Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالزَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
وقد أسلفنا ذلك وأعدناه (واضحًا)(١) لبعده(٢).
فصل :
قوله في الخامس: (((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة))) قيل:
هُذِه الأمة أول من يحاسب وأول من يدخل الجنة.
فصل :
قوله في السادس: ( ((بيت من قصب))) قال الداودي: يعني قصب
اللؤلؤ، وقيل: أنابيب من جوهر، كذا فسر الحديث في ((الصحاح))(٣).
وقال الهروي: أراد يبشرها بقصر من زمردة مجوفة أو من لؤلؤة
مجوفة، وبيت الرجل: قصره، وبيته: داره، وبيته: شرفه.
وقوله: ( ((لا صخب فيه))). أي: لا صياح ولا جلبة.
قال الداودي: يعني العيب.
( ((ولا نصب))) أي: لا تعب، وقال الداودي: يعني لا عوج.
فصل :
وقوله في السابع: ( ((أعددت لعبادي (الصالحين) (٤))) إلى آخره،
هو من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسُ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة:
١٧].
(١) من (ص١).
(٢) قلت: ونحن أسلفنا أيضًا أن منهج أهل السنة والجماعة إثبات نزول الله سبحانه
إلى السماء الدنيا، أو سماء الدنيا، كما يليق بجلاله وكماله، ولا حاجة لتأويل
الأشعريه وغيرهم مما نقله المصنف رحمه الله. وانظر التعليق ص ٣٠٨، و١٨٨.
(٣) ((الصحاح)) ٢٠٢/١ (قصب).
(٤) عليها في الأصل علامة ( لا ... إلى).

٤٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قال المهلب: وأما قوله: ((أعددت)) إلى آخره فهو كقوله تعالى:
﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] مما لا عين رأت ولا أذن سمعت
ولا توهمه قلب بشر هو على الحقيقة ما لا يعلمه بشر ممن له الأذن
والقلب والبصر، فتخصيصه قلب بشر بأن لا يعلمه، يدل -والله
أعلم- أنه يجوز أن يخطر على قلوب الملائكة إلا أنه أفردنا
بالمخاطبة في قوله: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. فدل على جواز أن
يعلمه غيرنا .
فصل :
والتهجد في حديث ابن عباس رضي الله عنهما سلف قريبًا بأقوالهم
فيه، وأنه من الأضداد، السهر وغيره و ((نور)) منور، قاله ابن عرفة، وقال
ابن عباس : هاديهم (١)، وعنه وعن مجاهد: مدبرها بشمسها وقمرها
ونجومها(٢).
و(قيِّم)) قيل: الدائم حكمه، وقيل: القائم على كل شيء أي: حافظ
على كل نفس لا يغفل ولا يمل فمعناه: الحافظ لها، والرب المالك
والسيد المطاع، قال تعالى: ﴿فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٤١] أي:
سيده، والمصلح: من رب الشيء إذا أصلحه فعلى الأول يكون
ملكهما، ويحتمل على قول بعض المفسرين سيدهما، وأنكر مالك
الدعاء بـ: يا سيدي، ولعله كره اللفظ دون المعنى.
ويحتمل أن صلاحهما به ولولاه لم يكن صلاحهما، قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَاُلْأَرْضَ﴾ الآية [فاطر: ٤١].
(١) رواه الطبري ٩/ ٣٢٠ (٢٦٠٨٥)، وابن أبي حاتم ٢٥٩٣/٨ (١٤٥٥٠).
(٢) رواه الطبري ٩/ ٣٢٠-٣٢١ (٢٦٠٨٧).

٤٤٣
= كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
وقوله: (((أنت)(١) الحق)) يحتمل أن يريد به اسمًا من أسمائه،
ويحتمل أن يريد أنه أحق (ممن)(٢) يدعي المشركون أنه إله، من قوله
تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّ هُوَ الْحَقُّ﴾ [الحج: ٦]، وظاهر قوله في هذا الحق
يعود إلى معنى الصدق، ويتعلق بتسميته إلهًا، بمعنى أن من سماه إلهًا
وأخبر عنه بذلك فقد صدق، وقال الحق، ومن سمى غيره إلهًا فقد
كذب.
وقوله: ( ((ووعدك الحق))) أي: وعد الجنة للطائع والنار للكافر،
فوفى بوعده فهو عائد إلى معنى الصدق، ويحتمل أن يريد أن وعده حق
بمعنى: إثبات أنه وعد بالبعث والحشر والنشر والثواب والعقاب، إنكارًا
لقول من أنكر وعده بذلك، وكذلك الرسل فيه. و(((أنبتُ))): رجعت.
وقوله: ( ((والجنة حق والنار حق)) )، يحتمل وجهين:
أحدهما: أن إخباره تعالى حق.
والثاني: أن إخبار من أخبر عنه بذلك وبلغه حق، ومعنى
((أسلمت)): أنقدت.
وقوله: ( ((وبك آمنت))) ظاهره: صدقت، قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنْتَ
بِمُؤْمِنٍ لَّنَا﴾ [يوسف: ١٧] وقيل: معناه: بهدايتك اهتديت.
وقوله: ( ((وبك خاصمت))) قيل: يريد من خاصم فيه بلسان أو بيد،
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِىِّ ءَايَتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ [غافر: ٣٥]، وقال
﴿وَجَدَلُواْ بِالْبَطِلِ﴾ الآية [غافر: ٥]. وقيل: بما آتيتني من البرهان
احتججت.
(١) في الأصل: (أنه) والمثبت هو الصواب، كما في حديث الباب (٧٤٩٩).
(٢) في الأصل: (من) والمثبت من (ص١).

