Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
-- كتاب الصلاة
الرَّاحلة: المرْكَب من الإبل ذكرًا كانَ أو أنثى وبعضهمْ يَقول: الراحلة
التي تصلح أن ترحل. جمعهَا رَوَاحِل (فَلَمْ يَسْتَئِقِظِ النِّيُّ بَ وَلاَ بِلاَلٌ
وَلاَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ]) أي: أصَابَهم حَرهَا.
(فَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ أَوَّلَهُمُ أَسْتِيقَاظًا) والشمس في ظَهْرِهِ، مَنصُوب
عَلى المَصْدَر أي: كانَ أول من استيقظ منهمُ استيقاظًا.
(فَفَزِعَ رَسُولُ اللهِ وََّ) اختلف في هذا الفزَع وفِي سَبَبه.
فقال الأصيلي: كان لأجل عدوهم أن يكون أتبعهم فيجدهم عَلى
غرة. وقَال غيره: لما فاتهُ من أمر الصَّلاَة، وقد دَل عَلى ذَلك قولهم:
مَا كفارة(١) مَا صَنَعنَا بِتفريطنا؟ وهذا بَيِّنٌ في حَقهم. قال القُرطُبي:
وقَد يَكونُ الفَزَعِ بِمَعنَى مُبَادَرَتهم إلى الصَّلاة أي: بَادرُوا إليهَا(٢).
(فَقَالَ: يَا بِلاَلُ) وفي رواية لمُسْلم: أين بلال؟(٣) بأين الظرفية (فَقَالَ:
أَخَذَ بِنَفْسِي الذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ يَا رَسُولَ اللهِ) قالهُ عَلَى طريق العذر(٤) مما
كان تكفل به فإنهم كانُوا طلبوا ذَلك مِنَ النبي ◌ِّوَ كما قَالَ البخاري: أنَّهمُ
طَلبُوا التعريس منهُ فقالَ: ((أخَاف أن تَنامُوا)) فقالَ: بلال أنا أوقظكم(٥)
فحينئذ عرسَ ووكل بلالاً، والنفس هَاهُنَا هي التي تتوفى بالنوم (٦).
(١) في (ص): كفاه.
(٢) ((المفهم)) للقرطبي ٣٠٧/٢.
(٣) قال النووي في ((شرح مسلم)) ١٨٢/٥ : أي بلال: هكذا هو في روايتنا ، ونسخ:
بلادنا . وحكى القاضي عياض عن جماعة أنهم ضبطوه أين بلال ؟ بزيادة نون. اهـ
(٤) في (ص): المقدر.
(٥) ((صحيح البخاري)) (٥٩٥) من حديث أبي قتادة ﴾.
(٦) ((المفهم)) ٣٠٦/٢-٣٠٧.

٢٢٢
(بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي) الباء تتعلق بمحذوف أي: أفديك بأبي وأمي.
(فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ شَيْئًا) فيه دلالة على أن قضاء الفائتة بعذر ليسَ عَلى
الفَور وإنما أقتَادُوهَا كما ذكرهُ في الرواية الأخرى: ((فَإِنَّ هذا منزل
حضرنا(١) فيه الشيطان(٢))(٣). وللروَاية الآتية: «تحولُوا عَنْ مكانكم (٤)
الذي أصابتكم فيه الغفلة)). وقد(٥) أُسْتدل به بَعض الحنفية(٦) على أن
الفَرائض لا تقضى في هذا الوَقت لهذا الحديث قال: لأنه وَّهِ إنما
أرتحل عَن ذلك الموضع ليخرج الوَقت المنهي عنهُ(٧). وهذا تحكم بَل
كما يَحتَمل مَا ذكروه يَحتمل أنه إنما أرتحل عَنهُ؛ لأنهُ منزل حَضره
الشيطان(٨).
(ثُمَّ تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ◌ََّ) زادَ أَبُو نُعيم في ((المُستخرج)): فتوضأ الناس(٩).
(١) في (ص، س، ل): خصها.
(٢) في (ص، س، ل): للشيطان.
(٣) ((صحيح مسلم)) (٦٨٠) (٣١٠) من طريق أبي حازم عن أبي هريرة .
(٤) في (ص): مكانتكم.
(٥) في (ص، س، ل): وهذا.
(٦) في (د، م): الحنفيين.
(٧) قال البدر العيني الحنفي في ((شرح سنن أبي داود)) ٢/ ٢٣١: قال بعضهم: إنما فعل
ذلك لترتفع الشمس، فلا تكون صلاتهم في الوقت المنهي عنه. وذلك أول ما تبزغ
الشمس. قالوا: والفوائت لا تقضى في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها. قلت
العيني)): هذا مذهب أبي حنيفة، ولكن قوله: حتى إذا ضربتهم الشمس يدل على أن
الشمس قد ارتفعت كثيراً فيكون انتقالهم لارتفاع الشمس.
(٨) انظر: ((المفهم)) ٣٠٨/٢.
(٩) أخرج هذه اللفظة ابن عبد البر في ((التمهيد))٣٨٦/٦.

