Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
كِتَابُ التَّعْبِيرِ
=
٢ - باب رُؤْيَا الصَّالِحِينَ
وَقَوْلِهِ رَتْ: ﴿لَقَدْ صَدَفَ اللَّهُ رَسُولَهُ الزُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ الآية [الفتح:
٢٧].
٦٩٨٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ
أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وََّ قَالَ: ((الرُّؤْيَا الحَسَنَةُ مِنَ
الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ)). [٦٩٩٤ - مسلم: ٢٢٦٤-
فتح ١٢ / ٣٦١]
ذكر فيه حديث أَنَسِ بْن مَالِكٍ ﴾ أنه الَّْ قَالَ: ((الرُّؤْيَا الحَسَنَةُ مِنَ
الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النَّبُوَّةِ».
وأخرجه النسائي وابن ماجه(١)، والمراد عامة رؤيا الصالحين كما
نبه عليه المهلب وهي التي يرجى صدقها؛ لأنه قد يجوز على
الصالحين الأضغاث في رؤياهم؛ لكن لما كان الأغلب عليهم الخير
والصدق، وقلة تحكم الشيطان عليهم في النوم أيضًا، لما جعل الله
فيهم من الصلاح، وبقي سائر الناس غير الصالحين تحت تحكم
الشيطان عليهم في النوم مثل تحكمه عليهم في اليقظة في أغلب
أمورهم، وإن كان قد يجوز منهم الصدق في اليقظة فكذلك يكون في
رؤياهم صدق أيضًا.
وذكر الكرماني المعبر (٢): كان بنو إسرائيل يمسون وليس فيهم نبي،
ويصبحون وفيهم عدة أنبياء بما يوحى إليهم في منامهم.
(١) النسائي في ((السنن الكبرى)) ٣٨٣/٤ (٧٦٢٤)، ابن ماجه (٣٨٩٣).
(٢) تقدم التعريف به قريبًا.

١٢٢
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فصل :
قال أبو إسحاق الزجاج: تأويل قوله: ((جزءٌ من ستة وأربعين جزءًا
من النبوة)). أن الأنبياء يخبرون بما سيكون، والرؤيا تدل على ما سيكون.
قلت: ولذلك قال القّة: ((لم يبق من النبوة إلا المبشرات))(١).
وقال الخطابي: كان بعض العلماء يقول في تأويله قولًا لا يكاد
يتحقق من طريق البرهان، وذلك أنه القّ من أول ما بدئ به الوحي
إلى أن توفي ثلاث وعشرون سنة أقام بمكة ثلاث عشرة، وبالمدينة
عشرًا، وكان يوحى إليه في منامه في أول الأمر بمكة ستة أشهر،
وهي نصف سنة فصارت هذه المدة جزءًا من ستة وأربعين جزءًا من
أجزاء النبوة (٢). قال الخطابي: وإن كان هذا وجهًا قد يحتمل قسمة
الحساب والعدد، فأول ما يجب من الشروط فيه أن يثبت ما قاله من
ذلك خبرًا ورواية، ولم نسمع ذلك، وهو ظن وحسبان ولإن كانت
هذِه المدة محسوبة من أجزاء النبوة على ما ذهب إليه من هذه القسمة،
لكان يجب أن يلحق بها سائر الأوقات التي كان يوحى إليه في منامه
في تضاعيف أيام حياته وأن تلتقط فتلفق وتزاد أصل الحساب، وإذا
صرنا إلى ذلك بطلت هذه القسمة وسقط هذا الحساب (من أصله)(٣)،
وقد ثبت عنه العليّ في عدة أحاديث من روايات كثيرة أنه كان يرى
الرؤيا المختلفة في أمور الشريعة ومهمات أسباب الدين فيقصها على
أصحابه، وكان يقول إذا أصبح: ((من رأى منكم رؤيا)) فيقصونها
(١) سيأتي قريبًا برقم (٦٩٩٠).
(٢) ((أعلام الحديث)) ٢٣١٥/٤، ((معالم السنن)) ١٢٩/٤.
(٣) من (ص١).