٤٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقوله: ( ((وإليك حاكمت))) قيل: ظاهره أنه لا يحاكمهم إلا إلى الله،
ولا يرضى إلا بحكمه، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا اُفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾
[الأعراف: ٨٩]، وقال: ﴿أَفَغَيْرَ اَللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًا﴾ [الأنعام: ١١٤]، وقيل:
كان الَّهُ عند القتال يقول: ((اللهم أنزل الحق)) ويستنصر.
وقوله: ( ((فاغفر لي ما قدمت وما أخرت)) ) قيل: يحتمل ما قدم
وأخر مما مضى، ويحتمل أن يريد بما قدم: ما مضى، وما أخر:
ما يستقبل، ويكون ذلك من قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن
ذَنْبِكَ﴾ الآية [الفتح: ٢] وكانت الأنبياء يستغفرون، وإن كان غفر لها
؛ ليزدادوا رفعة في الدرجات.
فصل :
قوله: ((إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها سيئة حتى يعملها))).
قيل: معنى الإرادة هنا مرور الفكر بذلك من غير استقرار ولا توطين
نفس، هذا قول أبي الطيب أنه إن وطّن نفسه على المعصية وعزم عليها
بقلبه فهو مأثوم، وخالفه كثيرون من القدماء والمحدثين وأخذوا بظاهر
الأخبار أنه لا شيء عليه حتى يعمل كما هو ظاهر الحديث هنا،
والهم في الآية إما على مذهب القاضي، فيحمل ذلك على الهم الذي
ليس بتوطين النفس أو على من يجوز الصغائر عليهم، وإما على
طريقة الفقهاء فهو مغفور له غير مؤاخذ به إذا كان شرعه في ذلك
كشرعنا، وقيل في الآية: إنه لم يهم(١).
وقوله: ((وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة)).
يريد: إن إرادته لعملها عمل كترك السيئة هو عمل أيضًا.
(١) ((إكمال المعلم بفوائد مسلم)) ١/ ٤٢٤.

٤٤٥
كِتَابُ التّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
فصل :
وقوله في حديث أبي هريرة : ( ((قامت الرحم فقال: مه)) ) هو
زجر وردع. وقال الداودي: أي: ما هذا المقام؟ ولعله يريد أنه
استفهام بمعنى الإنكار، وقال الجوهري: مه: كلمة مبنية على
السكون، وهو اسم يسمى به الفعل، ومعناه: أكفف؛ لأنه زجر فإن
وصلت نونت تقول: مهٍ مه(١).
وقوله: ( ((فلما فرغ منه)) ) أي: من الخلق.
وهذا الحديث لا تعلق فيه لمن يقول: بحدث كلامه تعالى من أجل
أن الفاء في قوله (تعالى)(٢) ((فقال)): توجب في الظاهر كون قوله تعالى
عقب قول الرحم، وذلك مقتض للحدث؛ لقيام الدليل على أنه تعالى لم
يزل قائلًا قبل أن يخلق خلقه بما لا أول له، وإذا كان ذلك كذلك وجب
حمل قوله تعالى على معنى كلامه الذي لم يزل به متكلمًا وقائلًا، وعلى
هذا المعنى يحمل نحو هذا اللفظ إذا أتى في الحديث، وقد يحتمل أن
يكون تعالى يأمر ملكًا من ملائكته بأن يقول هذا القول عنه وأضافه إليه،
إذ كان قول الملك عن أمره تعالى (له)(٣).
ويدل على صحة رواية من روى في حديث الشفاعة: ((فأستأذن على
ربي وأخر له ساجدًا، فيقال: يا محمد ارفع رأسك)) بترك إسناد القول إليه
تعالى، جاءت هذِه الرواية في الباب بعده (٤).
(١) ((الصحاح)) ٦/ ٢٢٥٠.
(٢) من (ص١).
(٣) من (ص١).
(٤) تقدم مرارًا التنبيه على مثل هذِه التأويلات، وأنه لابد من إثبات الصفة على
حقيقتها كما يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، دون تأويل أولي أعناق الكلام،
وانظر تعليقنا ص ١٨٥ - ١٨٨، ٣٨٠.

