Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
= كتاب المناسك
١٩٠٦ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنا سُليمانُ يَغْني ابن بِلالٍ حِ وَحَدَّثَنا
أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفي - المغنَى واحِدٌ - عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ
أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيِ وَيِّ صَلَّى الظُّهْرَ والعَضْرَ بِأَذَانٍ واحِدٍ بِعَرَفَةَ وَلْ يُسَبِّحْ بَيْتَهُمَا وَإِقامَتيْنِ
وَصَلَّى المغْرِبَ والعِشاءَ بِجَمْعِ بِأَذانٍ واحِدٍ وَإِقامَتيْنِ وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُما.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: هذا الَحَدِيثُ أَسْنَدَهُ حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ فِي الحَدِيثِ الطَّوِيلِ،
وَوَافَقَ حاتِمَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ عَلَى إِسْنادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلي الْجُغْفِيُّ، عَنْ جَعْفٍَ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ جَابِرٍ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: فَصَلَّى المغْرِبَ والعَتَمَةَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ (١).
١٩٠٧- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنا يَخْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنا جَعْفَرٌ، حَدَّثَنَا
أَبي، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: ثُمَّ قالَ النَّبِيِ وَّهِ: ((قَدْ نَحَرْتُ ها هُنا وَمِنَى كُلُّها مَنْحَرٌ)).
وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ فَقالَ: ((قَدْ وَقَفْتُ ها هُنا، وَعَرَفَةُ كُلُّها مَوْقِفٌ)). وَوَقَفَ في المزْدَلِفَةِ
فَقالَ: ((قَدْ وَقَفْتُ ها هُنا وَمُزْدَلِفَةُ كُلُّها مَوْقِفٌ))(٢).
١٩٠٨- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا حَفْصُ بْنُ غِياثٍ، عَنْ جَعْفَرِ بِإِسْنادِهِ زادَ:
(فانْحَرُوا في رِحالِكُمْ))(٣).
١٩٠٩- حَدَّثَنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْراهِيمَ، حَدَّثَنا يَخْيَى بْنُ سَعِيدِ القَطّانُ، عَنْ جَعْفَرٍ
حَدَّثَنِي أَبي، عَنْ جابِرٍ فَذَكَرَ هذا الَحَدِيثَ وَأَدْرَجَ في الحَدِيثِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ
مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلّى﴾ قالَ: فَقَرَأَ فِيهَا بِالتَّوْحِيدِ وَ ﴿قُلْ يَأَيُهَ اَلْكَفِرُونَ﴾ وقالَ فِيهِ:
قالَ عَلِي ◌ُّهُ بِالكُوفَةِ. قَالَ أَبِي: هذا الحَرْفُ لَمْ يَذْكُرُهُ جابِرٌ، فَذَهَبْتُ مُحَرِّشًا. وَذَكَرَ
قِصَّةَ فاطِمَةَ رضي الله عنها (٤).
(١٩٠٦، ١٩٠٧، ١٩٠٨، ١٩٠٩، ١٩٣٦، ١٩٣٧، ١٩٤٤، ٣٩٦٩).
(١) أنظر السابق.
(٢) أنظر ما سلف برقم (١٩٠٥)، وما سيأتي بالأرقام (١٩٠٨، ١٩٣٦، ١٩٣٧).
(٣) أنظر ما سلف برقم (١٩٠٥، ١٩٠٧)، وسيتكرر برقم (١٩٣٦).
(٤) انظر ما سلف برقم (١٩٠٥)، وما سيأتي برقم (٣٩٦٩).

٥٦٢
صَلى الله
وَسلم
باب صفة حجة النبي
حجة الوداع [بفتح الواو](١).
[١٩٠٥] ([حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي وعثمان بن أبي شيبة
وهشام بن عمار وسليمان بن عبد الرحمن الدمشقيان](٢) وربما زاد (٣)
بعضهم) أي: بعض الأربعة المذكورين (على بعض الكلمة والشيء
قالوا: حدثنا حاتم بن إسماعيل، حدثنا] (٤) جعفر بن محمد، عن أبيه)
محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المعروف بجعفر
الصادق، مات سنة ١٤٨، وهو ابن(٥) ٧٤ (٦) سنة.
(قال: دخلنا على جابر بن عبد الله، فلما انتهينا إليه سأل عن القوم)
فيه: أن من ورد عليه زائرون أو ضيفان ونحوهم أن يسأل عنهم لينزلهم
منازلهم كما في حديث عائشة: أمرنا رسول الله أن ننزل الناس منازلهم(٧)
(حتى أنتهى إلي فقلت: أنا محمد بن علي(٨) بن حسين) إنما لم يعرفه لأنه
كان قد عمي.
(فأهوى بيده إلى رأسي فنزع زري الأعلى ثم نزع زري الأسفل) فيه
(١) سقط من (م).
(٢) من المطبوع.
(٣) في (م): أراد.
(٤) من المطبوع.
(٥) من (م).
(٦) في (م): ٦٤.
(٧) سيأتي بنحوه برقم (٤٨٤٢).
(٨) بعدها في (ر): بن علي.

