Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
كِتَابُ التّوحِيدِ وَالزَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
واعترضه الداودي: لو تدبر ما قال لم يهجم على القول فيما غيب
علمه عن جميع خلقه حتى عمن ينفخ في الصور، قال القليل لعمر:
((وكيف أنعم وإسرافيل قد التقم الصور ينتظر متى يؤمر به))؟!(١) والله
(١) لم أقف عليه من حديث عمر، وقد روي من حديث: أبي سعيد الخدري، وابن
عباس، وزيد بن أرقم، وأنس، وجابر بن عبد الله، والبراء بن عازب.
أما حديث أبي سعيد: فرواه الترمذي (٢٤٣١)، (٣٢٤٣) كتاب: تفسير القرآن،
باب: ومن سورة الزمر، وأحمد ٧/٣، ٧٣، وابن المبارك في ((الزهد والرقائق))
ص٥٥٧ (١٥٩٧)، عبد بن حميد في ((المنتخب)) ٦٧/٢ (٨٨٤)، وابن أبي
الدنيا في ((الأهوال)) ص١٠٤ (٥٠)، وأبو يعلى في ((مسنده)) ٣٣٩/٢-٣٤٠
(١٠٨٤)، والدولابي في ((الكنى)) ٧٧/٢ (٢٠٢٤)، والطحاوي في ((شرح مشكل
الآثار)) ٤١٥/٩ (٦٧٧١) ((تحفة))، وابن حبان في (صحيحه)) ١٠٥/٣ (٨٢٣)،
وأبو الشيخ في ((العظمة)) ص ١٩٠ (٣٩٨-٣٩٩)، والحاكم في ((المستدرك)) ٤/
٥٥٩ وأبو نعيم في ((الحلية)) ١٠٥/٥، ١٣٠/٧-١٣١، والبغوي في ((شرح السنة))
١٠٢/١٥-١٠٣ (٤٢٩٨-٤٢٩٩).
وأما حديث ابن عباس فرواه أحمد ٣٢٦/١، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٦/ ٧٧
(٢٩٥٧٨) كتاب: الدعاء، ما يقول إذا وقع في الأمر العظيم، وابن أبي الدنيا في
((الأهوال)) ص١٠٦ (٥٣)، والطبراني في ١٢٨/١٢ (١٢٦٧٠-١٢٦٧١)، وفي
((الأوسط)) ٤/ ٨٠ (٣٦٦٣)، والحاكم في ((المستدرك)) ٥٥٩/٤. قال الهيثمي في
((المجمع)) ٣٣١/١٠: فيه: عطية العوفي وهو ضعيف، وفيه توثيق لين.
وأما حديث زيد بن أرقم: فرواه أحمد ٣٧٤/٤، والطبراني ١٩٥/٥- ١٩٦ (٥٠٧٢)،
وابن عدي في ((الكامل)) ٤٣٨/٣. قال الهيثمي في ((المجمع)) ٣٣١/١٠: رجاله وثقوا
على ضعف فيهم .
وأما حديث أنس فرواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) ١٥٣/٥، والضياء في
((المختارة)» ٧/ ١٣٣ - ١٣٤ (٢٥٦٧).
وأما حديث جابر فرواه أبو نعيم في ((الحلية)) ١٨٩/٣.
وأما حديث البراء فرواه الخطيب فى ((تاريخه)) ٣٩/١١ بلفظ مقارب.
وفي الجملة فالحديث قد صححه الألباني في ((الصحيحة)) (١٠٧٩) وذلك بعد أن
أستقصى طرقه، فلتراجع.

٤٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
تعالى يقول: ﴿يسألونك كأنك حفيٍّ عنها قل إنما علمها .. ﴾ الآية
[الأعراف: ١٨٧]. وقوله: ( ((هؤلاء أقل عملًا وأكثر أجرًا)) ) احتج به
لأبي حنيفة في أن وقت العصر أن يكون الظل قامتين.
ومذهبنا ومذهب مالك أن أول وقت العصر أول القامة الثانية،
وانفصل بعض المالكية عن ذلك لسببين :
أحدهما: أنه قال: هذا الحديث لم يقصد فيه تبيين الأوقات،
وحديث المواقيت قد بين أنه الشّ صلى العصر أول يوم القامة الثانية،
وفي الثاني آخرها، ثم قال: ((ما بين هذين وقت))(١).
والثاني: أنه إنما قال: ((أقل عملًا)) في مقابلة ما أعطوا من الأجور؛
لأن القيراطين إذا قسطا على ما بقي من النهار كان الذي ينوبه كل قيراط
أقل مما عمله أهل الكتابين، وهذا إنما هو اعتبار عما وقع في الحديث
الآخر: ((وقالت اليهود والنصارى: ما لنا أكثر عملًا وأقل أجرًا))(٢)
وأما على ما في هذا الحديث: ((فقالت اليهود: ربنا هؤلاء أقل عملًا
وأكثر أجرًا)) فهو بين؛ لأن عمل اليهود أكثر، ولعل هذا هو الصحيح
أن النصارى لم يقولوا ذلك.
فصل :
الرهط في حديث عبادة : ما دون العشرة من الرجال لا يكون
فيهم أمرأة(٣)، والبهتان فيه، نحو المذكور في الآية، فقيل: الولد.
(١) رواه النسائي ٢٦٣/١.
(٢) سلف برقم (٢٢٦٨) كتاب: الإجارة، باب: الإجارة إلى نصف النهار، بلفظ:
((ما لنا أكثر عملاً وأقل عطاءً))، أما هذا اللفظ فرواه أحمد ١١١/٢.
(٣) أنظر: ((الصحاح)) ١١٢٨/٣، و((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٢٨٣/٢، مادة
(رهط).

