Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
- كتاب الصلاة
لھاتین(١) الروايتين.
قال السّبكي وغيره: والقَول إلى ثلث الليل أقوى في الدليل وأصح
عند أكثر الأصحَاب، والقَول إلى نصف الليل قالَ به جَمَاعَة، وتبعهم
النووي في ((شَرحِ مُسْلم))(٢) ثم قَال السّبكي(٣): ولا أدري أقال الذي
في ((شرح صحيح مسلم)) عن عمد فيَكون مخالفًا لقوله في
((المنهاج))(٤) وغيره أو عن غَير عمد وهوَ الأقرب.
(وَكَذَلِكَ) رَوَى عبد الله (٥) (ابْنُ بُرَيْدَةَ) قاضِي مَرو، ولم يخرج
البخَاري لأخيه سُليمان بن بريدة شَيئًا (عن أبيه (٦)) بريدة بن الحصيب
الأسلمي شَهِدَ خَيبر (عَنِ النَّبِيِّ
[٣٩٦] (ثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بالتصغير (بْنُ مُعَاذٍ، قَال ثَنَا أَبِي) معَاذ بن معَاذ،
(قال ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ سَمِعَ أَبَا أَيُّوبَ) يحيى بن مَالك الأزدي، ويُقال:
المراغي، والمراغ منَ الأزد.
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو(٧) ◌َ عَنِ النَّبِيِّ نَِّ أَنَّهُ قَالَ: وَقْتُ الظُّهْرِ مَا لَمْ
(١) في (ص): بين.
(٢) ((شرح النووي على مسلم)) ١١٦/٥.
(٣) انظر: ((نهاية المحتاج)) ٣٧١/١.
(٤) ((منهاج الطالبين)) ٨/١. و((المجموع)) ٤٠/٣.
(٥) بل الصواب سليمان، وهو راوي حديث المواقيت، وحديثه أخرجه مسلم في
((صحيحه)) (٦١٣) (١٧٦)، والترمذي (١٥٢)، والنسائي ٢٥٨/١، وهو عند أحمد
٣٤٩/٥.
(٦) في (ص): أخيه.
(٧) في (س): عمر.

١٢٢
يَحْضُرِ العَصْرُ) أي: يدخل وقتها.
(وَوَقْتُ العَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ) أي: لم يَدْخِلهَا صُفرة، وظَاهِره
أنَّ آخِر وقت العصر قَبْل مخالطَة الصُّفرة، وهذا كما قال في حَديث
بريدة: ثم أمَرَهُ بالعَصْر والشمس بيضاء نقية (١).
(وَوَقْتُ المَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ فَوْرُ) بالفاء من فار الماء إذا (٢) أندَفع
وظهَر، وفي رواية مُسْلم: ثور (٣) بالثاء المثلثة أي: ثورَانه وانتشاره
وهوَ بمَعنَاهُ.
(الشَّفَقِ) الأحمر عندَ الشافعي (٤) وجمهور الفقهاء وعندَ أبي حنيفة(٥)
والمُزَني(٦) وبعض (٧) أهل اللغَة: المراد الأبيض، والأَول الراجح(٨)
المختار، وهذا يُؤذن بأن وقت المغرب مُوسع (٩) كسَائر أوقات
الصَّلوات، وهوَ مُوَافق لحَديث أبي مُوسَى: وصَلى بي المغرب في
اليَوْم الثاني حِين غَابَ الشفَق(١٠).
(١) هو حديث بريدة السابق تخريجه.
(٢) زاد هنا في (ص): ارتفع.
(٣) ((صحيح مسلم)) (٦١٢) (١٧٢).
(٤) ((الأم)) ١٥٦/١.
(٥) انظر: ((المبسوط)) للسرخسي ٢٩٢/١ -٢٩٣.
(٦) انظر: ((الحاوي الكبير)) ٢٣/٢.
(٧) من (د).
(٨) في (ص): أرجح.
(٩) في (ص، ل، س): يوسع.
(١٠) سبق تخريجه. وفي بعض ألفاظه: (عند سقوط الشفق)، وبعضها: (قبيل غياب
الشفق)، ولم أجد أنه صلى المغرب حين غاب الشفق.

١٢٣
- كتاب الصلاة
(وَوَقْتُ العِشَاءِ) أي: وَقت أدَائِهَا أَختيَارًا (إِلَى نِصْفِ اللَّيِلِ) وأمَّا وقت
الجَوَاز فَيَمَد إلى طلوع الفَجر الثَاني لحَديث أبي قتادَةٍ(١) وغيره.
وَقَالَ الإصْطخري: إذا ذَهب نصْف الليْلِ صَارَت إذًا (٢) قضَاء وتقدم
ذَلك(٣).
(وَوَقْتُ صَلاَةِ الفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ)(٤) هذا قَول جُمْهور
العُلماء(٥) والاختيارُ أن لا يؤَخر عَن الإسفار(٦) لبَيَان جبريل، وقال
الإصْطخري(٧): به يخرج الوقت.
(١) يعني حديث: ((إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى))
وأخرجه مسلم (٦٨١) (٣١١) وسيأتي تخريجه.
(٢) سقط من (د، م).
(٣) انظر: ((الحاوي الكبير)) ٢٥/٢، و((المجموع)) ٣٦/٣.
(٤) أخرجه مسلم (٦١٢) (١٧٣)، والنسائي ٢٦٠/١، وأحمد ٢١٣/٢.
(٥) ((الإجماع)) لابن المنذر (٣٧).
(٦) في (ل): الاسفرار.
(٧) ((الحاوي الكبير)) ٣٠/٢.