٥٦٣
- كتاب المناسك
مشروعية استعمال الأزرار للقميص والملوطة(١) ونحوهما، وتعدد
الأزرار(٢) وبعضها أسفل من بعض، وأن الصبي يشد إزاره بخلاف
الرجل؛ لما ورد في الحديث عن معاوية بن قرة، عن أبيه قال: أتيت
النبي ◌َّ في رهط من مزينة فبايعناه وإنه لمطلق الأزرار، فأدخلت
يدي في جيب قميصه فمسست الخاتم(٣).
وعن محمد بن قيس قال: رأيت ابن عمر معتمًا قد أرسلها من بين
يديه ومن خلفه لا أدري أيهما أطول، قال: ورأيته محلل أزرار قميصه (٤).
(ثم وضع كفه بين ثديي) فيه دليل على جواز تسمية الثدي للرجل،
وفيه خلاف لأهل اللغة، ومن منعه قال: يختص الثدي بالمرأة، ويقال في
الرجل: ثندوة، وفيه ملاطفة الزائر بما يليق به وتأنسه، وهذا سبب حل
جابر زر محمد بن علي ووضع يده بین ثدییه.
وقوله: (وأنا يومئذٍ غلام شاب) تنبيه على أن سبب فعل جابر ذلك
التأنيس؛ لكونه صغيرًا، وأما الرجل الكبير فلا يحسن إدخال اليد في
جيبه (فقال: مرحبًا بك) أي: أتيت(٥) مكانًا رحبًا أهلاً (٦) (يا ابن
أخي) فيه جواز قول هذا لابن صديقه؛ وأن الصديق أخ في الله،
(١) في (ر): الملوطية، وهو قباء واسع. ((تاج العروس)) ١٢٤/٢.
(٢) في (ر): الإزار.
(٣) سيأتي برقم (٤٠٨٢).
(٤) رواه البغوي في ((مسند ابن الجعد)) (٢٢٢٨)، وفي ((معجم الصحابة)) ٤٧٣/٣
(١٤٣٢).
(٥)، (٦) من (م).

٥٦٤
﴿إِنََّا اُلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (١) أي: في الدين والولاية، قال أبو (٢) عثمان
الجيزي: أخوة الدين أثبت من أخوة النسب؛ فإن أخوة(٣) النسب
تنقطع بالمخالفة في الدين، وأخوة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب.
وسئل الجنيد عن الأخوة في الدين، فقال: هو أنت في الحقيقة، إلا
أنه غيرك في الشخص.
(سل عما شئت، فسألته وهو أعمى) فيه جواز استفتاء الأعمى، قال
ابن الصلاح: لا بأس أن يكون المفتي أعمى أو أخرس مفهوم الإشارة،
أو كاتبًا (٤) لكن البصير(٥) أولى (وجاء(٦) وقت الصلاة) فيه تجوز وأن
الوقت لا يجيء حقيقة.
(فقام في نساجة) بكسر النون وتخفيف السين المهملة، وبعد الألف(٧)
جيم مفتوحة وتاء تأنيث، قال النووي: هذا هو المشهور في نسخ بلادنا
ورواياتنا لـ((سنن أبي داود)) و((صحيح مسلم))، ووقع في بعض النسخ: في
ساجة(٨). بحذف النون، ونقله القاضي عياض عن رواية الجمهور قال:
وهو الصواب، قال: والساج والساجة ثوب كالطيلسان وشبهه، قال:
(١) الحجرات : ١٠.
(٢) كذا في (م)، وفي باقي النسخ: ابن.
(٣) من (م).
(٤) ((أدب المفتي والمستفتي)) ٤٤/١.
(٥) في (ر): البصيرة.
(٦) بعدها في (ر): نسخة: وحان، وتأخرت في (م). عن هذا الموضع، فأتت بعد قوله:
نسجت نساجة.
(٧) من (م).
(٨) وكذا وقع في ((مستخرج أبي نعيم)) ٣١٦/٣ (٢٨٢٧).

٥٦٥
سسـ
- كتاب المناسك
ورواية النون معناه ثوب ملفق(١). قال النووي: وكلاهما صحيح، ويكون
الجمع بينهما أن يكون ثوبًا ملفقًا على هيئة الطيلسان، وقيل: هي الخضر
منها، وقيل: هو طيلسان مقور(٢).
(ملتحفًا بها) يدل على ما قاله ابن الأثير: أن النساجة ضربٌ من
الملاحف [المنسوجة(٣). ثم فسر المصنف النساجة](٤) كأنه سمي
بالمصدر، يقال: نسجت(٥) نساجة(٦). فقال: (يعني: ثوبًا ملفقًا)
[نسخة: ملففًا بفاءين](٧) كما تقدم عن النووي.
(كلما وضعها على منكبه رجع طرفاها) بفتح الراء (إليه من صغرها)
بكسر الصاد، [لعل صوابه رجع طرفها](٨) فيه دليل على أن الملحفة
والرداء ونحوهما إذا ضاق عن ستر جميع البدن جعل على المنكبين
وجعل النقص مما يلي الرجلين كما في كفن مصعب بن عمير؛ فإنه لم
يوجد له ما يكفن فيه إلا نمرة إذا وضعناها (٩) على رأسه خرجت
رجلاه، وإذا وضعناها(١٠) على رجليه خرجت رأسه، فقال رسول الله
(١) ((إكمال المعلم)) ١٤١/٤.
(٢) ((شرح النووي)) ١٧١/٨.
((جامع الأصول)) ٤٥٩/٣، ((النهاية)) لابن الأثير ٤٣٢/٢، ٤٦/٥.
(٣)
(٤) تأخرت في (م). عن هذا الموضع، فأتت بعد قوله: نسجت نساجة.
(٥) في (ر): نسجه.
(٦) ((النهاية)) (نسج).
(٧) سقط من (م).
(٨) سقط من (م).
(٩) في (ر): وضعها.
(١٠) في (ر): وضعها.