٢٢٣
= كتاب الصلاة
(وَأَمَرَ بِلاَلاً فَأَقَامَ لَهُمُ الصَّلاة)(١) فيه إثبات الإِقَامَة للفائتة، وليْسَ فيه
خلاف؛ لأن الإقَامَة لاستفتاح الصَّلاة وهوَ مَوْجود في كل صَلاة، وفيه
إشارة إلى ترك الأذَان للفائتة؛ لأنه لم يذكرهُ، ولو وَقَع لَذَكرَهُ وهُذا هُوَ
الجديد مِن مَذهَب الشَافِعِي (٢).
(وَصَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ) فيه أُسْتحباب الجماعَة في الفائتة لكن لا يتأكد
تأكدها للمقیم.
(فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ قَالَ: مَنْ(٣) نَسِيَ صَلاَةً) زاد مُسْلم في روَاية: ((أو
نامَ عَنْهَا))(٤). (فَلْيُصَلَّهَا) بلام الأمر [قد تمسك](٥) بدليل الخطاب منهُ
القائل: إن العَامِد (٦) لاَ يقضي الصَّلاة؛ لأنَّ أنتفَاء الشرط يَستلزم أنتفَاء
المشرُوط فَيلزم منه أن مَن لم ينس ولَم ينم لا يُصَلي.
وأجَابَ مَنْ قَال أن العَامد يَقضِي بأن ذَلكَ يُسْتفادُ مِن مَفهُوم الخِطَاب
فيَكونُ مِن بَاب التنبيه بالأدنى عَلى الأعلى؛ لأنه إذا وجَبَ عَلى الناسي مَعَ
سُقوط الإثم وَرَفْعَ الحرج عنهُ فالعَامِد أولى واذَّعَى بَعضهم أن وجُوب
القَضَاء عَلى العَامد يُؤخذ من قوله نَسي؛ لأن النسْيَان يُطلق على الترك
سَوَاء كانَ عَن ذهول أم لا ومنهُ قَولهُ تعالى: ﴿نَسُواْ اللَّهَ فَأَنَسَنُهُمْ
(١) جاءت هذه العبارة في (ص) قبل قوله : زاد أبو نعيم والمثبت من بقية النسخ.
(٢) انظر: ((روضة الطالبين)) ١٩٧/١.
(٣) في (ص): لمن.
(٤) ((صحيح مسلم)) (٦٨٤) (٣١٥) من حديث أنس
(٥) في (ص، س، ل): فيه تمسك.
(٦) في (ص): العامل.

٢٢٤
ج
أَنْفُسَهُمْ
(١
١)، ﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾(٢).
ويقوِّي ذلك قوله: ((لا كَفارَة لَهَا إلا ذلكَ))(٣). لأن الكفارَة لا تكون
إلا عَن ذنب غالبًا والناسِي والنائم لا إثم عَليَهمَا وتعقب بأن الكفارة تكون
عَن الخَطأ كما تكون عَن العَمد، والخطأ لا إثم عليه؛ لأن اللهَ تجاوَز
عنه، والقائل: أن العَامد لاَ يَقضي لم يُرِد أنهُ أخَفُّ حَالا مِنَ الناسِي
بَل يقول: إنّهُ لَو شُرِعَ لهُ القضاء لكانَ هوَ والناسِي سَوَاء، والنَاسِي غير
مَأثوم بخلاف العَامد، فالعَامد أسوأ حَالاً مِنَ النَاسي فكيفَ يسَتويان(٤).
(إِذَا ذَكَرَهَا) جَعَل إذا ظرفًا للإتيان بالصَّلاة إمَّا وجُوبًا إن كانَ ذلك بلا
عذر بأن نسيت بالنوم الذي تركها به كما تقدم في النوم قبيل(٥) العشاء أو
نسيت في الأمر الذي اقتضى نسيانها وَليسَ المُرَاد الإتيان بجَميع الصَّلاة
في وقت التذكر وهوَ اللحظة اليَسيرة، بل(٦) المراد الابتداء بهَا والشروع
فيهَا أو في مُقَدمَاتها عَقيبه (٧) فيقدر ذلك الظرف متسعًا يسَع التذكر(٨)
والشروع المذكور عقبه.
قالَ الشيخ شمس الدين البرمَاوي مَتع اللهُ ببقائه: وعَلى هذا
(١) الحشر: ١٩.
(٢) التوبة: ٦٧.
(٣) مسلم (٦٨٤) (٣١٤).
(٤) انظر: ((الفتح)) ٨٥/٢.
(٥) في (ص، س، ل): قبل.
(٦) في (ص، س): بأن.
(٧) في (د، س، ل): عقبه.
(٨) في (م): التذكير.

٢٢٥
- كتاب الصلاة
التقدير(١) يكون الأمر في قوله: فَليُصَلهَا مُستَعملاً في حقيقته وهوَ
الوجُوب ولا يقدح فيه كون المتروكة بعذر يندبُ قضَاؤها على الفَور؛
لأن يرخص تَأخيرها في هذِه الحَالَة إنما هُوَ بأمر آخر فيكون كالموسع
في تعلق الوجُوب بأول الوَقتِ وَجَوَاز الفعل في ثاني الوقت مَعَ
استحبَاب أوله، وليسَ هوَ باعتبار كونه مَندُوبًا مِن استعمال الأمر في
الوجُوب والندب، فيكون من إطلاق اللفظ عَلى حَقيقته ومجَازه.
(فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ: أَقِمِ الصَّلاةَ لِلذِكْرَى) بلام مُكررَة وتشديد الذال
المُعجمة [وعلى قراءة الجمهور بلام واحدة(٢)](٣) وسُكون الكاف (٤)
وللمفَسرين فيها أقوال كثيرة أقوَاهَا الذي يرشد إليه كلام الشافعي أن
المعنَى: أَقِم الصَّلاةَ حينَ(6) تذكرهَا وهو ظاهِر كلام الشافِعِي في
((الرسالة)) فإنهُ قال: قال النَّبِي وَّ: فليصَلهَا إذا ذَكرَهَا. فَجَعَل ذَلكَ
وقتًا لهَا وأخبرَ به عَن الله تعالى ولم يَستثن وقتًا مِنَ الأوقات يدعهَا(٦)
فيه بعد ذكرهَا(٧).
ومن ثم قَالَ البَاجي (٨): إنه أثبت الأقوال؛ لأن النبي ◌َّ أَحتج بقَول
(١) في (م): التقرير.
(٢) من (د).
(٣) من (د، م).
(٤) وقع هنا في (ص، ل، س) بعد قوله: سكون الكاف: قراءة الجمهور وهو خطأ ناتج
عن السقط الذي أثبتناه من (د، م).
(٥) في (د، م): حيث.
(٦) في الأصول الخطية: يضعها. والمثبت من ((الرسالة)).
(٧) ((الرسالة)) (ص٣٢٤-٣٢٥).
(٨) ((المنتقى)) ٢٥٣/١.

