Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
كِتَابُ الأحْكَامِ
=
وحجتهم: أنه الكليّة بعث بكتبه إلى خيبر وإلى الروم، ولم يذكر أنه
أشهد عليها.
وأجمع فقهاء الأمة وحكامها على فعل سوار وابن أبي ليلى، فاتفقوا
أنه لا يجوز کتاب قاض إلى قاض حتى يشهد عليه شاهدان؛ لما دخل
الناس من الفساد واستعمال الخطوط ونقوش الخواتيم فاحتيط لتحصين
الدماء والأموال بشاهدين.
وروى ابن نافع عن مالك قال: كان من أمر الناس القديم إجازة
الخواتم حتى إن القاضي ليكتب للرجل الكتاب مما يريد على ختمه
فيجاز له، حتى أتهم الناس فصار لا يقبل إلا شاهدين على كتابه(١).
فصل :
واختلفوا إذا أشهد القاضي شاهدين على كتابه ولم يقرأه عليهما
ولا عرفهما بما فيه- فقال مالك: يجوز ذلك ويلزم القاضي المكتوب
إليه قبوله بقول الشاهدين: هُذا كتابه دفعه إلينا مختومًا (٢).
وقال أبو حنيفة(٣) والشافعي وأبو ثور: إذا لم يقرأه عليهما
(القاضى)(٤)، ولم يجز ولم يعلم القاضي المكتوب إليه بما فيه(٥)،
وروي عن مالك مثله(٦).
وحجتهم أنه لا يجوز أن يشهد الشاهد إلا بما يعلم؛ لقوله تعالى:
(١) ((النوادر والزيادات)) ١٢١/٨.
(٢) السابق ١٢٠/٨.
(٣) ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٨٨/٣-٣٨٩.
(٤) من (ص١).
(٥) ((الأم)) ٢١٧/٦.
(٦) سبق تخريجه قريبًا.

٤٨٢
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
﴿وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ (١) [يوسف: ٨١] وحجة المجيز أن الحاكم إذا
أقرأه كتابه؛ فقد أقر بما فيه وليس للشاهدين أن يشهدا على ما ثبت عند
الحاكم فيه، وإنما الغرض منهما أن يعلم المكتوب إليه أن هذا كتاب
القاضي إليه، وقد ثبت عند القاضي من أمر الناس ما (لا)(٢) يحبون
أن يعلمه كل أحد مثل الوصية التي يتخوف الناس فيها ويذكرون
ما فرطوا فيه؛ ولهذا يجوز عند مالك أن يشهدوا على الوصية
المختومة وعلى الكتاب المدرج، ويقولوا للحاكم: نشهد على إقراره
بما في هذا الكتاب، وقد كان التَّ يكتب إلى عماله ولا يقرؤها على
رسله، وفيها الأحكام والسنن.
فصل :
اختلفوا إذا أنكسر ختم الكتاب، فقال أبو حنيفة وزفر: لا يقبله
الحاكم. وقال أبو يوسف: يقبله، ويحكم به إذا شهدت به البينة(٣)،
وهو قول الشافعي (٤).
واحتج الطحاوي لأبي يوسف فقال: كتب رسول الله وَل إلى الروم
كتابًا وأراد أن يبعثه غير مختوم حتى قيل: إنهم لا يقرءونه إلا مختومًا
فاتخذ الخاتم من أجل ذلك (٥)، فدل أن كتاب القاضي حجة، وإن لم
يكن مختومًا وخاتمه أيضًا حجة(٦).
(١) ((الأم)) ٧/ ٨٢.
(٢) من (ص١).
(٣) ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٨٩/٣.
(٤) ((الأم)) ٦/ ٢١٧.
(٥) (شرح معاني الآثار)) ٢٥٦/٤.
(٦) ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٨٩/٣.

٤٨٣
كِتَابُ الأحْكَامِ
فصل ينعطف على ما مضى:
قال الداودي: كان الناس على ما ذكره البخاري يقبلون الخط
والكتاب المختوم حتى أحدث الناس ما أحدثوا، فطلبوا البينة على
الكتاب، فإن شهدت البينة على كتاب يكون بأيديهم ولم يعلموا
ما فيه، إلا إنهم شهدوا عليه وهو مختوم فكان بأيديهم جازت الشهادة،
وإن شهدوا على ما فيه كان أحوط. وقال بعض أصحابنا: يقبل
القاضي كتاب أمينه إذا عرف خطه.
قالوا: ويجوز كتاب القضاة في الحقوق والحدود والقتل، وكل
ما ينظر فيه القضاة. قال ابن القاسم وغيره: ويعمل على كتاب القاضي
في الزنا رجلان. وقال سحنون: لا يقبل فيه إلا أربعة(١).
فصل :
وقوله: (وكره الحسن .. ) إلى آخره، قال الداودي: هذا الصواب
الذي لا شك فيه أنه لا يشهد على وصية حتى يعرف ما فيها، وتعقبه
ابن التين فقال: لا أدري لم صوبه وهي إن كان فيها جور يوجب
الحكم إلا بمضي لم يمض، وإن كان يوجب الحكم أمضاه.
ومذهب مالك جواز الشهادة على الوصية وإن لم يعلم الشاهد
ما فيها (٢) إذا لم يشهد الشاهد، ووجه ذلك أن الناس يزعمون في
إخفاء أمورهم إن لم يكن موت، وكثيرًا ما يكرهون الاطلاع عليه
إلا بعد الموت، فلهم في ذلك غرض. ثم حكي أنه اختلف قول مالك
فيما إذا دفع إلى شهود كتابًا. وقال: أشهدوا عليَّ بما فيه، هل يصح
(١) ((النوادر والزيادات)) ١١٨/٨-١١٩.
(٢) أنظر ((المنتقى)) ٦/ ١٤٧.