١٢٤
٣- باب فِي وَقْتِ صَلاةِ النَّبِيِّ ◌َِّ وَكَيْفَ كَانَ يُصَلِّيها
٣٩٧- حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْراهِيمَ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْراهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ
ابْنِ عَمْرِو - وَهُوَ ابن الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالِبٍ - قالَ: سَأَلّنا جابِرًا عَنْ وَقْتِ صَلاةِ
النَّبِيِّ ◌َّهِ فَقالَ: كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالهاجِرَةِ والعَصْرَ والشَّمْسُ حَيَّةٌ والمغْرِبَ إِذا غَرَبَتِ
الشَّمْسُ والعِشاءَ إِذا كَثُرَ النّاسُ عَجَّلَ وَإِذَا قَلَّوا أَخَّرَ والصُّبْحَ بِغَلَسٍ(١).
٣٩٨- حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي اِنْهالِ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ قالَ:
كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّه يُصَلِّي الظُّهْرَ إِذا زالَتِ الشَّمْسُ وَيُصَلِّي العَصْرَ وَإِنَّ أَحَدَنا لَيَذْهَبُ
إِلَى أَقْصَى المَدِينَةِ وَيَرْجِعُ والشَّمْسُ حَيَّةٌ وَنَسِيتُ المغْرِبَ وَكانَ لا يُبالِيٍ تَأْخِيرَ العِشاءِ
إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ. قَالَ ثُمَّ قالَ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ. قَالَ وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَها والَحَدِيثَ
بَعْدَها وَكانَ يُصَلِي الصُّبْحَ وَمَا يَعْرِفُ أَحَدُنا جَلِيسَهُ الذِي كانَ يَغْرِفُهُ وَكَانَ يَقْرَأُ فِيها
مِنَ السَّتِّينَ إِلَى المائَةِ(٢).
باب وَفْتِ صَلاَةِ النَّبِيِّ * وَكَيْفَ كَانَ يُصَلِّيهَا
[٣٩٧] (ثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الأزدي الفراهيدي شيخ البخاري.
(ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بن عَبد الرحمن بن عَوف الزهري
قاضي المَدينَة (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الحَسَنِ) بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ
(قَالَ: سألنا(٣) جَابِرًا عَنْ وَقْتِ صَلاَةِ النَّبِيِّ نَّهِ فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ
بِالْهَاجِرَةِ) وهي شدَّة الحَر، والمرادُ: هنَا نصف النهار بَعْدَ الزوَال مِنَ
(١) رواه البخاري (٥٦٥)، ومسلم (٦٤٦).
(٢) رواه البخاري (٥٤١، ٥٤٧)، ومسلم (٦٤٧).
(٣) في (ص): سألت.

١٢٥
= كتاب الصلاة
الهجر، وهوَ الترك؛ لترك الناس التصرف (١) حينئذ لشدة الحَر.
قال الخَليل: الهَجير والهجر (٢) والهَاجرة نصف النهار، وأهجر القَوم
وَتهجَّروا: سَاروا في الهَاجِرَةَ(٣).
(وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ) حَيّاتها بقاء لَونها قَبل أن تتغير أو تصْفر.
(وَالْمَغْرِبَ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ) وهوَ أول وقتها بالإجماع (٤).
(وَالْعِشَاءَ إِذَا كَثُرَ النَّاسُ عَجَّلَ) قالَ ابن دقيق العيد: هذا الحَديث
يتَعلق بشيء لم يتكلمُوا فيه، وهوَ أن صَلاة الجَماعَة أفضَل مِنَ الصَّلاَة
في أوَّل الوَقت وبالعكس، حَتى أنهُ إذا تعارَضَ في شخص أمَران
أحَدُهما أن يقدم الصَّلاة في أول الوَقت مُنْفردًا أو يُؤَخرهَا في الجَماعَة
أيُّهمَا أفضَل؟ قال: والأقرب عندِي أنَّ التأخير لصَلاة الجماعة أفضَل
وهُذا الحَديث يَدُل عَليه لقَوله: (إِذَا قَلُّوا أَخَّرَ) أو ((إذا أبطؤوا أخَّر))(٥)
وهو لأجْل الجَماعَة مَعَ إمكان التقديم؛ ولأن التشديد في ترك
الجماعة والترغيب في فعلها موجود في الأحاديث الصحيحة، وفضيلة
الصَّلاة لأول وقتها ورَدَ على وَجْه (٦) الترغيب في الفضيلة(٧) انتَهَى (٨).
(١) في (د): التفرق.
(٢) من (د، س، م، ل) و((العين)).
(٣) ((العين)) (هجر).
(٤) ((الإجماع)) لابن المنذر (٣٥).
(٥) ((صحيح البخاري)) ٥٦٠.
(٦) في (د): فضيلة. وفي ((إحكام الأحكام)): جهة.
(٧) في (ص): فعلها في الصلاة. وفي (ل، س): في الصلاة. والمثبت من ((إحكام
الأحکام)».
(٨) ((إحكام الأحكام)) ص ٩٥.

