Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
- كتاب الصلاة
الوجه الفصل بين الموصوف وصفته بالخبر؛ لأن ذلك جائز حسن تقول :
زيد قائم العاقل.
(القيوم) على وزن فيعول، أصله قيوم اجتمعت الياء والواو وسبقت
إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت فيها الياء، قال قتادة: هو
القائم بتدبير خلقه، وقال الحسن(١): هو القائم على كل نفسٍ بما
كسبت. وقال الزمخشري: الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه (٢).
(وأتوب إليه غفر له) [أي: غفر الله له ذنوبه] (٣).
(وإن كان قد فر من الزحف) أي: فر من الجهاد ولقاء العدو في
الحرب والزحف، الجيش [يزحفون إلى](٤) العدو أي: يمشون،
يقال: زحف إليه زحفًا إذا مشى خلفه.
[١٥١٨] (حدثنا هشام بن عمار(٥)) السلمي المقرئ، خطيب دمشق
وعالمها شيخ البخاري.
(حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الحكم بن مصعب) الدمشقي
صويلح(٦) (حدثنا محمد بن علي بن عبد الله بن عباس) الهاشمي أبو
الخليفتين السفاح والمنصور، [روى عن جده مرسلًا، وعن أبيه](٧)
(١) في (م): الجوهري.
(٢) ((الكشاف)) ٣٠٠/١، ((البحر المحيط)) ٢٨٧/٢.
(٣) سقط من (ر).
في (م): من حصور.
(٤)
(٥)
في (م): عباد.
(٦) ((الكاشف)) للذهبى (١١٩٠).
(٧) من (ر).

٣٢٢
ولد بالحميمة من بلاد البلقاء، والحميمة بضم المهملة مصغر(١) أخرج له
مسلم.
(عن أبيه) علي بن عبد الله بن عباس، ولما أنتقل إلى الشام أعتزل
مدينة أذرح ونزل الحميمة وبنى بها قصرًا، أخرج له مسلم والأربعة
(أنه حدثه عن) أبيه عبد الله (ابن عباس رضي الله عنهما أنه حدثه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من لزم الاستغفار) أي: داوم
عليه وأكثر منه (جعل الله تعالى له من كل ضيقٍ)(٢) أي: من كل ما
يضيق به(٣) صدره من الأمور الشاقة على النفس، ويحتمل أن يراد
بالضيق الهم.
(مخرجًا) يعني: منه (ومن كل همَّ فرجًا) كما يقال: فرج الله غمك
(ورزقه من حيث لا يحتسب) أي: لا يدري، [قال المنذري](٤) في
هذا الحديث: رواه النسائي وابن ماجه والبيهقي(٥) من رواية الحكم(٦)
ابن مصعب(٧). وقال الحاكم: صحيح الإسناد (٨).
[١٥١٩] (حدثنا مسدد، ثنا عبد الوارث. وحدثنا) أيضًا (زياد بن
(١) في (م): به قرأ.
(٢) زاد في (م): مخرجا.
(٣) سقط من (ر).
(٤) سقط من (ر).
(٥) ((السنن الكبرى)) ٤٩٠/٣.
(٦) من (ر).
(٧) ((مختصر سنن أبي داود)) ١٥٢/٢.
(٨) ((مستدرك الحاكم)) ٤/ ٢٦٢.

٣٢٣
- كتاب الصلاة
أيوب) الطوسي شيخ البخاري [في باب: إتيان اليهود النبي (وَ ﴾](١) (ثنا
إسماعيل) ابن علية (المعنى، عن عبد العزيز بن صهيب قال: سأل
قتادة أنسًا: أي) بالرفع مبتدأ (دعوة كان يدعو بها النبي صلى الله عليه
وآله وسلم أكثر. قال) أنس(٢) (كان أكثر دعوة يدعو بها) إنما كان يدعو
بهُذِه دون غيرها؛ لأنها جمعت خير الدنيا والآخرة، وفيه دليل على
عظم فضيلة الدعاء بهذِه الدعوة.
(اللهم(٣) آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة) اختلفوا في تأويل
الحسنتين على أقوال عديدة، فروى علي بن أبي طالب أن الحسنة في
الدنيا هي المرأة الحسناء وفي الآخرة الحور العين، (وقنا عذاب النار)
المرأة السوء(٤).
وقال قتادة: حسنة الدنيا العافية في الصحة وكفاف المال. وقال
الحسن: حسنة الدنيا العلم والعبادة.
قال القرطبي: والذي عليه أكثر أهل العلم أن المراد بالحسنتين
نعيم(٥) الدنيا والآخرة، وهذا هو الصحيح؛ فإن اللفظ يقتضي هذا كله
فإن ((حسنة)) نكرة(٦) في سياق الدعاء(٧) فتعم فهو محتمل لكل حسنة
(١) من (ر).
(٢) سقط من (ر).
(٣) زاد في (ر): ربنا.
(٤) أورده القرطبي في ((الجامع)) ٢/ ٤٣٢. ثم قال: وهذا فيه بُعد ولا يصح عن علي.
(٥) في (م): تعميم.
(٦) ليست في (م).
(٧) في (ر، م): النكرة. والمثبت من ((الجامع لأحكام القرآن)).