٤٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
تحملهم الشهادة؟ قال: وكذلك الحكم إذا كتب إلى حاكم وختمه وأشهد
الشهود أنه كتابه ولم يقرأه عليهم.
واستدل القاضي إسماعيل على إجازة ذلك بأنه العفيها دفع كتابًا إلى
عبد الله بن جحش، وأمره أن يسير ليلتين، ثم يقرأ الكتاب، ويتبع
ما فيه(١)، ووجه المنع قوله تعالى: ﴿وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّ بِمَا عَلِمْنَا﴾.
[يوسف: ٨١]، وقد سلف.
فصل :
قول الزهري في الشهادة على المرأة من وراء الستر: إن عرفتها
فاشهد. صحيح، ومذهب مالك جواز شهادة الأعمى في الإقرار وفي
كل ما طريقه الصوت سواء عنده تحملها أعمى، أو بصيرًا ثم عمي(٢).
وقال أبو حنيفة والشافعي: لا تقبل إذا تحملها أعمى(٣)، ودليل
قول مالك أن الصحابة والتابعين رووا عن أمهات المؤمنين من وراء
حجاب وميزوا أشخاصهم بالصوت، وكذا كان ابن أم مكتوم، ولم
يفرقوا بين ندائه ونداء بلال إلا بالصوت، ولأن الإقدام على الفروج
أعلى من الشهادة بالحقوق، والأعمى له وطء زوجته، وهو لا يعرفها
إلا بالصوت وهذا لم يمنع منه أحد.
(١) رواه النسائي في ((الكبرى)) ٢٤٩/٥ (٨٨٠٣) والطبراني في ((الكبير)) ١٦٢/٢ -
١٦٣ (١٦٧٠)، والبيهقي ١١/٩-١٢ من حديث جندب بن عبد الله، ورواه
البيهقي ٥٨/٩-٥٩ عن عروة بن الزبير قال: بعث رسول الله وَ ل عبد الله بن
جحش .. الحديث.
(٢) وانظر ((النوادر والزيادات)) ٢٥٦/٨ -٢٦٠.
(٣) هذا مذهب الشافعي أنظر ((الأم)) ٧/ ٤٢، ومذهب أبي حنيفة أنه لاتقبل شهادة
الأعمى مطلقاً سواء كان بصيراً وقت التحمل أو لا أنظر ((المبسوط)) ١٢٩/١٦،
((مختلف الرواية)) ١٦٣٣/٣، ((بدائع الصنائع)) ٢٦٨/٦.

٤٨٥
كِتَابُ الأحْكَامِ
=
فصل :
الوبيص. في حديث أنس : البريق واللمعان، وكذا الوميض
والبصيص.
فصل :
فيه جواز نقش الخاتم، ونقشه محمد رسول الله. كما هنا، وروي:
لا إله إلا الله محمد رسول الله. ذكر في ((جامع المختصر)) وتختم مرة
بفص (ومرة)(١) بخاتم فضة حبشي، وكان نقش خاتم (مالك)(٢):
حسبي الله ونعم الوكيل.
(١) من (ص١).
(٢) في (ص١): ملك الموت.