١٢٦
وهذه المسألة فيها خلاف مُنتشر لأصحابنَا، والمختَار التقديم في أول
الوَقت إن فحش التأخير، وإلا فالانتظار للجَماعَة.
(وَالصُّبْحَ) كانَ يُصَلِيهَا بأصحابه (بغَلَسٍ) وهو اختلاط ضيَاء الفَجر
بظلمة الليْل كذا فسَّرَهُ صَاحِب ((العمدة)) (١)، وفيه دلالة على فضيلة
التغليس بصَلاة الصُبح.
[٣٩٨] (ثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قال ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي المِنْهَالِ) سيار(٢)
ابن سَلامَة، (عَنْ أَبِي بَرْزَةَ) نضلة بن عبيد هذا أصَح مَا فيه شهدَ الفتح
أنفرَد له مُسْلم بأربعة أحاديث والبخاري بحَديثين وهوَ أسلمي نسبة إلى
جَدّه أسلم بن أفصى بالفاء.
(قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِّهِ يُصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ) وقد
يسْتمسك بِهِ مَن يَقول مِنْ أصحَابنَا بأن فضيلة أول الوَقت لا تحصُّل إلا
إذا قدمَ مَا يمكن تقديمه على الوَقت كالطهَارة وغيرها، وهوَ ضَعيف،
إذ لا يمكن وقوع جَميع الصَّلاَة عندَ الزوَال، والصَّحيح عندَ أصحابنا
أنَّ(٣) فضيلة أوَّل الوَقت(٤) تحصُل بِأَن يَشتغل بأسْبَاب [الصلاة عقيب
دخول](٥) الوقت.
(١) ((عمدة الأحكام)) ١٩/١.
(٢) في (ص): بشار.
(٣) في (د، م): بأن.
(٤) في (م): وقت.
(٥) في (ص): رحله كما دخل. وسقطت كلمة: رحله من بقية النسخ. والعبارة مضطربة
غير مفهومة. وما أثبتناه من ((إحكام الأحكام)) لابن دقيق العيد (ص٩٧) وهو أليق
بالسياق.

١٢٧
- كتاب الصلاة
(وَيُصَلِّي العَصْرَ وَإِنَّ أَحَدَنَا لَيَذْهَبُ إِلَى (١) أَقْصَى المَدِينَةِ) أي: أبعدَ (٢)
دَار فيهَا (وَيَرْجِعُ) ظاهره حُصُول الذهاب إلى أبعَد دَار في أقصى المدينة
والرجُوع إلى المسجد لكن في روَاية عَوف مِنَ البخاري(٣): ثُم يَرجع
أحَدنا إلى رَحله في أقصى المدينة(٤). فليسَ فيه إلا الذهَاب دون
الرجُوع وطَريق الجَمْعِ بَينهما بأن يقال أن يكون (يَرجع) في مَوضع
الحَال، أي: يذهب رَاجعًا، وَجوز الكرمَاني أن يكون يَرجع خَبَر
المبتَدأ الذي هوَ أحَدنا هذا عَلى عبارة البخاري وأحَدنا.
وأمَّا هنا على قوله فيكون خبر (إن) و(يَذهب) جملة حالية، وهذا
مخالف لرواية عَوْف، ودُخول لاَم الابتداء على الجملة الحالية بعيد(٥).
(وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ) أي: حَية بوجود حَرهَا؛ وهوَ مجَاز عَن بقاء بَيَاضهَا،
وعدَم مخالطة الصُّفرة لهَا.
(وَنَسِيتُ) مَا قال في (الْمَغْرِبَ) قائل ذلك سيار(٦) كما بينه أحمد في
روايته عن حجاج عن شعبة عنه(٧).
(وَكَانَ لاَ يُبَالِي تَأْخِيرَ) منصوب يحتمل أن ينصب على المفعُول لهُ
أي: لأجل تأخير العشاء، ويحتمل أن ينصب على حَذف حَرف الجَرّ
(١) زاد في (د): رحله في.
(٢) في (ص، د): أبعدها. والمثبت من (م).
(٣) في (م): الصحابة.
، ((صحيح البخاري)) (٥٤٧).
(٤)
(٥) انظر: ((فتح الباري)) ٢٢/٢.
(٦) في (د، ل، م): هو سیار.
(٧) «مسند أحمد)) ٤٢٥/٤.

١٢٨
أي(١): مِن تأخير (العشاء) أي: تأخير وقتها.
ورواية البخاري: ((لا يبالي أن يُؤخر من العشاء))(٢).
قال ابن دقيق العيد: فيه دليل على استحباب التأخير قليلاً؛ لأن
التبعيض بـ (من) يدل عليه(٣). وتُعُقِّبَ (٤) بأنه بعض مُطلق لا دلالة فيه
على التخصيص في قلة ولا كثرة، وهذا التأخير إنما كان لانتظار من
يجيء لصَلاة الجماعَة (إلى ثلث الليل) هذا يَرد على ما قاله ابن دقيق
العيد في روَاية البخاري أنها تدل على استحباب تأخر العِشَاءِ لاسيما
قوله فيما بعد(٥).
(قالَ) لعله سَيَّارُ الناسِي في المغرب (ثُمَّ قَالَ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ) قد يجمع
بَينهما بأن قوله: إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ يَعني: ابتداؤها، وتسْتمر في الصلاة مَعَ
طول القراءة والذكر بَعدَها وصَلاة سنة - إن كانت- إلى نصف الليل.
(قَالَ: [وَكَانَ](٦) يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا) خشية التمادي فيهِ إلى خروج وقتها
المختار أو الضروري أوْ خشية نسيانها. وقد كرههُ عُمَر(٧) وابنه وابن
عَباس(٨)، وبه قال مَالك(٩) وأصحابه حتى قالَ النسائي: هُذِه الكراهة
(١) في (م): الأتي.
(٢) ((صحيح البخاري)) (٥٤٧) ولفظه: وكان يستحب أن يؤخر من العشاء.
(٤) في (ص): يعبر.
(٣) ((إحكام الأحكام)) ص٩٥.
(٥) في (د، م). بعده.
(٦) سقط من (م).
(٧) ((مصنف عبد الرزاق)) (٢٠٣٧) عن عمر﴾ ... والعشاء إذا غاب الشفق إلى ثلث
الليل لا تشاغلوا عن الصلاة فمن نام فلا نامت عينه، فمن نام فلا نامت عينه».
(٨) ((الاستذكار)) ٩٢/٢.
(٩) ((الموطأ)) ١١٧/١. وانظر: ((الاستذكار)) ٢٢٠/٥.