٣٢٤
من الحسنات(١).
(وزاد زياد) بن أيوب في روايته فقال: (وكان أنس) بن مالك (إذا أراد
أن يدعو) بفتح الواو (بدعاءٍ) لفظ مسلم: يدعو بدعوة(٢) (دعا بها) قبل
دعوته [(وإذا أراد أن يدعو بدعاء) كبير (دعا بها فيها) يعني: واحدة،
رواية: فيه. الدعاء مذكر وأعاد الضمير مؤنث](٣)؛ لأن الدعاء في
معنى دعوات، وفي رواية مسلم: دعا به فيه فأتى به على الأصل.
[١٥٢٠] (حدثنا أبو خالد الرملي، حدثنا ابن وهب، حدثنا
عبد الرحمن بن شريح) بضم الشين المعجمة، أبو شريح المعافري
الإسكندراني.
[عن أبي أمامة(٤). المحفوظ في هذا الإسناد عن ابن وهب، عن عبد
الرحمن [عن ابن أبي](6) أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه، عن جده،
وكذا ورد في ((موطأ ابن وهب))، وذكره مسلم (٦) والنسائي(٧) من حديث
ابن وهب كذلك](٨).
(عن أبي أمامة) أسعد (بن سهل بن حنيف [عن أبيه) سهل بن
(١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ٢/ ٤٣٢ -٤٣٣.
(٢) ((صحيح مسلم)) (٢٦٩٠).
(٣) من (ر).
(٤) ليست في الأصول الخطية والصواب إثباتها.
(٥) ساقطة من الأصول.
(٦) ((صحيح مسلم)) (١٩٩) (١٥٧).
(٧) ((المجتبى)) ٣٦/٦.
(٨) من (ر).

٣٢٥
= كتاب الصلاة
حنيف](١)
(قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من سأل الله تعالى
الشهادة صادقًا) حال من فاعل سأل، وفي رواية مسلم: ((سأل الله(٢)
الشهادة بصدق))(٣)، والجار والمجرور أيضًا في موضع نصب على
الحال كقوله تعالى: ﴿نزل عليك الكتاب بالحق﴾(٤) أي: محقًّا،
وخرج زيد بسلاحه، أي: متسلحًا، أو المراد بالصدق هنا صدق
العزيمة على الجهاد؛ كقوله في السؤال: [أسأل الله] (6) أن يرزقني
الشهادة وهو عازم بالجزم على إن وقع القتال قاتلت ولم أبال فهُذِه
العزيمة (فلا تقع في نفسه وهي عزيمة صادقة جازمة، وقد يكون في
عزيمة وقوع ميل وتردد وضعف في العزيمة](٦) يضاد الصدق في
العزيمة فكأن الصدق هاهنا عبارة عن التمام والقوة كما يقال: (٧)
لفلان شهوة صادقة، ويقال: هذا المريض شهوته كاذبة فهي (٨) لم تكن
عن سبب ثابت قوي، والصادق هو الذي تصادق عزيمته في الخيرات
كلها قوية تامة ليس فيها ضعف ولا تردد، بل يسخر الشدائد(٩) بالعزم
(١) من (ر).
(٢) من (ر).
(٣) في (م): الصادق.
(٤) آل عمران: ٢.
(٥) في (م): إن شاء الله.
(٦) سقط من (ر).
(٧) زاد في (م): فادن.
(٨) في (م): لهم .
(٩) في (ر): نفسه أبدًا.

