Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
- كتاب الصلاة
هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((صَلاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلاتِهِ فِي
بَيْتِهِ وَصَلاتِهِ فِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً وَذَلِكَ بِأَنَّ أَحَدَكُمْ إِذا تَوَضَّأَ
فَأَحْسَنَ الوضُوءَ وَأَتَى المَسْجِدَ لا يُرِيدُ إِلَّ الصَّلاةَ وَلا يَنْهَزُهُ إِلَّ الصَّلاةُ لَمْ
يَخْطُ خَطْوَةً إِلاَّ رُفِعَ لَهُ بِها دَرَجَةٌ وَحُطَّ عَنْهُ بِها خَطِيئَةٌ حَتَّى يَدْخُلَ المَسْجِدَ فَإِذا
دَخَلَ المَسْجِدَ كَانَ فِي صَلاةٍ ما كانَتِ الصَّلاةُ هِيَ تَحْبِسُهُ والمَلائِكَةُ يُصَلُّونَ
عَلَى أَحَدِكُمْ ما دامَ فِي مَجْلِسِهِ الذِي صَلَّى فِيهِ يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ
ارْحَمْهُ اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ ما لَمْ يُؤْذِ فِيهِ أَوْ يُحْدِثْ فِيهِ))(١).
٥٦٠- حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا أَبُو مُعاوِيَةَ، عَنْ هِلالِ بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ
عَطاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ: («الصَّلاةُ فِي جَماعَةٍ
تَعْدِلُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ صَلاةَ فَإِذا صَلاَّهَا فِي فَلَاةٍ فَأَتَمَّ رُكُوعَها وَسُجُودَها بَلَغَتْ
خَمْسِينَ صَلاةٌ)). قالَ أَبُو داودَ: قَالَ عَبْدُ الواحِدِ بْنُ زِيادٍ فِي الحَدِيثِ: ((صَلاةُ الرَّجُلِ
فِ الفَلاةِ تُضاعَفُ عَلَى صَلاتِهِ فِي الجَماعَةِ)). وَساقَ الحَدِيثَ(٢).
باب فَضْلِ المَشْي إِلَ الصَّلاةِ
[٥٥٦] (ثَنَا مُسَذَّدٌ) قال: (ثَنَا يَخْيَى) القطان (عَنِ) محمد بن
عبد الرحمن (ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِهْرَانَ) بكسر الميم
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدٍ) الأعرج أبي حميد المقعد، أخرج له مسلم
في سجود التلاوة.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَلَ [قَالَ: الأَبْعَدُ فَالأَبْعَدُ) داره (مِنَ
المَسْجِدِ) التي تقام فيه الجماعة (أَعْظَمُ أَجْرًا) من البعد لما يحصل في
(١) رواه البخاري (٤٧٧، ٦٤٧، ٢١١٩)، ومسلم (٢٧٢/٦٤٩).
(٢) رواه البخاري (٦٤٦) مختصرا.

٥٦٢
البعد عن المسجد من كثرة الخُطَى، وفي كل خطوة عشر حسنات، كما
رواه أحمد من رواية عقبة بن عامر (١)، لكن بشرط أن يكون متطهرًا.
[٥٥٧] (ثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مُحَمَّدِ النُّفَيْلِيُّ) قال (ثَنَا زُهَيْرٌ) بن معاوية
الجعفي، قال (ثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، أَنَّ أَبَا عُثْمَانَ النهدي(٢) حَدَّثَهُ عَنْ أُبَيِّ
ابْنِ كَعْبٍ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ) من الأنصار كما في مسلم(٣) ([لا أَعْلَمُ
أَحَدًا مِنَ النَّاسِ](٤) مِمَّنْ يُصَلِّي) إلى (الْقِبْلَةَ) أي من المسلمين (مِنْ أَهْلِ
المَدِينَةِ أَبْعَدَ مَنْزِلاً مِنَ المَسْجِدِ مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ) الأنصاري (وَكَانَ لا
تُخْطِئُهُ) بضم أوله وكسر ثالثه، أي: لا يفوته (صَلاةٌ) ولا يتركها، من
قولهم: أخطأ السهم الرمية إذا حاد عنه وتجاوز عنه فلم يصبه (فِي
المَسْجِدِ) مع رسول الله وَله.
(فقلت(٥) له: لَوِ أَشْتَرَيْتَ حِمَارًا تَرْكَبُهُ فِي الرَّمْضَاءِ؟!) وهي الحجارة
الحامية من حر الشمس، وكذا التراب والرمل (وَالظُّلْمَةِ) في الليل (فَقَالَ:
مَا أُحِبُّ أَنَّ مَنْزِلِي إِلَى جَنْبِ المَسْجِدِ) رواية مسلم: لو أنك اشتريت حمارًا
يقيك من هوام الأرض؟! فقال: أما والله ما أحب بيتي (٦) مطنب ببيت
(١) ((مسند أحمد)) ١٥٧/٤، وصححه ابن حبان (٢٠٤٥)، وصححه الألباني في
((صحيح الترغيب والترهيب)) (٢٩٨).
(٢) من (م).
(٣) ((صحيح مسلم)) (٦٦٣).
(٤) جاء ما بين القوسين في (م) قبل قوله: من صلى العشاء والفجر في جماعة. مع تقديم
وتكرار.
(٥) في (ص): فقال.
(٦) في (س، م): شيء.