٥٦٦
وَله: ((ضعوها مما يلي رأسه))(١).
(فصلى بنا) فيه دلالة على جواز إمامة الأعمى للبصير؛ إذ لا خلاف
في جواز ذلك إلا ما حكي عن أنس أنه قال: ما حاجتهم إليه؟(٢). وعن
ابن عباس [أنه قال: أؤمهم](٣) وهم يعدلونني إلى القبلة(٤). لكن اختلفوا
في الأفضل، وفيه ثلاثة أوجه، أصحها عن أصحابنا أنهما سواء، وهو
نص الشافعي؛ لأنه أخشع؛ إذ لا يشتغل في الصلاة بالنظر إلى ما
يلهيه فيقابل ذلك فضيلة النظر(٥) وتوقي النجاسة، فيستويان(٦)، وقد
يستدل بهذا الحديث على أن الأعمى أولى؛ للحديث المتقدم أن
النبي ◌َّلي استخلف ابن أم مكتوم يؤم الناس وهو أعمى(٧)، وعن
الشعبي: أن النبي ◌َ﴿ غزا ثلاث عشرة غزوة كل ذلك(٨) يقدم ابن أم
مكتوم يؤم بالناس(٩). ولأن العمى فقد حاسة لا تخل بأفعال الصلاة
فأشبه فقد الشم، ولأن البصير لو أغمض عينيه لكان مكروهًا ولو كان
ذلك فضيلة لكان مستحبًّا؛ لأنه يحصل بتغميضه ما يحصل للأعمى،
(١) رواه البخاري (٣٨٩٧)، ومسلم (٩٤٠).
(٢) رواه ابن أبي شيبة (٦١٣٣)، وابن المنذر في ((الأوسط)) ١٧٣/٤ (١٩٣١).
(٣) في (م): أووبهم.
(٤) رواه عبد الرزاق ٣٩٥/٢ (٣٨٣٣)، وابن أبي شيبة (٦١٣٢)، وابن المنذر في
(«الأوسط)» ٤/ ١٧٣ (١٩٣١).
(٥) في (م): البصر.
(٦) ((المجموع)) ٢٨٦/٤، ((أسنى المطالب)) ٢١٩/١.
(٧) برقم (٥٩٥).
(٨) في (م): يوم.
(٩) رواه بنحوه عبد الرزاق ٣٩٤/٢ (٣٨٢٨).

٥٦٧
= كتاب المناسك
وله فيه فضيلة وأجر؛ لأنه يترك المكروه مع إمكانه أختيارًا(١)، والأعمى
يترك اضطرارًا (ورداؤه إلى جانبه) [نسخة: جنبه](٢) (على المشجب) بميم
مكسورة ثم شين معجمة ساكنة ثم جيم مفتوحة ثم باء موحدة، وهي اسم
الأعواد [يضم رأسها ويفرج بين قوائمها](٣) مركبة يوضع عليها الثياب
ومتاع البيت، وفيه دليل على جواز الصلاة في ثوب واحد مع التمكن
من الزيادة عليه، وإن كان الأفضل أن يصلي في (٤) الأثنين (فقلت:
أخبرني عن حجة) بفتح الحاء وكسرها، والكسر أشهر (رسول الله (وَ لاه).
والمراد بها حجة الوداع (فقال بيده، فعقد تسعًا) فيه التعليم بالقول
والإشارة (ثم قال: إن رسول الله وَ﴾ مكث تسع سنين لم يحج) فيه
التعليم بالقول، فقد جمع بين التعليم بالفعل(٥) وبالقول، والمراد: لم
يحج من مكة بل مكث بالمدينة بعد الهجرة وأما بمكة فحج واحدة
بالاتفاق، واختلف في ثانية هل حجها أم لا؟ (ثم آذن(٦)) [وآذن
بالمد] (٧) بمعنى الإعلام، فهو ممدود الهمزة مفتوح الذال، كقوله
تعالى: ﴿قَالُواْ ءَذَتَّكَ﴾ (٨)، ومن قرأ: ﴿فآذنوا بحرب من الله﴾ (٩)،
(١) من (م).
(٢) من (ر).
(٣) سقط من (م).
(٤) ، (٥) من (م).
(٦) بعدها في النسخ: إذا كان.
(٧) سقط من (م).
(٨) فصلت: ٤٧.
(٩) قراءة عاصم في رواية أبي بكر وحمزة. ((الحجة للقراء السبعة)) ٤٠٣/٢.

