Indexed OCR Text

Pages 401-420

O
٨٤- كِتَابَ كَتَارَات الإِعْيَاءِ
١- (كتاب)(١) كَفَّارَاتِ الأَيْمَانِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ﴾ [المائدة:
٨٩]. وَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ِ حِينَ نَزَلَتْ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّنْ صِيَامٍ أَوْ
صَدَقَّةٍ أَوْ شُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَيُذْكَرُ عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله
عنهما وَعَطَاءٍ وَعِكْرِمَةَ: مَا كَانَ فِي القُرْآنِ: أَوْ أَوْ، فَصَاحِبُهُ
بِالْخِيَارِ، وَقَدْ خَيَّرَ النَّبِيُّ ◌ََّ كَعْبًا فِي الْفِدْيَةِ.
٦٧٠٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنِ ابن عَوْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةً قَالَ: أَتَيْتُهُ - يَعْنِي: النَّبِيَّ نَ فَقَالَ:
((ادْنُ)). فَدَنَوْتُ، فَقَالَ: ((أَيُؤْذِيَكَ هَوَامُّكَ؟)). قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ((فِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ
صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكِ)).
وَأَخْبَرَنِي ابن عَوْنٍ، عَنْ أَيُّوبَ قَالَ: صِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، وَالنُّسُكُ شَاةٌ، وَالْسَاكِينُ
سِتَّةَ. [انظر: ١٨١٤ - مسلم: ١٢٠١ - فتح ١١/ ٥٩٣]
(١) في (ص٢): باب.

٤٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ثم ساق حديثه عن كعب بن عجرة في فدية الأذى السالف في
الحج، وفيه أبو شهاب عبد ربه بن نافع الخياط صاحب الطعام،
والعلماء متفقون على أن (أو) تقتضي التخيير كما ذكره البخاري عن
ابن عباس وغيره، وأن الحانث في يمينه بالخيار، إن شاء كسا، وإن
شاء أطعم، وإن شاء أعتق، فإن عجز عن هذِه الثلاثة صام ثلاثة
أيام. واختلفوا في مقدار الإطعام، فقالت طائفة: يجزئه لكل إنسان
مد من طعام بمد الشارع، وروي ذلك عن ابن عباس وابن عمر
وزيد بن ثابت وأبي هريرة، وهو قول عطاء (١) والقاسم وسالم
والفقهاء السبعة(٢)، وبه قال مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد
وإسحاق، غير أن مالكًا قال: إن أطعم بالمدينة فمدًّا لكل مسكين؛
لأنه وسط عيشهم، وسائر الأمصار وسطًا من عيشهم.
وقال ابن القاسم: يجزئه مدٌّ بمد الشارع حيث ما أخرجه. وقالت
طائفة: يطعم لكل مسكين نصف صاع حنطة، وإن أعطى تمرًا
أو شعيرًا فصاعًا صاعًا، روي هذا عن عمر بن الخطاب وعلي،
ورواية عن زيد بن ثابت(٣)، وهو قول النخعي والشعبي، والثوري
وسائر الكوفيين، واحتجوا بحديث أنه القيئه أمره أن يطعم لكل مسكين
نصف صاع في فدية الأذى، كما أخرجه مسلم(٤)، والحجة للقول
الأول أنه التَّه أمر في كفارة الواقع على أهله في رمضان بإطعام مد
لكل مسكين، وإنما ذكر البخاري حديث كعب في فدية الأذى هنا من
(١) روىُ هُذِه الآثار ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٧٤/٣.
(٢) أنظر: ((الإشراف على مذاهب أهل العلم)) ٢٥٠/٢.
(٣) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٥٠٦/٨-٥٠٧.
(٤) مسلم (١٢٠١) كتاب الحج، باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى.

٤٠٣
- ڪِتَابُ كَفَّارَاتِ الأَيْمَانِ
أجل التخيير في كفارة الأذى كما هي في باب كفارة اليمين بالله، ومن
الحجة لأهل هذه المقالة أن أوسط ما يطعم أهلينا ما غلب في العرف،
وهو ما يغدي ويعشي ويشبع، وليس في العرف أن يأكل الواحد صاعًا من
شعير أو تمر، الذي هو عندهم ثمانية أرطال، ولا نصف صاع من بر،
وهو أربعة أرطال، والحكم معلق على الغالب لا على النادر، ويجوز أن
يغدي المساكين ويعشيهم عند مالك والكوفيين، وقال الشافعي:
لا يعطيهم المد إلا دفعة واحدة.
قال ابن القصار: والجميع عندنا يجوز لقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ,
إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ﴾ ولم يخص، فإن أطعم بالغداة والعشي فقد
أطعم، وعلى أصل مالك: يجوز أن يغديهم ويعشيهم دون إدام، لأن
الأصل عنده مد دون إدام، وذهب مالك في الأكل إلى الزيت.
قال إسماعيل: وأحسبه ذهب إليه، لأنه الوسط من أدم أهل المدينة.
وقال غيره: من ذهب إلى مد بمده التَّئْ تأول قوله تعالى ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا
تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] أنه أراد الوسط من الشبع، ومن ذهب إلى
مدٍّ من بُرٍّ أو صاع من شعير ذهب إلى الشبع، وتأول في ﴿أَوْسَطِ مَا
تُطْعِمُونَ﴾ الخبز واللبن، والخبز والسمن، والخبز والزيت.
قالوا: والأعلى الخبز واللحم، والأدون دون إدام، ولا يجوز
عندهم الأدون لقوله ﴿مِنْ أَوْسَطِ﴾ .
فصل :
واختلف فيما يجزئ من الكسوة في الكفارة، فقال مالك: ما يستر
عورة المصلي، فالرجل يستره القميص، والمرأة قميص ومقنعة، لأنها
كلها عورة ولا يجوز أن يظهر في الصلاة إلا وجهها وكفاها .