٥٦٣
- كتاب الصلاة
محمد ◌َا﴾ (١). ومطنب بضم الميم وتشديد النون المفتوحة، أي: ما أحبه
أنه مشدود بالأطناب، وهي الحبال إلى بيت النَّبِي ◌َّةِ، بل أحب أن يكون
بعيدًا ليكثر ثوابي وخطاي إليه.
(فَنمى الحَدِيثُ) بفتح النون والميم المخففة(٢) (إِلَى رَسُولِ اللهِ،وَليه)
النامي للحديث هو أبي بن كعب راوي الحديث؛ لأن في مسلم قال:
فحملت حملًا حتى أتيت رسول الله ﴿ ﴿ فأخبرته قال: فدعاه(٣) (فَسَأَلَهُ
عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: أَرَدْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ يُكْتَبَ لِي إِقْبَالِي) في المشي
(إِلَى المَسْجِدِ وَرُجُوعِي) منه (إِلَى أَهْلِي إِذَا رَجَعْتُ. فَقَالَ: أَعْطَاكَ الله)
تعالى (ذَلِكَ كُلَّهُ) أكده بكله ليدل على أنه يكتب له أجر الذهاب
والإياب، لدفع توهم أن يحصل له أجر الإقبال فقط، لكن لا يلزم من
ذلك أن يكون أجر الرجوع كأجر الإقبال.
(أَنْطَاكَ الله) الإنطاء هو الإعطاء بلغة أهل اليمن، وقرئ في الشواذ
﴿إِنا أنطيناك الكوثر﴾ رواها الهذلي عن الحسن البصري(٤) (مَا أَحْتَسَبْتَ)
أي: أدخرته عند الله لا يرجو له ثوابًا في الدنيا (كُلَّهُ أَجْمَعَ) تأكيد بعد
تأكيد للمبالغة في حصول ذلك كله.
[٥٥٨] (ثَنَا أَبُو تَوْبَةَ) بالمثناة أوله المفتوحة والموحدة بعد الواو (٥)،
(١) ((صحيح مسلم)) (٦٦٣).
(٢) في (م): الخفيفة.
(٣) ((صحيح مسلم)) (٦٦٣).
(٤) ((الجامع لأحكام القرآن)) ٢١٦/٢٠.
(٥) في (م): الراء و.

٥٦٤
الربيع بن نافع، روى له الشيخان بواسطة عن معاوية بن سلام، وهو آخر
من روى عنه، وعاش نيفًا وتسعين سنة.
قال: (ثَنَا الھَیْثَمُ بْنُ حُمَیْدٍ) الغساني مولا هم الدمشقي، قال أبو داود:
قدري ثقة(١).
(عَنْ يَحْيَى بْنِ الحَارِثِ) الذماري(٢) أبي عمرو إمام جامع دمشق، قرأ
القرآن على عبد الله بن عامر، وثقه دحيم وابن معين(٣) وأبي حاتم (٤).
(عَنِ القَاسِم بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الشامي، أدرك أربعين من المهاجرين،
وقيل: أربعين بدريًّا.
(عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: (مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ مُتَطَّهْرًا إِلَى
صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ) من الخمس، ويحتمل أن يكون في معناه من خرج إلى
المصلى بجنازة(٥) (فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الحَاجِّ المُخرِم) الحاج لا يكون إلا
محرمًا، ولعل المراد كأجر الحاج إذا أحرم من دويرة أهله (وَمَنْ خَرَجَ
إِلَى تَسْبِيح) أي: صلاة (الضُّحَى) سميت الصلاة سبحة(٦) لما فيها من
تسبيح الله تعالى وتنزيهه، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ
الْمُسَبِّحِينٌ﴾(٧) أي من (٨) المصلين، وفيه دلالة على أن صلاة الضحى
(١) انظر: ((تهذيب الكمال)) ٣٧٢/٣٠.
(٢) في (ص): الدناري.
(٣) ((تهذيب الكمال)) ٢٥٨/٣١.
(٤)
((الجرح والتعديل)) (٥٧٥).
(٥) من (م). وفي بقية النسخ: إلى الجنازة.
(٦) في (م): تسبيحة. وفي (س): مسبحة.
(٧) الصافات: ١٤٣.
(٨) سقط من (س، ل، م).