٤٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
١٦- باب مَتَى يَسْتَوْجِبُ الرَّجُلُ القَضَاءَ؟
وَقَالَ الحَسَنُ: أَخَذَ اللهُ تعالى عَلَى الحُكَّامِ أَنْ لَا يَتَبِعُوا
الهَوى، وَلَا يَخْشَوُا النَّاسَ ﴿وَلَا نَشْتَرُواْ بِتَابَتِى ثَمَنَا قَلِيلًا﴾
[المائدة: ٤٤] ثُمَّ قَرَأَ: ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِى الْأَرْضِ
فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ ﴿يَوْمَ الحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦]، وَقَرَأَ :
﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَنَةَ فِيَهَا هُدَى وَنُورٌ﴾ إلى قوله: ﴿هُمُ الْكَفِرُونَ﴾
[المائدة: ٤٤]، وَقَرَأَ: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِ الْحَرَّثِ﴾
إلى قوله: ﴿وَكُلَا ءَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمَا﴾ فَحَمِدَ سُلَيْمَانَ وَلَمْ
يَلُمْ دَاوُدَ، وَلَوْلَا مَا ذَكَرَ اللهُ مِنْ أَمْرٍ هَذَيْنٍ لَرَأَيْتُ أَنَّ الْقُضَاةَ
هَلَكُوا، فَإِنَّهُ أَثْنَى عَلَىْ هُذا بِعِلْمِهِ وَعَذَرَ هُذَا بِاجْتِهَادِهِ. وَقَالَ
مُزَاحِمُ بْنُ زُفَرَ: قَالَ لَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: خَمْسٌ إِذَا
أَخْطَأَ القَاضِي فيهن خَصْلَةً كَانَتْ فِيهِ وَصْمَةٌ: أَنْ يَكُونَ فَهِمَّا،
حَلِيمًا، عَفِيفًا، صَلِيبًا، عَالِمًا سَتُولاً عَنِ العِلْمِ.
الشرح: قول الحسن: أسنده أبو نعيم الحافظ من حديث أبي العوام
القطان، عن قتادة، عنه، وكذا قول مزاحم أخرجه من حديث أسماء،
عن عبيد، عنه.
واعلم أن شرط القاضي أن يكون مجتهدًا، وطرق الاجتهاد مقررة
في الأصول والفروع فلا نطول بهذا، فإن لم يكن مجتهدًا فيها، ومن
رآه الناس أهلاً للقضاء، ورأى هو نفسه أهلاً فقد استحقه، ولا يكفي
الناس فقط؛ لأنه إذا علم الناس منه هذا الرأي لم يفقد من يزين له
ذلك ويستحمد إليه، فقال مالك: ولا يُستقضى من ليس بفقيه(١).
(١) انظر ((النوادر والزيادات)) ١١/٨.

٤٨٧
كِتَابُ الأَحْكَامِ
وذكر ابن حبيب عنه أنه قال: إذا اجتمع في الرجل خصلتان رأيت
أن يولى: العلم والورع(١).
قال ابن حبيب: فإن لم يكن علم فعقل وورع؛ لأنه بالورع يقف،
وبالعقل يسأل. وإذا طلب العلم وجده، وإن طلب العقل لم يجده (٢)،
وهُذا فيه دلالة على جواز تولية القضاء لغير عالم، وهو مذهب أبي
حنيفة(٣)، ودليلنا عليه قوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أَرَكَ
اللّهُ ﴾ [النساء:
فصل :
إذا استوجب القضاء، فهل للسلطان إجباره عليه؟ قال ابن القاسم
عن مالك: لا إلا أن [لا](٤) يوجد منه عوض. قيل له: أيجبرك
بالحبس والضرب؟ قال: نعم(٥). قلت: وقد (جبر) (٦) غير واحد
(إليه)(٧)، وجماعة امتنعوا من الدخول فيه لعظمه.
فصل :
قال المهلب: والحلم الذي (ينبغي) (٨) أن يلزمه القاضي هو توسعة
خلقه للسماع من الخصمين، وألا يحرج بطول ما (يخرجه)(٩) أحدهما،
(٢) السابق.
(١) السابق.
(٣) أنظر (تبيين الحقائق)) ١٧٦/٤.
(٤) غير موجود بالأصل وما أثبتناه من ((الاستذكار)) ٢٣/٢٢، وابن بطال ٢٣٥/٨ وهو
المناسب للسياق.
(٥) أنظر: ((الاستذكار)) ٢٣/٢٢.
(٦) ورد بهامش الأصل: لعله (أجبر).
(٧) ورد بهامش الأصل: لعله (عليه).
(٨) بياض بالأصل، والمثبت من (ص١).
(٩) هكذا في الأصل، وفي ابن بطال: (يورده).

٤٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وإن رآه غير نافع له في خصامه فليصبر عليه حتى يبلغ المتكلم مراده؛
لأنه قد يمكن أن يكون ذلك الكلام الذي لا ينتفع به [سببًا إلى
ما ينتفع به](١). وأيضًا فإنه إذا لم يترك أن يتكلم بما يريد نسب إليه
الخصم أنه جار عليه ومنعه الإدلاء بحجته، وأثار على نفسه عداوة،
وربما كان ذلك سببًا لفتنة الخصم، ووجد إليه الشيطان السبيل،
وأوهمه أن الجور من الدين(٢).
فصل :
والنفش في الآية: الرعي ليلاً، نفشت الدابة تنفش نفوشًا: إذا رعت
ليلًا (بلا راع)(٣)، وهملت إذا رعت نهارًا بلا راع، والوصمة: العيب
والعار.
وقوله: (صليبًا) يريد الصلابة في إنفاذ الحق حتى لا يخاف في الله
لومة لائم، ولا يهاب ذا سلطان أو ذا مال وغيره، وليكن عنده الضعيف
والقوي والصغير والكبير في الحق سواء.
فصل :
وقول الحسن: (أخذ الله على الحكام أن لا يتبعوا الهوى وأن
لا يخشوا الناس، وما استشهد عليه من كتاب الله) فكل ذلك يدل أن
الله فرض على الحكام أن يحكموا بالعدل. وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا
حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحَكُمُواْ بِالْعَدْلِّ﴾ [النساء: ١٥٨] وكذلك فرض عليهم
ألا يخشوا الناس، ولهذا قال عمر بن عبد العزيز في صفة القاضي:
(١) زيادة من ابن بطال بها يستقيم السياق.
(٢) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٢٣٥/٨ -٢٣٦.
(٣) من (ص١).

