الشّهْرٍ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ.
٢٣١٩ - حَدَّثَنَا سُليمانُ بْنُ حَزْبٍ، حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ
سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو - يَغني ابن سَعِيدِ بنِ العاصِ - عَنِ ابن عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
وَةِ: ((إِنّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا تَكْتُبُ وَلا نَحْسُبُ الشَّهْرُ هَكَذا وَ هَكَذا وَهَكَذا)).
وَخَنَسَ سُليمانُ أُصْبَعَهُ فِي الثَّالِثَةِ، يَعْني: تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَثَلاثِينَ(١).
٢٣٢٠ - حَدَّثَنَا سُليمانُ بْنُ داوُدَ العَتَكَيُّ، حَدَّثَنَا حَمّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نافِعٍ،
عَنِ ابن عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ فَلا تَصُومُوا حَتَّى
تَرَوْهُ وَلا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلاثِينَ)). قالَ: فَكانَ
ابن عُمَرَ إِذا كانَ شَعْبانُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ نُظِرَ لَهُ فَإِنْ رُئِيَ فَذاكَ وَإِنْ لَمْ يُرَ وَلَمْ يَحُلْ دُونَ
مَنْظَرِهِ سَحابٌ وَلا قَتَرَةً أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَإِنْ حالَ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ أَوْ قَتَرَةٌ أَصْبَحَ
صائِمًا. قالَ: فَكَانَ ابن عُمَرَ يُفْطِرُ مَعَ النّاسِ وَلا يَأْخُذُ بهذا الحسابِ(٢).
٢٣٢١ - حَدَّثَنَا حُمْيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَابِ حَدَّثَنِي أَيُّوبُ قالَ: كَتَبَ
عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلى أَهْلِ البَصْرَةِ بَلَغَنا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّ. نَحْوَ حَدِيثِ ابن
عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِ نَّ زادَ وَإِنَّ أَحْسَنَ ما يُقَدَّرُ لَهُ إِذا رَأْنا هِلالَ شَغبانَ لِكَذا وَكَذا
فالضَّوْمُ إِنْ شاءَ اللهُ لِكَذا وَكَذْا إِلَّ أَنْ تَرَوَا الْهِلالَ قَبْلَ ذَلِكَ(٣).
٢٣٢٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، عَنِ ابن أَبي زائِدَةَ، عَنْ عِيسَى بْنِ دِینارٍ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرارٍ، عَنِ ابن مَسْعُودٍ قَالَ: لَمَا صُمْنا مَعَ النَّبي
وَالَّ تِشْعًا وَعِشْرِينَ أَكْثَرُ مِمّا صُمْنا مَعَهُ ثَلاثِينَ(٤).
(١) رواه البخاري (١٩١٣)، ومسلم (١٠٨٠).
(٢) رواه البخاري (١٩٠٦)، ومسلم (١٠٨٠).
(٣) أنظر السابق. وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢٠١٠).
(٤) رواه الترمذي (٦٨٩)، وأحمد ٤٤١/١.
وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢٠١١).

٢٦٤
٢٣٢٣ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ زُرنع حَدَّثَهُمْ، حَدَّثَنا خالِدٌ الحَذّاءُ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ نَّهَ قالَ: ((شَهْرا عِيدٍ لا يَنْقُصانِ
رَمَضانُ وَذُو الحِجَّةِ))(١).
باب الشهر يكون تسعًا وعشرين
[٢٣١٩] (حدثنا سليمان بن حرب) بن بَجِيل الأزدي قاضي مكة،
(حدثنا شعبة، عن الأسود بن قيس، عن سعيد بن عمرو يعني ابن سعيد
ابن العاص) بن أبي أحيحة الأموي، قال النسائي(٢): ثقة.
(عن ابن عمر) رضي الله عنهما (قال: قال رسول الله وَّهِ: إنا أمة) أي
العرب، وقيل: أراد نفسه (أمية) بلفظ النسب إلى الأم، فقيل: أراد أمة
العرب؛ لأنها لا تكتب، أو منسوب إلى الأمهات، أي: أنهم على أصل
ولادة أمهم، وقيل: منسوبون إلى مكة أم القرى.
(لا نكتب ولا نحسب) تفسير لكونهم كذلك، وقيل: العرب أمیون؛
لأن الكتابة كانت فيهم عزيزة، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِىِ الْأُمِِِّّنَ
رَسُولًا مِنْهُمْ﴾، ولا يرد على ذلك أنه كان فيهم من يكتب ويحسب؛ لأن
الكتابة كانت فيهم قليلة نادرة.
والمراد بالحساب هنا حساب النجوم وسرها، ولم يكونوا يعرفون
من ذلك إلا القدر اليسير، أي: لم يعرف مواقيت صومنا ولا عبادتنا
بالحساب ولا الكتابة، وإنما ربطت عباداتنا بأعلام واضحة يستوي في
(١) رواه البخاري (١٩١٢)، ومسلم (١٠٨٩).
(٢) ((تسمية مشيخة النسائي)) (٨٦).