١٢٣
=
- كِتَابُ التَّعْبِيرِ
عليه(١). وقال لهم: ((أريت ليلة القدر فأنسيتها))(٢). وقال في يوم أحد:
((رأيت في سيفي ثلمة)) إلى آخره(٣)، وقال: ((رأيت كأني أنزع على قليب
بدلو)) فذكره إلى آخره (٤)، وحديث رؤيا الشجرة، ورؤيا عمر وعبد الله بن
زيد في منامهما(٥)، فكان ذلك بمنزلة الوحي، ولذلك صار شريعة بعد
الهجرة، وأعلى منها ما نطق به الكتاب: ﴿لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الزُّغْ يَا﴾.
[الفتح: ٢٧] وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا اُلُّغْيَا الَّتِىّ أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةٌ لِلنَّاسِ﴾ الآية
[الإسراء: ٦٠]، فدل ذلك وغيره على ضعف هذا التأويل، ونرى أعداد
الركعات وأيام الصوم ورمي الجمار محصورة في حساب معلوم،
ولا نعلم سر حصرها، وهذا كقوله في حديث آخر: ((إن الهدي
الصالح والسمت الصالح جزءٌ من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة))(٦).
وتفصيل هذا العدد وحصر النبوة فيه متعذر لا يمكن الوقوف عليها،
وإنما فيه أن هاتين الخصلتين من الأنبياء، فكذلك الأمر في الرؤيا
أنها جزء من كذا. قال: ومعنى الحديث تحقيق أمر الرؤيا، وأنها مما
كان الأنبياء عليهم السلام يثبتونه، وأنها كانت جزءًا من أجزاء العلم
الذي كان يأتيهم(٧).
(١) سلف برقم (١٣٨٦)، ورواه مسلم (٢٢٧٥) من حديث سمرة بن جندب.
(٢) سلف برقم (٤٩).
(٣) رواه أحمد ٢٧١/١. قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على ((المسند)) (٢٤٤٥):
إسناده صحيح.
(٤) سلف برقم (٣٦٨٢).
(٥) رواه أبو داود (٤٩٩)، وابن ماجه (٧٠٦ -٧٠٧).
(٦) رواه أبو داود (٤٧٧٦)، وأحمد ٢٩٦/١. وقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على
((المسند)) (٢٦٩٨): إسناده صحيح.
(٧) أنتهى بتمامه من ((أعلام الحديث)) ٢٣١٥/٤-٢٣١٩ بتصرف.

١٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال بعضهم معناه: أن الرؤيا تأتي على موافقة النبوة؛ لأنها جزء
باقٍ (منها)(١). وسيأتي بعد أبسط من هذا.
فصل :
قال الداودي: وفي الخبر دليل أن رؤيا الأنبياء كالوحي في اليقظة
ليست جزءًا من هذا العدد، وقد تصدق رؤيا الكافر قال تعالى: ﴿إِنَّ أَرَى سَبْعَ
بَقَرَتٍ سِمَانٍ﴾ [يوسف: ٤٣]، وقال الفتيان: ﴿أَحَدُهُمَا إِنِّ أَرَنِىِّ أَعْصِرُ
خَمْرًّاً وَقَالَ الْآَخَرُ إِنَّ أَرَبِّ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا﴾ [يوسف
فصل :
قوله في الباب بعده: إذا رأى ما يكره فإنما هي من الشيطان، يريد :
أنها تنسب إلى الشيطان؛ لأنها من هواه كقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنْسَئِنِيهُ إِلَّا
الشَّيْطَانُ أَنْ أَذَكْرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣] والكل من عند الله هو الفاعل، وفي
آخره: ((فليستعذ بالله من شرها ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره)). ذكر
بعد في باب الحلم من الشيطان: ((فليبصق عن يساره وليستعذ بالله منه
فلن يضره))، وفي لفظ: ((فلينفث عن يساره ثلاثًا))، وفي مسلم:
((فليبصق عن يساره ثلاثًا وليستعذ وليتحول عن جنبه الذي كان عليه))،
وفي أخرى: ((فليقم فليصل)). وسيأتي في البخاري أيضًا، وفي أخرى
ذكرها الداودي: ((يقرأ آية الكرسي))، فجعل الله تعالى في التعوذ
والبصاق سببًا لدفع مكرهها، كما جعل في الدعاء والرقى سببًا لدفع
مكروه الداء، والتحول كأنه من باب التفاؤل من باب تغيير الحال.
فصل :
الآية التي صدر البخاري بها الباب، قال مجاهد: رأى الكلية: كأنه
(١) في الأصل: (بينهما)، والمثبت من (ص١).

١٢٥
كِتَابُ التَّعْبِيرِ
=
دخل مكة هو وأصحابه محلقين رءوسهم ومقصرين، فاستبطأ الرؤيا ثم
دخلوا بعد ذلك(١).
وفي قوله: ((إن شاء الله)) أقوال:
هل هو مما خوطب العباد أن يقولوا مثل: ﴿وَلَا نَقُولَنَ لِشَأَىْءٍ﴾ الآية
[الكهف: ٢٣] أو الاستثناء لمن مات منهم أو قتل، أو المعنى: إن شئت
آمنين و(حليم)(٢)، أو هو حكاية لما قيل لرسول الله بَ له ومعنى: ﴿فَجَعَلَ
مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا فَرِيبًا﴾. قال مجاهد: رجعوا من الحديبية ثم فتح الله
عليهم خيبر (٣)، وكانت الحديبية سنة ست فخرج معتمرًا في ذي القعدة
منها، وبلغه في طريقه أن قريشًا جمعت له وحلفت ألا يدخلها عليهم،
فقال العَّ: ((وبح قريش ما خرجت لقتالهم ولكن معتمرًا)).
فائدة :
في الترمذي ((أصدق الرؤيا بالأسحار))(٤)، وفي مسلم: ((إذا أقترب
الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا))(٥).
فقال أبو داود: المراد بالاقتراب: أقتراب الليل والنهار واستوائهما (٦).
وقال الخطابي: (معناه) (٧) قرب زمان الساعة ودنوه، والمعبرون
(١) الطبري ١١/ ٣٦٧ (٣١٦٠١).
(٢) كذا رسمها في الأصل، وعلم عليها الناسخ بعلامة استشكال. وقبالتها بالهامش
فقط.
(٣) الطبري ٣٦٨/١١ (٣١٦٠٨).
(٤) ((سنن الترمذي)) (٢٢٧٤) من حديث أبي سعيد الخدري، وضعفه الألباني في
((الضعيفة)) (١٧٣٢).
(٥) مسلم (٢٢٦٣).
(٦) ((سنن أبي داود)) بعد حديث (٥٠١٩) ٢/ ٧٢٣ط. (حوت).
(٧) من (ص١).

١٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
يزعمون أن أصدق الرؤيا ما كان في أيام الربيع ووقت أعتدال الليل
والنهار(١).
قال النووي: وقول أبي داود أشهر (عند أهل الرؤيا)(٢)، وجاء في
حديث ما يؤيد الآخر. وفي الترمذي صحيحًا: ((لا تقص الرؤيا الاً على
عالم أو ناصح))(٣)، وفي حديث آخر: ((لا تقصها إلا على وادٍّ أو ذي
رأي)) (٤) قالوا: ولا يستحب أن (ينسب)(٥) لك في تفسيرها إلا بما
تحب، وإن لم يكن عالمًا بالعبارة، لا أنه يصرف تأويلها عما جعلها
الله عليه، (وأما ذو الرأي فمعناه: ذو العلم بعبارتها فهو يخبرك
بحقيقتها)(٦) أو بأقرب ما يعلم منها، ولعله أن يكون في تفسيره
موعظة لما هو عليه أو يكون فيها بِشرًا فيشكر الله عليها.
(١) ((معالم السنن)) ١٢٩/٤ - ١٣٠.
(٢) في (ص١): عند غير أهل الرؤيا.
(٣) رواه الترمذي (٢٢٨٠)، وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (١١٩).
(٤) رواه أبو داود (٥٠٢٠)، وابن ماجه (٣٩١٤)، وانظر: ((الصحيحة)) (١٢٠).
(٥) بياض في الأصل، والمثبت من (ص١).
(٦) من (ص١).

١٢٧
كِتَابُ التّعْبِيرِ
-
٣- باب الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ
٦٩٨٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا يَخْيَى - هُوَ ابن سَعِيدٍ -
قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ِّهِ قَالَ: ((الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ،
وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ)). [انظر: ٣٢٩٢ - مسلم: ٢٢٦١ - فتح ١٢ /٣٦٨]
٩٦٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي ابنِ الهَادِ، عَنْ عَبْدِ
اللهِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِ سَعِيدِ الْخُذْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ نَّهَ يَقُولُ: ((إِذَا رَأَىُ أَحَدُكُمْ
رُؤْيَا يُحِبُّهَا فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ اللهِ، فَلْيَحْمَدِ اللهَ عَلَيْهَا وَلْيُحَدِّثْ بِهَا، وَإِذَا رَأْىُ غَيْرَ
ذَلِكَ مِمَّ يَكْرَهُ فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّهَا وَلَا يَذْكُرْهَا لِأَحَدٍ،
فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ)). [فتح ١٢ / ٣٦٩]
ذكر فيه حديث أبي قَتَادَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ،
وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ)).
وحديث أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ ◌ُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ وَّهِ يَقُولُ: ((إِذَا رَأى
أَحَدُكُمْ رُؤْيَا يُحِبُّهَا فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ اللهِ، فَلْيَحْمَدِ اللهَ عَلَيْهَا وَلْيُحَدِّثْ بِهَا، وَإِذَا
رَأُ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَلْيَسْتَعِذْ بالله مِنْ شَرِّهَا وَلَا
يَذْكُرْهَا لِأَحَدٍ، فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ».
الشرح :
الحلم بضم الحاء واللام، قال ابن التين: كذا قرأناه.
وفي ضبط ((الصحاح)) بسكون اللام وهو ما يراه النائم، وقال بعض
العلماء: هو الأمر الفظيع زاد في الباب بعده: ((فإذا حلم أحدكم فليستعذ
منه)). وفي باب: الحلم من الشيطان (بعد ذلك)(١): ((فإذا حلم أحدكم
الحلم يكرهه فليبصق عن يساره وليستعذ بالله منه فإنه لن يضرَّه)).
(١) من (ص١).

١٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وحلم بفتح الحاء واللام كضرب يقول: حلمت بكذا، وحلمته. قال
ابن السيد في ((مثلثه)): ويجمع أحلامًا لا غير(١).
وقال ابن سيده: الحلُم والحلْم: الرؤيا، وقد حلم في نومه يحلم
حلمًا واحتلم وانحلم، وتحلَّم الحلم: استعمله، وحلم به وعنه،
وتحلَّم عنه: رأي له رؤيا أو رآه في النوم، وهو الحلم والاحتلام،
والاسم الحُلُم (٢).
وقال ابن خالويه: وقولهم أحلام نائم هي ثياب غلاظ. وقال
الزمخشري: الحالم: النائم يرى في منامه شيئًا، فإذا لم ير شيئًا فليس
بحالم قال: والعامة تقول: حلمت في النوم. وهي لغة لقيس على
ما ذكره أبو زید.
وقال الزجاج: الحلم بالضم ليس بمصدر وإنما هو أسم.
وحكى ابن التياني في ((الموعب)) عن الأصمعي: في المصدر حُلمًا
وحِلمًا مثل فرط وطيب.
وقال الزبيدي في ((نوادره)): يقال: قد حلم الرجل في نومه، فهو
يحلم حُلما بالضم، وبعض العرب تخفف فتقول حلمًا وهم تميم،
والحِلم بالكسر: الأناة، يقال منه: حلم بضم اللام.
فصل :
فإن قلت: ما معنى الحديث وقد تقرر أنه لا خالق للخير والشر
إلا الله، وأن كل شيء بقدره وخلقه، فالجواب: أنه التكليف سمى رؤيا
من خلص من الأضغاث وكان صادقًا تأويله موافقًا لما في اللوح
المحفوظ فحسنت إضافته إلى الله، وسمى الرؤيا الكاذبة التي هي من
(١) ((المثلث)) ٤٥٤/١.
(٢) ((المحكم)) ٢٧٦/٣.

١٢٩
كِتَابُ التَّعْبِيرِ
=
خبر الأضغاث حلمًا وأضافها إلى الشيطان، إذ كانت مخلوقة على
شاكلته وطبعه؛ ليعلم الناس مكائده فلا يحزنون لها ولا يتعذبون بها،
وإنما سميت ضغثا؛ لأن فيها أشياء متضادة، والدليل على أنه
لا يضاف إلى الله إلا الشيء الطيب الطاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى
لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ﴾ [الحجر: ٤٢] أي: أوليائي، فأضافهم إلى نفسه؛
لأنهم أولياؤه، ومعلوم أن غير أوليائه عباد الله أيضًا. وقال تعالى:
﴿فَإِذَا سَوَيْتُهُ، وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِى﴾ [الحجر: ٢٩]، ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِطَِّفِينَ﴾
[الحج: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة:
٢٥٧] فأضافهم إلى ما هم أهله، وإن كان الكل خلقه وعبيده ﴿مَا مِن
دَابَةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذُ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: ٥٦] وإن كان المحزن من الأحلام
مضافًا إلى الشيطان في الأغلب، وقد يكون المحزن في النادر من
الله، لكن الحكمة بالغة وهو أن ينذر بوقوع المحزن من الأحلام
بالصبر؛ لوقوع ذلك الشيء؛ لئلا يقع على غرة فيقتل، فإذا وقع على
مقدمة وتوطين نفس كان أقوى للنفس وأبعد لها من أذى البغتة،
وقال: ((فإنها لا تضره)) يعني (بها)(١) ما كان من قبل الشيطان جعل
الله سبحانه الاستعاذة منها ما يدفع به أذاها، ألا ترى قول أبي
(قتادة)(٢) كما يأتي: إن كنت لأرى الرؤيا هي أثقل عليَّ من الجبل،
فلما سمعت بهذا الحديث كنت لا أعدها شيئًا. وروى قتادة، عن ابن
سيرين، عن أبي هريرة مرفوعا في هذا الحديث: ((فمن رأى منكم
ما يكره فليقم ويصل)) وقد أسلفنا ذلك في الباب قبله وأخرجه مسلم
(١) من (ص١).
(٢) كذا بالأصل، والقائل هذه العبارة هو أبو سلمة راويه عن أبي قتادة فلعله لذلك
دخل على المصنف. أثر حديث (٥٧٤٧).

١٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
من حديث أيوب عن ابن سيرين به، وقال: ((وليصل ولا يحدث بها
الناس)) وفي أوله: ((الرؤيا ثلاث: فالرؤيا الصالحة بشرى من الله،
ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا مما يحدث المرء نفسه))(١).
(١) مسلم (٢٢٦٣).