٤٠٣
كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
وقيل: بين أيديهن: ألسنهن، وبين أرجلهن: فروجهن -بما كسبت
أيديكم - والمعروف: النوح أو الخلوة بغير محرم، وكل حق معروف لله.
وقوله: ((فهو كفارة وطهور)) يعارض هذا ما وقع في آية المحاربين
وهي: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِ الدُّنْيَا﴾ الآية [المائدة: ٣٣] فمن قال:
الآية في الكفار، فذلك خارج عن هذا، ومن قال: هي عامة بين
المسلمين وغيرهم، وهو قول مالك فيكون مخصوصًا بالمحاربة.
قال الداودي: وفيه حجة على المعتزلة والمرجئة، وعلى من لا يقول
بقبول الأعمال مع اشتراط الدوام على الإيمان إلى أن يموت صاحبه،
قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ الآية [الأنبياء: ٩٤].
فصل :
وفيه: أن طهورًا معناه: مطهر، وهو حجة على أبي حنيفة في الطهور
أنه الطاهر.
فصل :
اختلفت الرواية في قصة سليمان القفيه المذكورة هنا، فهنا ((ستون))
وقيل: ((مائة))، وقيل: ((تسعون))، وروي ((سبعون)).
وذكر الداودي أن في غير هذِه الكتب أنه كان له ألف (أو مائة)(١)
منهن سبعمائة سرية وثلاثمائة مهديات، وأنه طاف عليهن.
فصل :
وقوله: ((لأطوفن الليلة، ولم يقل إن شاء الله))(٢)، وفي بعض
(١) كذا في الأصول ، ولعلها زائدة.
(٢) سلفت هذه الرواية برقم (٥٢٤٢) كتاب: النكاح، باب: قول الرجل: لأطوفن
الليلة على نسائي، ورواه مسلم (١٦٥٤) كتاب: الأيمان، باب: الاستثناء.

٤٠٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
الروايات: ((فقال له الملك: قل: إن شاء الله))، فلم يقل مع حرصه على
الخير، وأن يخرج من صلبه من يجاهد، إذ لم يقل: إن شاء الله مع
ما سبق في علم الله من ذلك كله.
فصل :
قوله في حديث أبي قتادة : ( ((إن الله قبض أرواحكم))). فيه دليل
أن الروح هو النفس، وهو قول أكثر الأئمة. وقال ابن حبيب وغيره:
الروح بخلافها، فالروح هو النفس المترددة الذي لا يبقى بعده حياة،
والنفس هي التي تلذ وتألم، وهي التي تتوفى عند النوم، فسمى النبي
وَل ما يقبضه في النوم روحًا، وسماه في كتابه نفسًا في قوله: ﴿اللَّهُ
يَتَوَلَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢].
وقوله: (وتوضئوا إلى أن طلعت الشمس وابيضت، فقام فصلى) كذا
هنا، وقال في خبر بلال حين كلا لهم: لم يوقظهم إلا الشمس(١).
قال الداودي: إما أن يكون هذا يومًا آخر أو يكون في أحد الخبرين
وهم. قلت: لا، وقد أسلفنا ذلك واضحًا، وهذا دليل لمن يقول:
لا تقضى الصلاة المنسية في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها،
ومذهبنا ومذهب مالك خلاف ذلك أنها تقضى حينئذٍ، ولا حجة له
في هذا الحديث. قلت: لأن فيه (أنه)(٢) ما أيقظهم إلا حر الشمس
إذا جعلنا القصة واحدة.
فصل :
وقوله في حديث أبي هريرة : (استب رجل مسلم ويهودي) وفي
(١) رواه مسلم (٦١٣).
(٢) من (ص١).

٤٠٥
= ڪِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
موضع آخر: سمع اليهودي يقول ذلك فأخذته غضبة، فأدمى وجهه(١)،
وقوله: ((لا تخيروني على موسى))، وفي رواية أخرى: ((لا تخيروا بين
الأنبياء))(٢) قد سلف وجه الجمع فيه.
قال الداودي: في بعض هذه الرواية وهم، وكذلك في أكثر
الروايات في هذا الحديث في هذِه الكتب لابد أن يدخلها بعض
الوهم، قال: والوهم هنا في قوله: ((فإن الناس يصعقون فأكون أول
من يفيق)) إلى: ((فلا أدري أكان ممن صعق فأفاق قبلي)) هذا وهم،
قال: وبين ذلك في أكثر الروايات، فقال: ((ينفخ في الصور فيصعق
الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من تنشق عنه الأرض، فإذا
موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أو كان ممن
استثنى الله))(٣).
وفي رواية أخرى: ((أو جوزي بصعقة الطور)) (٤).
قال: وهذا هو الصحيح، لأن الصعقة حينئذٍ إنما هي الموت،
وإنما يموت الأحياء ليس من قد مات، فأخبر أنه أول من تنشق عنه
(١) سلف برقم (٢٤١٢).
(٢) سلف برقم (٢٤١٢) كتاب: الخصومات، باب: ما يذكر في الإشخاص، ورواه
مسلم (٢٣٧٤) كتاب: الفضائل، باب: من فضائل موسى القَيّها. من حديث أبي
سعید.
(٣) رواه الترمذي (٣٢٤٥) كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الزمر، وقال:
حسن صحيح، وابن ماجه (٤٢٧٤) كتاب: الزهد، باب: ذكر البعث، وأحمد ٢/
٤٥٠ - ٤٥١، وابن حبان ١٦/ ٣٠١ (٧٣١١) جميعًا من حديث أبي هريرة بلفظ:
((فلا أدري أرفع رأسه قبلي أم كان ممن استثنى الله)).
(٤) سلف برقم (٣٣٩٨) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَوَعَدْنَا
مُوسَى ثَلَثِينَ لَيْلَةُ﴾ من حديث أبي سعيد.