٣٢٦
الحازم على الخيرات، ويحتمل أن يراد بالسؤال بالصدق والصدق في
النية وهو أن لا يكون له (١) باعث في حركاته وسكناته في الجهاد إلا
الله تعالى؛ فإن مازجه(٢) شوب من طلب شهوة أو إظهار فروسية أو
غير ذلك من حظوظ النفس بطل صدق النية وصاحبه يجوز أن يسمى
كاذبًا كما في حديث الشهادة(٣)، يقال لمن قال(٤): قاتلت فيك حتى
استشهدت: كذبت، إنما قاتلت لأن يقال هو جريء. فقد قيل، ثم أمر
به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار (٥).
(بلغه الله تعالى منازل الشهداء) الرفيعة في الجنة بنيته الصادقة (وإن
مات) في بيته (على فراشه) وفي لفظ مسلم والحاكم: ((من طلب
الشهادة صادقًا أعطيها ولو لم تصبه)) (٦). وفي الحديث استحباب طلب
الشهادة في سبيل الله، وفيه الحث على الصدق والإخلاص في النية،
وفيه أنه يحصل ثواب الشهادة بالنية الصادقة وإن لم يعمل، وفيه
استحباب النية الصادقة على أفعال الخير كأن يقول: إن رزقني الله
مالًا تصدقت بجميعه أو شطره وإن أعطاني الله مالا (٧) عدلت فيها ولم
أعص الله تعالى بظلم أو ميل إلى الخلق فهذِه العزيمة قد تكون صادقة
(١) سقط من (ر).
(٢) في (م): رماحه.
(٣) في (م): الثلاثة.
(٤) سقط من (ر).
(٥) أخرجه مسلم (١٩٠٥) من حديث أبي هريرة.
(٦) أخرجه مسلم (١٩٠٨) من حديث أنس بن مالك.
(٧) من (ر).

٣٢٧
= كتاب الصلاة
جازمة، وقد يكون فيها ميل وضعف وتردد يضاد الصدق، ويحمل على
هذا السؤال سؤال ثعلبة بن حاطب الأنصاري حين عاهد الله لئن آتاه من
فضله مالاً(١) ليصدقن به(٢) وليكونن من الصالحين بأعمالهم من صلة
الرحم والصدقة(٣) على الفقراء، ولما علم النبي صلى الله عليه وآله
وسلم.
[١٥٢١] (حدثنا مسدد، حدثنا أبو عوانة) الوضاح بن(٤) عبد الله ليس
في الكتب الستة [ممن عرف بكنيته](٥) أبو عوانة غيره.
(عن عثمان بن المغيرة الثقفي) وثقوه (٦) (عن علي بن ربيعة) الوالبي
(الأسدي) الكوفي.
(عن أسماء (٧) بن الحكم الفزاري) وثقه العجلي(٨)، قال الترمذي في
آخر هذا الحديث: لا نعرف لأسماء بن الحكم إلا هذا الحديث(٩).
(قال: سمعت عليًّا ﴾ يقول: كنت رجلاً إذا سمعت من رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم حديثًا (١٠) نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني)
(١) من (ر).
(٢) من (ر).
(٣) في (م): النفقة.
(٤) من (ر).
(٥) من (ر).
(٦) ((تهذيب الكمال)) ٤٩٨/١٩، ٤٩٩.
(٧) في (م): النعمان.
(٨) ((معرفة الثقات)) للعجلي ٢٢٣/١.
(٩) «جامع الترمذي)) ٢٥٩/٢.
(١٠) سقطت من (ر، م)، وأثبتها من متن ((السنن)).

٣٢٨
فيه أنه لا يستطيع أحد من المخلوقين أن ينتفع بشيء من كتاب الله تعالى
ولا سنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم إلا إذا شاء (١) الله تعالى نفعه(٢) ولو
أجتهد في ذلك جد الاجتهاد فالعباد كلهم ملك الله تعالى والمملوك لا
يتصرف في علومه ولا في شيء من علومه إلا بمشيئة الله وإرادته،
ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ: إِلَّا بِمَا شَاءً﴾(٣).
والمراد بالعلم في الآية المعلوم؛ لأن علم الله الذي هو صفة ذاته لا
تنتقص كما جاء في قصة موسى والخضر: ((ما نقص علمي وعلمك من
علم الله إلا كما نقص هذا العصفور)) (٤).
(وإذا حدثني(٥) أحد من أصحابه(٦)) عنه بحديث ([استحلفته) أي:
طلبت](٧) منه أن يحلف لي (٨) يمينًا بالله تعالى أنه حدثه به، وهذا
الاستحلاف ليس هو لتكذيبه ولا شكّا في قوله؛ إذ الصحابة كلهم
عدول مرضيون، وإنما هذا الاستحلاف تأكید لما حدثه به، وليكون
أوقع في قلبه وأبلغ نفعًا (فإذا حلف لي) على ذلك (صدقته) لأنه
(١) في (ر): سأل.
(٢) من (ر).
(٣) البقرة: ٢٥٥.
(٤) أخرجه البخاري (٣٤٠١)، ومسلم (٢٣٨٠) من حديث أبي بن كعب. وفيه: ((فقال
الخضر. ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من البحر)).
وهذا لفظ مسلم.
(٥) في (م): أخذ مني.
(٦) في (م): الصحابة.
(٧) في (م): استحلف أي: طلب.
(٨) في (م): له.