٤٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فصل :
قد أسلفنا أن مه: زجر (وردع)(١)، كذا هو في لسان العرب ومحال
توجه ذلك إلى الرب جل جلاله، فوجب توجيهه إلى من عاذت الرحم
بالله تعالى من قطيعته إياها .
فصل :
قوله: ((مطر)) قد أسلفنا أن مطر في الرحمة وأمطر في العذاب، وجاء
غيره.
قال تعالى: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُخْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤] والعرب تقول:
مطرت السماء وأمطرت، ذكره الهروي.
وفي ((الصحاح)): مطرت وأمطرت، وقد مطرنا(٢)، قال ابن فارس:
يقولون مطرت السماء وأمطرت بمعنى(٣).
وقوله: ( ((أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي))). بينه في الحديث
(الآخر)(٤) قال: ( (فمن قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي
كافر بالكوكب)) )(٥). واختلف إذا جعله دليلًا على المطر فقيل: هو
مخطئ، وقيل: لا بأس به؛ لأن عمر ﴾ لما استسقى التفت إلى
العباس له فقال: يا عم رسول الله، كم بقي من نوء الثريا؟ فقال
العلماء بها يزعمون أنها تعترض في الأفق بعد سقوطها، قال:
(١) في الأصل: (ودعاء)، وفي (ص١): (دعًا) والمثبت هو الأليق.
(٢) ((الصحاح)) ٨١٨/٢.
(٣) أنظر: ((مقاييس اللغة)) ص ٩٥٢.
(٤) من (ص١).
(٥) سلف برقم (٨٤٦) كتاب: الأذان، باب: يستقبل الإمام الناس إذا سلم، ورواه
مسلم (٧١) كتاب: الإيمان، باب: كفر من قال مطرنا بنوء.

٤٤٧
كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
فما مضت سابعة حتى مطرنا، وقد بوب عليه البخاري فيما مضى:
(٨)(١). قال ابن عباس رضي الله
﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ
عنهما : شكركم(٢).
فصل :
وقوله: ( ((إذا أحب عبدي لقائي))) قيل: يريد عند الموت إذا بشر
بالجنة، ويكره (ذلك)(٣) إذا بشر بالنار.
فصل :
وقوله: ( ((أنا عند ظن عبدي بي)) ) يريد أنه يخشى ويرجو أن
لا ينقطع الرجاء عند الذنب، وهذا لا يتوجه إلا إلى المؤمنين
خاصة، أي: أنا عند ظن عبدي المؤمن بي ، وفي التنزيل آيات تشهد
أن عباده المؤمنين وإن أسرفوا على أنفسهم أنه عند ظنهم به من
المغفرة والرحمة، وإن أبطأت حينًا وتراخت وقتًا لإنفاذ ما ختم به
على من سبق عليه إنفاذ الوعيد تحلة القسم؛ لأنه قد كان له أن يعذب
بذنب واحد أبدًا كإبليس فهو عند ظن عبده، وإن عاقب برهة، فإن
كان ظنه به أنه لا يعذبه برهة ولا يخلد، فإنه كذلك يجده كما ظن إن
شاء الله تعالى، فهو أهل التقوى وأهل المغفرة.
فصل :
وأما حديث الذي لم يعمل خيرًا قط.
(١) سلف برقم (١٠٣٨) كتاب: الاستسقاء.
(٢) رواه الحميدي في ((مسنده)) ٢/ ٢٠١ (١٠٠٩)، والطبري في ((تفسيره)) ١١ / ٦٦٢ -
٦٦٣ (٣٣٥٦١)، والبيهقي في ((سننه)) ٣٥٩/٣ كتاب: صلاة الاستسقاء.
(٣) من (ص١).

٤٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ففيه دليل على أن الإنسان لا يدخل الجنة بعمله كما قال العظيم(١)،
وفيه أن الإنسان يدخل الجنة بحسن نيته في صفته؛ لقوله: ( ((خشيتك
يا رب)) ).
وفيه: أن من جهل بعض الصفات فليس بكافر خلافًا لبعض
المتكلمين؛ لأن الجهل بها هو العلم، إذ لا يبلغ كنه صفاته تعالى،
فالجاهل بها المؤمن حقيقة. ولهذا قال بعض السلف: عليكم بدين
العذارى، أفترى العذارى تعلم حقيقة صفات الله تعالى؟! وللأشعري
في تأويل هذا الحديث قولان، كان قوله الأول: إن من جهل القدرة
أو صفة من صفات الله (تعالى)(٢) فليس بمؤمن.
وقوله هو في هذا الحديث (إن)(٣) قدر الله علي أن لا يرجع إلى
القدرة، وإنما يرجع إلى معنى التقدير الذي هو بمعنى التضييق، كما
قال تعالى في قصة يونس: ﴿فَطَنَّ أَنْ لَّنْ نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧]
أي: أن لن نضيق عليه. ثم رجع عن هذا القول، وقال: لا يخرج
المؤمن من الإيمان بجهله صفة من صفات الله تعالى قدرة كانت
أو سائر صفات ذاته تعالى إذا لم يعتقد في ذلك اعتقادًا يقطع على أنه
الصواب والدين المشروع.
ألا ترى أن الرجل قال: ((لئن قدر الله عليه ليعذبنه)) فأخرج ذلك
مخرج الظن دون القطع على الله تعالى [أنه] (٤) غير قادر على جمعه،
إخراج خائف من عذاب ربه ذاهل به.
(١) سلف برقم (٥٦٧٣، ٦٤٦٣)، ورواه مسلم (٢٨١٦) من حديث أبي هريرة.
وسلف أيضًا برقم (٦٤٦٧)، ورواه مسلم (٢٨١٨) من حديث عائشة.
(٣) في (ص١): ليس.
(٢) من (ص١).
(٤) زيادة ليست بالأصل، يستلزمها السياق، مثبتة من ((شرح ابن بطال) ١٠/ ٥٠٢.