٤٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الأرض -يعني: عن جثته- وشك في الإفاقة هي رجوع الروح فيه،
فلا أدري أكان هو أول أو موسى، فإن كان المحفوظ: ((أو كان ممن
استثنى الله)) فمعناه أو جعله الله لي ثانيًا، وإن كان المحفوظ:
((أو جوزي بالصعقة فلا أدري أفاق قبلي)) هل فعل ذلك إكرامًا له
أو جازاه بالصعقة التي كانت يوم طور سيناء، وقول الداودي: استثنى
الله أي: جعله الله لي ثانيًا. قال جماعة: بل أراد قوله: ﴿فَصَعِقَ مَن
فِي السَّمَوَتِ وَمَنْ فِ الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨].
فصل :
وفي حديث أنس : فضل المدينة، واحتج به من فضلها على مكة
أيضًا بخصوصها بهذا دون مكة.
فصل :
وحديث أبي هريرة ته: ((أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة)).
فيه: الرد على المعتزلة المنكرين للشفاعة المقتحمين على رد ما روي في
ذلك من الأخبار على كثرتها واشتهارها وخروجها من حيز أخبار
الآحاد، واجترأ قوم منهم على أن قالوا: لا يشفع رسول الله وَل ولو
شفع ما قبلت منه، مشاقًّا للأمة وخروجًا عن الجماعة، وهو التقليالا
مخصوص بالشفاعة للذين ماتوا من أمته على غير توبة أو من
المذنبين، إذا قلنا: إن التوبة لا ترفع العقاب على الذنب.
وعند بعض الأشعرية: أنها تكون في الموقف تخفيفًا عمن يحاسب،
وتكون في إخراج قوم من النار حتى لا يبقى فيها مؤمن، ويكون للراحة
من الموقف، ونقض بعضهم زيادة النعيم، وقال: لم يرد في خبر، قال
أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ
٢

٤٠٧
كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
[الحجر: ٢]: ذلك حين يخرج المسلمون من النار بالشفاعة(١).
فصل :
والقليب في حديث أبي هريرة : البئر قبل أن يطوى، يذكر
ويؤنث، قاله الجوهري، وقال: عن أبي عبيد: هي: البئر العادية
القديمة (٢). والذنوب: الدلو الملأى ماء.
وقال ابن السكيت: فيها ماء قريب من الملء، تؤنث وتذكر(٣).
ولا يقال لها وهي فارغة: ذنوب، والغرب: الدلو العظيمة.
فصل :
اللقي في حديث ابن عباس رضي الله عنهما مصدر لقي لقيًّا، مثل
خرج خروجًا، فلما التقى حرفا علة وسبق الأول بالسكون، قلبت
الواو ياء، وأدغمت في الياء الأخرى، وكسرت الياء لتصح الياء.
وقوله: ((هل تعلم أحدًا أعلم منك؟، فقال: لا))، هذا الذي يظن
بموسى؛ لأنه سئل عن علمه. وهُذِه رواية (عبيد الله بن عباس) (٤)،
ورواية سعيد بن جبير: ((هل أحدً أعلم منك؟؛ قال: لا فعتب الله عليه))(٥).
(١) للاستزادة حول موضوع الشفاعة أنظر: كتاب ((الشفاعة)) لفضيلة الشيخ مقبل بن
هادي الوادعي، فقد تكلم بإفاضة في هذا الموضوع ط. دار الآثار صنعاء.
(الصحاح)) ٢٠٦/١، ((غريب الحديث)) ٤٠٤/٢.
(٢)
(٣)
((إصلاح المنطق)) ص ٣٦١.
(٤) ورد بهامش الأصل: صوابه عبيد الله عن ابن عباس، لعله سقط (عن).
قلت (المحقق): وفي (ص١): (عبد الله بن عباس).
(٥) رواية سعيد بن جبير، عن ابن عباس سلفت برقم (١٢٢) كتاب: العلم، باب:
ما يستحب للعالم إذا سئل: أي الناس أعلم؟ فيكل العلم إلى الله، ورواه مسلم
كذلك (٢٣٨٠) كتاب: الفضائل، باب: من فضائل الخضر القليل.

