Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
= كتاب الطلاق
ليلة، وفي رواية له: فمكثت قريبًا من عشر ليالٍ، وفي رواية للنسائي:
قريبًا من عشرين ليلة(١). وفي رواية له: لأدنى من أربعة أشهر (٢)، وفي
رواية للبيهقي: بشهر أو أقل(٣)، وفي رواية للنسائي والترمذي: بثلاثة
وعشرين يومًا أو خمسة وعشرين(٤)(٥). وفي الطبراني: فمكثت بعده
شهرين ثم وضعت(٦).
(فلما تعلت) بفتح التاء والعين المهملة وتشدید اللام، ویروی تعالت
بتخفيف اللام، وكلاهما بمعنى ارتفعت وطهرت (من نفاسها) كأنَّ حالها
في نفاسها حالة تسفل.
قال ابن الأثير: ويجوز أن يكون من قولهم: تعلى الرجل من علته إذا
برأ، أي خرجت من نفاسها وسلمت(٧)، ومنه حديث ابن عباس: فإذا
تتعلى علي أي: ترتفع علي.
وقال القرطبي: يحتمل أن يكون المراد الاستعلاء من أوجاعها (٨)،
(تجملت) أي: تزينت (للخطاب) جمع خاطب من الخطبة بكسر الخاء،
وقد تقدم (دخل عليها أبو السنابل) جمع سنبلة واسمه عمرو (بن بعكك)
(١) ((سنن النسائي)) ١٩٤/٦.
(٢) ((سنن النسائي)) ١٨٨/٦.
(٣) (السنن الكبرى)) للبيهقي ٤٢٩/٧.
(٤) (سنن الترمذي)) (١١٩٣).
(٥) (سنن النسائي)) ٦/ ١٩٠.
(٦) ((المعجم الكبير)) للطبراني (٧٤٦).
(٧) ((النهاية في غريب الحديث)) (علا).
(٨) ((المفهم)) ٤/ ٢٨٢.

٢٢٢
بفتح الباء الموحدة وإسكان المهملة، وفتح الكاف الأولى ابن الحجاج
ابن الحارث بن السباق القرشي العبدري، وقيل: اسمه حبة بفتح الحاء
المهملة والباء الموحدة ابن بعكك بن مسلمة، كان شاعرًا ومات
بمكة، كذا في ((الاستيعاب))(١)، وهو (رجل من بني عبد الدار) وهو
من المؤلفة قلوبهم (فقال لها: ما لي أراك متجملة) فيه تجمل المتوفى
عنها زوجها بأنواع الزينة التي كانت ممنوعة منها في الحداد، وإنما
أنكر عليها التجمل؛ لأنه كان قبل أنقضاء عدتها (لعلك تَرَجِّينَ) بفتح
التاء وتشديد الجيم المكسورة، ويجوز الفتح فيهما، والأصل: تترجين
حذف إحدى التاءين (النكاح) قبل انقضاء عدتك.
(إنكِ والله ما أنتِ بناكح) أصله بناكحة، فحذف الهاء جوازًا، أي:
متزوجة.
قال الجوهري: ونكحت هي أي: تزوجت في بني فلان أي: ذات
زوج منهم (٢). واعلم أن قول أبي السنابل لها ذلك؛ لأنه كان في عزمه
أنه يخطبها؛ ففي البخاري من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه كان
ممن خطبها. نعم وقع في النسائي أن أبا السنابل خطبها(٣). والمعروف
أن خطبته إياها إنما كانت بعد الولادة.
قال ابن العطار: خطبها وكان كهلًا، خطبها أبو البشر وكان شابًّا.
وفي ((مسند أحمد)) من حديث ابن مسعود أنها لما أخبرت النبي
(١) ((الاستيعاب في معرفة الأصحاب)) (٣٠٢٠).
(٢) ((الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية)) (نكح).
(٣) ((المجتبى)) ١٩٢/٦.
صَلىالله
شَيـ