٥٦٨
بمد الهمزة فمعناه: أعلموا من وراءكم، وإذا كان بمعنى الصياح والآذان
فهو أذن بالتشديد كقوله ﴿وَأَذِّن فِ النَّاسِ بِالْحَجِ﴾(١)، والتشديد هو
الأصح، ثم أذن في الناس بالحج (٢)، وقوله: فأذن بالرحيل والحج،
وقوله تعالى: ﴿فَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾(٣) أي: نادى منادٍ يسمع الفريقين
(في) السنة (العاشرة أن) بفتح الهمزة وتشديد النون، ويجوز تخفيف
النون الساكنة، ورفع (رسول) على أن تكون مفسرة أو مخففة من
الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف ورسول مبتدأ (٤) و(حاج) خبره،
والجملة خبر أن المخففة، كقوله تعالى: ﴿وَءَاخِرُ دَعْوَنِهُمْ أَنِ اٌلْحَمْدُ لِلَّهِ
رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾(٥)، وقرئ بالوجهين في السبع في قوله تعالى: ﴿فَأَذَّنَ
مُؤَذِّنٌ بَيَْهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ﴾(٦)، وقوله تعالى في النور: ﴿وَالْخَمِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ
اللَّهِ﴾(٧)، قال النووي: [أذن هنا](٨) معناه: أعلم وأشاع بينهم الحج
ليتأهبوا للحج معه ويتعلموا المناسك والأحكام ويشاهدوا أفعاله
وأقواله، ويوصيهم ليبلغ الشاهد الغائب، ويشيع دعوة الإسلام، ويبلغ
الرسالة القريب والبعيد.
(١) الحج: ٢٧.
(٢) سقط من (م).
(٣) الأعراف: ٤٤.
(٤) في (ر): حاجا.
(٥) يونس: ١٠.
(٦) الأعراف: ٤٤.
(٧) النور: ٧.
(٨) في (ر): إذ كنا.

٥٦٩
= كتاب المناسك
وفيه: أنه يستحب للإمام [إيذان الناس بالأمور المهمة ليتأهبوا
لها (١)، وقد استدل بهذا الحديث على أن الحج واجب على](٢)
التراخي، وأنه يجوز تأخيره عن سنة الإمكان، ووجهه: أن فريضة
الحج نزلت سنة خمس من الهجرة وأخره النبي ◌ّ من غير مانع؛ فإنه
خرج إلى مكة سنة سبع لقضاء العمرة ولم يحج، وفتح مكة سنة
ثمان، وبعث أبا بكر أميرًا على الحاج سنة تسع، وحج هو سنة عشر؛
وتأخره مع كونه هو (٣) وعامة أصحابه قادرون على الحج غير مشتغلين
بقتال ولا غيره، فدل على جواز تأخيره، قال أصحابنا: ونزلت قوله
تعالى: ﴿وَأَنِقُواْ الْحَجَّ وَاَلْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾(٤)، [نزلت سنة خمس من الهجرة،
وهي دالة على وجوب الحج، ونزل بعدها: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُ
اُلْبَيْتِ﴾(٥) توكيد](٦) للوجوب، وأجمع المسلمون على أن الحديبية
كانت(٧) سنة ست، وثبتت الأحاديث على أن غزوة حنين بعد فتح
مكة، وأنه ◌َّ قسم غنائمها واعتمر من سنته من(٨) ذي القعدة وكان
إحرامه بالعمرة من الجعرانة، ولم يكن بينه وبين الحج إلا أيامًا
يسيرة، فلو كان على الفور لم يرجع من مكة حتى حج؛ مع أنه هو (٩)
وأصحابه كانوا موسرين قد غنموا الغنائم الكثيرة ولا لهم عذر ولا
شغل، وإنما أخره بيانًا للجواز.
(١) (شرح النووي)) ٨/ ١٧٢.
(٣) سقط من (م).
(٥) آل عمران: ٩٧.
(٦)، (٧)، (٨)، (٩) سقط من (م).
(٢) من (م).
(٤) البقرة: ١٩٦.

٥٧٠
(فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم) بتشديد الميم (برسول
الله ◌َّ ويعمل مثل عمله) حتى قال أبو زرعة الرازي: إنه حضر مع رسول
الله ◌َ في حجة الوداع مائة ألف وأربعة عشر ألفًا، كلهم رآه وسمع منه
وأتمَّ به. هذا قول الإمام أبي زرعة الذي لم يحفظ أحد من حديث رسول
الله وَلُّ كحفظه ولا ما يقاربه (١).
(فخرج رسول الله وَ له وخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة) التي هي
ميقات الحج (فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر) كما تقدم
في باب الحائض تهل بالحج [فقال: ((اغتسلي))](٢) فيه دليل على
استحباب غسل الإحرام للنفساء والمستحاضة (فأرسلت إلى رسول الله
وَلاير كيف أصنع؟ فقال: اغتسلي واستثفري بثوب) واستثفار الحائض
والنفساء هو: أن تشد على فرجها بخرقة عريضة مشقوقة الطرفين
تشدهما على جنبيها من قدام وخلف، بحيث يكون وسطها على الفرج
مشدودًا، لتمنع الدم أن يجري أو يقطر، وأصله: من ثفر الدابة بفتح
الثاء المثلثة والفاء، وهو ما يكون تحت ذنبها يغطي حياها، ويحتمل
أن يكون من الثفر بسكون الفاء وهو الفرج فاستعير لغيره لملازمته له،
والأول أظهر لقوله في رواية أخرى: ((تلجمي بثوب))، وكذلك يفعل
من به جرح يفور منه الدم، وفيه دليل على أمر الحائض بالاستثفار،
وكذا النفساء والمستحاضة (وأحرمي) فيه دليل على صحة إحرام
النفساء، وهو مجمع عليه.
(١) ((المجموع)) ١٠٤/٧ -١٠٥.
(٢) من (م).