٤٠٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ===
قال الداودي: والأولى أن يحمل على موسى أنه قال الصدق قال:
ولو قال لا، ولم يقل له: هل تعلم أحدًا، لدخل في قوله: ﴿مَا لَيْسَ لَكَ
بِهِ، عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٦].
وقوله: ((فجعل الله له الحوت آية)) أي: علامة على ما يريد، وذلك
أنه حمل حوتًا كانا يأكلان منه هو وفتاه يوشع، فلما فقد نصفه تلقاء
الصخرة فنام موسى وجلس يوشع، فوثب الحوت من المكتل، فاتخذ
سبيله في البحر وكان طريقه كالطافي، فلم يوقظ يوشع موسى حتى
أنتبه، فنسي يوشع أن يذكر له أمر الحوت، فانطلقا يومهما وليلتهما،
فوجد موسى الإعياء، فقال لفتاه: ﴿ءَائِنَا غَدَاءَنَا﴾، فذكر يوشع فقال:
﴿أَرَيْتَ إِذْ أَوَيِّنَآ إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِّ نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَآ أَنْسَئِنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ
أَذَّكْرَهُ﴾، فكان سبيل الحوت في البحر سربًا، وكان لموسى وفتاه عجبًا .
وقوله: (﴿فَأَرْتَدًا عَلَىَ ءَاتَارِهِمَا قَصَصًا﴾) قال الداودي: كان موسى
يتبع أثر الحوت، أي: ينظر إليه بالساحل يسير معه حتى انتهى إلى
الخضر التّة، ليس أنه سلك في أثره في البحر. قال: ولو كان كذلك
لقال: سلك أثر الحوت.
فصل :
وقوله في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: ( ((إنا قافلون)))
أي: راجعون.

٤٠٩
كِتَابُ التَّوْحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
-
٣٢- باب قَوْلِ اللَّهِ مَّ:
(وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّ لِمَنْ أُذِنَ لَهُ
حَتَّى إِذَا فُزْعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ
قَالُوا الحَقّ وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ) (١) [سبأ: ٢٣]
لَمْ يَقُلْ: مَاذَا خَلَقَ رَبُّكُمْ وَقَالَ جل ذكره: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ
◌ِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِّ﴾ [البقرة: ٢٥٥]
قَالَ مَسْرُوقٌ، عَنِ ابن مَسْعُودٍ إِذَا تَكَلَّمَ اللهُ بِالْوَحْي سَمِعَ أَهْلُ
السَّمَوَاتِ شَيْئًا، فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ وَسَكَنَ الصَّوْتُ عَرَفُوا
أَنَّهُ الحَقُّ وَنَادَوْا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الحَقَّ﴾ [سبأ: ٢٣].
يُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ
ونَ﴿ يَقُولُ: ((يَحْشُرُ اللهُ العِبَادَ، فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ
كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ: أَنَا المَلِكَ، أَنَا الدَّيَّانُ)).
٧٤٨١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ◌َ قَالَ: ((إِذَا قَضَى اللهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ المَلَائِكَةُ
بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ، كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ - قَالَ عَلِيَّ: وَقَالَ غَيْرُهُ:
صَفَوَانٍ - يَنْفُذُّهُمْ ذَلِكَ، فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا:
الحَقَّ، وَهْوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ)).
قَالَ عَلِيٍّ: وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بهذا.
(١) هُذِه قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي، أُذن: بالرفع على ما لم يسم فاعله، وقرأ
الباقون: أَذن بالفتح. أنظر: ((حجة القراءات)) لابن زنجلة ص٥٨٩، ((الكوكب
الدري)» ص٥٢٩.

٤١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ عَمْرُو: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ.
قَالَ عَلِيُّ: قُلْتُ لِسُفْيَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ؟، قَالَ:
نَعَمْ. قُلْتُ لِسُفْيَانَ: إِنَّ إِنْسَانًا رَوىُ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ أَنَّهُ
قَرَأَ: (فُزِّعَ ( [سبأ: ٢٣]. قَالَ سُفْيَانُ هَكَذَا قَرَأَ عَمْرُو فَلَا أَدْرِي سَمِعَهُ هَكَذَا أَمْ لَا، قَالَ
سُفْيَانُ وَهْيَ قِرَاءَتُنَا. [انظر: ٤٧٠١ - فتح: ١٣ / ٤٥٣].
٧٤٨٢ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثِرِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي
أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِِّ: ((مَا أَذِنَ
اللّهُ لِشَىء مَا أَذِنَ لِلَّبِّ وَ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ)). وَقَالَ صَاحِبٌ لَهُ: يُرِيدُ أَنْ يَجْهَرَ بِهِ.
[انظر: ٥٠٢٣- مسلم: ٧٩٢ - فتح: ١٣ / ٤٥٣].
٧٤٨٣- حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ، حَدَّثَنَا
أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُذْرِيِّ ◌َِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌ِلَ: «يَقُولُ اللهُ: يَا آدَمُ.
فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. فَيُنَادِى بِصَوْتٍ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُلَكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ
بَعْئًا إِلَى النَّارِ)). [انظر: ٣٣٤٨ - مسلم: ٢٢٢ - فتح: ١٣ / ٤٥٣].
٧٤٨٤- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى أَمْرَأَةٍ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، وَلَقَدْ أَمَرَهُ
رَبُّهُ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ. [انظر: ٣٣٤٨ - مسلم: ٢٤٣٤، ٢٤٣٥ - فتح: ١٣ / ٤٥٣].
(وقال مَسْرُوقُ، عَنِ ابن مَسْعُودٍ ﴾ إِذَا تَكَلَّمَ اللهُ بِالْوَحْي سَمِعَ أَهْلُ
السَّمَوَاتِ، فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ وَسَكَنَ الصَّوْتُ عَرَفُوا أَنَّهُ الحَقُّ وَنَادَوْا :
(مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الحَقَّ).
وهذا أسنده أبو داود عن أحمد بن أبي سريج وغيره، عن أبي
معاوية (عن الأعمش)(١)، عن شقيق، عن مسروق أنه حدثه عنه به
(١) من (ص١).