٢٢٣
= كتاب الطلاق :
بقول أبي السنابل قال: ((كذب أبو السنابل))(١)، أي: أخطأ. وقيل: سماه
كاذبًا لأنه كان عالمًا ثم أفتى بخلافه، حكاه ابن داود من أصحابنا وفيه
بُعد فإنه حلف بالله على ما أفتاها به كما تقدم، وقيل: إنما قال لها أبو
السنابل ما قال لتتربص حتى يأتيها أولياؤها إذ كانوا غُيبًا فيتزوجها
هو؛ إذ كان له فيها غرض، ويحتمل أنه حمل الآية على العموم كما
حملها غيره (حتى تمر) بفتح المثناة فوق (عليك أربعة) بالرفع فاعل
(أشهر وعشرًا) كذا الرواية بالنصب مفعول معه.
(قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك، جمعت علي ثيابي) قال ابن الأثير:
أي: لبست الثياب التي تبرزيها إلى الناس من الإزار والرداء والعمامة
والدرع والخمار(٢)، انتهى، وعلى هذا ففيه دلالة على أن من أراد
الاجتماع بأهل العلم والصلاح والأمراء والأكابر أن تلبس أكمل ثيابها
وأجملها كما تفعل في الذهاب إلى الجمع والأعياد، ويحتمل أن
يكون جمعت علي ثيابي أي: ضممتها وشمرتها لئلا تمنعني من سرعة
الحركة كما ورد في الحديث أنه كان إذا مشى مشى مجتمعًا، أي:
شديد الحركة غير مترنح في المشي (حين أمسيت) أي: عند المساء،
وهُذا يرجح ما قاله ابن الأثير.
(فأتيت رسول الله وَ ال# فسألته عن ذلك) كذا لمسلم(٣) (فأفتاني بأني قد
حللت) من عدتي أو حللت لمن يتزوجني (حين وضعت حملي) فيه
(١) («مسند أحمد)» ٣٠٥/٧.
(٢) ((النهاية في غريب الحديث)): (جمع).
(٣) ((صحيح مسلم)) (١٤٨٤) (٥٦).

٢٢٤
التصريح بانقضاء العدة بوضع الحمل، وفيه رد على ما نقل عن الشعبي
والنخعي وحماد أن جواز نكاحها متوقف على الطهر من دم النفاس تعلق
بقوله: فلما تعلت من دم النفاس إنما هو إخبار عن وقت سؤالها أنه كان
حین تعلت من نفاسها.
قال القرطبي: ويحتمل أن يكون المراد به هنا: تعلت آلام نفاسها
أي: استعلت من أوجاعها فصح ما قاله الجمهور(١).
قال عياض: وظاهر قوله التَّ: ((حللتِ حين وضعتٍ)). ولم يفصل
بين أن يكون ولدًا كاملًا أو سقطًا وغيره أن فيه حجة للكافة من أن
ذلك تنقضي به العدة كيف كان من غير مراعاة إتمام خلقته، بل بكل
مضغة فيها صورة آدمي ولو خفية(٢)، وكذا استدل النووي من هذا
الحديث بأنه سي لم يسألها عن صفة حملها(٣) وأشار ابن المنذر
للإجماع فيه(٤)، وعلم أن ما فيه صورة آدمي ظاهرة بخلاف الأولى.
قال ابن دقيق العيد: وهذا ضعيف، يعني: الاستدلال بعدم
الانفصال؛ لأن الغالب هو الحمل التام المتخلق ووضع المضغة
والعلقة نادر، وحمل الجواب على الغالب أولى وهو الظاهر وإنما
تقوى هذه القاعدة حيث لا يترجح بعض الاحتمالات على بعض،
ويختلف الحكم باختلافها(٥). قال الفاكهي بعد حكاية هذا: وهو كما
(١) ((المفهم)) ٤ / ٢٨٢.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٥/ ٦٥.
(٣) ((شرح مسلم)) للنووي ١٠٩/١٠.
(٤) ((الأوسط)) ٩/ ٥٣٠.
(٥) ((إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام)) لابن دقيق العيد ٢/ ١٩٥.

٢٢٥
= كتاب الطلاق
قال (وأمرني بالتزويج إن بدا لي) وبدا بغير همز. قد يؤخذ منه أن الأمر
يقتضي الوجوب وإلا لما أحتاج بالتقييد بقوله (إن بدا لي) أي: اخترته.
(قال) محمد (ابن شهاب: ولا أدري) بها (بأسًا أن تتزوج حين
وضعت) حملها (وإن كانت) غارقة (في دمها) هذا مذهب الجمهور
خلافًا لما شذ من قول الحسن والشعبي والنخعي (١)، كما تقدم أنها لا
تنكح ما دامت في دم نفاسها مستدلين بقوله (فلما تعلت من نفاسها)
كما تقدم في معنى الحديث لاسيما وقد صرح الزهري راوي الحديث،
وناهیك به من إمام عارف بمعاني الحدیث.
(غير أنه لا يقربها) الذي تزوجها في حال دم نفاسها (حتى تطهر)
بانقطاع دم النفاس واغتسالها منه.
[٢٣٠٧] (ثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء) بن كريب
الهمداني أبو كريب (قال عثمان) بن أبي شيبة.
(ثنا، وقال محمد بن العلاء) وهذا من تحرير المصنف في تبيين ألفاظ
الرواية في تفريقه بين حدثنا و(أنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير.
(ثنا الأعمش، عن مسلم) بن صبيح أبو الضحى (عن مسروق، عن
عبد الله) بن مسعود.
(قال: من شاء لاعنته) لفظ ابن ماجه: لاعَنَّاهُ(٢). من الملاعنة،
وأصلها من جهة الله الطرد واللعن، ومن الخلق السب والدعاء، وهي
هنا من الدعاء، بدليل رواية عبد الرزاق: لأداعينه(٣). أو لأدعون عليه
(١) انظر: ((المفهم)) ٢٨١/٤-٢٨٢.
(٢) ((سنن ابن ماجه)) (٢٠٣٠).
(٣) الذي فى ((المصنف)) ٤٧١/٦ (١١٧١٤): لا عنته.