٥٦٥
= كتاب الصلاة
في المسجد أفضل، ويحتمل أن يراد به أحد المساجد الثلاثة، ويدل على
عموم المساجد رواية الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو: بعث رسول الله
وَله سرية فغنموا وأسرعوا الرجعة، فتحدث الناس بقرب مغزاهم وسرعة
رجعتهم وكثرة غنيمتهم، فقال رسول الله صلى: ((من توضأ ثم غدا إلى
المسجد لسبحة الضحى فهو أقرب منهم مغزى، وأكثر غنيمة، وأوشك
رجعة))(١) ويحتمل أن يراد بتسبيح الضحى [صلاة الضحى] (٢) في يوم
الجمعة دون غيره الأدلة وردت به(٣) (٤).
(لا يُنْصِبُهُ) بضم أوله وكسر ثالثه، أي: لا يزعجه ويخرجه، ويجوز
فتحها (إِلاَّ إِيَّاهُ(٥)) أي: تسبيح الضحى، وأصله من التعب، يقال: أنصَبَهُ
ينْصِبُه (٦)، قال ابن دريد: يقال: أنصبه (٧) المرض ونصبه، وأنصبه
أعلا(٨)، قال صاحب ((الأفعال)): هو تغير الحال من مرض أو
نَصِب(٩) ينصب بالكسر أعيا من التعب(١٠).
(١) أخرجه أحمد ٢/ ١٧٥، وصححه الألباني في ((صحيح الترغيب والترهيب)) (٦٦٨).
(٢) في الأصول: الصلاة الأضحى.
(٣) من ذلك ما رواه أبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) ١/ ٢٤٩ من حديث ابن عباس عن فضل
من صلى الضحى يوم الجمعة. قال الشوكاني في ((الفوائد)) ص٣٦: حديث طويل
موضوع وفي إسناده مجاهيل. وقال الألباني في ((الضعيفة)) (٥٧٠٠): موضوع.
(٤) سقط من (م).
(٥) في (ص): أتاه.
(٦) من (م). وفي بقية النسخ: ينصب.
(٧) في (م): أنصب.
(٨) ((جمهرة اللغة)) لابن دريد (ب-ص-ن).
(٩) من (م)، وفي باقي النسخ: تعب.
(١٠) ((كتاب الأفعال)) ٢٣٤/٣، ونصه مختلف قليلًا.

٥٦٦
(فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ المُعْتَمِرِ) فيه أن أجر التطوعات المؤكدة دون أجر
الفرائض، فإنه جعل في الحديث الذاهب إلى المكتوبة كالحاج،
والذاهب إلى المؤكدة كالمعتمر، وروى الطبراني في ((الكبير)) عن أبي
أمامة، قال رسول الله وَّل: ((الغدو والرواح إلى المسجد من الجهاد في
سبيل الله))(١). لكن في سنده أيضًا القاسم بن عبد الرحمن(٢).
(وَصَلاةٌ عَلَى أَثَرِ) بفتح الهمزة والثاء (٣)، وكسر الهمزة وسكون الثاء
لغتان (صَلاةٍ لا لَغْوَ) اللغو(٤) هو الهَذَر من الكلام وأخلاطه (بَيْنَهُمَا كِتَابٌ)
أي: مكتوب (فِي عِلَّيِّينَ) تصعد به الملائكة المقربون إلى عليين لكرامة
المؤمن وعمله الصالح كما قال تعالى: ﴿إِنَّ كِتَبَ الْأَبْرَارِ لَفِى
عِلَّتِينَ﴾(٥) وورد في حديث البراء: أن عليين في السماء السابعة (٦)
تحت العرش، وقيل: هو أعلى مكان في الجنة، والمراد بالصلاة على
أثر الصلاة، أي: صلاة تتبع صلاة وتتصل بها، ويدخل فيه الصلوات
في الليل والنهار، ونفل بعد فرض وعكسه.
[٥٥٩] (ثَنَا مُسَدَّدٌ) قال: (ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم، بالخاء
(١) ((المعجم الكبير)) (٧٧٣٩)، وفيه القاسم أبو عبد الرحمن الشامي له غرائب كثيرة،
وقد أخرج أحمد هذا الحديث ملصقًا بحديثنا هذا ٢٦٨/٥ فقال: وقال أبو أمامة:
الغدو والرواح إلى هذه المساجد من الجهاد في سبيل الله. ا هــ موقوفًا. وهذا
الحديث الذي رواه الطبراني قال الألباني في ((الضعيفة)) (٢٠٠٧): موضوع.
(٢) انظر التعليق السابق.
(٣) في (س): الفاء.
(٤) في (س): اللهو.
(٥) المطففين: ١٨.
(٦) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٣٩٥).

٥٦٧
= كتاب الصلاة
والزاي المعجمتين، الضرير (عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ: صَلاةُ الرَّجُلِ) لا شك أن المرأة هنا
كالرجل، وإنما هو على جهة التمثيل كما في: ((من أعتق شركًا له في
عبد))(١) فالجارية مثل العبد، ونحوه ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوج﴾(٢) وأشباهه، فإن
المراد الرجال والنساء، وإن كان القوم خاصًا بالرجال. قال
الماوردي: وهل يكون جماعة النساء في الفضل والاستحباب كجماعة
الرجال؟ وجهان: أظهرهما أن جماعة الرجال أفضل من جماعتهن؛
لقوله تعالى: ﴿وَلِلِرِّجَالِ عَلَّهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (٣))(٤).
(فِي جَمَاعَةٍ) وأقل الجماعة أثنان إمام ومأموم (تضعف عَلَى صَلاتِهِ فِي
بَيْتِهِ، وَصَلاتِهِ فِي سُوقِهِ) أي: تزيد على من صلى في البيت أو في السوق
منفردًا، هذا هو الصواب. قال النووي: وما سواه باطل(٥). أي: كما نقل
ابن التين في ((شرح البخاري)): أنه لو صلى في سوقه جماعة كان كالمنفرد
أخذًا بظاهر الحديث؛ لأن السوق مأوى الشياطين.
(خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) في الجنة، زاد ابن حبان من وجه آخر عن أبي
سعيد: ((فإن صلاها في فلاة فأتم ركوعها وسجودها بلغت خمسين
(١) تمامه: ((فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة العدل فأعطي شركاءه حصصهم
وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق)». اهـ
وهو حديث صحيح أخرجه مسلم (١٥٠١)، وأبو داود (٣٤٩٠)، وسيأتي مع
شرحه إن شاء الله تعالى.
(٢) الشعراء: ١٠٥.
(٣) البقرة: ٢٢٨.
(٤) ((الحاوي الكبير)) ٣٥٦/٢-٣٥٧.
(٥) ((شرح النووي على مسلم)) ١٦٥/٥.