٢٢٦
الله تعالي: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ لِذِكْرِىّ﴾ وقررهُ صَاحِب ((الكمال))(١) بأن
المعَني لتذكري لكَ إياها وقد اختلف في ذكر هذِه الآية هَل هي من
كلام قتادَة أو هي من قَول النَّبِي وََّ ففي رواية لمُسْلم عَن هداب(٢).
قال قتادة: أَقِم الصَّلاة لذكرى(٣) وفي رواية لمُسْلم مِن طَرِيق (٤) المثنى
عَن قتَادَة، قال رَسُول الله وَّ: إذا رقد أحَدكم عَن الصلاة أو غفل
عَنها فليُصَلهَا إذا ذكرها فإن الله يَقولُ: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لذكري﴾ (٥).
(قَالَ يُونُسُ: وَكَانَ ابن شِهَابٍ) الزُّهري (يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ) ثم فسَّر قراءة
الزُّهري. فقَالَ (قال أَحْمَدُ) بن صَالح (قَالَ: عنبسة) بن خالد الأيلي (عن)
عَمه (يُونُسَ فِي هذا الحَدِيثِ للذكرى) بلامين وفتح الراء بعدَهَا ألف
مقصُورة، أي: لذكري(٦) لكَ إياها، وقال النخعي: [قراءة الزهري
تأنيث للذكر وقال](٧) اللام للظرف أي: أَقِم الصَّلاَةَ [إذا ذكرتني،
أي: إذا ذكرت أمري بَعد مَا نَسيته(٨). ويحتمل أن يَكون المرَاد أقم
الصَّلاة](٩) إذا ذكرتها عند(١٠) سماع المؤَذن وإن لم تفعلهَا فاعزم عَلى
(١) في (ص، ل): الإكمال.
(٢) في (ص): هذان.
(٣) ((صحيح مسلم)) (٦٨٤) (٣١٤).
(٤) زاد في (د، م، ل): ابن.
(٥) ((صحيح مسلم)) (٦٨٤) (٣١٦).
(٦) في (د، س، م، ل): لتذكري
(٧) من (د): وقد تأخرت في (ص، س، ل) فجاءت بعد قوله: النعاس.
(٨) انظر: ((المفهم)) ٣١١/٢.
(٩) ساقطة في(د).
(١٠) من (م). وفي باقي الأصول الخطية: عن.

٢٢٧
- كتاب الصلاة
فعلها في أثناء الوَقت. قال ابن السَّمعَاني: ومَا لم يَكن عَلى هُذا العَزم لا
يَجوز له تَرك الصَّلاة في أول الوَقت.
(َقَالَ أَحْمَدُ): أحَد الروَاة (الْكَرَى) هوَ (النُّعَاسُ)، (وقيل النوم كما
تقدم](١).
[٤٣٦] (ثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التبوذكي، (قال: ثَنَا أَبَانُ، قالَ: ثَنَا
مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هذا الخَبَرِ
قَالَ) أبو هريرة (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَ: تَحَوَّلُوا) خطَاب لأصْحَابه الكائنين(٢)
مَعَهُ خاصَّة لا يتعدى إلى غَيرهم؛ لأنهُ كانَ بسبب عَلِمُهُ النَّبِيُّ ◌َّه بحضور
الشيطان فيه، وغيره لا يَعلم ذلك فلا يتعدى إليه ذَلكَ الحكم.
قال القرطبي: وإلى مَعنى ما ذكرناهُ ذَهَبَ الدَاوودي(٣) وغيره من
أصحَابنَا في تَأويل الحَديث(٤).
(عَنْ مَكَانِكُمُ الذِي أَصَابَتْكُمْ فِيهِ الغَفْلَةُ) أُسْتدلَّ بِهِ عَلى جَوَاز تَأْخِير
الفائتة لعذر عَن وَقت ذكرهَا إذَا لم يكن عن تغافل أو استهانة.
قالَ القرطبي: أخذَ بهذا بَعْض العُلماء فقال من أنتبهَ مِن نَوم عَن
صَلاة فاتته في سَفر فليَتحول عَن مَوضعه، وإن كانَ وادِيًا فليخرج عنهُ،
وقيل: لاَ يلزَم إلا في ذلك الوَادي بِعَينه انتهى(٥). وكره الغزالي الصلاة
(١) من (د، م).
(٢) في (م): المكاتبين.
(٣) في (س، م): الدراوردي.
(٤) ((المفهم)) ٣١٢/٢.
(٥) («المفهم)) ٣١١/٢-٣١٢.

٢٢٨
في بطن الوادي لهذا الحَديث(١).
قال السُّبْكي: وأنكروه عَلَيه، وقالوا: إنما كره الشافعي الصَّلاة في
الوادي الذي نامَ فيه عَن الصَّلاة لا في كل وَاد (٢)، وقيل هذا مُختَصّ
بِالنَّبِيِ وَّ دُونَ غَيره؛ لأنه لا يعلم ذلك مِن حَال ذلك الوَادي ولا
غَيرِه إلا هُو، وقد أُسْتَدل به عَلى أن مَن حَصَلت لهُ غَفْلَة أو سَهوَ في
مَكان عَنِ عِبَادَة أُسْتحبَّ له التحول عنهُ، ومنهُ أمر الناعس في سَمَاع
الخُطبة يَومَ الجُمعَة بالتحول من مكانه إلى مكان آخر.
قالَ السُّبْكي: أتفقت الأصحَاب على كراهية الصلاة في مَأْوَى
الشيطان مثل مَواضع الخَمر والحانة ومَوَاضِع المكوس ونَحوهَا مِنَ
المعَاصِي الفَاحِشة والكنائس والبِيَع(٣) أحق الأشياء بذَلكَ، وأخذوا
ذَلكَ من قوله: فإن فيه شيطان. كما وَرَدَ في رِوَاية مُسْلم(٤). والموَاضِعِ
التي أصَابت الإنسَان فيها الغَفلة، هي من حُضُور الشيطان فيه واللهُ أعلم.
(قَالَ: فَأَمَرَ بِلالا فَأَذَّنَ) أَسْتدل به عَلى الأذان للفَوَائت وهوَ القَديم من
مَذهب الشافعي.
قَال النووي: وهوَ الأظهرَ لهُذا الحَدِيث(٥).
قال السّبكي: كنتُ أَوَدُّ(٦) لو وجدت روَاية فيها الجمع بينَ الأذان
(١) ((الوسيط)) ١٧١/٢.
(٢) انظر: ((المجموع)) ١٦٢/٣، ((روضة الطالبين)) ٢٧٨/١.
(٣) انظر: ((المجموع)) ١٦٢/٣.
(٤) ((صحيح مسلم)) (٦٨٠) (٣٠٩).
(٥) ((روضة الطالبين))١٩٧/١، ((شرح مسلم للنووي)) ١٨٢/٥.
(٦) في (ص، س): أولى.