٢٢٦
أو له بالهداية إذ أتضح له الحق وحاد عنه وجادل بالباطل، وأما قوله
تعالى: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَذِينَ﴾(١) فإنها في حق
بني نجران من الكفار (لأنزلت) هُذِه لام القسم والله لقد أنزلت (سورة
النساء) يعني: الآية التي في سورة النساء.
(القصرى) بضم القاف، والقصرى تأنيث الأقصر كالطولى تأنيث
الأطول، والمراد بهُذِه السورة سورة الطلاق، وسميت قصرى احترازًا
بالقُصرى عن النساء لئلا تشتبه بها في التسمية، لكن المراد البقرة؛
لأن فيها الآية باعتبار السورة الطولى وهي البقرة فإنها قصيرة بالنسبة
إليها، والمراد بالآية قوله تعالى: ﴿وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ
حَمْلَهُنَّ﴾ (٢) (بعد الأربعة الأشهر) يعني: بعد آية العدة التي في البقرة
وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا يَتَرَبَصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ
أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٣)، ولفظ ابن ماجه: بعد أربعة الأشهر(٤). ولفظ
النسائي: أن سورة النساء القصرى بعد البقرة(٥). ولفظ البخاري في
التفسير: أنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى(٦).
قال الداودي: لا أرى قوله (القصرى) محفوظًا، ولا يقال في سور
القرآن: قصرى ولا صغرى، أنتهى، وهو رد للأخبار الثابتة بلا مستند،
(١) آل عمران: ٦١.
(٢) الطلاق: ٤.
(٣) البقرة: ٢٣٤.
(٤) ((سنن ابن ماجه)) (٢٠٣٠)
(٥) ((سنن النسائي)) ٦/ ١٩٧.
(٦) ((صحيح البخاري)) (٤٩١٠).

٢٢٧
- كتاب الطلاق :
والقصر والطول أمر نسبي(١) (وعشرًا) كذا الرواية هنا في ابن ماجه وهو
منصوب على المفعول معه بعد المضاف، كقول الشاعر:
مخافة الإفلاس والِّليانا
ويجوز جره بالعطف على ما قبله ولعل مراد ابن مسعود بقوله الذي
أقسم فيه أن آية الطلاق بعد آية البقرة أن آية البقرة تتناول الحوامل ثم نسخ
بآية: ﴿وَأُؤَْتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾(٢) أو خصص عمومه بآية
الطلاق ولم يخصص الشافعي هذا العموم الذي في قوله ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾(٣)
بقوله: ﴿وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾ (٤) الآية، بل بالنسبة لا بالآية؛ فإنها
وردت عقب ذكر الطلاق، فيحتمل أن يقال: هي في المطلقة لا في
المتوفى عنها زوجها، ولأن كل واحدة من الأثنين أعم من الأخرى
من وجه وأخص(٥) منها من وجه؛ لأن الحامل قد يتوفى عنها زوجها
وقد لا يتوفى، والمتوفى عنها زوجها قد تكون حاملًا وقد لا تكون
حاملًا، فامتنع التخصيص.
(١) انظر: ((فتح الباري)) لابن حجر ٥٢٤/٨.
(٢) الطلاق: ٤.
(٣) البقرة: ٢٣٤.
(٤) الطلاق: ٤.
(٥) في النسخة الخطية: أخصر. والمثبت هو الصواب.

٢٢٨
٤٨- باب في عِدَّةٍ أُمّ الوَلَدِ
٢٣٠٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَّهُمْ، ح وَحَدَّثَنا ابن
اُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَغَلَىِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ مَطَرٍ، عَنْ رَجاءِ بْنِ حِيْوَةَ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ
ذُوْنْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ، قالَ: لا تَلْبِسُوا عَليْنا سُنَّتَهُ - قالَ ابنِ المُثَنَّى: سُنَّةً
نَبِيِّنا- بََّ عِدَّةُ الْمُتَوَقَّى عَنْها أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ. يَغْنِي: أُمَّ الوَلَدِ(١).
باب في عدة أم الولد
[٢٣٠٨] (ثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء البلخي (أن محمد بن جعفر)
الهذلي مولاهم (وثنا) محمد (بن المثنى بن عبيد)(٢) بن قيس الأنصاري
(ثنا عبد الأعلى، عن سعيد) بن أبي عروبة.
(عن مطر) بن طهمان الوراق (عن رجاء بن حيوة، عن قبيصة بن
ذؤيب، عن عمرو بن العاص ﴾ه قال: لا تلبسوا) بتشديد الباء الموحدة
أي: تفسدوا، بدليل رواية ابن ماجه ولفظه: (( لا تفسدوا))(٣) (علينا
سنة نبينا ◌َله) قيل: يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون أراد بذلك سنة كان يرويها عن النبي وَطّ هنا
(١) رواه ابن ماجه (٢٠٨٣)، وابن حبان (٤٣٠٠)، والدارقطني (٣٨٣٩)، والحاكم
٢١٠/٢.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
وصححه الألباني ((صحيح أبي داود)) (١٩٩٨).
(٢) بياض بالنسخة الخطية، والمثبت من ((التهذيب)) وغيره.
(٣) ((سنن ابن ماجه)) (٢٠٨٣).