٥٧١
= كتاب المناسك
وفي قوله (وصلى رسول الله في المسجد) أي: مسجد الشجرة، كما
تقدم (ثم ركب القصواء) بفتح القاف والمد، وفي نسخة : بضم القاف مع
القصر وهو أصوب، قال ابن الأعرابي: القصواء، التي قطع طرف أذنها،
والجدع أكثر منه(١). وقال أبو عبيد: القصواء: المقطوعة الأذن عرضًا(٢).
ولم تسم بذلك لشيء أصابها (حتى إذا استوت به ناقته على البيداء [قال
جابر](٣) نظرت إلى مد بصري) بتشديد الدال، هذا هو الصواب ومعناه:
منتهى بصري، وأنكره بعض أهل اللغة، وقال: الصواب: مدى بتخفيف
الدال وألف بعدها ترسم ياء، وليس بمنكر، بل هما لغتان ومدى أشهر
(من بين يديه من راكب وماش) فيه جواز الحج راكبًا وماشيًا وهو مجمع
عليه، واختلفوا في الأفضل منهما، فمال مالك والشافعي والجمهور إلى
أن الركوب أفضل، لكن يستحب كما قال في ((شرح المهذب)) أن يركب
على القتب والرحل دون المحمل والهودج، اقتداءً به الطّيها.
والثاني: المشي أفضل، وصححه الرافعي، والثالث: هما سواء،
قال ابن سريج: هذا قبل الإحرام، فإذا أحرم فالمشي أفضل(٤)، قال
الغزالي: إن سهل عليه المشي فهو أفضل، وإن ضعف وساء خلقه
فالركوب(٥). قال الإسنوي: والمتجه أن أداء النسك ماشيًا أفضل؛ لما
روي عن ابن عباس أن النبي وَ لقر قال: ((من حج من مكة ماشيًا حتى
(١) انظر: ((شرح النووي)) ١٧٣/٨.
(٢) أنظر: ((غريب الحديث)) لابن سلام (عصا)، و((شرح النووي)) ٨/ ١٧٣
(٣) من المطبوع.
(٤) ((مواهب الجليل)) ٥١٤/٣، و((المجموع)) ٩١/٧.
(٥) ((إحياء علوم الدين)) ٢٦٣/١.

٥٧٢
يرجع إليها كتب له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم،
وحسنات الحرم الحسنة بمائة ألف حسنة))(١). وضعف البيهقي هذا
الحديث، لكن قد رواه الحاكم في ((مستدركه))، وقال: هذا حديث
صحيح الإسناد. وسيأتي له مزيد إن شاء الله تعالى (وعن يمينه مثل
ذلك) أي: من راكب وماشٍ، [ومن خلفه مثل ذلك، أي: من راكب
وماشٍ](٢)، وفي تقديم الركوب على المشي في هذا الحديث إشارة
إلى تفضيله، ولعل تقديمه إلى أن الركاب(٣) أكثر، وإلا فالله تعالى
قدم الماشي على الراكب في قوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ
ضَامِرٍ﴾(٤)، قيل: ليزيل مشقة المشي والعناء، وقد رئي بعض
الصالحين بمكة المشرفة فقيل له: جئت راكبًا أم ماشيًا؟ فقال: ما حق
العبد العاصي الهارب من مولاه أن يرجع إليه (٥) راكبًا ولو أمكنني
لجئت على رأسي.
وأجاب من رجح المشي على(٦) ركوب النبي في الحج [بأنه كافٍ
في](٧) القدوة فكانت الحاجة ماسة إلى ظهوره ليراه الناس، ويسأله
من أحتاج إلى سؤاله ويقتدي به من كان عن بعد ويقصده من له به
(١) رواه البيهقي في ((الكبرى)) ٣٣١/٤، والحاكم في ((المستدرك)) ٦٣١/١.
(٢) من (م).
(٣) في (م): الراكب.
(٤) الحج: ٢٧.
(٥) سقط من (م).
(٦) في (م): عن.
(٧) في (م): فإنه كان.