٤١١
كِتَابُ التّوحِيدِ وَالزَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
مرفوعًا (١).
ثم قال البخاري: وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرِ لَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ عَظُه:
سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َهِ يَقُولُ: ((يَحْشُرُ اللهُ العِبَادَ، فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ
بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ: أَنَا المَلِكَ، أَنَا الدَّيَّانُ)).
وهذا أسنده الحارث بن أبي أسامة في ((مسنده)) من حديثه قال:
بلغني حديث عن رجل من أصحاب رسول الله وَ له: فابتعت بعيرًا
فشددت عليه رحلي، ثم سرت إليه، فسرت شهرًا حتى قدمت الشام،
فإذا عبد الله بن أنيس الأنصاري. فذكره عنه مطولًا(٢).
ثم ساق حديث أبي هريرة : ((إِذَا قَضَى اللهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ
ضَرَبَتِ المَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا)). الحديث، وقد سلف الحديث(٣).
وحديثه أيضًا: ((مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيءٍ مَا أَذِنَ النَّبِيِّ نَّهِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ)).
وَقَالَ صَاحِبٌ لَهُ: يُرِيدُ: يَجْهَرُ بِهِ .
وحديث أبي سعيد الخدري ◌ُ قَالَ: قَالَ رسول الله وَله: ((يَقُولُ اللهُ
تعالى: يَا آدَمُ. فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. فَيُنَادِى بِصَوْتٍ إِنَّ اللهَ يَأْمُرَُ أَنْ
تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى الَّارِ)).
وحديث عائشة رضي الله عنها: قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى أَمْرَأَةٍ مَا غِرْتُ
عَلَى خَدِيجَةَ، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَبُّهُ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ فِي الجَنَّةِ.
(١) أبو داود (٤٧٣٨) كتاب: السُّنَّة، باب: في القرآن، وفيه: مسلم، بدل: شقيق.
والحديث صححه الألباني في ((الصحيحة)) (١٢٩٣).
(٢) رواه الحارث بن أبي أسامة في ((مسنده)) كما في ((بغية الباحث)) (٣٩).
(٣) سلف برقم (٤٧٠١) كتاب: التفسير.

٤١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
الشرح :
استدل البخاري بقوله تعالى: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ [سبأ: ٢٣] ولم يقل:
ماذا خلق ربكم، أن قوله تعالى قديم بذاته قائم بصفاته لم يزل موجودًا به
ولا يزال، وأنه لا يشبه كلام المخلوقين وليس بذي حروف(١)، خلافًا
للمعتزلة التي نفت كلام الله وقالت: إن كلامه كناية عن الفعل
والتكوين، قالوا: وهذا شائع في كلام العرب، ألا ترى (أنَّ)(٢)
الرجل يعبر عن حركته بيده فيقول: قلت بيدي هكذا، وهم يريدون:
حركة يدي، ويحتجون بأن الكلام لا يعقل منا إلا (بأعضاء)(٣)
ولسان، والباري تعالى لا يجوز أن يكون له أعضاء دالات على
الكلام إذ ليس بجسم، فرد البخاري عليهم بحديث الباب: ((إذا قضى
الله الأمر في السماء فزعت ... )) إلى آخره.
وقوله: ﴿حَتَّىَ إِذَا فُزِعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾. أي: أذهب الفزع: قالوا (للذين
من فوقهم) (٤): ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾؟
فدل ذلك على أنهم سمعوا قولًا لم يفهموا معناه من أجل فزعهم؛
فقالوا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾، ولم يقولوا ماذا خلق ربكم؟
وأكد ذلك بما حكاه عن الملائكة أيضًا، ﴿قَالُواْ الْحَقّ﴾ .
والحق إحدى صفتي الذات الذي لا يجوز على الله غيره؛ لأنه
(١) عقيدة أهل السنة والجماعة: أن الله يتكلم بكلام حقيقي متى شاء، كيف شاء،
بما شاء، بحرفٍ، لا يماثل أصوات المخلوقين. وقد تقدم الكلام مرارا على هذِه
المسألة.
(٢) من (ص١).
(٣) في الأصل: (بالأعضاء)، والمثبت من (ص١)، ومن ((شرح ابن بطال)) ٤٩/١٠.
(٤) في (ص١): (للذي فوقهم).