٢٢٩
= كتاب الصلاة
والإقامة فإني أجوز أن يَكونَ المراد في الحَدِيث الإقامة واسْتَدلوا عَليه
بجمعه ◌َ﴿ المغرب والعشاء بِمُزدَلفة بأذان وإقامَتَين رَوَاهُ مُسْلم (١).
قَال: وقد رَأيتُ الجَمعِ بَيْنَ الأذان والإقامَة الثانية مِن فعل(٢) عُمَر،
رَوَاهُ الخَطيب في (تالي التلخيص))(٣) بسَنَد جيد إلى زَيد بن الصَّلت، عن
عُمَر ◌َ﴾ وَأَقَامَ. هَكَذَا في روَاية أبي داود الجمع بينهما، وحَكَاهُ عَنْهُ ابن
دَقيق العيْد في ((الإلمام)»(٤) ولعَل السُّبكي لم يُرَاجع(٥) أبَا دَاود (وَصَلَّى)
أي: بالناس.
(ورَوَاهُ مَالِكٌ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَالأَوْزَاعِيُّ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ و)
محمد (ابْنِ إِسْحَاقَ لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمُ الأَذَانَ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ) في (هذا)
الحَدِيث (ولم يسنده مِنْهُم أحَد إلا الأَوْزَاعِيُّ [وأبان العطار)](٦) وهوَ ابن
يزيد البَصْري روى له الشيخان (عَنْ مَعْمَرٍ) عَن الزهري.
[٤٣٧] (ثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التبوذكي (قال: ثَنَا حَمَّادٌ) ابن سَلمة
(عَنْ ثَابِتِ البُنَائِيّ) بضَم الباء (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَبَاحِ الأَنْصَارِيِّ، قال: ثَنَا أَبُو
قَتَادَةَ) الحارث بن ربعي
(أَنَّ النَّبِيَّ وَ ◌ّهَ كَانَ فِي سَفَرٍ له(٧)) زَادَ مُسْلم فَبَينما هوَ يسير حَتى
(١) (صحيح مسلم)) (١٢٨٠) (٢٧٦) من حديث أسامة بن زيد .
(٢) في (د): قول.
(٣) ٣٣٨/١ (٢٠٣)، الذي فيه أن اسمه (زبيد) بالتصغير.
(٤)
((الإلمام)) ١٢٣/١.
(٥) في (م): لم ير جمع.
(٦) في (ص، س، ل): ابن القطان.
(٧) من (د، م).

٢٣٠
أبهارَّ(١) الليل وأنا إلى جنبه فَنَعسَ(٢) (فَمَالَ النَّبِيِ نََّ) عَن رَاحِلته (وَمِلْتُ
مَعَهُ) وصرْتُ له كالدِّعَامَة تحته زادَ مُسْلم (٣) حَتى كادَ أن ينجفل(٤) أي:
قَارَبَ أن يَقَع.
(فَقَالَ: أَنْظُرْ(٥)) زَادَ مُسْلم: هَل ترى مِن أحَد(٦).
(فَقُلْتُ: هذا رَاكِبٌ) ثم نظرت فقلتُ (هَذَانِ رَاكِبَانٍ) ثم نظرت وقلت
(هؤلاء ثَلاثَةٌ حَتَّى) أجتمعنَا و(صِرْنَا سَبْعَةً) بالنصب ركب وَيشبه أن يَكون
أنتظرهم بالنزُول حَتى صَارُوا سَبْعَة [لعل أنتظارهم](٧) لِيَكونوا أثْبَت
وأقوى على مُرَاقَة العَدُو ؛ كيلا يدهمهم وهمُ نَائمون وعلى حفظ وقت
الصلاة.
(فَقَالَ: أَحْفَظُوا عَلَيْنَا صَلاَتَنَا) زادَ مُسْلم: فَمَال رَسُول اللهِ وَّهِ عَن
الطَّرِيق فَوَضَعَ رَأْسَهُ ثمُ قَالَ: ((أحفظُوا عَلَيْنَا صَلاتنا)) زادَ أحمد في
روَايَة وَرِجَالُهُ رَجَال الصَّحِيحِ: فقالَ أبو قتادة قلتُ: نعم يَا رَسُول الله،
قالَ: ((حَفظك الله كما حَفظتنا مُنذ الليْلَة)) ثم قالَ: لا أرَانا إلا قد شققنا
عَليك ثُمَّ مَال(٨) عَن الطريق، فأناخ رَسُول اللهِ وَّ رَاحِلَته فتوسدَ كل
(١) ابهارَّ: انتصف، وبُهْرَة كل شيء وسطه انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) ٤٣٥/١.
(٢) ((صحيح مسلم)) (٦٨١) (٣١١).
(٣) ((صحيح مسلم)) (٦٨١) (٣١١).
(٤) في (ص): يتحول.
(٥) في (ص، س): انتظر. وبياض في (ل).
(٦) ((صحيح مسلم)) (٦٨١) (٣١١).
(٧) من (م).
(٨) في (س، م): نح.