٢٦٥
== كتاب الصوم
معرفة ذلك الحساب وغيرهم.
(الشهر) بالرفع مبتدأ خبره ما بعده، أي: يكون تارةً (هكذا) وتارةً
(هكذا) وصفق بيديه مرتين بكل أصابعه العشر، وأشار بأصابع يديه
العشر مرتين (وخنس) أي: قبض كما في رواية الصحيح، ومنه قوله
تعالى: ﴿اُلْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾، أي: إذا ذكر الله خنس أي أنقبض
ورجع، وفي رواية للبخاري(١): وحبس بالحاء الموحدة ثم الباء
الموحدة أي: منع (سليمان بن حرب أصبعه في) المرة (الثالثة) وفي
رواية مسلم (٢): ونقص في الصفقة الثالثة فقبض الإبهام الثالثة إبهام
اليمنى أو اليسرى، وفي رواية شعبة(٣): طبق بين كفيه مرتين، وطبق
الثالثة فقبض الإبهام (يعني) يكون الشهر (تسعًا وعشرين) ويكون
(ثلاثين) وفي هذا الحديث جواز الاعتماد على الإشارة المفهمة في
هذا وغيره والحكم بها.
قال القرطبي(٤): فيه أن من نذر أن يصوم شهرًا غير معين فله أن
يصوم تسعًا وعشرين؛ لأن ذلك يقال عليه: شهر. كما أن من نذر
صلاة أجزأه من ذلك ركعتان؛ لأنه أقل ما يصدق عليه الاسم. وكذلك
من نذر صومًا فصام يومًا أجزأه.
قال: وهو خلاف ما قال مالك؛ فإنه قال: لا يجزيه إذا صامه بالأيام
(١) كما في رواية أبي ذر، والكشميهني (١٩٠٨).
(٢) مسلم (١٠٨٠).
(٣) في (ل): ابن أبي شعبة، وهو خطأ ولعلها: أن شعبة طبق. لأنه هو الذي فعل ذلك.
(٤) ((المفهم)) ١٣٩/٣.

٢٦٦
إلا ثلاثون يومًا، فإن صامه بالهلال فعلى ما يكون ذلك الشهر من رؤية
هلاله(١)، انتھی.
وعند الشافعي كذلك، فإن أصحابنا قالوا: إن نذر صوم شهر غير
معين وفرق أو أبتدأ في أثناء الشهر الهلال صام ثلاثين يومًا، وإن
ابتدأ في أوله وخرج ناقصًا كفاه(٢). قال ابن بطال(٣): وفي الحديث
رفع(٤) لمراعاة النجوم بقوانين التعديل، وإنما المعول عليه رؤية الأهلة.
[٢٣٢٠] (حدثنا سليمان بن داود العتكي) بفتح المهملة والمثناة
الأزدي، (حدثنا حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال
رسول الله وَقر: الشهر تسع وعشرون) فيه دلالة لما تقدم أن من نذر أن
يصوم شهرًا غير معين كفاه أن يصوم تسعًا وعشرين يومًا إلى هنا،
أي: الذي نحن فيه أو جنس الشهر، أو الأغلب فيه لقول ابن
مسعود، وفي أواخر الباب صمنا مع النبي ◌َّ و تسعًا وعشرين أكثر مما
صمنا ثلاثين إلى هنا.
(ولا تصوموا حتى تروه) ظاهره إيجاب الصوم حين توجد الرؤية ليلًا
كان أو نهارًا، لكنه محمول على صوم اليوم المستقبل، وبعض العلماء
فرق بين ما بعد الزوال وقبله، ومذهب الشافعي أن رؤية الهلال بالنهار
هو الليلة المستقبلة سواء كان قبل الزوال أو بعده(٥).
-
(١) ((المدونة)) ٢٨٤/١.
(٢) انظر: ((المجموع)) للنووي ٢٨٤/٦.
(٣) ((شرح صحيح البخاري)) لابن بطال ٤/ ٣٢.
(٤) هكذا في الأصل، وعند ابن بطال: ناسخ لرعاة.
(٥) ((الأم)) ٢٣٥/٣، وانظر: ((المجموع)) للنووي ٦/ ٢٧٠، و((أسنى المطالب في شرح
الروض الطالب)» لزكريا الأنصاري ٤١١/١.