٥٧٣
- كتاب المناسك
حاجة ومن خلفه مثل ذلك، وإنما أحاطوا به من الجهات الأربع ليسهل
عليهم رؤيته للاقتداء بأفعاله وأقواله، وليتمتعوا بمشاهدته من كل الجهات
(ورسول الله وَله بين أظهرنا) أي: بيننا، يقال: بين أظهرهم وظهورهم
وظهرانيهم بفتح النون مثنى بمعنى الجمع (وعليه ينزل القرآن وهو يعلم
تأويله) فيه الحث على التمسك بما أخبرهم به [عن فعل](١) رسول الله
وَ* في حجته تلك، فإنه كان ينزل عليه بما يفعله الوحي في جميع
حجه فيفهمه عن الله ويبينه للناس، فلذلك قال: ((خذوا عني
مناسككم)» (٢)، فكانوا كما قال جابر (فما عمل به من شيء عملنا به)
أي: إذا عمل شيئًا أقتدوا به فيه وعملوا على نحو عمله (فأهل رسول
الله وَّ بالتوحيد) أي: بكلمة التوحيد النافية للشريك بقوله: لا شريك
لك. بخلاف ما كانت تلبي الجاهلية إذ كانت تشرك بالله فتقول في
تلبيته: إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك. ثم فسر كلمة التوحيد:
(لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك) ولبيك كلمة(٣) يجاب
بها المنادي، والقصد بها هاهنا: الإجابة لقول إبراهيم حين أمره الله
بقوله: ﴿وَأَذِّنْ فِ النَّاسِ بِالْحَجْ﴾ الآية، وهي مشتقة من لب بالمكان
وألب لغتان، ومعناها: أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة، ولفظها
مثنى سقطت نونه للإضافة، ولكن المعنى على التكثير كما تقدم (إن)
بكسر الهمزة على الأفصح للاستئناف، ويجوز الفتح على معنى لأن
(١) من (م).
(٢) رواه مسلم (١٢٩٧).
(٣) في (م): لفظ.

٥٧٤
(الحمد) بالنصب على المشهور، ويجوز الرفع على أن(١) أن بمعنى نعم
(والنعمة لك والملك) يستحب أن يقف عند قوله والملك وقفة لطيفة (لا
شريك لك) هُذِهِ الكلمة مثبتة للوحدانية.
(وأهل الناس بهذا الذي يهلون) بضم الياء (به)(٢) قال القرطبي:
يعني: أنهم لم يلتزموا هذِه التلبية الخاصة التي لبى بها رسول الله
وَالر؛ إذ فهموا أنها ليست متعينة؛ فإنه قد ترك كل أحد على ما
تيسر له من ألفاظها، ومع هذا فلابد أن يأتي بهُذِه التلبية ولا يجزئ
منها التحميد(٣) ولا التكبير ولا غيره عند مالك(٤). وأنه يجب الدم
بتركها جملة وإن كان ناسيًا، خلافًا للشافعية والحنابلة، قال الشافعي
في ((الأم)): أتفق الأربعة على أن من لا يحسن التلبية بالعربية لبى
بلسانه(٥) .
(فلم يرد عليهم رسول الله وَل ◌ّ شيئًا منه) أي: مما زادوه، قال القاضي
عياض: فيه إشارة إلى ما روي من زيادة الناس في التلبية من الثناء
والذكر، كما روي في ذلك عن عمر: لبيك ذا النعماء والفضل
الحسن(٦)، والنعماء بفتح النون والمد؛ لبيك مرهوبًا منك مرغوبًا
إليك، وعن ابن عمر: لبيك وسعديك والخير بيديك والرغباء إليك
(١) سقط من (م).
(٢) من (م).
(٣) في (ر): التوحيد.
(٤) ((المفهم)) ٣٢٥/٣.
(٥) ((المجموع)) ٢٤٦/٧.
(٦) رواه ابن أبي شيبة (١٣٦٤٥).

٥٧٥
= كتاب المناسك
والعمل(١)، وعن أنس: لبيك حقًّا، تعبدًا ورقًّا (٢). وعن أبي هريرة:
(لبيك إله الحق، لبيك))، رواه الشافعي وأحمد والنسائي وابن ماجه
وابن حبان في ((صحيحه))، والحاكم وصححه على شرط الشيخين(٣) (٤).
وعن ابن عباس: أن رسول الله وَّ﴾ وقف بعرفات، فلما قال: ((لبيك
اللهم لبيك))، قال: ((إن الخير خير الآخرة)). رواه الحاكم وصححه(٥) عن
يونس القّ: لبيك فراج الكرب لبيك(٦)، وعن عيسى العليها: لبيك (٧) أنا
عبدك ابن أمتك بنت عبديك لبيك، أخرجه الأزرقي(٨)، وعن الأسود بن
يزيد: لبيك غفار الذنوب (٩)، وعن عبد الله بن مسعود: لبيك عدد الحصا
والترب (ولزم رسول الله تلبيته) فيستحب أن يكرر التلبية ثلاثًا، ويستحب
عند غير المالكية أن يصلي على النبي ولو بعد التلبية، ويسأل الله
رضوانه(١٠) والجنة، ويستعيذ به من النار، وقال سند من المالكية:
(١) رواه مسلم (١١٨٤).
(٢) رواه البزار في ((المسند)) ٢٦٦/١٣ (٦٨٠٤).
(٣) في (م): الصحيحين.
(٤) ((مسند الشافعي)) ص١٢٢، ((مسند أحمد)) ٣٤١/٢، ٣٥٢، ٤٧٦، ١١٠/٩
(٣٨٠٠)، ((المستدرك)» ٤٤٩/١ مرفوعًا.
(٥) ((المستدرك)) ٤٦٤/١، وصححه ابن الجارود في ((المنتقى)) (٤٧٠)، وابن خزيمة
(٢٨٣١).
(٦) سقط من (م).
(٧) من (م).
(٨) ((أخبار مكة)) للأزرقي ٧٣/١.
(٩) رواه أبو يوسف في ((الآثار)) (٤٥٧) عن سعيد بن جبير.
(١٠) في (ر): رضوانك.