٢٣١
= كتاب الصلاة
رَجُل منا درَاعِ رَاحِلَته(١).
وهذا يَدُل عَلَى أنَّ هُذِهِ القِصَّة غَير قصة أبي هُرِيرَة المتَقَدمَة فإنَّ فيهَا
أنَّ بِلالا هُوَ الذي كلا لهم الفَجر وفي هذا الحَديث أن السَّبعة حفظوهُ.
وَرَوَى الطَّبراني من حَدِيث عَمْرو بن أمّيَّةِ: أنَّ الذي كلأ لهُم الفَجر ذُو
مخبر بكَسْر الميم وسُكون الخاء المُعجمة، وفيها قالَ ذُو مخبَر: فما
أيقظني إلا حَر الشمس فَجئت أدنى القَوم فأيقظتُهُ وأيقظ الناس بعضهم
بَعضًا حَتى استيقظ رَسُول الله ◌ََّ(٢). وتكلم العُلماء في الجمَع بين
حَديث النوم هذا وحَديث: ((إن عَيني تنامَان، ولا ينام قلبي))(٣).
وأجَابَ النووي: بأن القلب إنما يدرك الحسيات المتعلقة بِهِ كالحَدَث
والألم ونحوهما ولا يدرك ما يتعلق بالعَين (٤).
وأجَابَ ابن دقيق العيد: بأنَّ عَينِي تَنَامَان ولا ينَامِ قَلبي. خَرَجَ جَوابًا
عن قول عائشة أتنَام قبل أن توتر، وهذا كلام لا تعلق لهُ بانتقاض الطهَارة
الذي تكلمُوا فيه، وإنما هوَ جَوَاب يتعلق بأمر الوتر فَتُحمل يقظته عَلى
تعلق القلب باليقظة للوتر، وفَرْقٌ بين من شرع في النوم مُطمئن القلب
به وبَينَ مَن شرَعَ متعلقًا باليقظة، قال: وعلى هذا فلا تعارض بل
يحمل حَديث النوم حَتى طلعت الشمس بأنه أطمأن في نَومه لما أوجَبَهُ
(١) ((مسند أحمد)) ٣٠٢/٥.
(٢) ((المعجم الأوسط)) للطبراني ٥٨/٥، وفي ((مسند الشاميين)) ١٤٥/٢.
(٣) أخرجه البخاري (١١٤٧)، ومسلم (٧٣٨) (١٢٥)، وأبو داود (١٣١٤)، والترمذي
(٤٣٩)، والنسائي ٢٣٤/٣. من حديث عائشة رضي الله عنها.
(٤) ((شرح النووي على مسلم)) ١٨٤/٥.

٢٣٢
تعب (١) السير مُعتمدًا على من وكلهُ بكلاءة الوقت.
ومِنَ الأجوبة الضَعيفَة قَول مَنْ قَال كان قلبهُ يقظَانًا وعلم (٢) بِخُرُوج
الوَقت لكن ترك إعلامهم بذلك قَصْدًا لمَصْلَحة التشريع(٣).
(يَعْنِي: صَلاة الفَجْرِ فَضُرِبَ عَلَى آذَانِهِمْ) أي: بُعِثَ عليهم النَّومُ فلم
يَسْتَيقظُوا.
(فَمَا أَنْقَظَهُمْ إِلَّ حَرُّ الشَّمْسِ) تَقدم الجمع بينه وبينَ حَديث: ((إنَّ عيني
تَنَامَان ولاَ ينَام قلبي)).
(فَقَامُوا فَسَارُوا هُنَيَّةً) قَالَ النووي: هوَ بِضَم الهَاء وَفتح النون وتشديد
الياء أي: سَاعة لَطيفة وأصْلُهُ: هنوة تصغير هنة فَلَما صُغِّرت صَارَت هنيوة
فاجتمعت وَاو وياء وسبقت إحداهما بالسُكون فوَجب قلب الواو ياء
فاجتمعَت ياءان فأدغمت إحْدَاهما في الأخرى وصَارت هنيّة ومَن
همزهَا فقد أخطَأ ورَوَاهُ بَعْضهم: هنيهة وهوَ صَحيح (٤).
(ثُمَّ نَزَلُوا فَتَوَضَّئُوا وَأَذَّنَ بِلاَلٌ) بالصَّلاَةِ (فَصَلَّوْا رَكْعَتَى الفَجْرِ) أي:
سُنة الصُبْح فيه دلالة عَلى قضَاءِ السُّنة الراتبة في السَّفَر كمَا في الحضَر.
(ثُمَّ صَلَّوا الفَجْرَ) روَايَة مُسْلم: ثُمَّ صَلى الغدَاة فصَنَع كما كانَ يَصْنَع
كُل يوم(٥) (وَرَكِبُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ) روَاية أحمد المتَقَدمَة فقال: يعني
(١) في (ص): بعث.
(٢) في (ص، ل): وعلمه.
(٣) انظر: ((فتح الباري)) ١/ ٥٣٧.
(٤) ((شرح النووي على مسلم)) ٩٦/٥.
(٥) ((صحيح مسلم)) (٦٨١) (٣١١).

٢٣٣
= كتاب الصلاة
بِلال فقلت: يَا رَسول الله، هَلكنا(١).
(قَدْ فَرَّطْنَا فِي صَلاَئِنَا. فَقَالَ رسول الله ◌َّهِ: إِنَّهُ لاَ تَفْرِيطَ فِي النَّوْمِ) فيه
دَليل لما أجمَع عَليه العُلماء أن النائم ليسَ بمكلف وإنمَا يَجبُ عَليه قضاء
الصَّلاة ونحوها بأمر جَديد هذا هُوَ(٢) المذْهَب الصَّحِيح المختَار عند
أصحاب الفقه، والأصُول، ومنهم من قالَ: يَجِبُ القَضاء بالخطاب
الأول، وهذا يُوَافِقِ عَلى أن النائم غَير مُكَلَّف فَإِذَا أتلفَ النَّائم
برجله(٣) أو غَيرِهَا شَيئًا في حَالٍ نومِهِ فيجبُ ضَمانه بالاتفاق وليسَ
ذلك تكليفًا للنائم؛ لأنَّ غرامة المتلفات لا يشترط لهَا التكليف
بالإجمَاعِ بَل لو أتلفَ الصَّبي أو المجنُون شَيئًا وجب عليه ضَمانه
بالاتفاق(٤).
(إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي اليَقَظَةِ) روَاية مُسْلم: ((إنما التفريط على مَن لم يُصَل
الصَّلاَةِ حَتى يَجيء وقت الصَّلاة الأخرى))(٥). أي: مَن (٦) لم يُصَلَهَا وهوَ
يقظان عَامدًا، وفيه دليل على أن أوقات الصَّلاة كلهَا مُوسّعَة.
(فَإِذَا سَهَا أَحَدُكُمْ عَنْ صَلاَةٍ فَلْيُصَلَّهَا) أي: ولا يُعِدْ إلا تلك الصَّلاة.
قَالَ البخاري: قال إبراهيم: مَن تَرك صَلاة واحِدَةً عشرين سنة لم يُعد
(١) ((مسند أحمد)) ٣٠٢/٥.
(٢) في (د): فتوى.
(٣) في ((شرح مسلم)): بيده.
(٤) انظر: ((شرح النووي على مسلم)) ١٨٦/٥.
(٥) (صحيح مسلم)) (٦٨١) (٣١١).
(٦) ساقطة من (د، م).