٢٦٧
--- كتاب الصوم
وخالف الشيعة الإجماع فأوجبوا الصيام لرؤيته مطلقًا (١).
فظاهر الحديث النهي عن ابتداء صوم رمضان قبل رؤية الهلال،
فيدخل فيه صورة الغيم وغيرها، ولو وقع الاقتصار على هذِه الجملة
لكفى ذلك لمن تمسك به، لكن قوله بعده: ((فإن غم)» عليكم أوقع
للمخالف شبهة (ولا تفطروا حتى تروه) إجماعهم على وجوب الصوم
على الأعمى، وإنما المراد رؤيته في الجملة إذا ثبتت لشروطها في
تلك البلدة وغيرها كما سيأتي.
(فإن غم) بضم المعجمة وتشديد الميم، أي: حال بينكم وبينه غیم،
يقال: غممت الشيء إذا غطيته. ونقل ابن العربي (٢): عمي بالعين من
العمى، قال: وهو بمعناه؛ لأنه ذهاب البصر عن المشاهدات، أو
ذهاب البصيرة من المعقولات (عليكم فاقدروا) بهمزة وصل وضم
الدال وكسرها (له) أي: لمنزلته بمعنى حققوا مقادير أيام شعبان حتى
تكملوا ثلاثين يومًا كما جاء مفسرًا في رواية أخرى(٣)، وهذا عند
الشافعي(٤) والجمهور.
قال أهل اللغة: قدرت الشيء أقدره وأقدره بضم الدال وكسرها مع
(١) أنظر: ((الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية)) ٣٦١/١، و((فقه الصادق))
٢٤١/١١.
(٢) ((عارضة الأحوذي)) ٢٠٥/٣.
(٣) بل هنا في هذا الحديث في بعض النسخ، ويبدو أنها ليست في نسخة المصنف،
وظاهر باقي الحديث أنها ليست صحيحة الثبوت. ورواه البخاري (١٩٠٧) بلفظ:
فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثین.
(٤) ((الأم)) ٢٣٣/٣.

٢٦٨
التخفيف وقدرته بالتشديد وأقدرته كله بمعنى واحد وهو من التقدير (١).
وقال أحمد: معناه ضيقوا له وقدروه تحت السحاب، وأوجب
الصيام إذا حضر الغيم ليلة ثلاثين من شعبان(٢).
وقال ابن شريح(٣)، وابن قتيبة: قدروه بحساب المنازل، ويكون
اختلاف الحواس في الحديث لاختلاف أفهام الناس فمن لا يحسن
منازل القمر وهم الأكثرون أمروا بإكمال العدة ثلاثين، ومن يحسن إذا
أستبان له كمال الشهر دخل فيما بعده بالعلم الذي حصل له وورد
بالحديث المتقدم: ((إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب)) (٤).
(قال: فكان ابن عمر إذا كان) في شهر (شعبان تسعًا وعشرين نظر له)
والمشهور: نظر إليه، والنظر تأمل الشيء بالعين، وفي رواية أحمد: إذا
مضى من شعبان تسع وعشرون يبعث من ينظر(٥) (فإن رئي) بضم الراء
وكسر الهمزة الهلال، أو شهد أحد برؤيته (فذاك) أي: حكم به وصام
وأمر بصيامه (وإن لم ير) بضم الياء وفتح الراء (ولم يحل) بضم الحاء
(١) انظر: ((لسان العرب)) ٧٤/٥ مادة (قدر)، و((القاموس المحيط)) ص ٥٩١، و((إسفار
الفصيح)) للهروي النحوي مادة قوله وقدرت الشيء.
(٢) ((مسائل أحمد)) رواية عبد الله ص١٩٤ (م ٧٢٤). وذكره النووي في شرحه ـ((صحيح
مسلم)) ١٨٩/٧. وانظر كتابنا ((الجامع لعلوم الإمام أحمد)) ٣٤٩/٧.
(٣) هكذا في الأصل بشين معجمة وحاء مهملة، وذكره كذلك ابن الأثير في ((النهاية))
٢٣/٤، ذكره النووي في شرحه لـ((صحيح مسلم)) ١٨٩/٧ سريج بسين مهملة وجيم
معجمة، وسيأتي قريبا في الشرح بنفس الضبط الأخير.
(٤) ذكره النووي في شرحه ((صحيح مسلم) ٧/ ١٨٩.
(٥) («المسند» ٥/٢.

٢٦٩
= كتاب الصوم
وتخفيف اللام (دون منظره سحاب أو قترة)(١) أي: ظلمة، قال الله
تعالى: ﴿تَرْفَقُهَا قَرَؤُ﴾ (٢).
قال المبرد: القترة ما يصيب الإنسان من الغبار المغبي على
الألوان، والمفسرون يقولون: سواد(٣).
(أصبح مفطرًا، فإن حال دون منظره سحاب أو قترة) سواد كالدخان
مرتفع إلى السماء جمعه قتر بفتح القاف وإسكان التاء (أصبح صائمًا)
احتج به أحمد في أشهر الروايات الثلاث عنه على إن حال دون نظر
الراء غيم أو قتر وجب الصيام، وقد أجزأ إذا كان من شهر وإن لم
يحل سحاب ولا قتر لم يجب الصيام(٤).
قال الحنابلة: فقد فسر ابن عمر ما رواه من قوله: ((فاقدروا له))
بفعله، وهو راويه وأعلم بمعناه، فيجب الرجوع إلى تفسيره كما رجع
إليه في تفسير التفرق في خيار المتبايعين، ولأن الصوم يحتاط له(٥).
(قال) نافع (وكان ابن عمر يفطر مع الناس) إذا أمرهم الإمام بالإفطار
(ولا يأخذ بهذا الحساب) فيه وفيما تقدم في الحديث قبله: ((إنا أمة أمية لا
نكتب ولا نحسب))، رد على من قال: إن الحاسب إذا عرف منازل القمر
(١) بعدها في الأصل: نسخة: ولا قترة.
(٢) عبس: ٤١.
(٣) ((تفسير الفخر الرازى)) ٦٢/٣١.
(٤) ((مسائل الإمام أحمد)) رواية عبد الله ص١٩٤ (م٧٢٤)، ورواية ابنه صالح المسألة
(١٦٥٤)، وانظر كتابنا ((الجامع لعلوم الإمام أحمد)) ٣٤٨/٧ - ٣٥١.
(٥) أنظر: ((المغني)) لابن قدامة ٣٣٢/٤، و((كشاف القناع)) ٣٠٢/٢.