١٢٩
= كتاب الصلاة
لا تَختص بالعشاء بَل تدخل في مَعناها بقية الصَّلوَات؛ لأن العلة
مَوْجُودَة، ورَخصَ فيه علي وابن مسعود والكوفيون.
قال الطحاوي: يرَخص فيه بشرط أن يكونَ مَعَهُ مَن يُوقظه أو
يذكرهُ(١). وعَلى هذا [فتنتفي علة](٢) الحَديث المستنبطة.
(وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا) أي: بَعدَ فعلها إمَّا لخشية(٣) أن ينامَ عن الصُبخ
بِسَبَب سَهَره أول الليل، وإِمَّا لخَشية الوقوع في اللغَط واللغو، ومَا لا
ينبغي أن يختم به اليقظة بعَد أن ختمه بالصَّلاَة، وهذا الحديث يستثنى
منهُ مَا إذا كانَ الحَديث في خَيرِ كُمُذاكرة العِلم والحَديث مَعَ الضيْف
لمؤانسته ونحوه، وقد بَوبَ عَليه البخاري باب السَّمر في العِلم.
وذكر القرطبي في تفسير قوله تعَالى: ﴿سَمِرًا تَهْجُرُونَ﴾ (٤) أن سبَب
كراهة الحَديث بَعدَها أنَّ الصَّلاَة قد كفرت خطاياه فيَنَام عَلى سَلاَمة،
وقد ختم كتاب صحيفته بالعبَادَة(٥).
وروى جَابر مَرفوعًا: ((إياكم والسمر بعد هدأة الليل، فإن أحَدكم لا
يدري مَا (٦) يَبث الله في خلقه))(٧) وروي عَن عمَر: أنه كَانَ يَضْرب الناس
(١) انظر: ((شرح النووي)) ١٤٧/٥.
(٢) في (ص، س، ل): فينبغي عليه.
(٣) كذا في (م). وهو الأقرب وفي بقية النسخ : بخشية.
(٤) المؤمنون: ٦٧.
(٥) ((الجامع لأحكام القرآن)) ١٢/ ١٣٨.
(٦)
في (م): متى.
(٧) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) ٢٨٤/٤. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على
شرط مسلم ولم يخرجاه.
وحسنه الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) (١٧٥٢).

١٣٠
عَلى الحَديث بعد العشاء، ويَقول سَمَرًا أوَّل الليل ونَومًا آخره أريحُوا
كُتّابكم(١)، وقيلَ الحِكمة في ذلك؛ لأن الله جَعَل الليل سَكنًا فلا
تخالف حكمته، وقيل: لأنهُ كانَ مِن أفعَال الجاهلية.
(وَكَانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ وَيَعْرِفُ أَحَدُنَا جَلِيسَهُ الذِي كَانَ يَعْرِفُهُ) استدل
بذلك على التعجيل بصَلاة الصُبح؛ لأن ابتدَاء معرفة الإنسَان وجْه
جَليسه يكون في أوَاخِر الغلَس، وقَد صَرحَ بأن ذلك كانَ عند فراغ
الصَّلاَة، ومن المعلوم من قراءته بَّرَ عَلَى عَادَته (٢) ترتيل القراءة امتثالاً
لأمر الله تعَالى وتعديل الأركان فيقتضي ذلك أنه كانَ يَدْخُلُ فيهَا مغلسًا.
وادّعى ابن المنير أنه مخالف لحَديث عائشة المتقدم: ((لا يعرفنَ
مِنَ الغَلَس))(٣)، وأُجيب بأن الفرق بينهما ظاهر، وهو أن هذا
الحَديث متعلق بِمَعرفة مَن هوَ مُسْتقر (٤) جَالس إلى جَنب المُصَلي
فهو ممكن أنه إذا سَلم في(٥) الصَّلاة يعْرفه وحَديث عائشة متَعلق
بمن هوَ مُلتف (٦) بجلباب ونحوه مَعَ أنه عَلى بعد منهنَّ فلا يعرفهن(٧).
وَكَانَ يَقْرَأُ فِيهَا (بالستين)(٨) آية (إِلَى الِمِائَةِ) وقدَّرَهَا في رواية
الطبرَاني بسُورَة الحَاقة ونحوها.
(١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ١٣٨/١٢.
(٢) في (م): قاعدته.
(٣) تقدم.
(٤) في (د): مسفر.
(٥) في (د): من.
(٦) في (د، س، م، ل): متلفف.
(٧) في (د): يعرفن، وانظر: ((فتح الباري)) ٣٤/٢.
(٨) في (ص): بالتسعين. وفي (د): الستين.

=
كتاب الصلاة
١٣١
٤- باب فِي وَقْتٍ صَلاةِ الظُّهْرِ
٣٩٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلِ وَمُسَدَّدٌ قالا: حَدَّثَنَا عَبّادُ بْنُ عَبّادٍ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ
عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحَارِثِ الأَنَصارِيِّ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قالَ: كُنْتُ أُصَلِّي الظُّهْرَ
مَعَ رَسُولِ اللهِ وَِّ فَآَخُذُ قَبْضَةً مِنَ الَصَى لِتَبْرُدَ في كَفِّي أَضَعُها لَجَبْهَتِي أَسْجُدُ عَلَيْها
لِشِدَّةِ الحرّ(١).
٤٠٠- حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا عَبِيدَةُ بْنُ مُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي مالِكِ
الأَشْجَعِيِّ سَعْدِ بْنِ طارِقٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُذْرِكٍ عَنِ الأَسْوَدِ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ:
كانَتْ قَدْرُ صَلاةِ رَسُولِ اللهِ وََّ فِي الصَّيْفِ ثَلاثَةَ أَقْدَامِ إِلَى خَمْسَةِ أَقْدامٍ وَفي الشِّتَاءِ
خَمْسَةَ أَقْدَامِ إِلَى سَبْعَةِ أَقْدَامٍ(٢).
٤٠١- حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنِي أَبُو الحَسَنِ - قَالَ أَبُو
داودَ: أَبُو الحَسَنِ هُوَ مُهَاجِرٌ- قالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا ذَرِّ يَقُولُ
كُنّا مَعَ النَّبِيِّ وََّ فَأَرَادَ المُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ الظُّهْرَ فَقالَ: ((أَبْرِدْ)). ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ:
(أَبْرِذْ)). مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثَا حَتَّى رَأَنْنَا فَىْءَ الُّلُولِ ثُمَّ قالَ: ((إِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ
فَإِذا أُشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلاةِ»(٣).
٤٠٢- حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خالِدِ بْنِ مَوْهَبِ الهَمْدَانُّ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ الثَّقَفِيُّ، أَنَّ
اللَّيْثَ حَدَّثَهُمْ، عَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وَأَبِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ
(١) رواه النسائي ٢/ ٢٠٤، وأحمد ٣٢٧/٣.
وحسن إسناده الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٤٢٨).
(٢) رواه النسائي ١/ ٢٥٠، والطبراني في ((الكبير)) ١٣٠/١٠ (١٠٢٠٤)، والحاكم في
((المستدرك)) ١٩٩/١.
وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٤٢٩).
(٣) رواه البخاري (٥٣٥)، ومسلم (٦١٦).