٤٨٩
- كِتَابُ الأَحْكَامِ
(أن يكون صليبًا). وعنه: حتى يكون ورعًا نزهًا مستشيرًا لذوي الرأي،
عارفًا بآثار من مضى.
وقوله: (أن يكون عفيفًا) أخذه من قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُواْ بِكَابَتّى
ثَمَنَا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٤١]
فصل :
واختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَنَّعِ
اَلْهَوَى﴾ [ص: ٢٦].
فقالت طائفة: الآية عامة في كل الناس، وكل خصمين تقدما إلى
حاكم، فعليه أن يحكم بينهما. والناس في ذلك سواء. وسواء كان
للحاكم ولد أو والد أو زوجة، وهم وسائر الناس في ذلك سواء.
وذهب الكوفيون والشافعي: إلى أنه لا يجوز شهادته له(١) ، ويحكم
لسائر الناس.
وزاد أبو حنيفة: ولا يحكم لولد ولده (٢) ؛ لأن هؤلاء لا تجوز
(شهادتهم له)(٣). واختلف أصحاب مالك في ذلك، فقال مطرف
وسحنون: کل ما لا يجوز للحاکم أن یشهد له لا يجوز حکمه له،
وهم الآباء فمن فوقهم والأبناء فمن دونهم؛ إلا (لولده الصغير) (٤)
وزوجته ويتيمه الذي يلي ماله أو زوجه(٥) ، ولا يتهم في الحكم كما
(١) أنظر: ((مختصر القدوري)) ص٢٤٨، ((البيان)) للعمراني ٣٠/١٣.
(٢) أنظر: ((مختصر القدوري)) ص٢٤٨.
(٣) كذا في الأصل وفوقها (كذا)، وفي (ص١): شهادته لهم.
(٤) كذا في الأصل وهي عبارة مقحمة يستقيم السياق بدونها وأنظر: ((النوادر
والزيادات)).
(٥) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٧٥/٨ .

٤٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
يتهم في الشهادة؛ لأنه إنما يحكم بشهادة غيره من العدول.
وقال أصبغ مثل قول مطرف إذا قال: ثبت له عندي. ولا يدري أثبت
له أم لا، ولم يحضر الشهود، فإذا حضروا وكانت الشهادة ظاهرة بحق
بين، فحكمه لهم جائز ما عدا زوجته وولده الصغير ويتيمه الذي يلي
(أمره)(١)؛ لقول ابن الماجشون؛ لأن هؤلاء كنفسه فلا يجوز له أن
يحكم لهم(٢) .
والقول الأول أولى؛ لشهادة عموم القرآن له قال تعالى: ﴿يَدَاوُدُ
إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِ اٌلْأَرْضِ﴾ الآية [ص: ٢٦]، وخاطب الحكام فقال:
﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ١٥٨]، فعم تعالى
جميع الناس، وقد حكم الشارع لزوجته عائشة على من رماها وأقام
عليهم الحد.
قلت: ذلك من خصوصياته، (ويجوز) (٣) أن الله لما أنزلت براءتها
أمره بذلك، وليس رد شهادة الولد لوالده، وعكسه بإجماع من الأمة
فيكون أصلاً لذلك، وقد أجاز شهادة الوالد لولده عمر بن الخطاب(٤)
وعمر بن عبد العزيز(٥) وإياس بن معاوية، وهو قول أبي ثور والمزني
وإسحاق(٦).
(١) في (ص١): ماله.
(٢) السابق .
(٣) في (ص١): وذلك.
(٤) رواه عبد الرزاق ٣٤٣/٨ (١٥٤٧١).
(٥) رواه عبد الرزاق ٨/ ٣٤٣ (١٥٤٧٥).
(٦) أنظر: ((عيون المجالس)) ٥٣١/٤، ((المغنى)) ١٨١/١٤.