٢٢٩
- كتاب الطلاق
وتوفيقًا، ويؤيده أن أكثر الأصوليين على (١) أن قول الصحابي من السنة
كذا صحيح محتج به .... (٢) له على سنة الرسول؛ لأنه المتبادر عند
الإطلاق، فكيف وقد صرح الصحابي بأنه سنة نبينا وَلِ﴾؟
والوجه الثاني: أن يكون ذلك منه اجتهادًا على معنى أن السنة هي
الطريقة المعلومة في النساء الحرائر، ولو كان معنى السنة التوقيف
لأشبه أن يصرح به، وأيضًا فإن التلبيس والاشتباه لا يقع في
النصوص، وإنما يكون في الرأي والاجتهاد.
(عدة المتوفى عنها) زوجها (أربعة أشهر وعشر. يعني: أم الولد) وقال
بهذا سعيد بن المسيب(٣) وابن سيرين وسعيد بن جبير (٤) ومجاهد وعمر
ابن عبد العزيز(٥) والزهري والأوزاعي، وهو رواية عن أحمد، ولأنها
حرة تعتد للوفاة فكانت عدتها أربعة أشهر وعشرًا كالزوجة الحرة،
ومذهب الشافعي(٦) ومالك(٧) والرواية المشهورة عن أحمد: أن أم
الولد إذا مات عنها سيدها فلا تنكح حتى تحيض حيضة كاملة(٨).
وحكى أبو الخطاب عن أحمد رواية ثالثة: أنها تعتد بشهرين وخمسة
(١) ليست بالأصول والسياق يقتضيها.
(٢) كلمة غير واضحة بالأصل.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ١٠/ ٩٧ (١٩٠٧٦)، ٩٨ (١٩٠٧٩، ١٩٠٨٠).
(٤) رواه ابن أبي شيبة ١٠/ ٩٧ (١٩٠٧٧).
(٥) رواه ابن أبي شيبة ٩٨/١٠ (١٩٠٨٠).
(٦) ((الأم)) ٣١٦/٥.
(٧) ((المدونة)) ١٨/٢.
(٨) ((مسائل أحمد برواية ابنه عبد الله)) (١٣٥٥)، و((المغني)) لابن قدامة ٢٦٢/١١.

٢٣٠
أيام، وهي مروية عن عطاء وطاوس وقتادة؛ لأنها حين الموت أمة فكانت
عدتها عدة الأمة(١).
وتأوَّل(٢) الجمهور هذا الأمر على أنه إنما جاء في أم ولد بعينها كان
أعتقها صاحبها ثم تزوجها، وهُذِه إذا مات عنها مولاها الذي تزوجها
كانت عدتها أربعة أشهر وعشرًا إن لم تكن حاملًا، ولا خلاف في
هذا، وبأن هذا ضعيف.
قال ابن المنذر: ضعف أحمد وأبو عبيد حديث عمرو بن العاص،
وقال محمد بن موسى: سألت أبا عبد الله عن حديث عمرو بن العاص
فقال: لا يصح. وقال الميموني: رأيت أبا عبد الله يعجب من حديث
عمرو بن العاص هذا ثم قال: إن سنة النبي ◌َّ في هذا، وقال: أربعة
أشهر وعشرًا إنما هي عدة الحرة من النكاح، وإنما هذِه أمة خرجت
من الرق إلى الحرية، ويلزم من قال بهذا أن يورثها.
(١) ((المغني)) لابن قدامة ٢٦٣/١١.
(٢) كلمة غير واضحة بالأصل، والمثبت من ((معالم السنن)) ٢٥٠/٣.