٤١٣
ـ كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
لا يجوز على كلامه الباطل، ولو كان القول منه خلقًا وفعلًا لقالوا حين
سئلوا: ﴿مَاذَا قَالَ﴾ أخلق خلقًا كذا إنسانًا أو خيلًا أو شيئًا من
المخلوقات، فلما وصفوا قوله بما يوصف به الكلام من الحق لم يجز
أن يكون القول بمعنى الخلق والتكوين.
وكذلك قوله لآدم: ((يَا آدَمُ)) وهو كلام مسموع، ولو كان بمعنى
الخلق والتكوين ما أجاب ((لبيك وسعديك)) التي هي جواب
المسموعات، وكذلك قول عائشة رضي الله عنها: (ولقد أمره ربه أن
يبشرها). هو كلام وقول مسموع من الله، ولو كان خلقًا لما فهم
(عنه)(١) عن ربه له بالبشرئ.
فصل :
حاصل الخلاف في المسألة ثلاثة أقوال:
قول أهل الحق أن القرآن غير مخلوق وأنه كلامه، وإنما يعنون بذلك
الكلام القائم بذاته (سبحانه)(٢) الذي هو شيء واحد لا ينقسم ولا يتجزأ
ولا يشبه شيئًا من كلام المخلوقين؛ لأن المتكلم به لا يشبه المتكلمين،
وإنما يوصف بأنه (كلمات)(٣) كما قال الله تعالى: ﴿مَّا نَفِدَتْ كَلِمَتُ
اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] على سبيل (التعليل) (٤)، وإنما هو في الحقيقة كلام
واحد، والعبارة عنه.
واستثقل بعض الحفاظ أن يُقال عبارة عنه أنه مفهوم في نفسه،
والعبارة عندهم إنما تكون عبارة عما هو غير مفهوم. وقالت الخوارج
(١) في (ص١): فيه.
(٢) كذا في الأصل ووضع فوقها كلمة : كذا.
(٣) في (ص١): كلام.
(٤) في الأصل: (التعليم)، والمثبت من (ص١).

٤١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
والمرجئة والجهمية والنجارية: إنه مخلوق. وقال البلخي ومن قال
بقوله: القرآن محدث غير مخلوق. وقال معمر: وما تكلم الله قط بل
المتكلم من فعل الكلام، وإنما الكلام هو الأصوات، (وهل)(١) فعل
الشجرة، وقال قوم: الواجب الوقف في أمر القرآن، ولا يقول: إنه
مخلوق ولا غير مخلوق.
فصل :
وقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ: إِلَّا بِإِذْنِهِ،﴾ [البقرة: ٢٥٥] نزل
لما قيل: شفعاؤنا عند الله الأصنام، فأعلم الله أن المؤمنين إنما يصلون
على الأنبياء ويدعون للمؤمنين، كما أمروا أذن لهم.
فصل :
و﴿فُزِّعَ﴾ في الآية قرئ بالتشديد والتخفيف(٢)، والمعنى: ذهب
منها ما كانوا يجدونه من عظمة الله وجلاله، ففي ﴿فُزِّعَ﴾ ضمير عائد
على أسم الله تعالى، والمعنى: حتى إذا جلى الله الفزع عن قلوب
الملائكة أي: أزاله ﴿قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَّكُمْ﴾ وذلك فيما روي أن
الملائكة تفزع إذا علمت أن الله أوحى بأمر، فتفزع منه أن يكون في
أمر الساعة، فإذا جلى الله الفزع بأن ذلك ليس (في)(٣) أمر الساعة،
سألوا عن الوحي ما هو؟ فقالوا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ فيجاوبه جبريل
الَّ: فيقول: ﴿قَالُواْ الْحَقَّ﴾ وأخبر عنه بلفظ الجماعة؛ لجلاله
وعظمته، وحجة من ضم الفاء أنه بنى الفعل للمفعول، وأقام
(١) ورد في هامش الأصل: لعله: وهو.
(٢) قرأ بالتخفيف ابن عامر ويعقوب، والباقي بالتشديد انظر: ((الكوكب الدري))
ص٥٢٨.
(٣) في (ص١): (من).

٤١٥
كِتَابُ التّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
المجرور مقام الفاعل وهو: ﴿عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾، ومعناه كما تقدم.
فصل :
وقوله: ( ((أنا الديان)) ) أي: (أنا) (١) المجازي والمحاسب، وقوله:
( (خضعانا)) ) أي: تواضعًا.
فصل :
وقوله: ( ((ما أذن الله لشيء)) ) أي: ما استمع، قال الشاعر:
صم إذا سمعوا خيرًا ذكرت به وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا
وقوله: ( ((يتغنى)) ) أي: يجهر. وقيل: يستغني به.
فصل :
وقوله: ( ((بعثًا إلى النار)))، قال في غير هذا الموضع: ((من كل
ألف تسعمائة وتسعة وتسعين)) (٢)، ففي هذا أن الرب جل جلاله قد
علم أهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم وأعمالهم التي توجب لهم
النار. والبعث بفتح الباء: الجيش، والمراد به هنا: الجماعة.
(١) من (ص١).
(٢) سلف برقم (٣٣٤٨) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قصة يأجوج ومأجوج.