١٣١
= كِتَابُ التَّعْبِيرِ
٤ - باب الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ
جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ
٦٩٨٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَخْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ - وَأَثْنَى عَلَيْهِ
خَيْرًا: لَقِيتُهُ بِالْيَمَامَةِ - عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ِهِ قَالَ:
((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللهِ، وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا حَلَمَ فَلْيَتَعَوَّذْ مِنْهُ وَلْيَبْصُقْ
عَنْ شِمَالِهِ، فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ)). [انظر: ٣٢٩٢ - مسلم: ٢٢٦١ - فتح ١٢ / ٣٧٣] وَعَنْ أَبِيهِ،
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ مِثْلَهُ.
٦٩٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ
أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنِ النَّبِّ ◌ََّ قَالَ: «رُؤْيَا المُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ
سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ)). [مسلم: ٢٢٦٤ -فتح ٣٧٣/١٢]
٦٩٨٨ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَغدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ قَالَ: ((رُؤْيَا المُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ
سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ)). [٧٠١٧ - مسلم: ٢٢٦٣ -فتح ١٢ /٣٧٣] رَوَاهُ ثَابِتٌ
وَحُمَيْدٌ وَإِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَشُعَيْبٌ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ.
٦٩٨٩ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنِي ابن أَبِ حَازِمٍ وَالدَّرَاوَزْدِيُّ، عَنْ يَزِيدَ،
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ◌َّه يَقُولُ: ((الرُّؤْيَا
الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ)). [فتح ١٢/ ٣٧٣]
ذكر فيه حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، ثَنَا أَبُو
سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، عَن رسول الله بَّهِ: ((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللهِ،
وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَعَوَّذْ مِنْهُ وَلْيَبْصُقْ عَنْ شِمَالِهِ،
فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ)).

١٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وَعَنْ أَبِيهِ قال: حدثني (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ
وَلِّ مِثْلَهُ.
وحديث أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ: ((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ
جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ».
وحديث)(١) قتادة، عن أنس بن مالك ، عن عبادة بن الصامت ته
مرفوعًا مثله وقال: ((رؤيا المسلم .. )) إلى آخره.
رَوَاهُ ثَابِتٌ وَحُمَيْدٌ وَإِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَشُعَيْبٌ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ
النَّبِيِّ ◌َلِّ.
وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾: ((رؤيا المسلم .. )) مثله.
الشرح:
سلف في الباب قبله الكلام على قوله: ((فإذا حلم .. )) إلى آخره.
وفي ((سنن ابن ماجه)): جاء رجل إلى رسول الله وَخَر فقال: ((إني
(رأيت)(٢) رأسي ضُرب فرأيته يتدهده، فقال اللَّه: ((يعمد الشيطان
إلى أحدكم فيقول له ثم يغدو يخبر الناس))(٣)، وفي لفظ: ((وإذا رأى
ما يكره فلا يقصها على أحد)) (٤)، ولابن أبي شيبة: كأن رأسي ضرب
بيدي هذِه(٥). وحديث أبي قتادة أخرجه مسلم بلفظ: ((فلينفث عن
يساره ثلاثًا وليتعوذ بالله من شرها فإنها لا تضره))(٦)، وفي لفظ:
(١) من (ص١).
(٢) ساقطة من الأصل.
(٣) (سنن ابن ماجه)) (٣٩١١)، وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (٢٤٥٣).
(٤) رواه أحمد ٣٨٣/٣.
(٥) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٦/ ١٧٥ (٣٠٤٦٥).
(٦) مسلم (١/٢٢٦١).

١٣٣
كِتَابُ التّعْبِيرِ
=
((فليبصق عن يساره حين يهب من نومه)) (١)، وفي لفظ: ((وليتحول عن
جنبه الذى كان عليه))(٢)، وفي لفظ: ((فلا يخبر بها أحدًا، فإن رأى
رؤيا حسنة فليبشر ولا يخبر بها إلا من يحب))(٣). ((وإذا رأى ما يكره
فليتفل عن يساره ثلاثا وليتعوذ بالله من شر الشيطان وشرها ولا يحدث
بها أحدًا؛ فإنها لا تضره)) (٤). وفي النسائي: ((إذا رأى أحدكم الشيء
يعجبه؛ فليعرضه على ذي رأي ناصح، فليؤوِّل خيرًا وليقل خيرًا))(٥).
وفي حديث جابر: ((إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره
وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثًا، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه))(٦).
وفي لفظ: قال رجل: يا رسول الله رأيت في النوم كأن رأسي ضرب
فتدحرج فاشتددت في إثره، فقال التَّه: ((لا تحدث الناس بتلعب الشيطان
بك في منامك)»(٧).
وفي لفظ: (قطع) بدل (ضرب)، فضحك الثّ وقال: ((إذا لعب
الشيطان بأحدكم فلا يحدث به الناس))(٨).
قال المازري: يحتمل أن يكون علم أن منامه هذا من الأضغاث
بوحي يوحى إليه أو دلالة من المنام دل عليه، أو يكون من المكروه
الذي هو تحزين الشيطان، وحكي عن بعض العابرين أنه قال: يمكن
(١) مسلم (٥/٢٢٦١).
(٢) مسلم (٢/٢٢٦١).
(٣) مسلم (٣/٢٢٦١).
مسلم (٤/٢٢٦١).
(٤)
(٥) ((سنن النسائي الكبرى)) ٢٢٦/٦ (١٠٧٤٥).
(٦) رواه مسلم (٢٢٦٢).
(٧) مسلم (٢٢٦٨).
(٨) مسلم (١٦/٢٢٦٨).

١٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
أن يكون أختصر من المنام أو سقط عن بعض الرواة منه ما لو ذكر لدل
على أنه من الأضغاث، وأما العابرون فيتكلمون في كتبهم على قطع
الرأس ويجعلونه في الجملة دلالة على مفارقة ما فيه الرأي من مفارقة
النعم، أو يفارق من هو فوقه، ونزول سلطانه وتغير حاله في جميع
أموره، إلا أن يكون عبدًا فيدل على عتقه أو مريضًا فعلى شفائه إلى
غير ذلك. وذكر ابن قتيبة(١): أن رجلاً قال: يا رسول الله، رأيت كأن
رأسي قطع وأنا أنظر إليه بإحدى عيني. فضحك النبي بَّر وقال:
((بأيهما كنت تنظر)) فلبث ما شاء الله ثم قبض النبي ◌ُّر، فعبر الناس
الرأس بالنبي والنظر إليه باتباع السنة (٢).
فصل :
ولابن ماجه من حديث جابر قال رجل: يا رسول الله، رأيت البارحة
كأن عنقي ضربت وسقط رأسي فاتبعته فأخذته فأعدته. فقال العَّه: ((إذا
لعب الشيطان بأحدكم في منامه فلا يحدثن الناس)) (٣). وفي رواية أبي
الزبير: ((إذا حلم أحدكم فلا يخبر الناس بلعب الشيطان به في
المنام))(٤). وله عن عوف بن مالك مرفوعًا: ((إن الرؤيا ثلاث: منها
أهاويل من الشيطان ليحزن ابن آدم، ومنها ما يهم به الرجل في يقظته
فيراه في منامه، ومنها جزء من أربعة وأربعين جزءًا من النبوة))(٥).
(١) في كتابه الموسوم بـ ((الأصول لعبارة الرؤيا)) كذا أسماه المازري وهو المنقول
عنه الآن.
(٢) انتهى من ((المعلم بفوائد مسلم)) ٢٩٧/٢.
(٣) ((سنن ابن ماجه)) (٣٩١٢).
(٤) ابن ماجه (٣٩١٣). وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٤٩٦).
(٥) ابن ماجه (٣٩٠٧). وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (١٨٧٠).

١٣٥
كِتَابُ التّعْبِيرِ
=
وعن أم كرز مرفوعًا: ((ذهبت النبوة وبقيت المبشرات))(١).
وعن عبادة قال: سألت رسول الله وَّ عن قوله: ﴿لَهُمُ اُلْبُشْرَى فِى
الْحَيَوةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٦٤] قال: ((هي الرؤيا الصادقة يراها المؤمن
أو ترى له))(٢). وعن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا: ((أيها الناس
إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة .. )) (٣) الحديث.
ولابن أبي شيبة والترمذي -وقال: حسن- من طريق عطاء بن يسار،
عن رجل كان يفتي بمصر قال: سألت أبا الدرداء عن قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى
فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا﴾ قال: هي الرؤيا الصالحة بزيادة: وفي الآخرة
(الجنة)(٤).
ومن حديث المختار بن فلفل، عن أنس غ مرفوعًا -وقال
الترمذي: حسن غريب- ((إن النبوة قد انقطعت والرسالة)) فجزع
الناس، فقال: ((قد بقيت مبشرات الرؤيا وهي جزء من النبوة))(٥). وفي
لفظ حميد عنه: ((جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة».
فصل :
الشمال خلاف اليمين، وذكره في باب الحلم من الشيطان بلفظ :
اليسار، وهو بفتح الياء أفصح من كسرها، وقوله: ((وليبصق)) وفي
(١) ابن ماجه (٣٨٩٦). وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٣٤٣٩).
(٢) ابن ماجه (٣٨٩٨).
(٣) ابن ماجه (٣٨٩٩). وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٢٧٤٦).
(٤) ساقطة من الأصل. وانظر: ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١٧٣/٦ (٣٠٤٤٣)، ((سنن
الترمذي)» (٢٢٧٣).
(٥) ((سنن الترمذي)) (٢٢٧٢)، ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١٧٣/٦ (٣٠٤٤٨). وصححه
الألباني في ((صحيح الجامع)) (١٦٣١).

١٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
أخرى: ((فلينفث)) وفي ثالثة: ((فليتفل)) وأكثر الروايات على الثاني،
وادعى بعضهم أن معناها واحد، ولعل المراد بالجميع النفث، وهو
نفخ بلا ريق، ويكون التفل والبصق محمولين عليه مجازًا.
فصل :
وقوله: ( ((فإنها لا تضره)) ) معناه: أن الله تعالى جعل هذا سببًا
لسلامته من مكروه يترتب عليها، كما جعل الصدقة وقاية للمال وسببًا
لدفع البلاء، وينبغي الجمع بين هُذِه الروايات كلها ويعمل بها كلها
كما نبه عليه النووي، فإذا رأى ما يكرهه نفث عن يساره ثلاثًا قائلاً:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ومن شرها، وليتحول إلى جنبه الآخر
وليصل ركعتين. قلت: ويقرأ آية الكرسي كما سلف في تلك الرواية،
فيكون قد عمل بجميع الروايات(١)، وإن أقتصر على بعضها أجزأه في
دفع ضررها بإذن الله كما صرحت به الأحاديث.
قال عياض: وأمر بالنفث ثلاثًا طردًا للشيطان الذي حضر رؤياه
المكروهة وتحقيرًا له واستقذارًا وخصت به اليسار؛ لأنها محل
المكروهات والأقذار(٢).
وقوله: ((ولا يذكرها لأحد)) وفي لفظ: ((ولا يحدث بها أحدًا)) فسببه
أنه ربما فسره تفسيرًا مكروهًا على ظاهر صورتها، وكان ذلك محتملاً
فوقعت بتقدير الله كذلك، فإن الرؤيا -كما جاء في حديث أبي رزين
وقال الترمذي: صحيح- ((رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا
وهي على رجل طائر ما لم يحدث بها فإذا تحدث بها سقطت))(٣).
(١) ورد بهامش الأصل: حاشية: ولا يخبر بها، كما سيأتي قريبًا.
(٣) تقدم تخريجه قريبًا.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٧/ ٢٠٧.

١٣٧
كِتَابُ التَّعْبِيرِ
=
أي: أنها تكون محتملة لأمرين ففسرت بأحدهما، ولابن ماجه من
حديث يزيد الرقاشي عن أنس : (((اعبروها)(١) بأسمائها وكنوها
بكناها والرؤيا لأول عابر))(٢)، وفي ((البستان)) لابن أبي طالب حديثًا
عبره الشارع ثم عبرت عائشة مثل ذلك المنام فاختلف التعبيران.
فصل :
وقوله في الباب الماضي: ( ((فليحدث بها)) ). وجاء في باب إذا رأى
ما يكره: ((فلا يحدث به إلا من يحب))، وهذا من أحسن الإرشاد لموضع
الرؤيا؛ لأنه إذا أخبر بها من لا يحب ربما حمله البغض والحسد على
تفسيرها بمكروه، فقد تقع تلك الصفة وإلا فيحصل له في الحال حزن
ونكد في سوء تفسيرها. قال الخطابي: وهذا من أحسن الإرشاد
لموضع الرؤيا، واستعبارها العالم بها الموثوق برأيه.
وقوله: (((على رجل طائر))) قيل: معناه: أنه لا يستقر قرارها ما لم تعبر.
فصل :
قال عياض: يحتمل أن المراد صحتها، ويكون معنى الرؤيا
الصالحة الحسنة حسن ظاهرها، ويحتمل المراد صحتها وكذلك
الرؤيا المكروهة(٣). قال: وقوله: (((فليبشر))). كذا في معظم الأصول
بضم الياء ثم موحدة ساكنة من البشارة والبشرى، وفي بعضها بفتح
الياء والنون من النشرة وهو الإشاعة. قال: وهو تصحيف. وفي
بعضها: ((فليسر)). بسين مهملة من السرور.
(١) في (ص١): اعتبروها.
(٢) ابن ماجه (٣٩١٥). وضعفه الألباني في ((ضعيف ابن ماجه)) (٨٤٩).
(٣) ((إكمال المعلم)) ٢٠٩/٧.

١٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
فصل :
مذهب أهل السنة في حقيقة الرؤيا كما نقله المازري أن الله تعالى
يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان، وهو جل
وعلا يفعل ما يشاء لا يمنعه نوم ولا يقظة، فإذا خلق هذه الاعتقادات
فكأنه خلقها علمًا على أمور أخر يلحقها في ثاني الحال إذا كان قد
خلقها، فإذا خلق في قلب النائم الطيران وليس بطائر، فأكثر ما فيه
أنه أعتقد أمورًا على خلاف ما هو عليه، فيكون ذلك الاعتقاد علمًا
على غيره كما (جعل) (١) الله الغيم علمًا على المطر والجميع خلق
الله، ولكن يخلق الرؤيا والاعتقادات التي خلقها علمًا على ما يسر
بغير حضرة الشيطان، وخلق ما هو علم على ما يحضره الشيطان،
فنسب إلى الشيطان مجازًا لحضوره عندها وإن كان لا يدخل له
حقيقة. وهذا معنى قوله: ((الرؤيا من الله والحلم من الشيطان)) لا على
أن الشيطان يفعل.
فالرؤيا: اسم المحبوب، والحلم: اسم لمكروه (٢).
وقال بعضهم: إضافة الرؤيا إلى الله إضافة تشريف بخلاف
المكروهة، وإن كانا جميعا من خلق الله، والشيطان بحضرة المكروهة
ويرتضيه و(يسر به)(٣). يؤيده ما حكى القيرواني في كتابه ((نور
البستان)): أن أبا جعفر محمد بن علي الكسائي روى في كتابه في
الرؤيا عن إسماعيل بن أبي فديك، عن يعيش بن طخفة الغفاري، عن
أبي هريرة : جاءت أمرأة إلى رسول الله وَلل فقالت: يا رسول الله
(١) في (ص١): خلق.
(٢) ((المعلم)) ٢٩١/٢.
(٣) في (ص١): يستر به.