٣٢٩
- كتاب الصلاة
عارف قبل أن يحلف أنه صادق، وهذه(١) صفة من صفات المؤمن وهي
تصديق من حلف له وإن كان يعتقد خلافه، وهذا من حسن الظن
بالمسلم.
(قال: وحدثني أبو بكر) الصديق ظه (وصدق أبو بكر) لأنه الصديق
ولم يستحلفه حياءً من أبي بكر وتعظيمًا لعلوّ شأنه أن يستحلفه على ما
أخبر به، وفيه دليل على تعظيم علي لأبي بكر وتوقيره وتفضيله على
من سواه من الصحابة ﴾.
(قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ما من عبدٍ)
نكرة في معرض النفي فتعم كل من فعل(٢) ما ذكر من المؤمنين إلا أن ذكر
العبد دون غيره مشعر بأن تكون هيئة(٣) المستغفر كما سيأتي التذلل
والتواضع (٤) والخضوع؛ لأن العبد من قولهم: طريق معبد إذا كان
مذللا للسالكين [لكن لفظ الترمذي(٥): ((ما من رجل))](٦) (يذنب ذنبا)
إطلاق الذنب يقتضي شمول الذنوب (٧) الكبائر والصغائر إذا تاب منها
بشروطه، ولفظ الترمذي: ((يذنب ذنباً فيقوم (٨) فيتطهر)) (فيحسن)
(١) في (ر): هي.
(٢) في (ر): بعد.
(٣) في (م): هذا.
(٤) من (ر).
(٥) ((سنن الترمذي)) (٤٠٦).
(٦) من (ر).
(٧) سقط من (ر).
(٨) لفظ الترمذي: ثم يقوم.

٣٣٠
بالرفع (الطهور) بضم الطاء أسم لفعل التطهر وأما (١) بالفتح (٢) اسم لما
يتطهر به، هذا هو الذي عليه الأكثر، والمراد بإحسان الطهور أن يأتي
بسننه وآدابه وما به كماله، وقد يؤخذ من قوله بعد التطهر (٣): (فيقوم)
أن الأفضل في التطهر [الذي هو] (٤) الوضوء أو التيمم الذي بدله
الجلوس (ثم يقوم فيصلي ركعتين).
وذكر جماعة من أصحابنا [هاتين الركعتين](٥) في الصلوات
المستحبات المخصوصات وسموها صلاة التوبة، وقد خص البيهقي
في روايته هذا الحديث بأن تكون هُذِه الصلاة في الصحراء، فإنه روى
عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما أذنب
عبد ذنبًا فتوضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى برازِ من الأرض فصلى فيه
ركعتين واستغفر الله تعالى من ذلك الذنب إلا غفر الله له(٦) ذلك
الذنب)). ورواه مرسلًا، قال في ((النهاية)): البراز بالفتح اسم للفضاء
(٧)
الواسع (٧).
(ثم يستغفر الله) تعالى، زاد البيهقي (٨) وأحمد(٩): ((من ذلك الذنب))
(١) في (م): في إنما.
(٢) زاد في (م): هو.
(٣) في (م): الطهر.
(٤) في (م): وهذا.
(٥) سقط من (ر).
(٦) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٠٨١) من حديث الحسن مرسلًا.
(٧) ((النهاية)) (برز).
(٨) ((شعب الإيمان)) (٧٠٧٩).
(٩) ((المسند)) ٨/١.