٥٦٨
صلاة))(١). وكأنَّ السر في ذلك أن الجماعة لا تتأكد في حق المسافر
لوجود مشقة السفر، وقد جاء عن بعض الصحابة قَصْر (٢) التضعيف
إلى خمس وعشرين على التجميع في المسجد الجامع، مع تقرير
التفضل(٣) في غيره، فروى سعيد بن منصور بإسناد حسن، عن أوس
المعافري (٤) أنه قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: أرأيت من توضأ
فأحسن الوضوء ثم صلى في بيته؟ قال: حسن جميل. قال(٥): فإن
صلى في مسجد عشيرته؟ قال: خمس عشرة صلاة. قال: فإن مشى
إلى مسجد جماعة فصلى فيه؟ قال: خمس وعشرون(٦). واعلم أن
رواية الصحيحين: ((تضعف على صلاته)). قال البرماوي: يحتمل أن
تضعف الصلاة فتصير ثنتين، ثم تضعف الأثنان أربعة، ثم الأربعة
ثمانية، ثم الثمانية ستة عشر، وهكذا إلى أن تنتهي إلى خمسة وعشرين
ضعفًا، وذلك شيء كثير من فضل الله. قال: وحمله على هذا أجود.
(وَذَلِكَ بِأَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَوَضَّأ) ظاهر في أن الأمور المذكورة علة
للتضعيف المذكور إذ(٧) التقدير: وذلك لأن أحدكم، ويدل عليه أن
(١) ((صحيح ابن حبان)) (٢٠٥٥) نحوه. وصححه الحاكم ٢٠٨/١ على شرط الشيخين.
والحديث في ((سنن أبي داود)) (٥٦٠)، وهو الحديث التالي بعد الذي نحن بصدده.
(٢) في (س): قصة.
(٣) في (س، م): الفضل.
(٤) في (ص): المعامري.
(٥) من (م).
(٦) حسنه الحافظ في ((الفتح)) ١٣٥/٢.
(٧) في (م): إذا.

٥٦٩
- كتاب الصلاة
الباء قد جاءت للسببية(١) والتعليل، كقوله تعالى: ﴿فَكُلَّا أَخَذْنَا بِذَئِهِ،﴾(٢)
﴿فبظلم من الذين هادوا﴾(٣) ﴿ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾(٤) فكأنه
يقول: هُذِه الزيادة المذكورة بسبب(٥) كيت وكيت، وإذا كان كذلك
فما رتب على أسباب متعددة لا يوجد بوجود بعضها إلا إذا دل الدليل
على إلغاء ما ليس معتبرًا منها، أو ليس مقصودًا لذاته، وهُذِه المعاني
التي في الحديث معقولة المعنى مناسبة، فالأخذ بها متوجه.
(فَأَحْسَنَ الوضُوءَ) أي: أتى به كاملًا بسننه وشرائطه وآدابه، ولا شك
أن هذا على الغالب، وإلا فالغسل(٦) مراد كالوضوء (وَأَتَى المَسْجِدَ)
المسجد وصف معتبر فلا يصح إلغاؤه، ويشبه أن يكون المصلي
لصلاة (٧) الجنازة في معناه.
(لا يُرِيدُ) بخروجه (إِلاَّ الصَّلاة) أي: قصد الصلاة في الجماعة،
واللام فيها للعهد الذهني، وفيه الإخلاص في العبادة بأن لا يريد مع
الخروج تجارة ولا شغلا آخر، فليس من خرج له فقط كمن خرج له
ولغيره، لكن قد يلحق بالصلاة ما في معناها مما فيه إظهار شعار
الإسلام كالعمرة والأذان(٨) ونحوهما.
(١) من (ل، م)، وفي بقية النسخ: للتشبيه.
(٢) العنكبوت: ٤٠.
(٣) النساء: ١٦٠.
(٤) البقرة: ٥٤.
(٥) في (ص): ليست.
(٦) في (م): بالغسل.
(٧) في (ص): بصلاة.
(٨) من (م).