٢٧٠
وعلم به وجود القمر وكمال الشهر ومنع من رؤيته حائل جاز له أن يصوم
بالعلم الذي حصل له. وهو وجه، قاله ابن سريج(١)، وابن قتيبة. وفي
(البيان) في كتاب الصلاة عن صاحب ((الفروع)): إن كان يعلم الوقت
بالحساب فهل يقبل قوله في دخول الوقت ودخول رمضان وجهان:
المذهب أنه يعمل عليه بنفسه، وأما غيره فلا يعمل عليه(٢).
والجمهور على أنه لا يعمل بقول الحساب؛ لأن حساب النجوم لا
مدخل له في الشرع وكذا رواه أبو داود(٣) عن ابن عباس مرفوعًا: (ما
اقتبس رجل علمًا من النجوم إلا أقتبس شعبة من السحر)).
[٢٣٢١] (حدثنا حميد بن مسعدة) بن المبارك (الشامي(٤) حدثنا عبد
الوهاب بن عبد المجيد بن الصلت) وثقه ابن معين(٥).
(حدثني أيوب قال: كتب ابن عبد العزيز إلى أهل البصرة: بلغنا عن
رسول الله وَ له) فيه العمل بالمكاتبة (فذكر نحو حديث ابن عمر عن النبي
و189َ) يعني: المتقدم عنه (زاد فيه: وأن) بفتح الهمزة على حذف حرف
الجر (أحسن ما يقدر) بضم المثناة تحت وفتح الدال المخففة، ويجوز
تشديدها أي: يقدر (له) الهلال بتمام العدة ثلاثين يومًا، وأراد به قوله
وَ ل: ((فاقدروا له)) (أنا إذا رأينا هلال شعبان لكذا وكذا) يجوز أن
(١) ((المجموع)) ٢٧٩/٦ -٢٨٠.
(٢) ((البيان)) للعمراني ٣٦/٢.
(٣) سيأتي (٣٩٠٥) في كتاب الطب: باب في النجوم.
(٤) هكذا بالأصل، والصواب السامي بالمهملة. انظر: ((تقريب التهذيب)) ت (١٥٥٩).
(٥) ((تاريخ ابن معين)) برواية الدارمي ت (٦٢).

٢٧١
- كتاب الصوم
يكون اللام بمعنى بعد كقولهم: كتبته لثلاث خلون، ومنه قوله تعالى
﴿أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾(١) (فإنا نصوم إن شاء الله لكذا وكذا) أي
بعد ذهاب ثلاثين يومًا من وقت الرؤية (إلا أن تروا الهلال قبل ذلك)
القدر فيعمل بالرؤية، وهذا موافق لمذهب الشافعي، والجمهور أن
معنى (فاقدروا له) كمال العدة ثلاثين يومًا كما تقدم، وفي معنى هذا
ما قاله أصحابنا: إنا إذا صمنا رمضان بقول عدل ولم نر هلال شوال
بعد ثلاثين يومًا أفطرنا على الأصح وإن كانت السماء مصحية؛ لأن
رمضان كمل ثلاثين كما كمل شعبان ثلاثين كما ذكر ابن عبد العزيز (٢).
[٢٣٢٢] (حدثنا أحمد بن منيع) بن عبد الرحمن البغوي (عن) یحیی
ابن زكريا (ابن أبي زائدة، عن عيسى بن دينار، عن أبيه) دينار مولى عمرو
ابن الحارث (عن) مولاه (عمرو بن الحارث) المصطلقي (ابن أبي ضرار)
بكسر الضاد المعجمة.
(عن ابن مسعود ﴾ قال: لما) بتخفيف الميم أي: للذي (صمنا مع
النبي وي تسعًا وعشرين أكثر) بالرفع خبر ما الموصولة (مما) ظرف زمان
(صمنا معه ثلاثين) يومًا، وهكذا رواه ابن ماجه(٣) من حديث أبي هريرة:
صمنا على عهد رسول الله وَلل تسعًا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين.
وكذا رواه الدارقطني بسندٍ صحيح عن عائشة(٤). وبهذه الأحاديث
(١) الإسراء: ٧٨.
(٢) انظر: ((المجموع)) ٢٩٦/٦، ((شرح منهج الطلاب)) ٣٠٨/٢.
(٣) ((سنن ابن ماجه)) (١٦٥٨).
(٤) (سنن الدار قطني)) ١٩٨/٢.