٢٣١
- كتاب الطلاق
٤٩- باب المَبْتُوتَةِ لا يَرْجِعُ إِليْها زَوْجُها حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجَا غِيْرَهُ
٢٣٠٩- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعاوِيَةَ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ إِبْراهِيمَ، عَنِ
الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ أَمْرَأَتَهُ - يَغْني: ثَلاثًا-
فَتَزَوَّجَتْ زَوْجًا غيْرَهُ فَدَخَلَ بِهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يُواقِعَها أَحِلُّ لِزَوْجِها الأوَّلِ؟
قالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: (( لا تَحِلُّ لِلأَوَّلِ حَتَّى تَذُوقَ عُسيْلَةَ الآخَرِ ويَذُوقَ
عُسيْلَتَها))(١).
باب المبتوتة -أي: المطلقة ثلاثًا- لا يرجع إليها زوجها
حتى تنكح غيره
[٢٣٠٩] (ثنا مسدد، ثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير.
(عن الأعمش، عن إبراهيم) بن يزيد بن عمرو النخعي (عن الأسود)
ابن يزيد النخعي (عن عائشة قالت: سئل رسول الله وَلايقل عن رجل طلق
امرأته) وهذا الرجل هو رفاعة بن سموأل القُرَظي، بضم القاف وفتح
الراء وكسر الظاء، وهو خال صفية أم المؤمنين، وقيل: هو رفاعة بن
رفاعة القرظي، أحد العشرة الذين نزلت فيهم: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ
الْقَوْلَ﴾ (٢)(٣). وامرأته هي تميمة بفتح المثناة فوق وكسر الميم الأولى
بنت وهب، قال في ((الاستيعاب)): لا أعلم لها غير قصتها مع
(١) رواه البخاري (٥٢٦١)، ومسلم (١٤٣٣).
(٢) القصص: ٥١.
(٣) بياض بالأصل، والمثبت من ((عمدة القاري)) (٦/٢٢).

٢٣٢
رفاعة(١). ونص الطبراني في ((الكبير)) أنه لا حديث لها، وهذا أصح
الأقوال الأربعة كما صرح ابن بشكوال(٢) وغيره، وقيل: اسمها تميمة
بضم التاء. وقيل: سهيمة. وقيل: عائشة.
وقال ابن طاهر: أسمها: أميمة بنت الحارث(٣) (فتزوجت زوجًا
غيره) وهو عبد الرحمن بن الزبير بفتح الزاي وكسر الموحدة ابن باطا،
ويقال: باطيا. وكان عبد الرحمن صحابيًّا، والزُّبيرُ قتل يهوديًّا في غزوة
بني قريظة، كذا ذكره ابن عبد البر(٤) والمحققون، وقال ابن منده وأبو
نعيم الأصبهاني في كتابيهما في ((معرفة الصحابة)): إنما هو عبد
الرحمن بن الزبير بن زيد بن أمية(٥) (فدخل بها) عبد الرحمن (ثم
طلقها قبل أن يواقعها) وكان زوجها الأول طلقها ثلاثًا كما في
((الموطأ))(٦) (أتحل لزوجها الأول؟) بعد أن طلقها ثلاثًا.
(قال: قال رسول الله: لا تحل) كزوجة (للأول حتى تذوق عسيلة)
بضم العين على التصغير، وهو كناية عن الجماع، شبه الشارع لذة
الجماع بلذة العسل وحلاوته. وقد روى عبد الله بن أبي مليكة عن
عائشة مرفوعًا: ((إن العسيلة هي الجماع)) (٧). وهذا هو الصحيح.
(١) ((الاستيعاب)) (٣٢٦٣).
(٢) ((غوامض الأسماء المبهمة)) ٦٢٢/٢ -٦٢٣.
(٣) ((إيضاح الإشكال)) ص١٤٥. وفيه: أمية.
(٤) ((الاستيعاب في معرفة الأصحاب)) (١٤٢٠).
(٥) ((معرفة الصحابة)) لأبي نعيم (١٨٥٧).
(٦) ٥٣١/٢.
(٧) رواه أحمد ٦٢/٦. قال الألباني في ((الإرواء)) (٢٠٨٣): صحيح المعنى.

٢٣٣
= كتاب الطلاق
وفي المسألة ثلاثة أقوال أخر:
أحدها: أنه أنث في التصغير على إحدى المعنيين، فإن فيه لغتين:
التذكير والتأنيث، فمن أنثه قال في تصغيره عسيلة.
والثاني: أنه تصغير عسلة وهي قطرة من العسل.
والثالث: أنه أنث على إرادة النطفة، وضعف بأن إنزال النطفة لا
يشترط وإن قال به الحسن البصري.
وقيل: أُنّثَ على إرادة اللذة لتضمنه ذلك، ولهذا فسر أبو عبيد
العسيلة باللذة، حكاه الماوردي(١).
(الآخر) بكسر الخاء يعني: الزوج الآخر (ويذوق هو عسيلتها) وقد
استدل به من أشترط انتشار الذكر في الوطء للتحليل، سواءٌ قويُّ الانتشارِ
وضعيفُهُ، وكذا لو استعان بإصبعه لقول الشافعي: سواء أدخله بيده أو
يدها (٢). حكاه ابن عبد البر(٣)، وجزم الجرجاني وغيره بأنه لو أحتاج
إلى إصبع لا يكفي، فإن لم يكن أنتشار أصلًا لتعنين أو شلل أو
غيرهما لم يصح على الأصح عند الشافعي لعدم ذوق العسيلة(٤)،
وليس لنا وطء يتوقف تأثيره على الانتشار سوى هذا، وأما غيره من
أحكام الوطء فتترتب على مجرد الاستدخال من غير أنتشار خلافًا
لأبي حامد(٥).
(١) ((الحاوي الكبير)) ١٠/ ٣٢٧.
(٢) ((الحاوي الكبير)) ٣٢٨/١٠.
(٣) ((التمهيد)) ٢٢٩/١٣.
(٤) ((روضة الطالبين)) ١٢٤/٧-١٢٥.
(٥) ((الحاوي الكبير)) ٣٢٨/١٠.