٤١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٣٣- باب كَلَامِ الرَّبِّ وَجَدْ مَعَ جِيْرِيلَ
وَنِدَاءِ اللّهِ المَلَائِكَةَ
وَقَالَ مَعْمَرٌ: ﴿وَإِنَّكَ لَتْلَفَى الْقُرْءَانَ﴾ [النمل: ٦] أَيْ: يُلْقَى
عَلَيْكَ. وَتَلَقَّاهُ أَنْتَ أَيْ: تَأْخُذُهُ عَنْهُمْ، وَمِثْلُهُ: ﴿فَلَفَّىَ ءَادَمُ
مِن ◌َبِّهِ، كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧].
٧٤٨٥ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - هُوَ ابن عَبْدِ
اللهِ بْنِ دِينَارٍ - عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ تَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َّ:
((إِنَّ اللهَ تَبَارََكَ وَتَعَالَى إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا نَادِى جِبْرِيلَ إِنَّ اللهَ قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ.
فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي جِبْرِيلُ فِي السَّمَاءِ إِنَّ اللهَ قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا ٩/ ١٧٤
فَأَحِبُّوهُ. فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، وَيُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي أَهْلِ الأَرْضِ)). [انظر: ٣٢٠٩-
مسلم: ٢٦٣٧ - فتح: ١٣ / ٤٦١].
٧٤٨٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِيِ الزِّنَادِ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ مَّهِ قَالَ: (يَتَعَاقَبُونَ فِيَكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ بِالنَّهَارِ،
وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ العَصْرِ وَصَلَاةِ الفَجْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الذِينَ بَاتُوا فِيَكُمْ،
فَيَسْأَلُهُمْ وَهْوَ أَعْلَمُ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلّونَ،
وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلّونَ)). [انظر: ٥٥٥- مسلم: ٦٣٢ - فتح: ١٣ / ٤٦١].
٧٤٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، حَدَّثَنَا غُنْدَرُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنِ
المَعْرُورِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((أَتَانِي جِبْرِيلُ فَبَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ
مَاتَ لَا يُشْرِكُ باللهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ)). قُلْتُ وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟! قَالَ: ((وَإِنْ
سَرَقَ وَإِنْ زَنَى)). [انظر: ١٢٣٧ - مسلم: ٩٤ - فتح: ١٣ / ٤٦١].
(وقال مَعْمَرٌ: ﴿وَإِنَّكَ لَتْلَقَّى الْقُرْءَانَ﴾ أَيْ: يُلْقَىْ عَلَيْكَ. وَتَلَقَّاهُ أَنْتَ
أَيْ: تَأْخُذُهُ عَنْهُمْ، وَمِثْلُهُ: ﴿فَلَقَّقَ ءَادَمُ مِن زَبِّهِ، كَلِمَتٍ﴾).

٤١٧
كِتَابُ التّوحِيدِ وَالزَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
أخرجه عن معمر عبد الرزاق(١).
ثم ذكر ثلاثة أحاديث سلفت:
حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَثُ: ((إِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا نَادى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللهَ قَدْ
أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ)). الحديث(٢).
وحديثه أيضًا: (يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَِّلِ)). الحديث(٣).
وحديث أبي ذر عه يرفعه: ((أَتَانِي جِبْرِيلُ فَبَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ من
أمتي لَا يُشْرِكُ باللهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ)). قُلْتُ وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟!
قَالَ: ((وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى))(٤).
(١) عزو المصنف - رحمه الله- هذا التعليق هكذا يوهم أن معمرًا هذا هو ابن راشد،
شيخ عبد الرزاق، وليس كذلك؛ فالتعليق لم أعثر عليه لا فى ((مصنف عبد الرزاق))
ولا في ((تفسیرہ)).
ومعمر هنا هو ابن المثنى -أبو عبيدة- هذا ما جزم به الحافظ في ((الفتح)) ١٣/
٤٦١، ونفي أن يكون هو ابن راشد.
وقوله هذا- أعني: معمر بن المثنى- وجدته في ((مجاز القرآن)) تأليفه ٢/ ٩٢.
وقال الحافظ في ((التغليق)) ٣٥٧/٥: معمر هذا هو أبو عبيدة بن المثنى اللغوي،
قاله أبو ذر الهروي.
أخبرنا بذلك من قوله: أبو محمد عبد الله بن محمد المكي إذنًا مشافهة، عن
سليمان بن حمزة، أن جعفر بن علي أنبأهم: أنا أبو القاسم خلف بن عبد الملك
الحافظ في كتابه: أنا عبد الرحمن بن محمد: أنا القاضي أبو عمر أحمد بن
محمد بن يحيى الحذارء -فيما كتب لي بخطه- عن عبد الوارق بن سفيان، عن
قاسم بن أصبغ، عن أبي سعيد السكري، عن أبي حاتم، عن أبي عبيدة، به. اهـ .
(٢) سلف برقم (٣٢٠٩) كتاب: بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة. ومواضع أخر.
(٣) سلف برقم (٥٥٥) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: فضل صلاة العصر. ومواضع
أخر.
(٤) سلف برقم (١٣٢٧).