٣٣١
- كتاب الصلاة
(إلا غفر الله تعالى له) وفي الحديث دليل على استحباب هذه الصلاة لمن
وقع في ذنبٍ واستعظمه(١)، وعلى فضيلة الوضوء وإحسانه والصلاة(٢)
والاستغفار، وفيه تفسير للآية الآتية ([ثم قرأ هذِه الآية])(٣) وهي ﴿وَلَوْ
أَنَّهُمْ إِذ﴾ (٤) ظرف للزمن الماضي، أي: حين ﴿ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾
بارتكاب المعاصي والذنوب، وسياق الحديث يدل على أن هذه الآية
عامة في كل من أذنب ذنبا سواء كان منافقًا أو غيره، وأكثر المفسرين
يخصونها بالمنافقين، وهو ما دل عليه سياق الآية.
والصحيح أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب هنا
(﴿﴿وَالَّذِينَ﴾) عطف على الذين في قوله ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا اُلسَّمَوَاتُ
الَّذِينَ﴾(٥)، [والتقدير أعدت للمتقين
١٣٣
وَاُلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ
والتائبين](٦) وظاهر هذا الحديث يدل على أن هذا الحديث سبب
لنزول هذِه الآية وهو ظاهر (﴿إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً﴾) الفاحشة(٧) تطلق
على كل معصية، وقد كثر (٨) اختصاصها بالنساء(٩) بالزنا ﴿أو﴾ بمعنى
الواو [التي هي للجمع](١٠) وهو قول الكوفيين والأخفش والجرمي،
(١) في (ر): واستعمله.
(٢) ، (٣) سقط من (ر).
(٤) النساء: ٦٤.
(٥) آل عمران: ١٣٣-١٣٤.
(٦) من (ر).
(٧) من (ر).
(٨) في (م): أكثر.
(٩) سقط من (ر).
(١٠) من (ر).

٣٣٢
واحتجوا بقول توبة :
وقد زعمت ليلى بأني فاجر
لنفسي تقاها أو عليها فجورها(١)
(﴿ظَلَمُوا أَنفُسَهمْ﴾) بارتكاب أي ذنبٍ كان مما يؤاخذون به، وقيل:
الفاحشة: الزنا، وظلم النفس: ما دونه من القبلة واللمسة ونحوهما،
وقيل: الفاحشة: الكبيرة، وظلم النفس: الصغيرة.
(إلى آخر الآية) وفي ((مسند أحمد)): وقرأ هاتين الآيتين: ﴿ومن
يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله﴾(٢) ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً
أَوْ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ﴾(٣). [في الحديث تفسير الآية](٤).
[١٥٢٢] (حدثنا عبيد) الله (بن عمر بن ميسرة) القواريري(٥) الحافظ
روى مائة ألف حديث (حدثنا عبد الله بن يزيد) أبو عبد الرحمن (المقرئ)
حافظ مكة.
(حدثنا حيوة بن شريح قال: حدثني عقبة بن مسلم) التجيبي إمام جامع
مصر وشيخهم ثقة.
(حدثني أبو عبد الرحمن) عبد الله بن يزيد(٦) (الحبلي) بضم الحاء
المهملة و(٧) الباء الموحدة، وتشديد اللام، قال ابن السمعاني: هو
(١) انظر: ((مغني اللبيب)) ٨٨/١- ٨٩.
(٢) النساء: ١١٠.
(٣) آل عمران: ١٣٥.
(٤) من (ر).
(٦) في (ر): زید.
(٧) زاد في (ر): فتح.
(٥) سقط من (ر).

٣٣٣
- كتاب الصلاة
من بني الحبلي حي من الأنصار من اليمن(١).
أورد ذلك ابن الأثير في ((مختصره)) وقال: إنما هو منسوب إلى بطن
من المعافر، وهو (٢) أيضًا من اليمن(٣). وأبو عبد الرحمن هذا من كبار
تابعي أهل مصر (عن) أبي عبد الله (٤) عبد الرحمن بن عسيلة (الصنابحي)
بضم الصاد المهملة، وتخفيف النون منسوب إلى صنابح ابن زاهر بن
عامر، قال الكلبي: يقال: إنه بطن(٥).
قال ابن دريد: اشتقاقه به إن كانت [النون زائدة](٦) من الصبح وهو
الصحيح. وهو تابعي [جليل قدم المدينة من اليمن بعد وفاة رسول الله
بخمسة أيام وشهد](٧) مصر.
(عن معاذ بن جبل علي: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذ
بيده) فيه أخذ الكبير بيد الصغير تأنيسًا له وتلطفًا به، ويكون كلامه أوقع
في نفس السامع.
(وقال: يا معاذ، والله إني لأحبك) فيه الحلف بالله من غير مستحلف
تقوية للكلام.
(والله إني لأحبك) فيه دليل على استحباب [إعلام من يحبه بأنه يحبه؛
(١) ((الأنساب)) ١٦٩/٢.
(٢) في (ر): ذلك.
(٣) ((النهاية)) (عفر).
(٤) سقط من (ر).
(٥) في (ر): طيء.
(٦) في (م): أمده من.
(٧) من (ر).