٥٧٠
(ولا يَنْهَزُهُ) يعني بفتح الياء والهاء، أي: لا ينهضه، وينهضه شيء
(إلاَّ الصَّلاةُ) يقال: نهز الرجل، أي: نهض (لَمْ يَخْطُ) بفتح أوله وضم
الطاء، أي: لم يمش، وهو على وزن علا يعلو (خُطْوَةً) ضبطه
القرطبي بضم الخاء(١)، وهي واحد الخطا، وهي ما بين القدمين،
وضبطه ابن التين شارح البخاري واليعمري بفتحها، وقال غيرهما :
القياس الأوجه الثلاثة في جَذْوَة المقروء بها في السبع؛ لأن كل ما
كان فَعْلَة لامه واو، وبعدها تاء التأنيث كان في أولها التثليث.
(إِلاَّ رفعَ) الله لَهُ (بِهَا دَرَجَةٌ) يحتمل أن هذِه الدرجة معنوية بمعنى
ارتفاع رتبته ومنزلته(٢) عند الله تعالى، أو في الجنة، ويجوز أن تكون
حقيقية وهي درج الجنة، لكن ما بعده يرجح الأول (أو حُطَّ بِهَا) أي:
بسببها أو لأجلها ([عنه خطيئة](٣)) أي محيت من صحيفته.
قال الداودي: إن كان له خَطِيئَةٌ وإلا رفعت (٤) له درجات، وهذا
يقتضي أن الحاصل بالخطوة درجة واحدة إما بالحط وإما بالرفع،
وتكون الواو بمعنى ((أو)) كقولهم الكلمة أسمٌ وفعلٌ وحرف، وخالفه
غيره فقال: الحاصل بالخطوة ثلاثة أشياء كما في الحديث الآخر:
(كتب له بكل خطوة حسنة، ورفع بها درجة، وحط عنه خطيئة)) (٥).
(١) ((المفهم)) للقرطبي ٢٩٠/٢.
(٢) في (ص) أقحم هنا جملة: وإلا رفع له درجات. وهذا يقتضي أن الحاصل بالخطوة.
وستأتي بعد قليل.
(٣) من (م).
(٤) في (م): رفع.
(٥) ((المفهم)) للقرطبي ٢٩٠/٢.

٥٧١
- كتاب الصلاة
ورواية أبي يعلى من حديث أبي هريرة، قال رسول الله وَيقول: ((ما من
مسلم يتوضأ فيحسن الوضوء، ثم يمشي إلى بيتٍ من بيوت الله تعالى يصلي
فيه صلاة مكتوبة، إلا كتب له بكل خطوة حسنة، ويمحى عنه بالأخرى
سيئة، ويرفع بالأخرى درجة)) (١)، وفي سنده(٢) عبد الأعلى بن أبي
المساور وهو ضعيف.
(حَتَّى يَدْخُلَ المَسْجِدَ، فَإِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ) رواية البخاري: (فإذا
صلى))(٣) (كَانَ فِي صَلاةٍ(٤) مَا كَانَتِ الصَّلاةُ هِيَ تَحْبِسُهُ) عن الذهاب
في حاجته ويشبه أن يكون في معناه أن كل من حبس(٥) لانتظار
عبادة، كقراءة (٦) وذكر وعيادة مريض واعتكاف، أو وجد المسجد
مغلوقًا وانتظر فتحه، فهو في تلك العبادة إلى أن يحصل له حقيقتها.
(وَالْمَلائِكَةُ) يحتمل أن يكونوا غير الحفظة، وقد اختلف في حقيقة(٧)
الملائكة فقيل: أجسام لطيفة قادرة على التشكل فيما شاءت، وقيل: غير
ذلك، وهل(٨) هي متحيزة أو لا؟ وهل يستقل العقل بمعرفتها أو لا؟ وفي
ذلك خلاف مشهور في علم الكلام.
(١) ((مسند أبي يعلى)) (٦٦٣٧) وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ١٤٦/٢: فيه عبد
الأعلى بن أبي المساور، وهو ضعيف.
(٢) من (م). وفي باقي النسخ: مسنده.
((صحيح البخاري)) (٦٤٧).
(٣)
في (م): صلاته.
(٤)
(٥) في (م): جلس.
(٦) في (م): لقراءة.
(٧) زاد في (م): يعني. وفي (س، ل): معنى.
(٨) من (م). وفي باقي النسخ: قيل.

٥٧٢
(يُصَلُّونَ) رواية البخاري: ((تصلي(١) عَلَى أَحَدِكُمْ مَا) مصدرية ظرفية
(دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الذِي صَلَّى فِيهِ) من المسجد، وهذا خرج مخرج الغالب،
وإلا فلو قام إلى بقعة(٢) أخرى من المسجد مستمرًا على أنتظار الصلاة
کان کذلك، وقد تقدم معناه عن ابن عبد البر.
(يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ) أي: تقول الملائكة ذلك في صلاتهم علیه،
(اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ) والدعاء بالتوبة في رواية لمسلم وابن
ماجه(٣)، واستدل به على فضيلة(٤) الصلاة على غيرها من الأعمال
لما ذكر من صلاة الملائكة عليه، ودعاءهم بالرحمة والمغفرة والتوبة،
وعلى تفضيل صالحي الناس على الملائكة؛ لأنهم يكونون في تحصيل
الدرجات في عبادتهم والملائكة مشغولون(٥) بالاستغفار والدعاء.
(مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ) أي: ما لم يصدر منه ما يتأذى به بنو آدم والملائكة،
قاله القرطبي(٦).
(أَوْ يُحدِثْ) فسره أبو هريرة بحدث الوضوء، وابن أبي أوفى: بحدث
الإثم (فِيهِ) أي في ذلك المجلس.
[٥٦٠] (ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى) بن الطباع، نزل أذنة، كان يحفظ نحوًا
(١) ((صحيح البخاري)) (٤٧٧).
(٢) في (ص): نفقة.
(٣) ((صحيح مسلم)) (٦٤٩/٢٧٢)، و((سنن ابن ماجه)) (٧٩٩).
(٤) في (م): أفضلية.
(٥) في (م): مشتغلون.
(٦) ((المفهم)) للقرطبي ٢٩٠/٢.