٢٣٤
إلا (١) تلك الصَّلاَة الوَاحِدَة(٢) (حِينَ يذْكُرُهَا) وإن كانَ نائمًا فحين يتَبِهِ من
نَومه.
(وَمِنَ الغَدِ لِلْوَقْتِ) روَايَةٍ مُسْلم: ((فإذا كانَ الغَد فليُصَلهَا عندَ
وَقتها))(٣). قال القُرطبي: ظاهِرِه إعادة المقضية مرتين عندَ ذكرها وعندَ
حُضور مثلهَا مِنَ الوَقت الآتي (٤).
قَالَ النووي: ومعناهُ أنَّه إذا فاتته صلاة فقضاها؛ فلا يتَحول وقتها في
المُستقبل ولا يتغير بَل يبقى كما كانَ، فإذا كانَ الغَد صَلى صَلاَة الغداة في
وقتها المعتَاد، ولا يتحول. وليْسَ مَعناهُ أنه يقضي الصَّلاة مَرتين مَرة في
الحَال ومَرة في الغَد هذا هوَ الصَّوَاب في مَعناهُ وقَد اضطَرَبَت أقوال
العُلماء فيه واختَارَ المُحققونَ مَا ذكرته واللهُ وَلَ أعلم (٥).
[٤٣٨] (ثَنَا عَلِيُّ بن نصر) (٦) الجَهضمي شيخ مُسْلم، قال (ثَنَا وَهْبُ
ابْنُ جَرِيرٍ، قال: ثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ) السدوسي من رَجال مُسلم.
(قال: ثَنَا خَالِدُ بْنُ سُمَيْرٍ) بضم السين المهملة [وفتح الميم](٧)
مصغر، وثقه النسائي(٨).
-
(١) من (د، س، م، ل) و((الفتح)).
(٢) ((صحيح البخاري)) قبل حديث (٥٩٧).
(٣) ((صحيح مسلم)) (٦٨١) (٣١١).
(٤) ((المفهم)) ٣١٦/٢.
(٥) ((شرح النووي على مسلم)) ٥/ ١٨٧.
(٦) في (ص): نصر بن علي.
(٧) من (د، س، م، ل) و((الفتح)).
(٨) انظر: ((تهذيب الكمال)) (١٦٢٠).

٢٣٥
= كتاب الصلاة
(قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَبَاح) بفتح الراء وتخفيف البَاء الموَحدَة.
(الأَنْصَارِيُّ مِنَ المَدِينَةِ وَكَانَتِ الأَنْصَارُ تُفَقَّهُهُ) أيْ: تعلمهُ الفقه في
الدين، وقواعد شرائع الإسلام وما يتصل بهَا منَ الفروع(١) وفيه فضيلة
تعلم الفقه وتعليمه في الدين يفضل عَلى سائر العُلوم كما في
((الصحيح)): ((مَن يرد الله به خَيرًا يفقهه في الدين))(٢) (فَحَدَّثَنَا) مما(٣)
یفقهه.
(قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو قَتَادَةَ) الحَارث بن ربعي (الأنْصَارِيُّ فَارِسُ) بالرَّفع
(رَسُولِ اللهِ وَلَّ) كَانَ يُعرفُ بِذَلك لِشجاعته (قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ) وَلِيهـ
(جيش الأَمَرَاء) لعَله سمي بذلكَ لما أجتمع فيه من كثرة الأُمَرَاءِ
والأكَابِرِ (بهذِهِ القِصَّةِ. وقَالَ فيهَا: فَلَمْ يوقظنا إِلا) حَر (الشَّمْسُ طَالِعَةً)
مَنصُوب عَلَى الحَال والتقدير إلا حَر الشمس وهي طَالعَة.
(فَقُمْنَا وَهلينَ (٤)) بكَسْر الهَاء أي: فَزْعين والوَهَل بفتح الهاء الفزَع
والرغب، وفزعهم من إخراج الصَلاَة عَن وقتها كما تقدمَ.
(لِصَلاَئِنَا) ويحتمل أن يكون المعْنَى مُسرعين فَزْعًا مِنْ تَضييع الصَّلاَة
(فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: رُوَيْدًا) مَعناهُ التأني والتمهُّل في الأمُور يَقول سيروا رُوَيْدًا
أي: عَلى مَهَلِ فَيَكون نَصبًا عَلى الحَال ويقول: سَارُوا سَيرًا رويدًا فيكون
(١) قال العيني رحمه الله في ((شرح سنن أبي داود)) ٣٢٨/٢: قوله: تفقهُهُ: بالتشديد.
أي: كانت الأنصار ينسبونه إلى الفقه، ويجعلونه فقيها بينهم؟. وهذا أنسب للسياق
والله أعلم.
(٢) ((صحيح البخاري)) (٧١)، ومسلم (١٠٣٧) (٩٨) بنحوه.
(٣) في (د): بما.
(٤) في (س): ولهين.