٤٤٩
كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
فصل :
يدل على ذلك قوله: مجيبًا لربه لما قال: ( ((لم فعلت؟ قال: من
خشيتك وأنت (تعلم)) (١)) فأخبر بالعلة التي لها فعل ما فعل.
ويدل على صحة هذا قول من روى قوله: ((لعلي أضل الله))(٢) ولعل
في كلام العرب موضوعة لتوقع مخوف لا يقطع على كونه ولا على
انتفائه .
ومعنى قوله: (((لعلي أضل الله))) لعلي أخفى عليه وأغيب، وكان
الواجب في اللغة: لعلي أضل على الله، فحذف حرف الجر وذلك
مشهور في اللغة؛ لقوله: أستغفر الله ذنبًا. أي: أستغفر من ذنب.
ومن كان خائفًا عند حضور أجله، جدير أن تختلف أحواله لفرط
خوفه وينطق بما لا (يعتقده، ومن كان هكذا فغير جائز إخراجه من
الإيمان الثابت له إذا لم)(٣) يعتقد ما قاله دينًا وشرعًا، وإنما يكفر من
أعتقده تعالى على خلاف ما هو، وقطع على أن ذلك هو الحق لو
كفر من جهل بعض الصفات لكفر عامة الناس إذ لا يكاد يجد من
يعلم منهم أحكام صفات ذاته، ولو أعترضت جميع العامة وكثيرًا من
الخاصة وسألتهم: هل (له) (٤) قدرة أو علم أو سمع أو بصر أو إرادة؟
(١) كذا بالأصل، والذي في الروايات: (أعلم).
(٢) رواه أحمد ٤٤٧/٤، ٣/٥، والروياني في ((مسنده) ١١٣/٢-١١٤ (٩٢٠)،
١١٩/٢-١٢٠ (٩٣٤)، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) ١٦٥/١ (١٣٥)
تحفة، والطبراني في ((الكبير)) ٤٢٣/١٩-٤٢٤ (١٠٢٦-١٠٢٩) من حديث
معاوية بن حيدة القشيري، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ١٩٥/١٠: رواه أحمد
والطبراني ورجال أحمد ثقات.
(٣) من (ص١).
(٤) في (ص١): لله.

٤٥٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وهل قدرته متعلقة بجميع ما يصلح كونه معلومًا لما عرفوا حقيقة ذلك؟
فلو حكم بالكفر على من جهل صفة من الصفات لوجب الحكم به على
جميع العامة وأكثر الخاصة، وهذا محال.
والدليل على صحة قولنا حديث السوداء أنه التكليف قال لها: ((أين
الله؟!)) قالت: في السماء. فقال: ((من أنا؟)) فقالت: إنك رسول الله،
فقال: ((أعتقها فإنها مؤمنة)) (١) فحكم لها بالإيمان، ولم يسألها عن
صفات الله وأسمائه، ولو كان علم ذلك شرطًا في الإيمان لسألها
عنه، كما سألها عن أنه رسول الله وَله .
وكذلك سأل أصحاب رسول الله وَلّ: عمر بن الخطاب وغيره
رسول ◌َ عن القدر، فقالوا: يا رسول الله، أرأيت ما نعمل لأمر
مستأنف أم لأمر قد سبق؟ فقال: (((بل) (٢) لأمر قد سبق)) قال: ففيم
يعمل العاملون؟ فقال: ((اعملوا فكل ميسر لما خلق له))(٣) وأعلمهم أن
ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم (٤) ومعلوم أنهم كانوا قبل سؤاله مؤمنين
ولا يسع مسلمًا أن يقول غير ذلك فيهم، وإن كان لا يسعهم جهل
القدرة، وقدم العلم لعلمهم ذلك مع شهادة التوحيد لجعله عمودًا
سادسًا للإسلام.
(١) رواه أبو داود (٣٢٨٤) من حديث أبي هريرة، وفيه ضعف، ورواه مسلم (٥٣٧)
من حديث معاوية بن الحكم السلمي، لكن ليس فيه أنها جارية سوداء.
(٢) من (ص١).
(٣) رواه الترمذي (٣١١) من حديث عمر بن الخطاب، وسيأتي برقم (٧٥٥١)، ورواه
مسلم (٢٦٤٩) كتاب: القدر، باب: كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه ... من حديث
عمران بن حصين.
(٤) رواه أبو داود (٤٦٩٩) وانظر: ((السلسلة الصحيحة)) (٢٤٣٩).