٥٧٣
= كتاب الصلاة
من أربعين ألف حديث، علق له البخاري. قال: (ثَنَا أَبُو (١) مُعَاوِيَةَ) الضرير
(عَنْ هِلالِ بْنِ مَيْمُونٍ) الجهني الفلسطيني الرملي، حدث بالكوفة، وثقه
ابن معين وغيره(٢).
(عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد (الْخُذْرِيِّ، قَالَ رَسُولُ الله
وَ) ((الصَّلاةُ) المكتوبة (فِي جَمَاعَةٍ تَعْدِلُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ صَلاةً)
أشار(٣) ابن عبد البر إلى (٤) أن بعضهم حمله على صلاة النافلة، ورده
بحديث: ((أفضل صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة))(٥) واستدل به على
تساوي الجماعات في الفضل، سواء كثرت الجماعة أم قلت؛ لأن
الحديث دل على فضيلة الجماعة على المنفرد بغير واسطة، فيدخل فيه
كل جماعة، كذا قال بعض المالكية وقواه، لما رواه ابن أبي شيبة
بإسنادٍ صحيح عن إبراهيم النخعي قال: إذا صلى الرجل مع الرجل
فهما جماعة، لهما التضعيف(٦) خمسًا وعشرين(٧). وهو مُسلَّم في
أصل الحصول، لكن لا يبقى مزيد الفضل لما كان أكثر لا سيما مع
وجود النص في الحديث المتقدم الذي صححه ابن خزيمة وغيره من
حديث أُبَيِّ مرفوعًا: ((صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده،
(١) سقط من (م).
(٢) ((تهذيب الكمال)) ٣٤٩/٣٠.
(٣) في (م): استند.
(٤) من (م).
(٥) ((الاستذكار)) ١٣٨/٢.
(٦) في (ص): وتضعيف. انظر: ((الاستذكار)) ٢٨٧/٦.
(٧) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٨٩٠٤)، وفيه: التضعيف خمس وعشرون. وهو الصواب.

٥٧٤
وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر جمعه (١) فهو
أحب إلى الله تعالى))(٢).
(فَإِذَا صَلاَّهَا فِي فَلاةٍ) وهي الأرض المتسعة لا ماء فيها، والجمع
فَلَا، مثل حَصَاة وحَصَا (فَأَتَمَّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا) بكمال الطمأنينة،
وبقية شروطها وسننها وآدابها (بَلَغَتْ خَمْسِينَ صَلاةَ) عند الله تعالى.
(قَالَ عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) العبدي (٣) مولاهم البصري(٤) (فِي هذا
الحَدِيثِ) دلالة على أن: (صَلاةُ الرَّجُلِ فِي الفَلاةِ تُضَاعَفُ عَلَى صَلاتِهِ
فِي الجَمَاعَةِ .. وَسَاقَ الحَدِيثَ) وكأنه أخذه من إطلاق قوله في
الحديث: ((فإن صلاها(٥))) لتناوله الجماعة والانفراد، لكن(٦) حمله
على الجماعة أولى، وهو الذي يظهر من السياق، وتقدم أن السر في
تفضيل الصلاة في الفلاة أن الجماعة(٧) لا تتأكد في حق المسافر
لوجود المشقة، فإن(٨) صلاها المسافر مع حصول المشقة جماعة
تَضَاعَفَ أجرها على المقيم.
(١) من (م).
(٢) تقدم، وهو في ((صحيح ابن خزيمة)) (١٤٧٧).
(٣) في (م): العندلي.
(٤) في (س): العبدي.
(٥) في (س): صلاته.
(٦) في (س): وكثر.
(٧) في (م): الصلاة.
(٨) في (م): فإذا.

٥٧٥
- كتاب الصلاة
٥٠- باب ما جاءَ فِي المَشْيِ إِلَى الصَّلاةِ فِي الظُّلَمِ
٥٦١- حَدَّثَنَا يَجْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ الَحَدّادُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ أَبُو
سُلَيْمانَ الكَحّالُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَوْسِ عَنْ بُرَيْدَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بََّ قَالَ: «بَشِّرٍ
المَشَائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى المَساجِدِ بِالنُّورِ التّامِّ يَوْمَ القِيامَةِ»(١).
[باب ما جاء في المشي إلى المساجد في الظلم](٢)
[٥٦١] (ثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ) بفتح الميم، قال: (ثَنَا أَبُو عُبَيْدَة)
بالتصغير، عبد الواحد بن واصل (الْحَدَّادُ) روى له البخاري، قال: (ثَنَا
إِسْمَاعِيلُ بن سُلَيْمَانَ الكَخَّالُ) الضبي، قال أبو حاتم: صالح
الحديث(٣) (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ بُرَيْدَةَ) بن الحصيب ◌َ﴾ُ (عَنِ
النَّبِيِّ وَ ◌َّ قَالَ: بَشِّرِ المَشَّائِينَ) بالهمز والمد، فيه فضيلة المشي على
الرجلين إلى المساجد سريعًا كان المشي أو بطيئًا (فِي الظُّلَم) فيه
فضيلة المشي إلى مساجد الجماعات في ظلمة الليل وهو يعم ظلمة
العشاء والفجر، لكن رواية الطبراني في ((الكبير)) عن أبي أمامة: ((بشر
المدلجين إلى المساجد [في الظلم] (٤))(٥) والإدلاج بتخفيف الدال هو
(١) رواه الترمذي (٢٢٣).
وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٥٧٠).
(٢) من (م).
(٣) ((الجرح والتعديل)) (٥٩٤).
(٤) سقط من (س، ل، م).
(٥) ((المعجم الكبير)) (٧٦٣٣).