٢٣٦
نَصبًا؛ لأنه صِفةُ المصْدر ومنهُ قَوله تعَالى: ﴿فَهِّلِ الْكَفِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدً﴾(١)
التقدير إمهَالاً روَيدًا وهوَ تصغير رود، وقيل: هوَ مَصْدر محذوف الزوائد
والأضْل أروادًا.
(حَتَّى إِذَا تَعَالَتِ) بتخفيف اللام (الشَّمْسُ) أي: عَلَتْ وارتفعت وأصْلهُ
مِنَ العلو [يقال: عَلت](٢) وكانَ أصلهُ تعَالَوت بفتح اللام والوَاو فلما
تحركت الوَاو وَانفتح مَا قَبلهَا قلبَت ألفًا واجتَمعَ سَاكنان الألف والتاء
فحذفت الألف، هذِهِ اللغة المشهُورَة ورُوي: تقَالَّتْ بالقَاف بَدَل العَين
واللام مُشَدَدَة يريد استقلالها في السَّماء وارتفاعهَا ومَعْنَاهُما مُتَقَارب.
(قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَرْكَعُ) بالرفع (رَكْعَتَى الفَجْرِ) أي:
سُنة الصُّبح (فَلْيَرْكَعْهُمَا)(٣) تستعمل كان للتكرار والدوَام أي: مَنْ كانت
عَادَته أن يَركعهمَا في السَّفْرِ فَلَيَركعهمَا فيه دلالة عَلى أنهما ليسَتَا بِوَاجِبتَين.
(فَقَامَ مَنْ كَانَ) عَادَته أن يركعهمَا (وَمَنْ لَمْ يَكُنْ) عَادَته أن (يَرْكَعُهُمَا
فَرَكَعَهُمَا) موافقة لأصحابه ولأمِرِهِ بَّهِ بركوعهما لكن ليسَ أمرًا حَتمًا.
(ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ﴾ بلالا (أَنْ يُنَادَي بِالصَّلاَةِ فَنُودِيَ بِهَا) أُسْتدل به
عَلى الأذان للفَوائت كما تقدم، وتعقب بأن النداء أعَم مِنَ الأذان فيَحتَمل
أن يُرادَ به هُنَا الإِقامَة، وأُجيبَ بِأنَّ الرِّوَاية المتَقَدِّمة وفي مُسْلم مِن حَديث
أبي قَتَادَة التصريح بالتأذين (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ فَصَلَّى بِنا) فِيه دلاَلَة عَلى
فَضيلة قضاء الصَّلاة في جَمَاعَة كما تقدم.
(١) الطارق: ١٧.
(٢) في (ص): تواعلت. وفي (س، م، ل): تفاعلت. والمثبت من (د).
(٣) في (د): فليركعها.

٢٣٧
- كتاب الصلاة
(فَلَمَّا أَنْصَرَفَ قَالَ: أَلاَ) بالتخفيف استفتَاحِيَّة يفتح بهَا الكَلام ولهذا
كُسرت هَمِزَة (إِنَّا) بَعْدَهَا وأصلهَا إنَّنَا فحذفَت إحدى النونين تخفيفًا.
(نَحْمَدُ اللَّه) تعالى بفتح النون والمِيْم (أَنَّا) بِفَتح الهَمزة والتشديد
والتقدير: لِأَنَّا فحذفت لام التعليل كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ فَلَ
تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾(١) فأنَّ هُنَا مُتَعَلقَة بما(٢) بَعْدَها، والتقديرُ ولاَ
تُشْركوا مَعَ الله أحَدًا؛ لأن المَسَاجِد لله، وهي: الأعضاء السَّبعَة التي
نَسْجُد(٣) عَليها لله فلاَ تسجُدُوا لَغَيرِه بَها، وَمِثل هذا الحَديث (٤). ((إنا
لم نرده عَليك إلاَّ أنا حُرم))(٥). أي: إلاَّ لأننَا مُحرمُون.
(لَمْ نَكُنْ فِي شَىْءٍ مِنْ أمر الدُّنْيَا يَشْغَلُنَا) بِفتح اليَاءِ والغَين.
(عَنْ صَلاَئِنَا) فيهِ فَضيلَة حَمد الله تعالى على مَا يَتَجَدَّد مِنَ النِّعَم
المُسْتَفَادَة حَيث لم يشغلهم عن الصَّلاة إلا أمر مِن أمُور الآخِرَة، وفيه
أن مَنْ نَامَ عندَ غَلبَة النعاس والتعب ليتقوى به (٦) عَلى العِبَادَةِ فَهوَ
عِبَادَة، ولهذا لم يَجعَلهُ مِن أمْر الدنيا، وقَد مَدَح اللهُ تعَالى مَن لم
يشغلهُ أمْر الدنيا عَن الصَّلاَة بِقَوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَّا نُلْهِمْ تَحَرَةٌ وَلَ بَيْعُ
عَن ذِكْرِ اللهِ﴾ (٧) أي: لاَ يشغلهم شراء ولا بَيْع عَنْ إقامَة الصَّلَوَات(٨)،
(١) الجن: ١٨.
(٢) في (ص): لما.
(٣) سقط من (م).
(٤) في (د، م): حدیث.
(٥) أخرجه البخاري (١٨٢٥)، ومسلم (١١٩٣) (٥٠) من حديث الصعب بن جثامة
(٦) سقط من (م).
(٧) النور: ٣٧.
(٨) في (م): الصلاة.