٢٧٢
ونحوها يرد على بعض الشيعة الذين أسقطوا حكم الأهلة في رمضان،
واعتمدوا العدد لقوله وَّ: ((شهرا عيد لا ينقصان))(١)، وسيأتي معناه.
[٢٣٢٣] (حدثنا مسدد، أن يزيد بن زريع) بالتصغير وهو الحافظ
الذي قال فيه أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة (٢). (حدثهم)
قال: (حدثنا خالد الحذاء) بفتح المهملة وتشديد الذال المعجمة، (عن
عبد الرحمن بن أبي بكرة) نفيع، (عن أبيه) نفيع بن الحارث الثقفي.
(عن النبي ◌َّ- قال: شهرا عيد) وأخرجه أبو نعيم في ((مستخرجه)) من
طريق ابن خليفة، عن مسدد بلفظ: (( لا ينقص رمضان ولا ينقص ذو
الحجة)) (٣). ولفظ البخاري(٤): ((شهران لا ينقصان: شهرا عيد
رمضان وذو الحجة )».
واختلفوا في قوله: معنى (لا ينقصان) فمنهم من حمله على ظاهره
فقال: لا يكون رمضان ولا ذو الحجة أبدًا إلا ثلاثين، وهذا قول مردود
معاند للموجود المشاهد، ويكفي لرده قوله: (( صوموا لرؤيته وأفطروا
لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة))، ولم كان رمضان أبدًا ثلاثين لم
(١) رواه البخاري (١٩١٢)، ومسلم (١٠٨٩)، وسيأتي.
(٢) ((الجرح والتعديل)) ٩/ ٢٦٤.
(٣) لم أجده في المطبوع من ((المستخرج)) وهو على مسلم، وما وجدته من طريق أبي
مسلم الكشي، عن مسدد بإسناده (٢٤٤٧) بلفظ: «شهرا عید لا ینقصان رمضان وذو
الحجة)). وقال ابن حجر في ((الفتح)) ١٢٤/٤: أخرجه أبو نعيم في ((مستخرجه)) من
طريق أبي خليفة وأبي مسلم الكجي جميعا عن مسدد بهذا الإسناد بلفظ ((لا ينقص
... )) فذكره.
(٤) البخاري (١٩١٢).

٢٧٣
= كتاب الصوم
يحتج إلى هذا. وقيل: لا ينقصان معًا، بل إن جاء أحدهما تسعًا وعشرين
جاء الآخر ثلاثين. وقيل: لا ينقصان في ثواب العمل فيهما.
وروى الحاكم في ((تاريخه)) بإسناد صحيح: أن إسحاق بن إبراهيم،
سئل عن ذلك، فقال: إنكم ترون العدد ثلاثين فإن كان تسعًا وعشرين
ترونه ناقصًا، وليس ذلك بنقصان، وقيل: لا ينقصان في عام بعينه
وهو العام الذي قال فيه رسول الله وسيم تلك المقالة. ونقل عن أبي بكر
ابن فورك(١).
وقال الطحاوي(٢): لا ينقصان في الأحكام وإن نقصا في العدد؛
لأن في (٣) أحدهما الصيام وفي الآخر الحج وأحكام ذلك كله كاملة
غير ناقصة، وجزم بمعناه البيهقي (٤).
قال شيخنا ابن حجر(٥): وأقرب هذه الأقوال أن المراد النقص
الحسي باعتبار العدد (٦) ينجبر بأن كلَّا منهما شهر عند الله عظيم، فلا
ينبغي وصفهما بالنقصان بخلاف غيرهما من (الشهور)(٧) وقال البيهقي
في ((المعرفة))(٨): إنما خصهما بالذكر لتعلق حكم الصوم والحج
(١) انظر: ((فتح الباري)) ١٢٥/٤ -١٢٦.
(٢) ((مشكل الآثار)) ٤٣٩/١.
(٣) زيادة من (ل).
(٤) ((السنن الكبرى)) ٤/ ٢٥٠.
(٥) ((فتح الباري)) ١٢٥/٤.
(٦) زيادة من (ل).
(٧) في (ر) الشهر، والمثبت من (ل).
(٨) ((معرفة السنن والآثار)) (٢٣٤/٦).