١٣٢
رَسُولَ اللهِ وَّهِ قالَ: ((إِذا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلاةِ)). قالَ ابن مَوْهَبٍ:
((بِالصَّلاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيِحِ جَهَنَّمَ))(١).
٤٠٣- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا حَمّادٌ، عَنْ سِماكِ بْنِ حَبٍ، عَنْ جابِ
ابْنِ سَمُرَةَ أَنَّ بِلالاً كَانَ يُؤَذِّنُ الظُّهْرَ إِذا دَحَضَتِ الشَّمْسُ(٢).
باب وَفْتِ صَلاَةِ الشُّهْرِ
[٣٩٩] (ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلِ وَمُسَدَّدٌ قَالاَ، ثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ) بن حبيب بن
المُهَلب بن أبي صفرة، قالَ الترمذي عَن قتيبة(٣): [كنا نرضى أن
نرجع] (٤) من عند(٥) عباد كل يوم بحديثين(٦)، روى لهُ الجماعة.
(قال: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو) ابن عَلقمة بن وقاص (عَنْ سَعِيدِ بْنِ
الحَارِثِ) ابن المعلي (الأَنْصَارِيِّ) الحجازي قاضِي المدينة مِن مَشاهير
التابعين.
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي الظُّهْرَ) روَاية النسَائي: كُنْا
نُصَلِّي الظُّهْرِ(٧) (مَعَ رَسُولِ اللهِ وَيَ فَآَخُذُ قَبْضَةً مِنَ الحَصَى) أي: وأنا
في الصَّلاة (لِيَبْرُدَ فِي كَفِّي) زادَ النسَائي ولفظه: فَآَخُذُ قَبْضَةً مِنَ حصى
في كفي أبردهُ ثم أُحَوِّلهُ(٨) فِي كَفِّي الأخرى(٩) فإذا سَجدتُ وضَعته
(١) رواه البخاري (٥٣٦)، ومسلم (٦١٥/ ١٨٠ - ١٨١).
(٣) في (م): قريبة.
(٢) رواه مسلم (٦٠٦).
(٤) في (ص): كان رضي يرجع. وفي (ل، س): كان يرضى أن يرجع.
(٥) في (م): عندنا.
(٦) ((سنن الترمذي)) ١٠/٥.
(٧) (سنن النسائي)) ٢٠٤/٢.
(٩) في (م): الآخر.
(٨) ((سنن النسائي)) ٢٠٤/٢.

١٣٣
= كتاب الصلاة
[فِي جَبْهَتِي] (١) (أَضَعُهَا) أي: عَلَى الأرض.
(لجبهتي (٢) أَسْجُدُ عَلَيْهَا لِشِدَّةِ الحَرِّ) بَوَّبَ عليه النسَائي. بَاب تَبريد
الحَصَى للسجود عَليه(٣) وسَاقهُ المُصنف في وقت صَلاة الظهر لما فيه
من تعجيل الصَّلاة في أوَّل وقتها عند شدَّة الحَر، وحمو الأرض
بالشمس، حَتى كانوا يُبرِّدُوا الحَصَى التي يسجدون عَليْهَا لَيَقِيَهُمْ مِن
حَرِّ الرمضَاء، وقَريب منه روَاية مُسْلم: شكونا إلى النَّبِي ◌َّ حَر
الرمْضَاء فلم يشكنا(٤) أي: لم يجبنا إلى طلبنا لما شكونا إليه.
[وهَذان الحَديثان معَارضان](٥) لأحاديث الإبراد ولهذا مَال الأثرم
والطحَاوي إلى نسخ حَديث خباب، قال الطحَاوي(٦): ويَدُل عليه
حَديث المغيرة: كنا نُصلي بالهَاجِرة فقَالَ لنَا: ((أبْرُدُوا))(٧) فتبَين أن
الإبرَاد كانَ بعدَ التهجير (٨).
قال السُّبكي: أحاديث الإبراد ناسِخَة للتعجيل بهَا في شدة الحَر ويدل
عليه ما وَرَدَ في روَاية الخلال: كانَ آخر الأمرين مِن رَسُول الله وَلَّةِ الإبراد
يعني بالظهر ثم استمر عليه العَمل.
[٤٠٠] (ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قال: ثَنَا عَبِيدَةُ) بفَتح العَين المهملة
(١) في (د، م): لجبهتي.
(٣) ((سنن النسائي)) ٢٠٤/٢.
(٢) في (ص): بجبهتي.
(٤) ((صحيح مسلم)) (٦١٩) (١٨٩).
(٥)
في (ص): وهذا الحديث معارض.
(٦)
شرح معاني الآثار ١٨٨/١.
(٧) أخرجه أحمد في ((المسند)» ٢٥٠/٤، وابن ماجه في ((سننه)) (٦٨٠) وصححه
الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)) (٥٥٤).
(٨) انظر: ((التلخيص الحبير)) ٣٢٦/١.