٣٣٤
لأنه إذا أعلمه بذلك كان سببًا لمحبته أيضًا لمن يحبه إن لم يكن يحبه،
وإن](١) كان يحبه فيزداد حبه(٢) له بالطبع لا محالة، فلا يزال الحب
متزايدًا بين المحبين وذلك(٣) مطلوب بالشرع، ورواه ابن السني(2)
وابن حبان(٥) بزيادة لفظ: لقيني النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأخذ
بيدي وقال: ((يا معاذ إني أحبك في الله)) قال معاذ: قلت: وأنا أحبك
والله يا رسول الله، أحبك في الله.
وروى النسائي وابن حبان في ((صحيحه))، واللفظ للنسائي عن أنس
، قال: كنت جالسًا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال رجل
من القوم: يا نبي الله، والله إني لأحب هذا الرجل، فقال: ((هل أعلمته
ذلك؟)) قال: لا. قال: ((قم فأعلمه)). [فقام فأعلمه] (٦) فقام إليه فقال: يا
هذا والله إني لأحبك. قال: أحبك الله الذي أحببتني له(٧).
وقال رجل لمحمد بن واسع: إني أحبك، فقال: أحبك الله الذي
أحببتني له، ثم حوَّل وجهه وقال: اللهم إني أعوذ بك أن أحب فيك
وأنت لي مبغض.
(١) من (ر).
(٢) في (ر): محبة.
(٣) في (م): ذكر.
(٤) ((عمل اليوم والليلة)) (١٩٩).
(٥) ((صحيح ابن حبان)) (٢٠٢٠، ٢٠٢١) وليس فيه الزيادة المذكورة وإنما هي عند
أحمد ٢٤٧/٥، وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (١٨٣١).
(٦) سقط من (ر).
(٧) أخرجه النسائي في ((السنن الكبرى)) (١٠٠١٠)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٥٧١).

٣٣٥
- كتاب الصلاة
(فقال: أوصيك(١) يا معاذ لا تدعن (٢) في دبر كل صلاة تقول: اللهم
أعني على ذكرك) فيه استحباب هذا الذكر بعد السلام من الصلاة، أي:
صلاة كانت فريضة أو نافلة وإن كانت الفريضة آكد (و) على (شكرك)
أي: على(٣) كمال شكرك؛ إذ لا يتمكن منه إلا بتوفيق الله وإعانته
وشرح صدره [وتنوير بصيرته] (٤) بحيث يطلعه الله تعالى من(٥) كل
شيء على حكمته وسر الله المخبون(٦) في خليقته، فمن لم ينكشف له
ذلك لم يفهم حقيقة الشكر، فعليه(٧) باتباع السنة وحدود (٨) الشرع
فتحها [الله. إن](٩) الشكر وهو يحتاج إلى علم وعملٍ، والعلم أن يعلم
أن النعم كلها من الله تعالى المنفرد بجميعها والوسائط مسخرون
مقهورون، والعمل أن يستعمل نعم الله تعالى في محابه لا في معاصيه
فالعين(١٠) مثلًا نعمة فشكرها أن يستعملها في مطالعة كتاب الله تعالى
وكتب العلم، ومطالعة السماوات والأرض ليعتبر بها ويعظم خالقها،
وأن يغض بصره عن كل عورة يراها من المسلمين، وكذا الأذن
(١) من (ر).
(٢) في (ر): تدع.
(٣) من (ر).
(٤) سقط من (ر).
(٥) في (ر): على.
(٦) الخبن: التقليص. والمقصود بالمخبون: أي المطوي: بحيث لا يُرى.
(٧) في (ر): فعليك.
(٨) في (ر): قد رد.
(٩) في (ر): أسرار.
(١٠) من (ر).