٥٧٦
ليس في التلبية صلاة على النبي وَله ولا دعاء(١).
قال ابن المنذر: ويختم دعاءه بربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة
حسنة وقنا عذاب النار (قال جابر: لسنا ننوي) بفتح النون الأولى (إلا
الحج) فيه دليل لمن قال بترجيح (٢) الإفراد، وقد تقدم الكلام فيه (لسنا
نعرف العمرة) قال القرطبي: يحتمل أن يخبر به عن حالهم الأول قبل
الإحرام؛ فإنهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور،
فلما كان عند هذا الإحرام بين النبي ◌َّ لهم ذلك(٣) فقال: ((من أراد
أن يهل بالحج فليفعل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليفعل)) (٤) فارتفع
الوهم الواقع بهم(٥) (حتى إذا أتينا البيت معه) فيه بيان(٦) أن السنة
للحاج أن يدخلوا مكة قبل الوقوف بعرفات ليطوفوا للقدوم وغير ذلك
(استلم الركن) يعني الحجر الأسود كما تقدم قريبًا (فرمل) كما تقدم
بيانه(٧) (ثلاثًا) أي: ثلاث أطواف يستوعب الرمل فيهن كلهن كما تقدم
على الصحيح، والمراد بالثلاث الأول، ولا يستحب الرمل إلا في
طواف واحد في حج أو عمرة، فإن طاف في غير حج أو عمرة فلا
رمل بلا خلاف، وإنما يشرع في طواف يعقبه سعي ويتصور ذلك في
(١) ((الفواكه الدواني)) ٧٩٨/٢.
(٢) في (م): مترجح.
(٣) سقط من (م).
(٤) رواه مسلم (١١٤/١٢١١) من حديث عائشة.
(٥) ((المفهم)) ٣٢٣/٣-٣٢٤.
(٦) من (م).
(٧) في (م): في بابه.

٥٧٧
= كتاب المناسك
طواف القدوم، ويتصور في طواف الإفاضة، ولا يتصور في طواف الوداع
(ومشى أربعًا) على هيئته؛ فإن الإسراع ليس بتسمية للمشي، بل التأني فيه
والسكينة (١) (ثم تقدم إلى مقام إبراهيم) هكذا الرواية في أبي داود، ورواية
مسلم: ثم نفذ(٢) بالفاء والذال المعجمة يعني: أنه صار إليه(٣) بعد فراغه
من طوافه (فقرأ: ﴿وَاَّخِذُواْ﴾) قال القرطبي: الرواية هنا: ﴿واتخِذوا﴾
بكسر الخاء على الأمر(٤) قطعوه من الأول وهي قراءة الجمهور (٥)
(﴿مِن مَّقَامِ﴾) هو في اللغة موضع القدمين، قال النحاس: مقام من
قام يقوم، يكون مصدرًا واسمًا للموضع(٦). (﴿إِبْرَهِرَ﴾) عليه الصلاة
والسلام.
وقد [اختلف في تعيين](٧) المقام على أقوال: قال القرطبي : أصحها
أنه الحجر الذي يعرفه(٨) الناس اليوم، ويصلون عنده ركعتي الطواف (٩).
وفي البخاري(١٠) أنه الحجر الذي ارتفع عليه إبراهيم حين ضعف عن رفع
الحجارة التي كان إسماعيل يناولها إياه في بناء البيت وعرفت قدماه فيه.
(١) في (م): المسكنة.
(٢) مسلم (١٢١٨).
(٣) من (م).
(٤) ((المفهم)) ٣٢٥/٣.
(٥) ((الحجة للقراء السبعة)) ٢٢٠/٢.
(٦)
((إعراب القرآن))٢٥٩/١.
(٧) كذا في (م)، وفي (ر): اختلفوا في نفس.
(٨) في النسخ: يعرفونه.
(٩) ((الجامع لأحكام القرآن)) ١١٢/٢.
(١٠) (٣٣٦٥).