١٣٤
وكسْر البَاء الموحّدة (بْنُ حُمَيْدٍ) ابن عَبْد الرحَمن التيمي النحوي رَوَى عنه
البخاري. (عَنْ أَبِي مَالِكِ الأَشْجَعِيِّ) وهوَ (سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ) بن أشيم الكوفي
يُعَدّ في التابعين. (عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُذْرِكٍ) الأشجعي أخرَج له مُسلم.
(عَنِ الأَسْوَدِ) ابن يزيد النخعي نسبة إلى جدِّه [نَخع، خال](١) إبراهيم
النخعي أدرَك زَمَنِ النَّبَِِّ ولم يرهُ.
(أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: كَانَتْ قَدْرُ صَلاَةِ رَسُولِ اللهِوَ) لفظ
روَاية النسائي: كانَ قدر صَلاة رسُول الله وَِّ الظهر(٢) (فِي الصَّيْفِ ثَلاثةَ
أَقْدَامِ إِلَى خَمْسَةِ أَقْدَامٍ وَفِي الشِّتَاءِ خَمْسَةَ أَقْدَامٍ إِلَى سَبْعَةٍ أَقْدَام)(٣).
قال الشيخ تقي الدين السبكي: قد اختلف الناس في معنى هذا
الحَديث والذي عندي فيه أنهُ كانَ يُصَليهَا في الصَّيف بعد نصف الوقت
وفي الشتاء أوله، ومنه يُؤخذ حَد الإبرَاد(٤) وإنما قُلت ذَلك؛ لأن أول
الصَّيف لا يبقى بالمدينة ظِل وقت الزوَال وأوَّل الشتَاء يَكونُ عندَ
الزوَالِ سَبْعَة أقدَام فصَلاته عندَ كَون الظل [ثلاثة أقدَام](٥)، وهو في
أوَّل الصَّيف في بُرجِ السَّرطان.
ويَكونُ الماضِي مِنْ وقت الظهر إذ ذَاك ثلاثة أخماسه إلا دقَائق
وصَلاتهُ عندَ كونه خَمْسَة أقدَام في وقت يكونُ ظل الزوال قَدَمين
فتضمها إلى الثلاثة التي يؤخرها بسبب الإبرَاد يكون خَمسَة، وذلكَ
حين يَبقى من فَصل الصَيْف خَمسَة عَشر يومًا ويكونُ المَاضي من وقت
(١) سقطت من (م).
(٢) ((سنن النسائي)) ١/ ٢٥٠.
(٣) كتب عندها حاشية في (م): وأخرجه النسائي ستة.
(٤) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) ٤٥/٣.
(٥) تكررت في (د، م).

١٣٥
- كتاب الصلاة
الظهر ثلاثة أخماس ونصف خُمس تقريبًا.
ويكون ذلك قبلَ أوَّل الصَّيف أيضًا حينَ يشتَد الحرُّ وصَلاته وَِّ حِينَ
يَكونُ الظَّل سبعة هوَ في أول الشتاء حينَ يَكون الزوال سَبعَة أقدَام فَإِنهُ
يُصَليهَا في أوَّل الوَقت وصَلاته مَا بَيْنَ الخمسَة والسَّبعة قبل ذَلك
بقليل، وبعد بقليل وذاك أيضًا في أول الوَقت إذ لا حَاجَة إلى الإبراد
فوقت صَلاته وَّر في الشتاء أوَّل الوقت لم يختلف [وفي الصيف بعد
نصف الوقت](١) لم يختلف وإنما اختلف حَال الظل بسَبَب زيَادَة ظِل
الزوَال ونقصه فاعلم ذلك فإني حَرَّرتُه.
[٤٠١] (ثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيَالِسِيُّ شيخ البخاري،
(قال: ثَنَا شُعْبَةُ قال: أَخْبَرَنِي أَبُو الحَسَنِ هو (٢) مُهَاجِرٌ) التيمي مَولاهم
الصَّائغ روى له الشيخان في الصَّلاة (قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ
يقول(٣) سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ) جندب (٤) ابن جنادة ﴾ (يَقُولُ: كُنَّا مَعَ رَسُول
وَّ فَأَرَادَ المُؤَذِّنُ) يَعْني: المعرُوف وهوَ بلال. (أَنْ يُؤَذِّنَ) فيه أن الأذَان
يتعلق بنظر المؤذن ولا يَحتاج إلى إذن الإمَام بخلاف الإِقَامَة وأن
المستحب أن يَكون للأذَان مُؤذن مَعْروف وأن يَكونَ مُتَطْوِّعًا كبِلاَل.
(الظُّهْرَ) بالنصب أي: وقت الظهر (فَقَالَ): ظاهِر هذا الحَديث أن
الأَمْر بالإبراد(٥) وقَع قبل الأذان(٦) ورواية البخاري: أذن مؤذن النبي
(١) تكررت في (م).
(٢) من (د)
(٣) ساقطة من (ص).
(٤) في (م): حنیدر.
(٥) في جميع النسخ: بالأذان. والمثبت هو الصواب؛ إذ الأمر كان بالإبراد ولم يكن
بالأذان.
(٦) من (د، م).