٣٣٦
يستعملها في سماع الذكر وما ينفعه في الآخرة، ويعرض عن الإصغاء بها
إلى الفضول، وكذا اللسان في ذكر الله وشكره دون الشكوى، فمن
سئل(١) فشكا فهو عاصٍ بلسانه؛ لأنه شكا ملك الملوك(٢) إلى عبد
ذليل لا يقدر على شيء إلا بإرادة الله تعالى وعلى هذا يحتاج في
الشكر (٣) إلى سؤال الإعانة من الله تعالى وإلا فلا.
(وحسن عبادتك) وهو أن يحافظ على سنن(٤) العبادة الظاهرة
وأذكارها وتسبيحاتها حتى يأتي فيها بجميع السنن والآداب والهيئات،
فَهُذِه الأشياء مع الإخلاص والصدق في العبادة لا تحصل إلا بمعونة
الله تعالى (وأوصى) بها(٥) (معاذ) بن جبل إلى [أبي عبد الله](٦)
عبد الرحمن (الصنابحي، وأوصى) بذلك (الصنابحيُّ أبا عبد الرحمن)
الحبلي [وأوصى بذلك الحبلي عقبة بن مسلم، وأوصى عقبة حيوة بن
شريح، وهلم جرا، والصنابحي منسوب إلى صنابح بن زاهر بطن من
مراد وهو تابعي روى عن أبي بكر وعمر بن الخطاب وغيرهما، فأما
الصنابح بن الأعسر فهو أحمسي له صحبة معدود في أهل الكوفة وهو
أسم له لا نسب](٧).
(١) في (ر): سأل.
(٢) من (ر).
(٣) في (م): الشكوى.
(٤) في (م): ستر.
(٥) من (ر).
(٦) سقط من (ر).
(٧) من (ر).

٣٣٧
- كتاب الصلاة
[١٥٢٣] (حدثنا محمد بن سلمة) بفتح السین واللام (المرادي، حدثنا
ابن وهب، عن الليث بن سعد أن حنين) بضم الحاء المهملة وفتح النون
الأولى (بن أبي حكيم) قال الذهبي: والمحفوظ أنه عبد الله بن حنین،
ورواية النسائي: حنين بن أبي حكيم كالمصنف (حدثه عن علي بن
رباح) بن قصير (اللخمي) أخرج له مسلم والأربعة.
(عن عقبة بن عامر # قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم: أن أقرأ بالمعوذات) بكسر الواو، ورواية النسائي: أن أقرأ
المعوذات بحذف الباء (دبر) بضم الدال والباء الصلوات المكتوبات
الخمس.
فيه استحباب قراءتهما بعد التسليم من (كل صلاة) مكتوبة؛ لأنهما
هنا (١) لم يتعوذ متعوذ (٢) بمثلهما، فإذا تعوذ المصلي بهما خلف صلاة
كان في حراستهما بالله تعالى إلى أن تأتي صلاة أخرى.
[١٥٢٤] (حدثنا أحمد)(٣) بن عبد الله (بن علي بن سويد) بن منجوف
(السدوسي) بفتح السين وضم الدال نسبةً إلى سدوس بن شيبان بن ذهل
شيخ البخاري وغيره.
(حدثنا أبو داود) سليمان بن داود الطيالسي(٤) (عن إسرائيل) بن يونس
(عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله(٥) السبيعي، (عن عمرو بن ميمون،
(١) سقط من (ر).
(٢) سقط من (ر).
(٣) زاد في (م): بن علي.
(٤) («المسند» (٣٢٥).
(٥) في (ر): عبيد الله.

٣٣٨
عن عبد الله) بن عمر (١) وابن مسعود ﴾ (أن رسول الله وَله كان يعجبه أن
يدعو) بفتح الواو دون ألف بعد الواو، وإنما ذكرته لأني رأيته في بعض
النسخ المعتمدة، فلا يعتبر(٢) به فإنه سبق قلم.
الله تعالى (ثلاثًا) وهذا من آداب الدعاء أن يلح في الدعاء ويكرره
ثلاثًا فأكثر، ومن استعماله في الدعاء ما رواه البخاري عن أبي الدرداء
أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لأبي بكر: ((يغفر الله لك»
ثلاثًا(٣). ولمسلم: لما دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على سعد
يعوده بمكة(٤) قال: ((اللهم(٥) اشف سعدًا)) ثلاث مرات(٦). ومن الزيادة
على الثلاث الحديث المتفق عليه (٧) أن جرير بن عبد الله لما كسر ذا
الخلصة التي كان يقال لها: الكعبة اليمانية. فبرَّك النبي صلى الله عليه
وآله وسلم على [خيل أحمس](٨) ورجالها خمس مرات(٩). وروى
الترمذي وابن حبان عن جابر قال: أستغفر لي رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم ليلة البعير خمسًا وعشرين مرة(١٠).
(١) كذا في (ر، م)، والمحفوظ عن عبد الله بن مسعود فقط.
(٢) في (م): يغتر.
(٣) ((صحيح البخاري)) (٣٦٦١).
(٤) سقط من (ر).
(٥) سقط من (ر).
(٦) (صحيح مسلم)) (١٦٢٨) (٨).
(٧) في (م): على.
(٨) في (ر): حقل خمس.
(٩) ((صحيح البخاري)) (٣٠٢٠)، ((صحيح مسلم)) (٢٤٧٦).
(١٠) ((سنن الترمذي)) (٣٨٥٢)، ((صحيح ابن حبان)) (٧١٤٢).