٤٥١
كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
فصل :
قوله في حديث أبي هريرة : ( ((قال رجل لم يعمل خيرًا قط)) )
وقال بعده: ((فقال ربه علم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به))، وروي
أنه لم يعمل حسنة إلا التوحيد (١)، وفي ((مسند الجوهري)): أن هذا ذكر
عن بني إسرائيل.
فصل :
وقوله: ((لم يبتئر)) قد سلف أنه بالراء وبالزاي، وأن قتادة فسره
بقوله: لم يدخر، وكذا هو في اللغة.
قال الجوهري: البئيرة على فعيلة الذخيرة وقد بأرت الشيء وأبأرته:
أدخرته(٢) والزاي ليست معروفة في اللغة كما قال ابن التين قال: وروي
يبتئن بالنون ويأتبر ليس لهما أيضًا أصل في اللغة.
وقوله في حديث أبي سعيد: ((فاسحكوني)). هو من السحك،
وأورده ابن التين بلفظ: ((فاسهكوني))، وقال: هو من السهك،
كما أبدلت القاف من الكاف في الكافور والقافور.
قال أبو سليمان: وروي: ((فاسحكوني))(٣)، ومعناه: أبردوني
(بالمسحك) (٤) وهو المبرد(٥)، وفي ((الصحاح)): سحكت الشيء
سحقته(٦).
(١) رواه أحمد ٣٩٨/١، من حديث ابن مسعود موقوفًا عليه، وأورده الهيثمي في ((المجمع))
١٠/ ١٩٤ وقال: إسناده حسن، وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (٣٠٤٨).
(٢) ((الصحاح)) ٥٨٣/٢ مادة: (بأر).
(٣) كذا بالأصل، وفي ((الأعلام)): (اسحلوني).
(٤) كذا بالأصل، وفي ((الأعلام)): (بالمسحل).
(٥) ((أعلام الحديث)) ٢٣٤٨/٤.
(٦) ((الصحاح)) ١٧٢٧/٥.

٤٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقوله في حديث أبي هريرة : ((واذروا نصفه في البر ونصفه في
البحر)) هو ثلاثي من قوله: ﴿نَذْرُؤُهُ الْرَّخٌ﴾ [الكهف: ٤٥]. أي: تفرقه،
ووقع هنا رباعيًّا في قوله: ((ففعلوا ثم أذروه)). هو في اللغة ثلاثي
كما وقع في القرآن، قال ابن التين: ورويناه بفتح الهمزة (حيث)(١)
ما وقع هنا .
فصل :
قد سلف الكلام على قوله: ( ((لئن قدر الله علي))) قال ابن فورك
وغيره: معنى ( ((قدر)))، للتقدير أي: إن كان قدر وحكم عليّ بالعقوبة
فإنه يعاقبني(٢)، وإنما روي بالتشديد.
وقيل معناه: ضيق عليَّ وناقشني حسابًا مثل: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾
[الطلاق: ٧]. أي: ضيق، وهذا إحراقه نفسه، ثم إن الله تعالى تفضل
عليه وغفر له بخشيته إياه، وهذا يدل أنه كان مقرًّا بالله موحدًا له،
وقد سلف، وذكر أن الشيخ أبا عمران قال: قد يحتمل أن يكون هذا
الرجل ظن أن من أحرق حتى يصير رمادًا، وذري في البحر لا يبعث،
أو لعله لم يبلغه عن أحد من الرسل علم (هذا)(٣) قيل: ولعل أبا عمران
يريد أنه كان عالمًا بفعله وجود الله واستحقاقه أن يعبد وخفي عليه علم
وجوب إعادة جميع الموتى؛ لأن طريق علم الله السمع.
وقيل: إنما غفر له، وإن كان ما قاله كفرًا ممن (يعقل) (٤)؛ لأنه قاله
حالة لا يعقل، وقد غلب عليه الجزع من عذاب الله تعالى على ما سلف
(١) في هامش الأصل: لعله حسب.
(٢) ((مشكل الحديث)) ص٣١٩ - ٣٢٠.
(٣) في الأصل: (ذلك هذا).
(٤) في الأصل: (لا يعقل).

٤٥٣
كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالزَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
من ذنوبه، وعارضه بعضهم فقال: لأن قوله: ((من خشيتك)) يدل أنه قصد
لفعل ذلك.
وقالت المعتزلة: إنما غفر له من أجل توبته التي تابها؛ لأن الله
تعالى واجب عليه - عندهم - قبول التوبة من جهة العقل، وأبو الحسن
الأشعري شيخ أهل السنة يقطع بقبولها من جهة السمع، ويقول: إن
الله سبحانه وعد التائب في كتابه بقبولها، وسواه من أهل السنة يجوز
قبولها كسائر الطاعات، فعلى هذا يجوز أن (يكون)(١) الله سبحانه
غفر له بتفضله عليه بقبول توبته، وقالت المرجئة: إنما غفر له بأصل
توحيده الذي لا يضر معه معصية.
فصل :
وقوله: ( ((فما تلافاه أن رحمه))) أي: تداركه، يقال: تلافيت
الشيء: تداركته.
فصل :
وأما حديث أبي هريرة # المذكور قبل حديث أبي سعيد ثه في
مواقعة الذنب مرة بعد مرة ثم استغفر ربه فغفر له.
فيه دليل على أن المصر في (مشيئة)(٢) الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر
له، مُعْلنًا بخشيته التي جاء بها، وهي اعتقاده أن له ربًا خالقًا يعذبه ویغفر
له، واستغفاره إياه على ذلك يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ
فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهًا﴾ [الأنعام: ١٦٠] ولا حسنة أعظم من التوحيد والإقرار
بوجوده، والتضرع إليه في المغفرة.
(١) من (ص١).
(٢) في الأصل: (معصية)، والمثبت من (ص١).