٢٣٤
ويؤخذ من الحديث أنه يشترط في الوطء المحلّل أن يكون ممن يمكن
جماعه ويجد لذة الجماع احترازًا من الطفل؛ لأنه لا يتصور منه ذوق
العسيلة على المذهب، ويؤخذ من قوله: ((تذوق عسيلته)) أنه يشترط
في الزوجة أن تكون ممن يمكن جماعها وتجد لذة النكاح، ونص في
(الأم)) أن وطء الطفلة لا يحلها كما في الطفل(١).
وهذا الحديث نص على أن المطلقة البتة بالطلاق الثلاث لا تحل
لزوجها الأول حتى تتزوج زوجًا غيره ويطؤها وطئًا يلتذان به، وقال
الحازمي في ((الاعتبار)»: كان ابن المنذر يقول: فيه دلالة على أنه لو
واقعها وهي نائمة أو مغمي عليها لا تحس باللذة فإنها لا تحل للزوج
الأول؛ لأنها لم تذق عسيلته، وإنما يكون ذواقها أن تحس باللذة(٢).
وكذا قال مالك في أحد قوليه: لو وطئها نائمة أو مغمىّ عليها لم تحل
للمطلق(٣). حكاه أبو حيان.
وفي هذا الحديث رد على ما نقل عن سعيد بن المسيب (٤) وسعيد بن
جبير ونفر من الخوارج أنها لا تحتاج إلى وطء الزوج الثاني، واستدلوا
بقوله: ﴿حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾(٥)، وحملوا النكاح على العقد، وقالوا:
إذا عقد الثاني عقد النكاح عليها حلت للأول وإن لم يدخل بها ولم
(١) ((الأم)) ٣٥٨/٥.
(٢) ((الاعتبار في الناسخ والمنسوخ)) ١/ ١٨٢.
(٣) انظر: ((المدونة)) ٢٠٨/٢، و((شرح مختصر الخليل)) ٢١٦/٣.
(٤) رواه سعيد بن منصور في ((سننه)) ٢/ ٧٥ (١٩٨٩).
(٥) البقرة: ٢٣٠.

٢٣٥
- كتاب الطلاق
يصبها؛ لأن النكاح يتعلق حكمه بأوله وهو العقد.
قال القرطبي عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير: أظنهما لم
يبلغهما حديث العسيلة أو لم يصح عندهما فأخذا بظاهر القرآن(١).
قال ابن العربي: ما مرت بي مسألة في الفقه أعسر منها، وذلك أن
في أصول الفقه أن الحكم هل يتعلق بأوائل الأسماء أم بأواخرها؟ فإن
قلنا أن الحكم يتعلق بأوائل الأسماء لزمنا مذهب سعيد بن جبير وابن
المسيب، وإن قلنا أن الحكم يتعلق بأواخر الأسماء لزمنا أن نشترط
الإنزال مع مغيب الحشفة في الإحلال؛ لأنه آخر ذوق العسيلة (٢). على
ما قاله الحسن بن أبي الحسن أنه لا يكفي مجرد الوطء حتى يكون
الإنزال.
(١) ((المفهم)) ٢٣٥/٤.
(٢) ((أحكام القرآن)) لابن العربي ٢٦٨/١.