٢٧٤
بهما، وبه جزم النووي، وقال: إنه الصواب(١).
وقال الطيبي: المراد رفع الحرج عما عسى أن يقع فيه خطأ
لاختصاصهما بالعيدين وجواز احتمال وقوع الخطأ فيهما. واستدل به
بعضهم لمذهب مالك في أكتفائه لرمضان بنية واحدة، قال: لأنه جعل
الشهر بجملته عبادة واحدة واكتفى له بالنية(٢).
وروى (هشيم)(٣) الطبراني من طريق هشيم عن خالد الحذاء بسنده:
((كل شهر حرام لا ينقص ثلاثين يومًا وثلاثين ليلة)) (٤) (رمضان وذو
الحجة) وأطلق على رمضان بأنه شهر عيد لقربه من العيد، ونظيره قوله
مية: ((المغرب وتر النهار)). أخرجه الترمذي(٥). وصلاة المغرب
ليلية، في ((الفتح)): كونها وتر النهار لقربها منه. وفيه إشارة إلى أن
وقت الحج يقع أوله أول يوم من شوال(٦).
(١) شرح ((صحيح مسلم)) ١٩٩/٧.
(٢) قاله القرافي في ((الذخيرة)) ٤٩٩/٢. وانظر: ((فتح الباري)) لابن حجر ١٢٥/٤،
و ((عمدة القاري)) للعيني ٤٠٨/١٠.
(٣) هكذا في الأصل، والظاهر زيادتها.
(٤) ليس في ما طبع من ((المعجم الكبير))؛ لكن أورده الهيثمي في ((المجمع)) (٤٨٢١)
وقال: رواه الطبراني في ((الكبير)) ورجاله رجال الصحيح.
(٥) ((السنن)) (٥٥٢) من طريق ابن أبي ليلى، عن عطية ونافع، عن ابن عمر به. وقال
الترمذي: حديث حسن.
(٦) أنظر: ((فتح الباري)) ١٢٦/٤.

٢٧٥
- كتاب الصوم
٥ - باب إِذا أَخْطَأَ القَوْمُ الهِلالَ.
٢٣٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبِيْدٍ، حَدَّثَنَا حَمّادٌ - فِي حَدِيثِ أَيُّوبَ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
الْمُنْكَدِرِ، عَنْ أَبِي هُريْرَةَ ذَكَرَ النَّبِي وَ فِيهِ قالَ: (( وَفِظْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ
وَأَصْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَخُونَ وَكُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ وَكُلُّ مِنَّى مَنْحَرٌ وَكُلُّ فِجاجٍ مَكَّةً
مَنْحَرٌ وَكُلُّ جَمْعٍ مَوْقِفٌ))(١).
باب إذا أخطأ القوم الهلال
[٢٣٢٤] (حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا حميد (٢) في حديث أيوب)
بن أبي تميمة السختياني.
(عن محمد بن المنكدر، عن أبي هريرة ذكر النبي وَّ فيه) رواه
الترمذي(٣) عن أبي هريرة أيضًا ((الصوم يوم تصومون)). (وفطركم يوم
تفطرون وأضحاكم يوم تضحون) بضم التاء وتشديد الحاء المهملة.
قال الترمذي: حديث حسن. ثم قال الترمذي: وفسر بعض أهل
العلم هذا الحديث فقال: إنما معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة
وعظم الناس. يعني أن الناس إذا أخطؤوا رؤية الهلال فلم يروه فهم
تبع للإمام، فإن صام صاموا، وإن أفطر أفطروا.
(١) رواه الترمذي (٦٩٧)، وابن ماجه (١٦٦٠).
وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢٠١٣).
(٢) هكذا في النسخ، وفي مطبوع ((السنن)) حماد. ولعلها نسخة الشارح.
(٣) ((السنن)) (٦٩٧).

٢٧٦
قال أصحابنا(١): ليس الفطر(٢) أول شوال مطلقًا، وإنما هو اليوم
الذي يفطر فيه الناس. قال الشافعي عقب هذا الحديث(٣): فبهذا
نأخذ، إنما كلف العباد بالظاهر.
قال ابن قدامة(٤): وهو قول الحسن وابن سيرين، وهو إحدى
الروايات عن أحمد (وكل) بقاع أرض (عرفة موقف) يجوز الوقوف
وإن كان الصخرات أفضل (وكل) مكان من (منى منحر) وإن كان
المكان الذي نحر فيه النبي # أفضل لما ذكر في موضعه في الحج.
(وكل فجاج) جمع فج وهو الطريق الواسع (مَكَّةَ منحر) هكذا هنا،
وذكر في الحج من رواية جابر: ((وكل فجاج مكة طريق))(٥)، وهو
الموافق للفجاج، والمراد أن أراضي حرم مكة كلها منحر حيث نحر
منها أجزأه في الحج والعمرة، ولكن السنة في الحج أن ينحر بمنى؛
لأنها موضع تحلله، وفي العمرة بمكة وأفضلها عند المروة؛ لأنه
موضع تحلله.
(وكل جمع) بفتح الجيم وإسكان الميم أي المزدلفة كما في حديث
جابر (موقف) للمبيت بالمزدلفة وإن كان موقف النبي ◌َّيقر أفضل.
(١) انظر: ((المجموع)) للنووي ٢٩/٥.
(٢) زيادة من (ل).
(٣) ((الأم)) ٢ /٤٨٤.
(٤) ((المغني)) ١٠٨/٣.
(٥) رواه ابن ماجه (٣٠٤٨)، وأحمد ٣٢٦/٣.