٥٧٦
المشي في جميع الليل، وبالتشديد المشي آخر الليل.
(إِلَى المَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِ) يعني من جميع جوانبهم، فإنهم يختلفون
في النور على قدر أعمالهم (يَوْمَ القِيَامَةِ) على الصراط، ويحتمل أن يراد
بالنور المنابر التي من النور لرواية الطبراني: ((بشر المدلجين إلى المساجد
في الظلم بمنابر من نور يوم القيامة يفزع الناس ولا يفزعون))(١) والله أعلم.
(١) ((المعجم الكبير)) (٧٦٣٣).

٥٧٧
- كتاب الصلاة
٥١- باب ما جاءَ فِي الهَذْيِ فِي المَشْيِ إِلَى الصَّلاةِ
٥٦٢- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمانَ الأنْبَارِيُّ أَنَّ عَبْدَ الَلِكِ بْنَ عَمْرٍو حَدَّثَّهُمْ عَنْ
داودَ بْنِ قَيْسٍ قَالَ حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ المقْبُرِيِّ حَدَّثَنِي أَبُو ثُمَامَةً
الَحَتّاطُ أَنَّ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ أَدْرَكَهُ وَهُوَ يُرِيدُ المَسْجِدَ أَذْرَكَ أَحَدُهُما صاحِبَهُ قالَ:
فَوَجَدَنِي وَأَنَا مُشَبِّكٌ بِيَدَىَّ فَنَهَانِي عَنْ ذَلِكَ، وقالَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ وََّ قالَ: ((إذا تَوَضَّأَ
أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وضُوءَهُ ثُمَّ خَرَجَ عامِدًا إِلَى المَسْجِدِ فَلا يُشَبَّكَنَّ يَدَيْهِ فَإِنَّهُ فِي
(١)
صَلاةٍ))(١).
٥٦٣- حَدَّثَنَا يُحَمَّدُ بْنُ مُعاذِ بْنِ عَبّادِ العَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوانَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ
عَطاءٍ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ هُزْمُزَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيبِ قالَ حَضَرَ رَجُلاً مِنَ الأَنَّصَارِ المَوْتُ
فَقَالَ إِّ مُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا ما أُحَدِّثُكُمُوهُ إِلاَّ أُخْتِسابًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ لَ يَقُولُ: ((إذا
تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ الوضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلاةِ لَمْ يَرْفَعْ قَدَمَهُ الْيُمْنَى إِلاَّ
كَتَبَ الله ◌َ لَهُ حَسَنَةً وَلَمْ يَضَغْ قَدَمَهُ الْيُسْرَى إِلاَّ خَطَّ اللهَ وَّ عَنْهُ سَيِّئَةً فَلْيُقَرِّبْ
أَحَدُكُمْ أَوْ لِيُبَعِّدْ فَإِنْ أَتَى المَسْجِدَ فَصَلَّى فِي جَمَاعَةٍ غُفِرَ لَهُ فَإِنْ أَتَى المَسْجِدَ وَقَدْ صَلَّوْا
بَعْضًا وَبَقِيَ بَعْضٌ صَلَّى مَا أَذْرَكَ وَأَتَّمَّ ما بَقِيَ كَانَ كَذَلِكَ فَإِنْ أَتَى المَسْجِدَ وَقَدْ صَلَّوْا
فَأَتَمَّ الصَّلاةَ كانَ كَذَلِكَ))(٢).
باب الهَدْي فِي المَشْيٍ إِلَ الصَّلاةِ
والهدي بسكون الدال طريقة النَّبِي وَِّهِ.
(١) رواه الترمذي (٣٨٧)، وابن ماجه (٩٦٧).
وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٥٧١).
(٢) رواه البيهقي ٦٩/٣.
وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٥٧٢).