٤٥٤
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فصل :
فإن قلت: إن استغفار ربه توبة منه ولم يكن مصرًّا.
قيل له: ليس الاستغفار أكثر من طلب غفرانه تعالى، وقد يطلب
الغفران المصر والتائب، ولا دليل في الحديث على أنه قد تاب
مما سأل (الغفران)(١) منه؛ لأن حد التوبة الرجوع عن الذنب، والعزم
أن لا يعود إلى مثله، والإقلاع عنها، والاستغفار لا يفهم منه ذلك.
(١) في الأصل: (العذاب)، والمثبت من (ص١).

٤٥٥
كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
٣٦- باب كَلَامِ الرَّبِّ رَدْ يَوْمَ القِيَامَةِ
مَعَ الأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ
٧٥٠٩- حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ رَاشِدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ
عَيَّاشِ عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَا عَظُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَّهَ يَقُولُ: ((إِذَا كَانَ يَوْمُ
القِيَامَةِ شُفِّعْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَبِّ، أَدْخِلِ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ خَرْدَلَةٌ.
فَيَدْخُلُونَ، ثُمَّ أَقُولُ: أَدْخِلِ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى شَيء)». فَقَالَ أَنَسّ:
كَأَنِّ أَنْظُرُ إِلَى أَصَابِعِ رَسُولِ اللهِ نَِّ. [انظر: ٤٤ - مسلم: ١٩٣ - فتح: ١٣/ ٤٧٣].
٧٥١٠- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ هِلَالٍ
العَنَزِيُّ قَالَ أَجْتَمَغْنَا نَاسٌ مِنْ أَهْلِ البَصْرَةِ، فَذَهَبْنَا إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، وَذَهَبْنَا مَعَنَا
بِثَابِتٍ إِلَيْهِ يَسْأَلُهُ لَنَا عَنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ، فَإِذَا هُوَ فِي قَصْرِهِ، فَوَافَقْنَاهُ يُصَلِّي الضُّحَى،
فَاسْتَأْذَنَّا، فَأَذِنَ لَنَا وَهْوَ قَاعِدٌ عَلَى فِرَاشِهِ، فَقُلْنَا لِثَابِتِ: لَا تَسْأَلَّهُ عَنْ شَيْءٍ أَوَّلَ مِنْ
حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ. فَقَالَ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، هؤلاء إِخْوَانُكَ مِنْ أَهْلِ البَصْرَةِ جَاءُوكَ يَسْأَلُونَكَ
عَنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ. فَقَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بِّ قَالَ: ((إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ
بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: أَشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ. فَيَقُولُ: لَسْتُ
لَهَا، ولكن عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ. فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُ:
لَسْتُ لَهَا، ولكن عَلَيْكُمْ بِمُوسَى فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللهِ. فَيَأْتُونَ مُوسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ
لَهَا، ولكن عَلَيْكُمْ بِعِيسَى فَإِنَّهُ رُوحُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ. فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُ لَسْتُ
لَهَا، ولكن عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ ◌َ . فَيَأْتُونِي، فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي،
فَيُؤْذَنُ لِي، وَيُلْهِمُنِي مَحَامِدَ أَحْمَدْهُ بِهَا لَا تَحْضُرُنِي الآنَ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ
المَحَامِدِ وَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ أَرْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ،
وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أُمَّتِي أُمَّتِي. فَيُقَالُ: أَنْطَلِقْ، فَأَخْرِجْ
مِنْهَا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ. فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ

٤٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
بِتِلْكَ المَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، أَرْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ
يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَأَقُولُ يَا رَبِّ، أُمَّتِي أُمَّتِي. فَيُقَالُ:
أَنْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ- أَوْ: خَرْدَلَةٍ - مِنْ إِيمَانٍ. فَأَنْطَلِقُ
فَأَفْعَلُ ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ المَحَامِدِ ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ،
آرْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أُمَّنِي
أُمَّتِي. فَيَقُولُ: أَنْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالٍ حَبَّةٍ
خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ. فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ)).
فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ أَنَسٍ قُلْتُ لِبَغْضِ أَصْحَابِنَا: لَوْ مَرَزْنَا بِالْحَسَنِ وَهْوَ مُتَوَارٍ
فِي مَنْزِلِ أَبِي خَلِيفَةَ [فَحَدَّثَنَاأَ بِمَا حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ، فَأَتَيْنَاهُ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَأَذِنَ
لَنَا، فَقُلْنَا لَهُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، جِئْنَاكَ مِنْ عِنْدِ أَخِيكَ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ فَلَمْ تَرَ مِثْلَ مَا
حَدَّثَنَا فِي الشَّفَاعَةِ، فَقَالَ: هِيهِ، فَحَدَّثْنَاهُ بِالْحَدِيثِ فَانْتَهَى إِلَى هذا الموضِعِ فَقَالَ:
هِيهِ. فَقُلْنَا: لَمْ يَزِدْ لَنَا عَلَى هذا. فَقَالَ: لَقَدْ حَدَّثَنِي وَهُوَ جَمِيعٌ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً، فَلَا
أَدْرِي أَنَسِيَ أَمْ كَرِهَ أَنْ تَتَّكِلُوا. قُلْنَا: يَا أَبَا سَعِيدٍ فَحَدِّثْنَا. فَضَحِكَ وَقَالَ: خُلِقَ
الإِنْسَانُ عَجُولاً، مَا ذَكَرْتُهُ إِلَّ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُحَدِّثَكُمْ، حَدَّثَنِي كَمَا حَدَّثَكُمْ بِهِ قَالَ: «ثُمَّ
أَعُودُ الرَّابِعَةَ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ أَرْفَعْ رَأْسَكَ،
وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أَتْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ:
لَا إِلَه إِلَّ اللهُ. فَيَقُولُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي لأُخْرِ جَنَّ مِنْهَا مَنْ
قَالَ: لَا إله إِلَّ اللهُ). [انظر: ٤٤ - مسلم: ١٩٣ - فتح: ١٣ / ٤٧٣].
٧٥١١ - حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ
مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ إِلَّهِ: ((إِنَّ آخِرَ
أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولًا الجَنَّةَ، وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنَ النَّارِ رَجُلٌ يَخْرُجُ حَبْوًا،
فَيَقُولُ لَهُ رَبُّهُ: أَدْخُلِ الجَنَّةَ. فَيَقُولُ: رَبِّ، الجَنَّةُ مَلأى. فَيَقُولُ لَهُ ذَلِكَ ثَلَاثَ
مَرَّاتٍ، فَكُلَّ ذَلِكَ يُعِيدُ عَلَيْهِ: الجَنَّةُ مَلأى. فَيَقُولُ: إِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا عَشْرَ

٤٥٧
كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
مِرَارٍ)). [انظر: ٦٥٧١ - مسلم: ١٨٦ - فتح: ١٣ / ٤٧٤].
٧٥١٢- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ
خَيْثَمَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: «مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ
رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَّانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرِى إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ،
وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَ يَرِىُ إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَ يَرِى إِلَّ النَّارَ تِلْقَاءَ
وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ). قَالَ الأَغْمَشُ: وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ
خَيْثَمَةَ مِثْلَهُ، وَزَادَ فِيهِ: ((وَلَوْ بِكَلِمَةٍ طَيِّيَةٍ)). [انظر: ١٤١٣ - مسلم: ١٠١٦ - فتح: ١٣ /
٤٧٤].
٧٥١٣- حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ
عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ عُهُ قَالَ: جَاءَ حَبْرٌّ مِنَ الَّهُودِ فَقَالَ: إِنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمَ القِيَامَةِ جَعَلَ
اللهُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَىْ إِصْبَعٍ، وَالَماءَ وَالثَّرِى عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْخَلَائِقَ
عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ تَهُزُّهُنَّ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الَلِكُ أَنَا الملِكُ. فَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ وَ يَضْحَكُ
حَتَّى بَدَثْ نَوَاجِذُهُ تَعَجُّبًا وَتَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ وََّ: ((﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ
قَدْرِهِةٍ﴾)) إِلَى قَوْلِهِ: ((﴿يُشْرِكُونَ﴾)) [الزمر: ٦٧]. [انظر: ٤٨١١- مسلم: ٢٧٨٦ - فتح:
١٣ / ٤٧٤] .
٧٥١٤- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ تُحْرِزٍ، أَنَّ
رَجُلًا سَأَلَ ابن عُمَرَ: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ نَّهَ يَقُولُ فِي النَّجْوىُ؟ قَالَ: «يَدْنُو
أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ فَيَقُولُ: أَعَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ:
نَعَمْ. وَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيُقَرِّرُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: إِنِّي سَتَرْتُ
عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ)).
وَقَالَ آدَمُ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ، عَنِ ابن عُمَرَ: سَمِعْتُ
النَّبِيَّ ◌َجَد.
ذکر فیه عدة أحاديث:

٤٥٨
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
حديث حميد عن أنس ﴾ في الشفاعة مختصرًا، وفيه: ((مَنْ كَانَ فِي
قَلْبِهِ أَدْنَى شَيءٍ)). فَقَالَ أَنَسٌ ﴾: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَصَابِعِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ .
ثم ساقه مطولًا .
وحديث عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: (( إِنَّ آخِرَ
أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولًا الجَنَّةَ، وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنَ النَّارِ)). الحديث،
وقد سلف(١).
وحديث عدي بن حاتم : ((مَا منكم مِنْ أَحَدٌ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ»
الحدیث .
ذكره من حديث الأَعْمَشِ، عَنْ خَيْئَمَةَ، عَنْ عَدِيٍّ، ثم قال: قَالَ
الأَعْمَشُ: وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ خَيْئَمَةَ مِثْلَهُ، بزيادة: ((وَلَوْ
بِكَلِمَةٍ طَيَِّةٍ)). الحديث.
وحديث عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﴾ قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ: إِنَّهُ
إِذَا كَانَ يَوْمَ القِيَامَةِ جَعَلَ اللهُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَع. الحديث، وقد
سلف(٢).
وحديث صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما :
كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ وَ لَ يَقُولُ فِي النَّجْوى؟ فَقَالَ: ((يَدْنُو أَحَدُكُمْ مِنْ
رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ فَيَقُولُ: أَعَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ الحديث.
ساقه عن مُسَدَّد، ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صفوان به.
ثم قال: وَقَالَ آدَمُ: ثَنَا شَيْبَانُ، ثَنَا قَتَادَةُ، ثَنَا صَفْوَانُ، عَنِ ابن عُمَرَ
رضي الله عنهما: سَمِعْتُ النَّبِيَّ
(١) برقم (٦٥٧١).
(٢) برقم (٤٨١١).

٤٥٩
كِتَابُ التّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
الشرح :
قد قدمنا إثبات كلام الرب جل جلاله مع الملائكة المشاهدة له،
وأثبت في هذا الباب كلامه مع النبيين يوم القيامة بخلاف ما حرمهم
إياه في الدنيا لحجابه الأبصار عن رؤيته فيها، فرفع في الآخرة ذلك
الحجاب عن أبصارهم، ويكلمهم على حال المشاهدة، كما قال
التليفون: ((ليس بينه وبينه ترجمان)).
وجميع أحاديث الباب فيها كلام الرب جل جلاله مع عباده، ففي
حديث الشفاعة قوله لمحمد ويلي: ( ((أخرج من النار من في قلبه مثقال
حبة من خردل من إيمان)) ) إلى قوله: ( ((وعزتي وجلالي لأخرجن
منها من قال: لا إله إلا الله)) فهذا كلامه لرسوله بدليل قوله:
(((فأستأذن على ربي))) وفي بعض طرق الحديث: ((فإذا رأيته أخر له
ساجدًا))(١).
وكذلك قوله في حديث: آخر من يدخل الجنة، قوله تعالى له:
( ((ادخل الجنة، فيقول: رب الجنة ملأى))) إلى قوله: ( ((لك مثل
الدنيا عشر مرات)))، فأثبت بذلك كلامه تعالى مع غير الأنبياء
مشافهة ونظرهم إليه، وكذلك حديث النجوى يدنيه الله تعالى من
رحمته وكرامته، ويقول له: ((سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك
اليوم)) على الانفراد عن الناس.
وقد أوضحنا الكلام في النجوى في كتاب الأدب، في باب ستر
المؤمن على نفسه، فراجعه.
(١) سلف برقم (٦٥٦٥) كتاب: الرقاق، باب: صفة الجنة، بلفظ «فإذا رأيته وقعتُ
ساجدًا».

٤٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
فصل :
قوله: ( ((إذا كان يوم القيامة شفعت، فقلت: يا رب، أدخل الجنة من
كان في قلبه خردلة)) ) فيه (كلام للأنبياء) (١) معه لا كلامه هو.
وقوله: ( (ثم أدخل الجنة من كان في قلبه أدنى شيء)) ) كذا هو
في الأصول وعزاه ابن التين إلى رواية أبي ذر، وصدر أولًا بقوله: ثم
نقول: ((أدخل الجنة)) قال: ورويناه بالنون ولم نعلم من رواه بالياء
قال: فإن كان روي بالياء فيكون الحديث مطابقًا للتبويب ثم يقول
الله، وتخرج معارضة أبي جعفر الداودي أن القائل هو رسول الله
وَالر قال - أعني الداودي: وقوله: (يقول النبي) ليس في أكثر
الروايات إنما فيها أن الله تعالى أمره أن يخرج من كان في قلبه،
وزاد هنا: ((أدنى شيء)).
وقول أنس : كأني أنظر إلى أصابع رسول الله وَّل، يعني بقوله:
أدنى شيء، وكأنه يضم أصابعه ويشير بها .
فصل :
وقوله في الحديث المطول، أعني معبد بن هلال العنزي قال:
(اجتمعنا ناس من أهل البصرة، فذهبنا إلى أنس بن مالك، وذهبنا
معنا بثابت إليه يسأله لنا عن حديث الشفاعة فإذا هو في قصره).
فيه: أن يقدم الرجل الذي هو من خاصة العالم يسأله.
وفيه: إباحة القصور لمن كثرت ذريته.
وقوله: ( ((إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض)) ) أي:
اختلطوا، ومنه: ماج البحر: اختلطت أمواجه، وهذا اللفظ مزيد في هذا
(١) في الأصل: (كلامه للأنبياء)، والمثبت من (ص١).