٢٧٧
- كتاب الصوم
٦ - باب إِذا أُعْمِيَ الشّهْرُ
٢٣٢٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ، حَدَّثَنِي مُعاوِيَةُ
ابْنُ صالِحٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبي قَيْسٍ قَالَ: سَمِعتُ عائِشَةَ رضي الله عنها تَقُولُ كانَ
رَسُولُ اللهِ وَ لَهِ يَتَحَفَّظُ مِنْ شَغبانَ ما لا يَتَحَفَّظُ مِنْ غْرِهِ ثُمَّ يَصُومُ لِرُؤْيَةِ رَمَضانَ فَإِنْ
غُمَّ عَلَيْهِ عَدَّ ثَلاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صامَ(١).
٢٣٢٦ - حَدَّثَنَا نُحَمَّدُ بْنُ الصَّاحِ البَزّزُ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الَحَمِيدِ الضَّبِيُّ،
عَنْ مَنْصُورِ بْنِ المغتَمِرِ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِراشٍ، عَنْ حُذِيْفَةَ قَالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ وَّ:
((لا تُقَدِّمُوا الشَّهْرَ حَتَّى تَرَوُا الهِلالَ أَوْ تُكْمِلُوا العِدَّةَ ثُمَّ صُومُوا حَتَّى تَرَوُا
الهِلالَ أَوْ تُكْمِلُوا العِدَّةَ)). قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَواهُ سُفْيَانُ وَغيْرُهُ، عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ
رِبْعِيٍّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِوَ لَمْ يُسَمِّ حُذيْفَةَ(٢).
باب إذا غم الشهر
[٢٣٢٥] (حدثنا أحمد بن حنبل قال: حدثني عبد الرحمن بن مهدي)
ابن حسان اللؤلؤي، أحد الأعلام (حدثنا معاوية بن صالح) بن حُدير
الحضرمي (عن عبد الله بن أبي قيس) الشامي مولى عطية بن عازب
بالعين المهملة والزاي من تابعي الشاميين، وثقه النسائي، وغيره(٣).
(١) رواه أحمد ١٤٩/٦، وابن خزيمة في ((صحيحه)) (١٩١٠)، وابن حبان (٣٤٤٤).
وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢٠١٤).
(٢) رواه النسائي ١٣٥/٤، وابن خزيمة في صحيحه (١٩١١)، وابن حبان (٣٤٥٨).
ورواه أحمد ٣١٤/٤ من حديث بعض أصحاب النبي ◌َّ.
وصححه الألباني في «صحيح أبي داود)) (٢٠١٥).
(٣) انظر: ((تهذيب الكمال)) (٤٦٠/١٥)، و((معرفة الثقات)) للعجلي ت (٩٥٣).

٢٧٨
(قال: سمعت عائشة تقول: كان رسول الله يتحفظ من) يحتمل أن
يكون من بمعنى في كما حكاه ابن الصباغ في ((الشامل))(١) عن
الشافعي، ﴿فإن كان من قوم عدو لكم﴾(٢) أي: في قوم؛ وفي قوله
تعالى: ﴿ماذا خلقوا من الأرض﴾(٣).
(شعبان ما لا يتحفظ من) أي: في (غيره) من الشهور قال
الجوهري(٤) التحفظ هو التيقظ وقلة الغفلة. أي: كان يستعد في هذا
الشهر ويجتهد بكثرة العبادات وتلاوة القرآن والصدقة؛ لأنه شهر يغفل
عنه لكونه بين شهرين عظيمين رجب ورمضان، فيشتغل الناس بهما
عنه فيصير مغفولًا عنه.
ويدل على هذا ما رواه النسائي(٥) من حديث أسامة بن زيد. قلت: يا
رسول الله لم أرك تصوم من(٦) شهر من الشهور ما تصومه من شعبان،
قال: ((ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع
فيه الأعمال إلى رب العالمين)). وبإسناد ضعيف عن أنس: كان
المسلمون إذا دخل شعبان أكبوا على المصاحف يقرؤوها وأخرجوا
زكاة أموالهم تقوية للضعيف والمسلمين على صيام رمضان(٧). وكان
(١) ((الشامل في فروع الشافعية)) لابن الصباغ، وهو مخطوط لم يطبع.
(٣) فاطر: ٤٠، الأحقاف: ٤.
(٢) النساء: ٩٢.
(٤) في الأصل: الجوزي، والصواب (الجوهري)، انظر: ((الصحاح)) (٣٠٨/٣).
(٥) النسائي في ((السنن)) (٢٣٥٧)، وفي ((الكبرى)) (٢٦٧٨)، وأحمد ٢٠١/٥ من
طرق، عن ثابت بن قيس، عن أبي سعيد المقبري، عن أسامة بن زيد به.
(٦) زيادة من (ل).
(٧) رواه قوام السنة في ((الترغيب والترهيب)) ٢/ ٣٥٠.