٥٧٨
[٥٦٢] (ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِيُّ، أَنَّ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ عَمْرِو) أبو
عامر العقدي الحافظ.
(حَدَّثَهُمْ عَنْ دَاوَدَ بْنِ قَيْسٍ) الفراء الدباغ، احتج به مسلم (قَالَ:
حَذَّثَنِي سَعْدُ بْنُ إِسْحَاقَ) بن كعب بن عجرة، قال: (حَدَّثَنِي أَبُو ثُمَامَةَ)
بضم المثلثة (الْحَنَّاطُ) بفتح الحاء المهملة وتشديد النون، ويقال:
القَمَّاح بفتح القاف وتشديد الميم، حجازي تابعي، ذكره ابن حبان في
((الثقات))(١).
(أَنَّ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ ﴾ أَدْرَكَهُ وَهُوَ يُرِيدُ المَسْجِدَ - أَدْرَكَ أَحَدُهُمَا
صَاحِبَهُ- قَالَ: فَوَجَدَني(٢) وَأَنَا مُشَبِّكٌ) بتشديد الباء، وتشبيك الأصابع
دخول بعضها في بعض (يَدَيَّ) بتشديد الياء آخره للتثنية (فَتَهَانِي(٣) عَنْ
ذَلِكَ وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ قَالَ: إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وضُوءَهُ)
أي: بإسباغه والإتيان بسننه وآدابه وترك مكروهاته.
(ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى المَسْجِدِ) لا يريد إلا الصلاة فيه (فَلا يُشَبِّكَنَّ)
بتشديد نون التوكيد (يَدَيْهِ) أي: لا يشبك بين أصابعه.
قال الشيخ صلاح الدين العلائي والد شيخنا المعمر شهاب الدين في
((نظم الفرائد فيما تضمنه حديث ذي اليدين من الفوائد)): لا تعارض بين
هذا الحديث وبين حديث ذي اليدين الذي رواه البخاري في أوائل كتاب
الصلاة، وترجم عليه: باب تشبيك الأصابع في المسجد من قول أبي
(١) ((الثقات)) لابن حبان ٥/ ٥٦٦.
(٢) في (ص): فوجدت.
(٣) في (س): فيها.

٥٧٩
- كتاب الصلاة
هريرة: فقام -يعني : - النَّبِي ◌َّة إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكا
عليها كأنه غضبان(١)، ووضع يده اليمنى على اليسرى وشبك بين
أصابعه، ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى(٢). وجمع بينهما
بأن حديث كعب بن عجرة فيه النهي عن التشبيك لمن هو عامد إلى
الصلاة (فإِنَّهُ(٣) فِي صَلاةٍ) وفي حديث ذي اليدين إنما شبك رسول الله
وَله وهو معتقد أنه قد أكمل الصلاة، ففيه دليل على إباحة التشبيك في
المسجد كما بوب عليه البخاري، وقد كره إبراهيم النخعي تشبيك
الأصابع في المسجد(٤)، وما به بأس، وإنما يكره في الصلاة،
وكذلك جاء أيضًا عن ابن عمر وابنه سالم والحسن البصري: أنه لا
بأس بتشبيك الأصابع في المسجد(6)، ثم حكى كلام الخطابي قال:
وبه يظهر أن التشبيك في الصلاة على مراتب:
إحداها: إذا كان الإنسان في الصلاة فلا شك في كراهته؛ لأنه
تعاطى فعلا ليس من أفعال الصلاة، وغالب ما ينشأ(٦) مثله عن
البطالة(٧) والعبث المنافي(٨) للصلاة.
(١) في (ص): غضابا.
(٢) «صحيح البخاري» (٤٨٢) وهو حديث مشهور.
(٣) في النسخ التي لدينا: وإنه. والمثبت من نسخة ((سنن أبي داود)).
(٤) (مصنف ابن أبي شيبة)) (٤٨٦٣).
(٥) انظر: ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٤٨٦٤، ٤٨٦٥، ٤٨٦٦).
(٦) في (ص): بنا .
(٧) في (س): أمثلته.
(٨) في (س): التالي.

٥٨٠
وثانيها : إذا كان في المسجد منتظرًا للصلاة أو هو عامدٌ إلى المسجد
يريدها بعد ما تَطَهَّر(١) فالظاهر أنه مكروه لحديث كعب المذكور، وهو
حديث حسن، لكن تكون الكراهة فيه أخف منها في حالة الصلاة.
وثالثها: إذا كان في المسجد بعد فراغه من الصلاة، وليس يريد
صلاة أخرى ولا ينتظرها، فهذا لا بأس به عملًا بحديث ذي اليدين
فعله النَّبِي ◌ََّ يومئذٍ في المسجد، ولكن بعد إكمال الصلاة في ظنه
کما ذكرنا.
ورابعها : في غير المسجد فهو أولى الوجوه بالإباحة وعدم الكراهة،
وقد احتج له البخاري في الباب الذي أشرنا إليه مع(٢) حديث ذي اليدين
بحديث ابن عمرو (٣): ((شبّك النّبِي پڼ أصابعه، وقال: کیف بك يا (٤) ابن
عمرو(٥) إذا بقيت في حثالة(٦) من الناس هكذا))(٧). وبحديث أبي موسى،
أن النَّبِي وَّ قال: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا))، وشبك
أصابعه والي(٨). ثم قال: وهكذا الحديثان لا نعرف الموضع الذي
قالهما فيه.
(١) في (ص): فيظهر .
(٢) في (م): من.
(٣) في جميع النسخ: عمر. والمثبت من ((صحيح البخاري)) وهو الصواب.
(٤) زاد في (م): عبد الله.
(٥) في جميع النسخ: عمر. والمثبت من ((صحيح البخاري)) وهو الصواب.
(٦) في (ص): حالة. وفي (س): حيالة.
(٧) ((صحيح البخاري)) (٤٨٠).
(٨) ((صحيح البخاري)) (٤٨١).