١٣٩
كِتَابُ التّعْبِيرِ
=
ليس لي إلا هذا الولد، ورأيت في المنام أني ذبحته، ثم جعلت أقطعه
عضوًا عضوًا وطبخته في قدر، فقال: ((يا رؤيا أخرجي)). فخرجت أمرأة
جميلة بيضاء فقال لها: ((هل أريت هذِه شيئًا؟)). قالت: لا يا رسول الله.
فقال: ((يا حلم أخرجي)) فخرجت أمرأة أدماء فقال: ((هل أريت هذِه
شيئًا؟)). قالت: لا. فقال: ((يا ضغث أخرجي)). فخرجت أمرأة ميتة،
فقال: ((هل أريت هذِه شيئًا؟)). قالت: نعم. فقال: ((وما حملك؟)).
قالت للمرأة: أن أحزنها، فقال للمرأة: ((اذهبي فلا بأس عليك)).
قال القيرواني: ورأيت نحوه في بعض الكتب أن فاطمة رأت كأن
رسول الله ومدير دخل عليها والحسن والحسين نائمان، فأطعمهما فاكهة
فشرقا. فأخبرت رسول الله بذلك فنادى عن يمينه: ((يا رؤيا)). فأجابه
صوت، فقال: ((أنت أريت فاطمة هذِه)). قالت: نعم، فناولهما الَّالا
فاكهة كانت عنده، فأكلا ولم يصبهما شيء.
قال القيرواني: هذا إن صح فيحمل على صدق رؤيا فاطمة؛ لذكر
الشارع فيهما، وموت ولديها متولد من حذر النفس وإشفاقها، وهو
مضاف إلى الشيطان، وهذا من الباطل الذي وصف المفسرون أن
الشيطان يدخله على النائم في الرؤيا الصالحة؛ ليفسدها عليه حسدًا له.
فصل :
ذكر الإسماعيلي في حديث أبي قتادة أمرين :
أولهما: لما رواه عن ابن ناجية، قال: حدثنا إسحاق بن أبي
إسرائيل ومحمد بن سليمان لوين، قال: لم يتجاوز لوين في حديثه
أبا سلمة أنه القليفي قال: ((الرؤيا الصالحة .. )) الحديث، وهذا منه
ترجيح للإرسال على الإسناد؛ لأن محمد بن سليمان حافظ.

١٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ثانيهما: قال: هذا الحديث ليس من الباب في شيء. قلت: لكن فيه
ذكر الصالحة فقط.
فصل :
في أتصال قوله: (رواه ثابت وحميد) إلى آخره، وأما حديث
ثابت(١)، وهو ابن (مسلم)(٢) فأخرجه (مسلم إثر حديث)(٣) أنس عن
عبادة، من حديث شعبة عنه، وحديث حميد أخرجه ابن أبي شيبة عن
النفيلي عنه، عن أنس أنه قال، فذكره موقوفًا، وحديث إسحاق بن
عبد الله بن أبي طلحة فساقه البخاري مسندًا في باب رؤيا الصالحين
من حديث مالك عنه، وحديث شعيب - هو ابن الحبحاب- أخرجه
خلف وأبو مسعود في أطرافهما.
فصل :
حديث أبي سعيد فيه أنها: ((جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة))
وهي أشهرها، وكذا من حديث أنس وعبادة وأبي هريرة. وفي ((مستخرج
الإسماعيلي)) ((خمسة وأربعون جزءًا))، وسلف أن في بعض النسخ
لحديث أبي رزين ((جزء من أربعين جزءًا)) وفي ابن ماجه من حديث
فراس، عن عطية، عن أبي سعيد: ((جزء من سبعين جزءًا من النبوة))
وكذا لمسلم من حديث ابن عمر، وكذا لابن أبي شيبة من حديث
زاهر الأسلمي، عن أبيه عن عبد الله بن مسعود مثله موقوفًا.
(١) ورد في هامش الأصل: حديث ثابت عن أنس رواه البخاري ومسلم من رواية
عبد العزيز بن المختار وشعبة، عن ثابت، عن أنس، عن النبي ◌َّ، وكذلك رواه
البخاري والنسائي وابن ماجه من رواية إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وصححه
أبو داود من رواية حميد الطويل، وشعيب بن الحبحاب، عن أنس، عنه العليها.
(٣) من (ص١).
(٢) في (ص١): سلم.