٤٩١
كِتَابُ الأَحْكَامِ
=
فصل :
الآية الأولى قيل فيها: جاز أن يقال خلفا، وقوله: ﴿بِمَا نَسُواْ يَوْمَ
اُلْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦] أي: تركوا العمل له فكانوا ناسين له، قاله
السدي، وقال عكرمة: وهو من التقديم والتأخير أي: لهم يوم
الحساب عذاب شديد بما نسوا، أي: بما تركوا أمر الله والقضاء
بالعدل(١) .
فصل :
والآية الثانية: يجوز أن يكون المعنى: فيها هدى ونور للذين
هادوا عليهم، ثم حذف، وقيل: (لهم) بمعنى (عليهم) مثل: ﴿وَإِنْ
أَسَأْمُ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] و﴿الَّذِينَ أَسْلَمُواْ﴾ هنا نعت فيه معنى المدح
مثل: بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿وَالرَّبَّنِيُّونَ﴾: العلماء الحكماء،
وأصله رب العلم، والألف والنون للمبالغة، وقال مجاهد: هم فوق
الأحبار(٢)، والأحبار للعلماء؛ لأنهم يحبرون الشيء وهو في
صدورهم محبر.
واختلف لم سمي حبرًا؟
فقال الفراء: أي: مداد حبر، ثم حذف مثل ﴿وَسْئَلِ اُلْقَرْيَةَ﴾
[يوسف: ٨٢]، وأنكره الأصمعي وقال: إنما سُمي حبرًا لتأثيره. يقال:
على أسنانه حبرة. أي: صفرة وسواد(٣).
(١) انظر هذِه الآثار في ((تفسير الطبري)) ٥٧٥/١٠ (٢٩٨٦٥-٢٩٨٦٦)، ((تفسير ابن
کثیر)) ٨٦/١٢ .
(٢) ((تفسير مجاهد)) ١/ ١٩٧.
(٣) انظر: ((معاني القرآن)» للنحاس ٣١٥/٢.

٤٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فصل :
والآية الثالثة قال مسروق: كان الحرث عنباً (١) فنفشت فيه الغنم.
أي: رعت ليلا. كما سلف، وهو ما قاله الهروي في ((الغريبين))(٢)،
وفي ((الصحاح)): الهمل بالتحريك يكون ليلاً ونهارًا(٣)، فقضى داود
بالغنم لأصحاب الحرث فمروا بسليمان فأخبروه، فقال: نعم أقضي
به وغيره كان أرفق للفريقين، فدخل أصحاب الغنم على داود فأخبروه،
فأرسل إلى سليمان فعزم عليه بحق النبوة والملك (والولد)(٤) كيف
رأيت فيما قضيت؟ قال: عدل الملك وأحسن، وكان غيره أرفق بهما
جميعًا، قال: ما هو؟ قال: تدفع الغنم إلى صاحب الحرث فلهم
لبنها وسمنها وأولادها، وعلى أهل الغنم أن يزرعوا لأهل الحرث
حرثهم، فقال داود التّها: نعم ما قضيت. قيل: علم سليمان أن قيمة
ما أفسدته مثل ما يصير إليهم من لبنها وصوفها.
وقد أسلفنا (٥) أن ناقة للبراء ى أفسدت في حائط، فقضى القَّه أن
على أهل الحوائط حفظها نهارًا، وأن ما أفسدته المواشي ضامن على
أهلها. أي: ضمان قيمته، وهذا خلاف شرع سليمان.
فإن ترك هذا ورضيا بدفع الغنم عن قيمة ما أفسدت.
فمشهور مذهب مالك: أنه لا يجوز حتى يعرفا قيمة المفسد. ونص
عليه ابن شعبان، وفي ((كتاب محمد)) وإن لم يعرف القيمة، وقوله تعالى:
(١) رواه الطبري ٤٩/٩ (٢٤٦٩٢) من طريق أبي إسحاق، عن مسروق، عن شريح.
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) ٩٧/٥.
(٣) ((الصحاح)) ١٨٥٤/٥.
(٤) من (ص١).
(٥) رواه أبو داود (٣٥٦٩)، ابن ماجه (٢٣٣٢).

٤٩٣
كِتَابُ الأَحْكَامِ
﴿فَفَهَمْنَهَا سُلَيْمَنَّ﴾ [الأنبياء: ٧٩] يعني: القضية، وقوله: (لولا ما
(ذكر) (١) الله من أمر هذين الرجلين .. ) إلى آخره، قال الداودي: إنما
أثنى عليهما بقوله: ﴿وَكُلَّا ءَنَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] ولم
يعذر الجاهل.
وقد صح أن القضاة ثلاثة: أثنان في النار، وواحد في الجنة(٢).
قال طاوس: أشر الناس عند الله يوم القيامة إمام قاسط.
وقال مكحول: لو خُيرت بين القضاء وبين المال لاخترت القضاء،
ولو خُيرت بينه وبين ضرب عنقي أخترت ضرب عنقي.
(١) في (ص١): أمر.
(٢) رواه أبو داود (٣٥٧٣)، والترمذي (١٣٢٢)، وابن ماجه (٢٣١٥) من حديث
بریدة.