٢٧٩
= كتاب الصوم
عمرو بن قيس الملائي إذا دخل شعبان أغلق حانوته وتفرغ لقراءة القرآن.
ويحتمل أن تكون (من) على بابها، ويكون التقدير: كان يحفظ نفسه
من تضييع صومه شعبان، ويتحفظ (١) منه ما لا يتحفظ من غيره.
(ثم يصوم(٢) لرؤية رمضان) يحتمل أن تكون اللام بمعنى بعد كما
تقدم، ويحتمل أن تكون السببية أي: بسبب رؤية الهلال فإن رؤيته
سبب موجب لصيام رمضان لرواية عبد الله بن جراد قال: أصبحنا يوم
الثلاثين صيامًا، وكان الشهر قد أغمي علينا فأتينا النبي فوجدناه
مفطرًا، فقال: ((أفطروا إلا أن يكون رجل يصوم [هذا اليوم] (٣) فليصم
لأنْ أفطر يومًا من رمضان يتمارى فيه أحب إليَّ من أن أصوم يومًا من
شعبان ليس منه)). يعني: من رمضان (٤) (فإن غم عليه) بضم الغين
المعجمة كما تقدم.
(١) في (ر): للحفظ.
(٢) بعدها في الأصل: نسخة: بصومه.
(٣) زيادة من (ل).
(٤) أخرجه ابن الجوزي في ((التحقيق في أحاديث الخلاف)) ٢/ ٧٧ عن الخطيب وقال:
هذا الحديث موضوع على ابن جراد لا أصل له عن رسول الله وَ له ولا ذكره أحد من
الأئمة الذين جمعوا ((السنن)) وترخصوا في ذكر الأحاديث الضعاف، وإنما هو
مذكور في نسخة يعلى بن الأشدق عن ابن جراد وهي نسخة موضوعة. قال أبو زرعة
الرازي: يعلى بن الأشدق ليس بشيء. وقال أبو أحمد بن عدي الحافظ: وروى
يعلى بن الأشدق عن عمه عبد الله بن جراد عن النبي والقر أحاديث كثيرة منكرة وهو
وعمه غير معروفين. وقال البخاري: يعلى لا يكتب حديثه. وقال أبو حاتم بن حبان
الحافظ: لقي يعلى عبد الله بن جراد فلما كبر اجتمع عليه من لا دين له فوضعوا له
شبيها بما في حديث نسخة عن ابن جراد فجعل يحدث بها وهو لا يدري لا يحل
الرواية عنه. اهـ

٢٨٠
(عد) من شعبان (ثلاثين يومًا ثم صام) وهذا يبين الرواية المتقدمة،
وإن غم علیکم فاقدروا له.
[٢٣٢٦] (حدثنا محمد بن الصباح البزاز) بزاءين معجمتين الجرجرائي
التاجر بالجيم(١) (حدثنا جرير بن عبد الحميد الضبي) بالضاد المعجمة
والباء الموحدة المشددة (عن منصور بن المعتمر) السلمي بضم السين
من أئمة الكوفة (عن ربعي بن حراش) بكسر الحاء المهملة (عن
حذيفة بن اليمان ﴾ (قال رسول الله وَله: لا تَقَدّموا) بفتح التاء
والقاف وتشديد الدال أي: لا تتقدموا؛ لأن أصله بتاءين ثم حذفت
إحداهما. ورواية البخاري ((لا يتقدمن أحدكم رمضان))(٢).
وفي رواية لأحمد عن روح، عن هشام: (( لا تتقدموا قبل رمضان
بصوم))(٣). ورواية الترمذي(٤): ((لا تقدموا شهر رمضان بصيام قبله)).
وروى مسروق عن عائشة: أن قوله تعالى: ﴿لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ اللَّهِ
وَرَسُولِهِ﴾ نزلت في النهي عن صوم يوم الشك، قالت: يقول: لا
تصوموا قبل أن يصوم نبيكم ◌َلية(٥). وفي معناه: لا تصوموا قبل أن
يصوم إمامكم كما تقدم.
(١) (الجرجرائي التاجر بالجيم) زيادة في الترجمة فهو غير البزاز، فالبزاز هو الدولابي
صاحب ((السنن)) وكلاهما -البزاز، والجرجرائي - محمد بن الصباح، وكلاهما
شيخ لأبي داود. سئل أبو زرعة: محمد بن الصباح البزاز أحب إليك أو محمد بن
الصباح الجرجرائي؟ فقال: محمد بن الصباح البزاز ((الجرح والتعديل)) ٢٩٨/٧).
(٢) ((صحيح البخاري)) (١٩١٤). (٣) («المسند)) (٥١٣/٢).
(٤) ((السنن)) للترمذي (٦٨٥).
(٥) أخرجه الواحدي في ((التفسير الوسيط)) (٤/ ١٥٠).