٢٣٦
٥٠- باب في تَغظِيمِ الزّنا
٢٣١٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورِ، عَنْ أَبِي وائِلِ، عَنْ
عَمْرِو بْنِ شُرَخْبِيلَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ أى الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ:
((أَنْ تَجْعَلَ الله ◌ِدّا وَهُوَ خَلَقَكَ)). قالَ: فَقُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قالَ: ((أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ
مَخافَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَكَ)). قالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قالَ: ((أَنْ تُزانيَ حَلِيلَةَ جارِكَ)).
قالَ: وَأَنْزَلَ اللهُ تَعالَى تَصْدِيقَ قَوْلِ النَّبِيِّ وَِِّّ ﴿وَالَّذِينَ لَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا
ءَآخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ الآيَةَ(١).
٢٣١١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِراهِيمَ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنِ ابن جُرنجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو
الزُّبِيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: جاءَتْ مُسيْكَةُ لِبَغْضِ الأَنَّصارِ فَقَالَتْ إِنَّ
سيِّدِي يُكْرِهُني عَلَى البِغَاءِ فَتَزَلَ فِي ذَلِكَ: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتياتِكُمْ عَلَى الِغَاءِ﴾(٢).
٢٣١٢ - حَدَّثَنَا عُبِيْدُ اللهِ بْنُ مُعاذٍ، حَدَّثَنا مُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ ﴿وَمَن يُكْرِهِهُنَّ فَإِنَّ
اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِبِمٌ﴾ قالَ: قالَ سَعِيدُ بْنُ أَبي الحَسَنِ: غَفُورٌ لَهُنَّ
الْمُكْرَهاتِ(٣).
باب في تعظيم الزنا
[٢٣١٠] (ثنا محمد بن كثير) العبدي (أنا سفيان) الثوري (عن منصور)
ابن المعتمر (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن عمرو بن شرحبيل) غير
منصرف لكونه أعجميًّا علمًا، أبي ميسرة الهمداني، أخرج له الشيخان
(١) رواه البخاري (٤٤٧٧)، ومسلم (٨٦).
(٢) رواه مسلم (٣٠٢٩).
(٣) رواه البيهقي ٨/ ١٠ من طريق المصنف. قال الألباني في ((صحيح أبي داود))
(٢٠٠٢): إسناد مقطوع صحيح على شرط مسلم.

٢٣٧
= كتاب الطلاق
(عن عبد الله) ابن مسعود .
(قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب) أي: خصال الذنب (أعظم)
إثمًا عند الله تعالى (قال: أن تجعل الله) تعالى (ندًّا) الند: المثل
والنظير، جمعه أنداد كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ
تَعْلَمُونَ﴾(١) (وهو خلقك) وصورك، ومعناه أن أتخاذ الإنسان إلهًا
ومعبودًا غير خالقه المنعم عليه مع علمه بأن ذلك المتخذ ليس هو
الذي خلقه ولا الذي أنعم عليه من أقبح القبائح وأعظم الآثام وأكثر
الجهالات.
(قال: قلت: ثم أي؟) قال أبو الفرج: بالتشديد والتنوين سمعته من
ابن الخشاب؛ لأنه اسم معرف غير مضاف.
(قال: أن تقتل ولدك مخافة) منصوب على المفعول له، أي: أجل
خوف (أن يأكل معك) من طعامِكَ وتنفق عليه من مالك فتفتقر، وهذا
القيد الذي هو خشية أن يأكل معك ليس له مفهوم، فإن قتلهم حرام
سواء خاف من أكلهم الفقر أو لم يخف، وإنما هو مما خرج مخرج
الغالب، وكانوا يقتلون البنات خوف الفقر وغيره فنهاهم الله عن ذلك
بقوله تعالى: ﴿وَلَا نَّقْتُلُواْ أَوْلَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقٍّ ◌َّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾(٢)،
فضمن الرزق لهم ولأولادهم، وظاهر الحكم هنا لمن كان واحدًا كما
يتفق فولد بنت أو ذكر فقتله ليخف مؤنته من طعامه ولوازمه، فعظم
النبي ولو أمر ذلك وجعله من أعظم الكبائر.
(١) البقرة: ٢٢.
(٢) الإسراء: ٣١.

٢٣٨
(قال: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة) بضم الحاء المهملة، وهي التي
يحل وطؤها بالنكاح أو التسري، ومعنى تزاني أي: تحاول الزنا بزوجة
جارك أو جاريته برضاها (جارك) أي: من يجاورك في المسكن أو الداخل
في جوار العهد.
٠
والزنا من الفواحش العظام، وإفساد المرأة على زوجها واستمالة
قلبها للزنا بها أفحش من ذلك وأعظم ذنبًا وأعظم فحشًا أن الجار
يتوقع من جاره الذب عنه وعن حريمه لما تضمن من خيانة الجار،
وقد عظم فحش ذلك عادةً وشرعًا، وكانت الجاهلية يمتدحون حرمة
الجار ويغضون دونهم الأبصار كما قال عنترة:
وأغض طرفي إن بدت لي جارتي
حتى يواري جارتي مأواها(١)
(قال: وأنزل الله تعالى تصديق قول النبي ◌ََّ) ظاهر هُذا أن هذه الآية
نزلت بسبب هذا الذنب الذي ذكره النبي وَليل، وليس كذلك؛ لأن الترمذي
قد روى هذا الحديث وقال فيه: وتلا النبي وَله: (﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ
اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ (٢) الآية(٣) بدل: وأنزل الله. وظاهره أنه القَيهر قرأ بعد ذكر
هذا الحديث ما كان أنزل منها قبل ذلك على أن الآية تضمنت ما ذكره
النبي ◌ُّ في حديثه بحكم عمومها.
(﴿وَاُلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ﴾) معطوف على ما قبلها من الأوصاف التي
وصف بها عباد الرحمن، وهو من باب عطف الصفات بعضها على
(١) انظر: ((العقد الفريد)) ٣/٦، ((نهاية الأرب)) ٣٣٨/١٥.
(٢) الفرقان: ٦٨.
(٣) ((سنن الترمذي)) (٣١٨٣).