٤٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
١٧- باب رِزْقِ الحُكَّامِ وَالْعَامِلِينِ عَلَيْهَا
وَكَانَ شُرَيْحُ القَاضِي يَأْخُذُ عَلَى الفَضَاءِ أَجْرًا. وَقَالَتْ عَائِشَةُ
رضي الله عنها: يَأْكُلُ الوَصِيُّ بِقَدْرِ عُمَالَتِهِ، وَأَكَلَ أَبُو بَكْرٍ
وَعُمَرُ رضي الله عنهما.
٧١٦٣ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِ السَّائِبُ بنُ يَزِيدَ
- ابن أُخْتِ نَمِرٍ - أَنَّ حُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ العُزِىْ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ السَّعْدِيِّ أَخْبَرَهُ
أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ فِي خِلَافَتِهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَمْ أُحَدَّثْ أَنَّكَ تَلِي مِنْ أَعْمَالِ النَّاسِ
أَعْمَالاً، فَإِذَا أُعْطِيتَ العُمَالَةَ كَرِهْتَهَا؟ فَقُلْتُ: بَلَى. فَقَالَ عُمَرُ: مَا تُرِيدُ إِلَى ذَلِكَ؟
قُلْتُ: إِنَّ لِي أَفْرَاسًا وَأَعْبُدَا وَأَنَا بِخَيٍْ، وَأَرِيدُ أَنْ تَكُونَ عُمَالَتِي صَدَقَةً عَلَى المُسْلِمِينَ.
قَالَ عُمَرُ: لَا تَفْعَلْ، فَإِّ كُنْتُ أَرَذْتُ الذِي أَرَدْتَ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَلاَ يُعْطِينِي العَطَاءَ
فَأَقُولُ أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي. حَتَّى أَغْطَانِي مَرَّةً مَالاً فَقُلْتُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي. فَقَالَ
النَّبِيُّ ◌َِّ: ((خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ وَتَصَدَّقْ بِهِ، فَمَا جَاءَكَ مِنْ هذا المَالِ - وَأَنْتَ غَيْرُ
مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلِ - فَخُذْهُ، وَإِلَّا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ)) [انظر: ١٤٧٣ - مسلم: ١٠٤٥ - فتح:
١٣ / ١٥٠].
٧١٦٤ - وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنْ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ:
سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يُعْطِينِي العَطَاءَ فَأَقُولُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي. حَتَّى
أَغْطَانِي مَرَّةً مَالاَ فَقُلْتُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي. فَقَالَ النَّبِيُّ وَةِ: ((خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ
وَتَصَدَّقْ بِهِ، فَمَا جَاءَكَ مِنْ هذا المَالِ -وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِل- فَخُذْهُ،
وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ)). [انظر: ١٤٧٣ - مسلم: ١٠٤٥ - فتح: ١٣ / ١٥٠].
ثم ساق حديث الزهري: أَخْبَرَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ - ابن أُخْتِ نَمِرٍ -
أَنَّ حُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ العُزىْ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ السَّعْدِيِّ وهو عبد الله بن
وقدان قَدِمَ عَلَىْ عُمَرَ ﴾، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ ﴾: أَلَمْ أُحَدَّثْ أَنَّكَ تَلِي مِنْ

٤٩٥
- كِتَابُ الأَحْكَامِ
أَعْمَالِ النَّاسِ أَعْمَالاً، فَإِذَا أُعْطِيتَ العُمَالَةَ كَرِهْتَهَا؟ فَقُلْتُ: بَلَىْ. فَقَالَ
عُمَرُ: مَا تُرِيدُ إِلَى ذَلِكَ؟ قُلْتُ: إِنَّ لِي أَفْرَاسًا وَأَعْبُدًا وَأَنَا بِخَيْرِ،
وَأَرِيدُ أَنْ تَكُونَ عُمَالَتِي صَدَقَةً عَلَى المُسْلِمِينَ. قَالَ عُمَرُ: لَا تَفْعَلْ،
فَإِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ الذِي أَرَدْتَ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يُعْطِينِي العَطَاءَ
فَأَقُولُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ وَتَصَدَّقْ بِهِ،
فَمَا جَاءَ مِنْ هذا المَالِ -وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلِ - فَخُذْهُ،
وَإِلَّا فَلَا تُشْبِعْهُ نَفْسَكَ))
وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنْ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ
قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ رضي الله عنهما يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ وَِّ يُعْطِينِي
العَطَاءَ فَأَقُولُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي. حَتَّى أَعْطَانِي مَرَّةً مَالاً فَقُلْتُ:
أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي. فَقَالَ بََّ: ((خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ وَتَصَدَّقْ بِهِ)) ..
الحديث كما قال. إلا أنه قال: ((وما لا فلا تتبعه)).
الشرح :
أثر شريح أخرجه ابن أبي شيبة، عن الفضل بن دكين، عن الحسن بن
صالح، عن ابن أبي ليلى قال: بلغنا- أو قال: بلغني - أن عليًّا رزق
شريحًا خمسمائة(١)، والتعليق عن عائشة وأبي بكر وعمر سلف،
وكان أكلهما في أيام خلافتهما؛ لاشتغالهما بأمور المسلمين، ولهما
من ذلك حق، وأما قبلها فقد روي أنهما كانا عاملين، وذلك
(جائز)(٢) أيضًا لهما. وحديث حويطب سلف أنه أحد الأحاديث التي
اجتمع فيها أربعة من الصحابة.
(١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤/ ٤٣٤ (٢١٧٩٩).
(٢) من (ص١).