٥٧٨
قال أنس: رأيت في المقام أثر أصابعه وعقبيه وأخمص قدميه، غير أنه
أذهبه مسح الناس بأيديهم، حكاه القشيري، قال السدي: المقام هو
الذي وضعته زوجة إسماعيل تحت قدم إبراهيم حين غسلت رأسه (١)
فغابت رجله فيه، فجعله الله من الشعائر، وقيل: إنه الذي وقف عليه
إبراهيم فأذن في الناس بالحج، وذكر الأزرقي أنه لما فرغ من التأذين
أمر بالمقام فوضعه قبله فكان يصلي إليه مستقبل الباب، والصحيح أنه
كان في عهد النبي ◌َّ ملصقًا بالبيت، ويدل عليه ما قاله مالك في
((المدونة)): كان (٢) المقام في عهد إبراهيم في مكانه اليوم، وكان أهل
الجاهلية ألصقوه بالبيت خيفة السيل، فكان كذلك في عهد النبي وقل
وعهد أبي بكر، فلما ولي عمر [رده بعد أن](٣) قاس موضعه بخيوط
قديمة(٤) قيس بها كانت محفوظة عند المطلب بن أبي وداعة (٥). وعن
مالك أن الذي حمل عمر على ذلك ما كان النبي يذكره من كراهة
تغيير مراسم إبراهيم العليا، كقوله وَلير لعائشة(٦): ((لولا حدثان قومك
بكفر))(٧)، والمقام اليوم في صندوق من حديد، حوله شباك من حديد
وخلف الشباك المصلى، وعليه عمودان من حجارة (﴿مُصَلَّ﴾).
(١) (الجامع لأحكام القرآن)) ١١٣/٢.
(٢) في (ر): لأن.
(٣) من (م).
(٤) في (م): قدميه.
(٥) ((المدونة)) ٤٥٦/١.
(٦) سقط من (م).
(٧) البخاري (١٥٨٣، ٣٣٦٨)، ومسلم (١٣٣٣).

٥٧٩
= كتاب المناسك
عن ابن عباس: [مدعىّ يدعى عنده أو فيه، وقيل](١): موضع صلاة
يصلى فيه، وقيل: قبلة [يصلي الإمام عندها](٢) (فجعل) بفتح الجيم
والعين (المقام بينه وبين البيت) قال القرطبي: في هذا بيان دال على
أن المقام هو الموضع المعروف هناك الذي يستقبل باب البيت(٣)،
وفيه دليل على أن الصلاة لا تصح فيه إلا إلى الكعبة، فلو صلى فيه
إلى غيرها لم يصح.
(قال) جعفر بن محمد الراوي (وكان أبي) يعني: محمد بن علي بن
حسين (يقول: قال) عبد الله بن محمد بن علي (بن نفيل) النفيلي (وعثمان)
ابن محمد بن إبراهيم بن أبي شيبة الكوفي (فلا أعلمه) أي: أعلم أبي
محمدًا (إلا ذكره (٤) عن النبي ◌َّه) أنه كان يقرأ في الركعتين: ﴿قُلْ هُوَ
اللَّهُ أَحَدُّ﴾ و﴿قُلْ يَأَيُّهَ اُلْكَفِرُونَ﴾ (قال هشام(٥)) بن عمار بن نصير
ابن ميسرة خطيب دمشق (لا أعلمه) أي لا أعلم أبي (إلا كان(٦) رسول
الله ◌َّ يقرأ) لا (٧) عن قراءة جابر في صلاته بل رفعه إلى النبي وَّ.
وقد ذكر البيهقي بإسناد صحيح على شرط مسلم عن جعفر بن
محمد، عن أبيه، عن جابر: أن النبي وَل# طاف بالبيت فرمل من
(١) في (م): فدعا بدعاء عنده وفيه دليل.
(٢) في (م): يقف عندها الإمام.
(٣) ((المفهم)) ٣٢٦/٣.
(٤) في مطبوع أبي داود: ذكره إلا.
(٥) كذا في النسخ: هشام. وفي المطبوع: سليمان.
(٦) في النسخ: قال.
(٧) في (م): إلا.

٥٨٠
الحجر الأسود ثلاثًا ثم صلى ركعتين قرأ فيهما: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾
و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾(١).
(فقرأ في الركعتين) قال القرطبي: هاتان الركعتان هما المسنونتان
للطواف، وهما مؤكدتان يجب بتركهما دم عند مالك(٢) (ب﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ
أَحَدُّ﴾ و﴿قُلْ يَأَيُهَا الْكَفِرُونَ﴾) قال النووي: معناه قرأ في الركعة
الأولى بعد الفاتحة ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾، وفي الثانية بعد الفاتحة:
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ (٣)، ويدل على هذا الترتيب رواية البيهقي
المتقدمة، وقراءة هاتين (٤) السورتين في هاتين الركعتين مستحبة عند
الأربعة، وقال الشافعية: يجهر بالقراءة إن صلاهما ليلًا، ويسر(٥)
نهارًا(٦). وعند الشافعية والحنابلة: إذا صلى فريضة بعد الطواف
أجزأته عن ركعتي الطواف تفريعًا على أنهما سنة كإجزاء الفريضة عن
تحية المسجد(٧)، وفي وجه ثان عندنا أن هاتين الركعتين واجبتان،
وفي قول ثالث: إن كان الطواف واجبًا فواجبتان وإلا فسنتان.
(ثم رجع إلى البيت فاستلم الركن) يعني: الحجر الأسود بعد طوافه
[بالبيت وركعتيه، فيكون آخر عهده بالاستلام كما افتتح الطواف به، قاله
(١) ((السنن الكبرى) ٩١/٥.
(٢) ((المفهم)) ٣٢٦/٣.
(٣) ((شرح النووي)) ١٧٦/٨.
(٤) سقط من (م).
(٥) في (م): يسرهما.
(٦) ((المجموع)) ٨/ ٥٣.
(٧) انظر: ((المجموع)) ٥٢/٨.