٢٣٩
= كتاب الطلاق
بعض (﴿مَعَ اَللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾) بالإشراك بالله تعالى (﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى
ج
حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾) أي: بأمر موجب للقتل شرعًا، وذلك الأمر هو
المذكور في قوله العليها: (( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث:
زنا بعد إحصان، أو كفر بعد (١) إيمان، أو قتل نفس بغير نفس))(٢).
(﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾)(٣)، وقد صرف هذِه الآية عن ظاهرها بعض أهل
المعاني، فقال: لا ينبغي لمن أضافهم الله إليه إضافة تشريف
واختصاص ووصفهم بما ذكرهم من صفات المعرفة وقوع هذِه الأمور
القبيحة منهم حتى يمدحوا بنفيها؛ لأنهم أعلى وأشرف، فقال:
معناها: لا يدعون الهوى إلها، لا يذلون أنفسهم بالمعاصي فيكون قتلًا
لها. ومعنى ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: إلا بتسكين الصبر وسبق المجاهدة، ولا
ينظرون إلى دنيا ليست لهم محرم فيكون مباحًا على الضرورة فيكون
كالنكاح مباحًا. (الآية) إلى آخرها.
[٢٣١١] (ثنا أحمد بن إبراهيم) البغدادي الدورقي الحافظ، شيخ
مسلم (عن حجاج) بن محمد الأعور الهاشمي ترمذي، سكن المصيصة
(عن) عبد الملك (بن جريج قال: وأخبرني أبو الزبير) محمد بن مسلم
ابن تدرس المكي (أنه سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول:
جاءت مسيكة) بضم الميم وفتح السين مصغر (لبعض) أي: إلى بعض
(الأنصار) ويتعدى جاء أيضًا بنفسه كقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُ وَكُمْ﴾ (٤)
(١) في النسخة الخطية: بغير. والمثبت من المصادر.
(٢) سيأتي برقم (٤٣٦٣) من حديث أبي برزة.
(٣) الفرقان: ٦٨.
(٤) النساء: ٩٠.

٢٤٠
(فقالت: إن سيدي يكرهني على البغاء) يعني: الزنا، ولفظ مسلم: أن
جارية لعبد الله بن أبي يقال لها: مسيكة. وأخرى يقال لها: أميمة.
فكان يريدهما على الزنا، فَشَكتا ذلك إلى النبي وَّ(١).
وحكى الثعلبي عن مقاتل: نزلت الآية -يعني: هذِه الآية- في سبب
جوارٍ لعبد الله بن أبي كان يكرههن على الزنا ويأخذ أجورهن، وهن معاذة
ومسيكة وأميمة وعمرة وقبيلة وأروى، فجاءته إحداهما ذات يوم بدينار
وجاءت أخرى ببرد، فقال لهما: أرجعا فازنيا. فقالتا: لا والله لا
نفعل، قد جاءنا الله بالإسلام وحرم الزنا. فأتيا رسول الله وشكيا إلى
رسول الله وَليم(٢).
(فنزل في ذلك) قوله تعالى: (﴿وَلَا تُكْرِهُواْ فَتِكُمْ﴾) جمع فتاة وهي
الجارية (﴿عَلَى الْبِغَاءِ﴾)(٣)، يعني: على الزنا والفجور، وهو وصف
مختص بالمرأة، ولا يقال للرجل: بغي. قاله الأزهري (٤).
[٢٣١٢] (ثنا عبيد الله) بالتصغير (ابن معاذ) بن معاذ العنبري شيخ
مسلم (ثنا معتمر) بن سليمان أحد الأعلام، مات سنة سبع وثمانين
ومائة، وكان الناس يقولون يوم مات: مات اليوم أعبد الناس(٥) (عن
أبيه) سليمان بن طرخان التيمي، ولم يكن من تيم، بل نزل فيهم (٦)،
مكث أربعين سنة يصوم يومًا ويفطر يومًا ويصلي صلاة الفجر بوضوء
(١) ((صحيح مسلم)) (٣٠٢٩) (٢٧)، وعنده: يكرههما بدل: يريدهما.
(٢) ((الكشف والبيان)) المعروف بـ(تفسير الثعلبي)) ٣٧٨/٤.
(٣) النور: ٣٣.
(٤) أنظر: (تهذيب اللغة)) باب الغين والباء ١٨٠/٨.
(٥) «تهذيب الكمال)) ٢٥٥/٢٨.
(٦) ((تهذيب الكمال)) ٥/١٢.