٤٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
فصل :
والزهري: محمد بن مسلم، يُكنى: أبا بكر، مات بالشام في رمضان
سنة أربع وعشرين ومائة، والسائب بن يزيد حليف بني أمية مات سنة
ست وثمانين، ووالده صحابي.
فصل :
قام الإجماع على أن أرزاق الحكام من الفيء، وما جرى مجراه مما
يصرف في مصالح المسلمين؛ لأن الحكم بينهم من أعظم مصالحهم.
وقال الطبري: وفيه الدليل الواضح على أن من شغل بشيء
من أعمال المسلمين أخذ الرزق على عمله ذلك؛ الاشتغالهما
بأمور المسلمين كالولاة والقضاة وجباة الفيء وعمال الصدقة
وشبههم؛ لإعطاء رسول الله صل لعمر أنعمًا له على عمله الذي
استعمله عليه.
فكذلك سبيل كل مشغول بشيء من أعمالهم له من الرزق على قدر
استحقاقه عليه، وسبيله سبيل عمره في ذلك. قال غيره: إلا أن طائفة
من (أهل) (١) السلف كرهت أخذ الرزق على القضاء. روي ذلك عن ابن
(٣)
والقاسم
(٢)
مسعود والحسن البصري
وذكره ابن المنذر عن عمر بن الخطاب ، وحكاه ابن أبي شيبة عن
مسروق أيضًا (٤)، ورخصت في ذلك طائفة.
(١) من (ص١).
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٤/ ٤٣٤ (٢١٧٩٦).
(٣) رواه عبد الرزاق ٩٢٧/٨-٩٢٨ (١٥٢٨٥)، وابن أبي شيبة ٤٣٤/٤ (٢١٧٩٥).
(٤) ((المصنف)) ٤٣٤/٤ (٢١٧٩٥).

٤٩٧
كِتَابُ الأَحْكَامِ
-
وذكر ابن المنذر: أن زيد بن ثابت كان يأخذ على القضاء أجرًا.
وروي ذلك عن ابن سيرين وشريح، وهو قول الليث وإسحاق وأبي
عبيد، والذين كرهوه ليس بحرام عندهم.
وقال الشافعي: إذا أخذ القاضي جعلاً لم يحرم عندي. واحتج
أبو عبيد في جواز ذلك بما فرض الله تعالى للعاملين على الصدقة،
وجعل لهم منها حقًّا لقيامهم وسعيهم فيها.
قال ابن المنذر: وحديث ابن السعدي حجة في جواز إرزاق القضاة
من وجوهها. قال المهلب: وإنما كره ذلك من كره؛ لأن أمر القضاء إنما
هو محمول في الأصل على الاحتساب، ولذلك عظمت منازلهم
وأجورهم في الآخرة، ألا ترى أن الله تعالى أمر نبيه وَ ل وسائر
الأنبياء عليهم السلام أن يقولوا: ما أسألكم عليه من أجر؛ ليكون
ذلك على البراءة من الاتهام.
ولذلك قال مالك: أكره أجر قسام القاضي(١)؛ لأن من مضى كانوا
يقسمون ويحتسبون ولا يأخذون أجرًا. فأراد أن يجري هذا الأمر على
طريق الاحتساب على الأصل الذي وصفه الله تعالى للأنبياء عليهم
السلام ؛ لئلا يدخل في هذِه الصناعة من لا يستحقها ويتحيل على
أموال المسلمين، وأما من حكم بالحق إذا تصرف في مصالح
المسلمين فلا يحرم عليه أخذ الأجر على ذلك.
وقد روي عن عمر بن الخطاب: أنه استعمل ابن مسعود على بيت
المال، وعمار بن ياسر على الصلاة، وابن حنيف(٢) على الجند،
(١) أنظر: ((المدونة)) ٦٥/١، ٢٧٠/٤-٢٧١.
(٢) رواه ابن سعد في ((الطبقات)) ٢٥٥/٣.