٣٣٩
- كتاب الصلاة
فيحمل قوله (ويستغفر) الله (ثلاثًا) على أنه أقل العدد. وللبخاري في
كتاب العلم عن أنس # عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان إذا
تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا حتى تُفهم عنه، وإذا أتى على قومٍ [فسلم
عليهم، سلم](١) عليهم ثلاثًا(٢).
[١٥٢٥] (حدثنا مسدد، حدثنا عبد الله بن داود الخريبي(٣) عن
عبد العزيز بن عمر) بن عبد العزيز (عن هلال) مولى عمر (عن عمر بن
عبد العزيز، عن) عبد الله (ابن جعفر) بن أبي طالب بن عبد المطلب
الهاشمي.
(عن) أمه (أسماء بنت عميس) بن (٤) معد أخت ميمونة زوج النبي
صلى الله عليه وآله وسلم من المهاجرات إلى أرض الحبشة مع زوجها
جعفر بن أبي طالب فولدت له هنالك عبد الله هذا ومحمدًا وعونًا، ثم
هاجرت إلى المدينة، فلما قتل جعفر تزوجها أبو بكر الصديق فولدت
له محمدًا ثم مات عنها وتزوجها علي څ، فولدت له یحیی.
قالت: (قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ألا أعلمك
كلمات تقولهن عند الكرب أو في الكرب) بفتح الكاف وهو الذي يشق
على الآدمي وأصله الغم الذي يأخذ النفس(6): (الله الله) بالرفع فيها
(١) في (ر): يسلم.
(٢) ((صحيح البخاري)) (٩٥).
(٣) من (ر).
(٤) في (م): عن.
(٥) في (ر): باليقين.

٣٤٠
للتأكيد (ربي لا أشرك به) أي: بعبادته (شيئًا)(١) يحتمل أن يراد: ولا
أشرك بسؤاله أحدا غيره(٢) كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَدْعُواْ رَبِّ وَلَا أُشْرِكُ بِهَ
أَحَدًا﴾ (٣)، وهذا الحديث من أدعية الكرب، فينبغي الاعتناء به(٤)
والإكثار منه عند الكرب والأمور العظيمة، وينبغي أن يضاف إليه
الحديث [الذي ذكره البخاري في التوحيد، ومسلم في الدعاء عن ابن
عباس رضي الله عنهما: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول عند
الكرب: ((لا إله إلا الله العظيم الحليم](٥)، لا إله إلا الله رب العرش
العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش
الكريم))(٦)(٧) وينبغي إذا أتى بذكر حديث الباب يكرره ثلاث مرات؛
لأن الطبراني أخرجه في(٨) ((كتاب الدعاء)) بلفظ: فليقل: ((الله ربي
ولا أشرك به شيئًا))، وزاد: وكان ذلك آخر كلام عمر بن عبد العزيز
عند الموت(٩).
(قال المصنف: هذا (١٠) هلال مولى عمر بن عبد العزيز وابن (١١)
(١) زاد في (ر): أخرجه النسائي مسندًا ومرسلًا، عن عمر بن عبد العزيز وعبد الله.
(٢) من (ر).
(٣) الجن: ٢٠.
(٤) ، (٥) سقط من (ر).
(٦) ((صحيح البخاري)) (٦٣٤٦)، و((صحيح مسلم)) (٢٧٣٠).
(٧) زاد في (ر): متفق عليه.
(٨) في (م): من.
(٩) ((الدعاء)) (١٠٢٥).
(١٠) سقط من (ر).
(١١) في (م): أبي.