١٣٦
وَّ الظهر فقال: (أبرد) أنَّ ذَلك وقع بعَد تقدم الأذان منه فيجمَع بينَهما عَلى
أنه شرع في الأذان فقال لهُ أبرد فترك فعَلى هذا تقدير رواية المصَنف:
فأَرَادَ أن يتم الأذان، وَروَاية البُخاري معْنَى أَذَّنَ شَرع في الأذان.
(أَبْرِدْ) بفتح الهمزة و(١) [بقطع الهمزة](٢) وكسْر الراء أي: أَخِّرْ إلى
أن يَبْرُد الوَقت. يُقَال: أبرد إذا دخل في البرد، وأظهر إذا دَخل في الظهيرة
ومثلهُ في المكان أنجد إذا دَخل نجدًا (٣) وأتهم إذا دَخل تهامة، والأمر
بالإبرَاد أمر استحباب، وقيل: أمر إرشاد، وقيل: بَل هوَ للوجُوب
حَكَاهُ عَيَاض(٤) وغيره، وغفل الكرمَاني فنقل الإجماع عَلى عَدَم
وجُوبه نعم قَالَ جُمهُور أهل العلم: يُستَحبُّ(٥).
(ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ: أَبْرِدْ) قيدَ الشافعي استحباب الإبراد
باختصاصه ببلد حَار وجماعة مَسْجِد يقصدونه من بعد(٦)، والمشهور
عَنِ أحمدَ(٧) التسوية مِن غَير تخصيص ولا قيد(٨)، وهوَ قول
إسحاق(٩) والكوفيين(١٠) وابن المنذر (١١).
وفيه دلالة على استحبَاب الإبرَاد بالأذان كما يُستحب الإبراد بالصَّلاة
(١) من (م).
(٢) ليست في (د).
(٣) في (د): بهذا.
(٤) ((إكمال المعلم)) ٢/ ٥٨١.
(٥) انظر: ((فتح الباري)) ٢١/٢.
(٦) ((الأم)) ١٥٣/١.
(٧) ((مسائل أحمد وإسحاق برواية الكوسج)) (١٢٧)، وانظر: ((المغني)) ٣٥/٢.
(٨) في (م): فيه.
(٩) ((مسائل أحمد وإسحاق برواية الكوسج)) (١٢٧)، وانظر: ((المغني)) ٣٥/٢.
(١٠) انظر: ((المبسوط)) للسرخسي ٢٩٥/١.
(١١) ((الأوسط)) ٢/ ٣٦٠-٣٦١.

١٣٧
- كتاب الصلاة
لقوله للمؤَذن: ((أبْرِد)) ولقَول عُمر لأبي مَحْذُورَة مُؤذن مَكة: إنكَ في بَلدَ
حَار فأبرد على الناس(١).
قالَ السبكي(٢): ونقل بَعض المتأخرين عَن المذهب أنه لا يُستَحب،
والحَديث حجة عليه، ثم قال: ولعَلَّ ذلك محمول على مَا إذَا علم من
حَالِ السَّامعين أنهمُ يَحضرُون عقب(٣) الأذَان فَيبرد لئلا يَشق عليهم،
أمَّا إذا كانَ في نَاس لا يَحْضُرُون عَقب (٤) الأذَان فينبغي الأذان في
أول الوقت ليعلم دخوله.
(مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا) شَك من الراوي (حَتَّى رَأَيْنَا) هُذِه الغاية بقوله: فقال
له: ((أبرد)) أي: كانَ يقول في الزمَان الذي قبل الرؤية أبْرد فَأَبْرد إلى أن
رَأيْنَا (فَىْءَ) بفتح الفاء وسُكون اليَاء بَعْدَهَا هَمزَة وهوَ مَا بَعد الزوَال منَ
الظل (التُّلُولِ) بِضَم التاء جَمْع تَلّ بِفَتح المثَناة وتشديد اللام وهوَ كُل
مَا أُجتمعَ عَلى الأرض مِنْ تراب ورمل أو نحو ذلكَ، وهي في الغالب
مُسَطحة غَير شاخصَة ولا يظهر لها ظل إلا إذا(٥) ذَهَبَ(٦) أكثر وقت
الظهر.
وقد اختلفَ العُلماء في غَايَة الإبراد فقيل: حَتى يَصل الظل ذراعًا بعد
ظل الزوَال، وقيل: ربع قامة، وقيلَ ثلثها، وقيل: نصفها، ونزلهَا
(١) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) ٤٣٩/١.
(٢) في (ص): الشبلي، وانظر: ((أسنى المطالب)) ١/ ١٢٠، ((تحفة المحتاج)) ٤٢٦/٤.
(٣) في (م): عقيب.
(٤) في (م): عقيب.
(٥) ليست في (د، م).
(٦) زاد في (ص): وقت.

١٣٨
المازري(١) على اختلاف الأوقات، والجاري على القواعد أنه يختلف
باختلاف الأحوال لكن يشترط أن لا يمتَد إلى آخِرِ الوقت(٢).
وأما رواية البخاري في الأذان عن شعبة بلفظ حَتى سَاوى الظل
التلول(٣) فظاهرُه يقتضي أنَّه أَخَّرهَا إلى أن صَار ظل كل شيء مثله
ويحتمل أن يَراد بهذِه المسَاوَاة(٤) ظهُور الظل بَجنب(٥) التل بعد أن لم
يَكن ظاهرًا فسَاوَاهُ في الظهور لا في المقدَار أو (٦) يُقَالُ قد كَانَ ذلكَ
في السَّفَر فلعَلهُ أخَّرَ الظهر حَتى يَجْمَعَها مَعَ العَصر.
(ثُمَّ قَالَ: إِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ) تعليل لمشروعية التأخير المذكور. وهَل
الحكمة فيه دَفع المشقة؛ لكونها قد تسلبُ الخشوع؟ أو لأنها الحَالة
التي ينتشر فيها العَذاب؟ ويؤيده روَاية عَمرو بن عبسة لمُسلم حَيث
قالَ: ((أقصر عن الصَّلاة عند استواء الشمس فإنهَا سَاعَة تسجر فيها
جَهَنم))(٧).
وقد يستشكل هذا بأن الصلاة سَبَب الرحمة؛ ففعلهَا مَظنة لطرد
العَذاب فكيفَ أمَر بتركها وأجَابَ عليه(٨) أبو الفتح اليعمري بأن
التعليل إذا جَاء من جهة الشارع وَجَبَ قبُوله، وإن لم يفهم معناه
واستنبط لهُ ابن المنَير معنى مناسبًا فقال: وقت ظهور أثر الغَضَب لا
(١) في الأصول الخطية: البادري. والمثبت من ((فتح الباري)).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) ٢٥/٢.
(٣) (صحيح البخاري)) (٦٢٩).
(٤) في (د): المسافات.
(٥) في (ص): بحيث. وفي (ل): تحت.
(٦) في (د): و.
(٧) أخرجه مسلم (٨٣٢) (٢٩٤). (٨) في (د): عنه.