٤٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ورزقهم كل يوم شاة شطرها لعمار، (وربعها لابن مسعود) (١)، وربعها
لابن حنيف، وأما العاملون عليها فهم السعاة المتولون لقبض
الصدقات، ولهم من الأجر بقدر أعمالهم على حسب ما يراه الإمام
في ذلك.
وقد سلف هذا المعنى في كتاب الزكاة، وفي كتاب الوصايا
اختلاف العلماء فيما يجوز للوصي أن يأكل من مال يتيمه.
وأما قوله الظّ لعمر في العطاء: ((خذه فتموله وتصدق به))، فإنما أراد
الأفضل والأعلى من الأجر؛ لأن عمر وإن كان مأجورًا بإيثاره بعطائه
على نفسه من هو أفقر إليه منه، فإن أخذه العطاء ومباشرته الصدقة
بنفسه أعظم لأجره، وهذا يدل أن الصدقة بعد التمول أعظم أجرًا؛
لأن خلق الشح حينئذٍ مستولٍ على النفوس.
فصل :
وفيه: أن أخذ ما جاء من المال من غير مسألة أفضل من تركه؛ لأنه
يقع في إضاعة المال، وقد نهى الشارع عن ذلك(٢).
فصل :
قسم ابن التين رزق القضاة قسمين من بيت المال، ومن
المتحاكمين، والأول ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تكون لا شبهة فيما يدخلها، والأخذ منها جائز قطعًا
لكل من ولي من أمور المسلمين شيئًا تعمهم نفقته.
(١) من (ص١).
(٢) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٢٣٨/٨ -٢٤٠.

٤٩٩
ـ كِتَابُ الأحْكَامِ
ثانيها: أن يكون الغالب فيها من غير وجهه فلا خلاف أن الترك
أولى، فإن أخذ، فإن كان فقيرًا أو مسكينًا جاز، أو غنيًّا فمكروه.
ثالثها: أن يكون غالبه ما يدخلها من وجهه، فأما الفقير فيجوز له
الأخذ قطعًا.
واختلف فعل العلماء المقتدى بهم، فمنهم من أخذ، ومنهم من
ترك، وافترق فعل الأولين (وعملهم)(١) فيما أخذوا، فمنهم من صرفه
في وجهه ولم يسعه (ترك)(٢) الأخذ عنه. ومنهم، من صرفه في
مصالحه، وأما أخذ القاضي والمفتي من المتحاكمين أو المستفتي؛
قال: فهي رشوة محرمة، وأما العامل فقد فرض الله له سهمًا في
الزكاة، وأما الوصي فإن كان في كفاية والمال يسير لا يشغله فلا يأكل
منه، وإن كان كثيرًا وشغله النظر فيه جاز الأكل بالمعروف، (والترك
أفضل، وإن كان فقيرًا والمال يشغله جاز له الأكل بالمعروف)(٣)،
والأصح عندنا أنه يأكل أقل الأمرين من أجرة عمله ونفقته (٤).
فصل :
في الباب من الفوائد: جواز الأخذ من بيت المال لكل من تكلف
من أمور المسلمين شيئًا، وكشف الإمام عمن له حق في بيت المال؛
ليعطيه إياه وكراهته الأخذ مع الاستغناء، وإن كان المال طيبًا.
وجواز الصدقة مما لم (يقبض)(٥) إذا كان له واجبًا، وقوله التَيالا
(١) من (ص١).
(٢) من (ص١).
(٣) من (ص١).
(٤) انظر: ((البيان)) للعمراني ١٤/١٣-١٥.
(٥) في الأصل: يقتضي، والمثبت من (ص١).

٥٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
لعمر: ((خذه فتموله وتصدق به)) دال على أن الصدقة بعد القبض،
ولا شك أن ما حصل بيد الإنسان كان أشد حرجًا عليه، فمن أستوت
عنده الحالتان فمرتبته أهلا، ولذلك أمره التيار بأخذه وبين له جواز
تموله إن أحب أو التصدق به.
فصل :
ذهب بعض الصوفية: أن المال إذا جاء من غير إشراف نفس
ولا سؤال لا يرد، فإن رد عوقب بالحرمان، ويحكى عن أحمد أيضًا
وأهل الظاهر(١) .
فصل :
قسم القضاة قسمان: محتسبة من غير أجر، ولا شك في قبول
شهادتهم، وبأجر، فإن كانت من بيت المال فلا بأس به، وإن كان
من الآحاد فكذلك، وإليه ذهب مالك؛ لأنه إنما كرهه لما يأخذه من
أموال اليتامى(٢)، فإن كانوا سفهاء لا يجوز له أخذها إلا إذا
أستأجره الإمام أو الوصي.
وإن اختلفوا فاستأجره الرشداء، فإن أخذ من الرشداء ما ينوبهم
وترك ما ينوب السفهاء فذلك جائز، وإن أراد أن يأخذ من السفهاء
نظر السلطان في ذلك وأما قاسم الغنيمة، فقد قال ابن الماجشون:
إن فعله احتسابًا فأجره على الله، وإن أستؤجر فله أجرته.
(١) انظر: ((المحلى)) ١٥٦/٩.
(٢) أنظر: ((المدونة)) ٢٧١/٤.