٤١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
هذا الباب كالباب الذي قبله في إثبات كلامه تعالى وإسماعه جبريل
والملائكة، فيسمعون عند ذلك الكلام القائم بذاته الذي لا يشبه كلام
المخلوقين؛ إذ ليس بحروف ولا تقطيع بفم، وليس من شرطه أن يكون
بلسان وشفتين وآلات، وحقيقته أن يكون مسموعًا مفهومًا، ولا يليق
بالباري تعالى أن يستعين في كلامه بالجوارح والأدوات، فمن قال:
لم أشاهد كلامًا إلا بأدوات لزمه التشبيه؛ إذ حكم على الله بحكم
المخلوقين، وخالف قوله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١].
فصل :
قوله: ﴿فَلَقَّقَ ءَدَمُ مِنْ زَبِّهِ، كَلِمَتٍ﴾: جمع على معنى التعظيم،
وإنما هو في الحقيقة كلام واحد كما سلف.
وروي أن آدم قال: يا رب عملي هذا هل شيء اخترعته أم أمر كتبته
علي؟ فقال: بل كتبته عليك فقال: أسألك كما كتبت علي أن تغفر
لي(١). فإن كان هذا محفوظًا، فإنما قاله اعترافًا صحيحًا .
(١) رواه عبد الرزاق في ((تفسيره) ٦٦/١-٦٧ (٤٤)، والطبري ٢٨١/١-٢٨٢ (٧٨١-
٧٨٥)، وابن أبي حاتم في ((تفسير القرآن العظيم)) ٩١/١ (٤٠٩)، وأبو الشيخ في
((العظمة)) ص٤٤٧ (١٠٢٦)، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٢٧٣/٣، كلهم من طريق
سفيان الثوري، عن عبد العزيز بن رفيع قال: أخبرني من سمع عبيد بن عمير،
فذكره من قوله، وعزاه السيوطي في ((الدر المنثور)) ١/ ١١٧ لوكيع وعبد بن حميد
وأبي الشيخ وأبي نعيم.
أورده ابن أبي حاتم في ((علله)) ٨٦/١-٨٧ وقال: سئل أبو زرعة عن حديث رواه
وكيع والمؤمل بن إسماعيل، واختلفا فقال مؤمل عن الثوري، عن عبد العزيز بن
رفيع، عن مجاهد، عن عبيد بن عمير .. الحديث، وقال وكيع عن سفيان، عن
عبد العزيز بن رفيع، عن من سمع عبيد بن عمير. قال: حديث وكيع أصح، وأخطأ
المؤمل.

٤١٩
كِتَابُ التّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
-
فصل :
وقوله في الحديث الأول: ( ((فيوضع له القبول في الأرض)) ) يعني:
عند الصالحين ليس عند جميع الخلق، والذي يوضع له بعد موته أكثر منه
في حياته.
فصل :
و(يتعاقبون)) قد سلف أنه لغة الحارث بن كعب يجمعون الفعل، قال
الداودي: وروي أن الملائكة تنزل معهم بصحف مختومة فيها أعمال
العباد إلا خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فيلحقون ذلك.
فصل :
وحديث أبي ذر ◌ّ فيه رد على من يقول: إن المؤمن إذا أتى كبيرة
لا يدخل الجنة، و(١) السنة على خلافه.
وأول من قال: الفاسق منزلة بين منزلتين لا مؤمن ولا كافر واصل بن
عطاء، واعتزل الأمة وفارقها لما قاله، فسمي معتزليًّا؛ لأن الأمة على
قولين: فرقة تكفر بالذنوب، وفرقة تقول: هو مؤمن بإيمانه فاسق
بفسقه، فابتدع واصل مقالة ثالثة.
وأما قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَوْلَئِكَ هُمُ اُلْفَسِقُونَ﴾
[المائدة: ٤٧]، ﴿الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿اَلْكَفِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]،
فمحمول على أستحلاله، وكذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا
مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ الآية [النساء: ٩٣] وإن جازاه.
(١) ورد بهامش الأصل: لعله سقط: أهل.

٤٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٣٤- باب قَوْلِ اللّهِ رَتْ:
﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِةٍ، وَالْمَلَئِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾
[النساء: ١٦٦]
قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿يَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] بَيْنَ السَّمَاءِ
السَّابِعَةِ وَالأَرْضِ السَّابِعَةِ.
٧٤٨٨- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الهَمْدَانِيّ، عَنِ
البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ له: ((يَا فُلَانُ، إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَقُلِ:
اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ،
وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّ إِلَيْكَ،
آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الذِي أَرْسَلْتَ. فَإِنَّكَ إِنْ مُتَّ فِي لَيْلَتَِكَ
مُتَّ عَلَى الفِطْرَةِ، وَإِنْ أَصْبَحْتَ أَصَبْتَ أَجْرًا)). [انظر: ٢٤٧ - مسلم: ٢٧١٤ - فتح:
١٣ / ٤٦٢] .
٧٤٨٩- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّ ◌َ﴿ يَوْمَ الأَحْزَابِ: ((اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ
سَرِيعَ الحِسَابِ، أَهْزِمِ الأَحْزَابَ وَزَلْزِلْ بِهِمْ)). [انظر: ٢٨١٨- مسلم: ١٧٤٢- فتح:
١٣ / ٤٦٢].
زَادَ الْحُمَيْدِيُّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا ابن أَبي خَالِدٍ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ، سَمِعْتُ
النَّبِيَّ ◌َلِّ.
٧٤٩٠- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ هُشَيْمِ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ، بْنِ جُبَيٍْ، عَنِ ابن
عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: ﴿وَلَا تَّجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] قَالَ:
أُنْزِلَتْ وَرَسُولُ اللهِ مَثِّ مُتَوَارٍ بِمَكَّةَ، فَكَانَ إِذَا رَفَعَ صَوْتَهُ سَمِعَ المُشْرِكُونَ فَسَبُّوا القُرْآنَ
وَمَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جَاءَ بِهِ. وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَّجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾
لَا تَجْهَزْ بِصَلَاتِكَ حَتَّى يَسْمَعَ الْمُشْرِكُونَ، وَلَا تُخَافِتْ بِهَا عَنْ أَصْحَابِكَ فَلَا تُسْمِعُهُمْ.