١٣٩
= كتاب الصلاة
ينجع فيه الطلب إلا ممن أذنَ لهُ فيه واستدل بحَديث الشفاعَةِ(١) حَيث
اعتذر الأنبياء كلهمُ سَوى نبينَا وَّ لكونه أذن لهُ في ذلك(٢).
(مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) أي: من سعة انتشارها وتنفسها ومنهُ مكان أفيح أي:
متسع وظاهره أن مثار وَهج الحرِّ في الأرض من فيحَ جَهَنم في الأرض
حَقيقة، وقيل: هو من مجاز التشبيه(٣) أي: كأنهُ نار جَهَنم في (٤)
الحَر، والأول أولى، ويؤيدهُ حَديث الصَّحيحين(٥) ((اشتكت النار إلى
ربها، فأذِنَ لهَا بِنَفَسَين))(٦). وهذا على القَول بأن جَهَنم تَحت الأرض.
(فَإِذَا اشْتَدَّ) أصله اشتدد بوَزن افتعَل من الشدة ثم أدغمت أحدَى
الدالين في الأخرى ومفهوم(٧) الصفة أن (الحر) إذا لم يشتد لا
يشرع(٨) الإبراد وكذا لا يشرع في البرد من باب أولى، ويحتمل أن
يأتي مِنَ جُمَلٍ (٩) التعليل للإبرَاد: دَفع المشقة لكونها حالة تسلب
الخشوع أن تؤخر الصَّلاة لشدة البرَد كما في صلاة الصبح في وقت
السَّحر، فإنه يأتي في الشتاء وقت السَّحر زَمهرير يشق مَعَهُ الذهاب إلى
المَسْجد لحُضور الجماعة، ولهذا سوّوا بين شدة الحر والبَرْد في ترك
الجماعة والجُمعَة ليلاً كانَ أو نَهارًا، وكذا يأتي في التعليل بأنها سَاعة
ينتشر فيهَا العَذاب، فإن شدة البرد من فيح جَهَنم كما في الحديث
(١) في (د، س، م، ل): الساعة. (٢) ((فتح الباري)) ٢/ ١٧.
(٣) في (د): السببية.
(٤) من (ل)، ((فتح الباري)).
(٥) في (ص، س، ل): الصحيح.
(٦) ((صحيح البخاري)) (٥٣٧)، و((صحيح مسلم)) (٦١٧) (١٨٥).
(٧) وفي (م): ومفهم.
(٩) من (ل).
(٨) سقط من (م). وفي (د): يمتنع.

١٤٠
((نفس في الشتاء))(١) واللهُ أعلم.
(فَأَبْرِدُوا بِالصَّلاَةِ)(٢) وهذا رُخصَة حَتى لو تكلف وصَلى في أول
الوَقت كانَ أفضَل وصحّحَهُ بعض أصحابنا الخراسَانيين وليسَ كذلك.
[٤٠٢] (ثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ) بفتح الميم والهَاء (الْهَمْدَانِيُّ)
بإسْكان الميم (وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ الثَّقَفِيُّ) البَلخي (أَنَّ اللَّيْثَ(٣)) ابن سَعْد
(حَدَّثَهُمْ، عَنِ) محَمد (ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبٍ وَأَبِي سَلَمَةَ)
عَبْد الله بن عبد الرَّحمن. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَجِهِ قَالَ: إِذَا
اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا) أي: أخرُوا الصَّلاة عن ذلك الوَقت وأدخلوهَا في
وقت البَرد وهوَ الزمَان الذي يبين (٤) فيه أنكسَار شدة الحَر.
(عَنِ الصَّلاَةِ) (عَن) بِمعَنى البَاء كقوله تعالى: ﴿فَسَْلْ بِهِ،
خَبِيرًا﴾ (٥)، وقيل: (عن) هُنا زَائدَة أي: أبردُوا الصَّلاة. يقال: أبرَد
الرجل كذَا إذَا فَعَلهُ في بَرد النهَار.
(قَالَ) خَالد (ابْنُ مَوْهَبٍ)(٦) فَأَبْرِدُوا (بِالصَّلاَةِ) وعَلَى القَول الثاني أنَّ
عَنْ زَائدة فتكون الباء في رواية ابن موهب(٧) أيضًا زَائدَة ودَخلت
لتأكيد(٨) الاتصَال لتوكيد(٩) شدة الفعْل بالفَاعِل كقوله تعَالى: ﴿وَكَفَى
(١) ((صحيح البخاري)) (٥٣٧)، و((صحيح مسلم)) (٦١٧) (١٨٥).
(٢) كتب عندها حاشية في (م): وأخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي.
(٣) في (س): أنس.
(٤) في (ص، ل): يثبت.
(٦) في (ص): وهب.
(٥) الفرقان: ٥٩.
(٧) في (ص): وهب.
(٨) في (ص، س، ل): ليتأكد.
(٩) فى (د): لتؤكد.