٢٣٨
فيُؤخذ مِنَ الآية والحَدِيث الذم لمن شَغَلُهُ عَنِ الصَّلاة أمر من أمور الدنيا
والمدح لمن لا يشغله عَنْهَا (١) شَيء أو شغلهُ شَيء مِن أُمور الآخرة.
(ولكن أَرْوَاحَنَا) هَكذا(٢) سَماهَا الروح في ((الموطأ)) فقالَ: ((إن الله
قَبِضَ أروَاحنا ولَو شاء لردها)»(٣) وسَماهَا بلال نفسًا في قوله: أخذ
بنفِسي الذِي أخذ بنفسك. فهمَا إذَا عَبارتَان(٤) عَن مَعنى وَاحِدٍ وَهوَ
مَذْهَب أئمتنا(٥).
(كَانَتْ بِيَدِ الله تعَالى) توفاهَا عِندَ الموت، أي: قبَضهَا عندَ النوم وفيه
تشريف للروح حِينَ أخبَر عَنها بأنها كانَت بِيَد الله تعالى وقدرته.
(فَأَرْسَلَهَا) إلينَا (أَنَّى) أي: مَتَى (شَاءَ) وفي رواية أحمد ورجاله(٦)
ثقات، فقال له قائل: يَا نَبي الله أفرَّطنًا؟ قال: ((لا، قبَضَ الله أرواحنا
وقد رَدهَا إِلينَا وقد صَلينَا))(٧) (فَمَنْ أَدْرَكَ (٨) مِنْكُمْ صَلاة الغَدَاةِ مِنْ غَدٍ
(١) سقط من (م).
(٢) في (ص): هذه.
(٣) («الموطأ)) ١٤/١.
(٤) في (د): عبارة.
(٥) قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢٤٦/٥ بعد أن ذكر اختلاف الناس في النفس والروح
وهل هما واحد أم لا؟ فقال: وما احتج به القوم فليس بحجة واضحة، ولا هو مما
يُقطعُ بصحته؛ لأنه ليس فيه خبر صحيح يقطع العذر، ويوجب الحجة، ولا هو مما
يدرك بقياس ولا استنباط، بل العقول تنحسر وتعجز عن علم ذلك. ا ؟ .
(٦) في (د، م): ورجالها.
(٧) («مسند أحمد» ٤/ ٩٠ من حديث ذي مخمر.
(٨) في (م): أراد.

٢٣٩
- كتاب الصلاة
صَالِحًا(١)) نصب عَلى الحَال أي: في حَال كونه صَالحًا لِقَضَاء الصَّلاة.
(فَلْيَقْضِ مَعَهَا) أي: مَعَ صَلاَة الأداء صَلاة (مِثْلَهَا).
[قال قوم](٢): ظَاهرُهُ إِعَادَة المقضية مرة أخرى عندَ حُضُور مثلها منَ
الوَقت الآتي.
قَالَ القرطبي(٣): ترك العَمل بهذا الظاهِر لأنه يَعارضهُ مَا رَوَاهُ
النسائي(٤) مِنْ حَديث عمران بن حصين أيضًا أنهم قالوا: يَا رَسُول الله
ألا نقضيهَا(٥) لِوَقتها مِنَ الغَد فقال ◌َ: ((لاَ ينهاكم الله عَن الربا(٦)
ويأخذهُ مِنكم)) (٧)؛ ولأنَّ الطُرق المشهورة ليْسَ فيها من تلك الزيَادَة
شَيء إلا مَا ذكر منْ هذا الحَدِيث وهوَ مُحْتَمل.
قالَ الخطابي: لاَ أعلم أحَدًا قَالَ بِظَاهِرِه وجُوبًا، ويُشبِهُ أن يكونَ
الأمر فيه للاسْتِحبَاب ليحرز(٨) فَضيلة الوقت في القَضَاء أَنتَهى(٩).
قَال شَيخُنَا ابن حجر: ولم يقل أحد مَن السَّلف باسْتحبَابِ ذَلك أيضًا
بَل عدُّوا(١٠) هُذا الحَديث غَلَطًا مِن رَاويه، وحَكى ذَلكَ الترمذي وغيره
(١) في (ص): بعدها. فليقض.
(٢) من (د، م)، و((المفهم)).
(٣) «المفهم)) ٣١٦/٢-٣١٧.
(٤) في ((المفهم)): أبو بكر بن أبي شيبة.
(٥) في (د، س، م، ل): نقضها.
(٦) في (ص): الزيادة.
(٧) أخرجه الدارقطني في ((سننه)) ٣٨٧/١.
(٨) في (د، س، م، ل): ليحوز.
(٩) ((معالم السنن)) ١٣٩/١.
(١٠) من ((فتح الباري)).

٢٤٠
عَنِ الْبُخَاري(١) والله أعلم (٢).
قالَ ابن حبَّان: بَعْدَ أن ذكر الحَدِيث مُسْندًا مِنْ حَديث الحَسَن عَن
عمران بن حصَين: الأمر الذي وصَفنَاهُ إنما هُوَ أمر فضيلة(٣) لمن
أحَبَّ(٤) ذلك لا أن كل(٥) مَنْ فَاتَتْهُ صَلاة يُعيدهَا مَرتَين في الوَقت
الثاني(٦).
[٤٣٩] (ثَنَا عَمْرُو (٧) بْنُ عَوْنٍ) الوَاسِطي الحَافظ (قال: ثنا خَالِدٌ عَنْ
حُصَيْنٍ) بالحَاء والصَاد المُهْملتَين مُصَغر.
(عن) عَبد الله (ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ) السَّلمي بفتح السِّين (عَنْ أَبِيه) أبي قتادةً
الحَارِث ◌َّ (فِي هذا الحديث (٨) فَقَالَ: إِنَّ اللَّه قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ) [هُوَ كَقَوله
تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَنَّ الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾(٩) ولا يلزم من قبض الروح
الموت، والموت انقطاع](١٠) تعلق الروح بالبدن ظَاهِرًا وباطنًا، والنوم
انقطاعه من ظَاهِرِه فقط.
(١) قال البيهقي بسنده عن البخاري: لا يتابع في قوله: ((من نسي صلاة فليصلها إذا
ذكرها ولوقتها من الغد)). (السنن الكبرى)) ٢١٦/٢-٢١٧.
(٢) (فتح الباري)) ٨٥/٢.
(٣) في (ص، ل): فضله.
(٤) في (د): أوجب.
(٥) في (ص، د، س، ل): كان. وفي (م): أكل. والمثبت من ((صحيح ابن حبان)).
(٦) ((صحيح ابن حبان)) ٦/ ٣٧٥.
(٧) كتب فوقها في (د): ع.
(٨) في (٥): الخبر قال. وفي (م): الخبر.
(٩) الزمر: ٤٢.
(١٠) سقط من (د).