٤٠٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال أبو حنيفة والشافعي: يجزئه ما يقع عليه اسم كسوة. حجة
مالك قوله تعالى ﴿مِنْ أَوْسَطِ﴾ فعطف الكسوة على الأوسط،
فكما يطعم الأوسط فكذلك يكسو الأوسط.
فصل :
شرط الرقبة أن تكون سليمة من كل عيب يخل بالعمل إخلالا ظاهرا،
وتفاريع ذلك مبسوط في الفروع.
فصل :
فإن عجز عن الجميع صام ثلاثة أيام كما سلف، وفي وجوب
موالاتها قولان: أحدهما: يجوز تفريق صومها، وتتابعها أحب، وهو
قول مالك، والأظهر عند الشافعي. وثانيهما: تجب الموالاة
ولا يجزئ التفريق، وهو قول أبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي،
وحجتهم قراءة ابن مسعود (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) وحجة الأولين
أن الله ذكر صيامها ولم يشترط فيه تتابعًا، كما لم يشترط في فدية الأذى.
فصل :
الآية قوله ﴿فَفِدْيَةٌ﴾ التقدير: فحلق ففدية، واختلف العلماء في
المقدار الذي تجب فيه الفدية، فعند مالك: تتعلق الفدية بمقدار
ما يبرئه ويزول معه الأذى. وعند الشافعي: تتعلق بثلاث شعرات
فما فوق. وقال أبو حنيفة: ربع الرأس، وقال أبو يوسف بالنصف
لا مادونه، وإن حلق شعر بدنه وجبت عليه الفدية عند الجميع خلافًا
لأهل الظاهر.
فصل :
والنسك في فدية الأذى شاة كما صرح به في الحديث يذبحها حيث

٤٠٥
= كِتَابُ كَفَّارَاتِ الأَيْمَانِ
شاء، هذا هو المشهور من مذهب مالك، وقال أبو حنيفة والشافعي:
لا يجوز إلا في الحرم، وقال ابن الجهم: يذبحه بمكة، واتفقوا أنه
یصوم حيث شاء.
فصل :
قوله: (والصيام ثلاثة أيام) هو قول كافة الفقهاء، وذكر ابن المنذر
عن عكرمة والحسن البصري ونافع أن الصيام في هذا عشرة أيام، وأن
الصدقة على عشرة مساكين، والإطعام عندنا وعند مالك ستة مساكين،
مدين لكل مسكين. وقال أبو حنيفة: إن أطعم برًّا أطعم مدين، وإن أطعم
تمرًا فأربعة وعشرين مدَّا لستة مساكين.
فصل :
والهوام في حديث كعب: القمل، سماها هوام، لأنها تهم في
الرأس -أي: تدب- يقال: هو يتهيم رأسه إذا كان يفليه، ذكره
الهروي، وقال الجوهري: لا يقع هذا الاسم إلا على المخوف من
الأخناش(١). وقال الهروي: الهوام: الحيات وكل ذي سم يقتل،
وأما ما يسم ولا يقتل فهي السوام مثل العقرب والزنبور، قال: ومنها
الهوام مثل: القنافد والخنافس والفأر واليرابيع، قال: وقد تقع الهامة
على ما يدب من الحيوان(٢)، وذكر ما قدمناه عنه في تفسير الحديث.
وقال ابن فارس: الهوام: حشرات الأرض، وهو دوابها الصغار
كاليرابيع والضباب(٣).
(١) ((الصحاح)) ٢٠٦٢/٥.
(٢) قاله ابن الأثير في ((النهاية في غريب الحديث)) ٢٧٥/٥.
(٣) ((مجمل اللغة)) ٢/ ٨٩٢.

٤٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -=
٢- باب قول اللّه مثل:
﴿قَدْ فَرَضَ اَللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ﴾
[التحريم: ٢]
مَتَى تَجِبُ الكَفَّارَةُ عَلَى الغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ؟
٦٧٠٩ - حَدَّثَنَا عَلِيّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْ
فِيهِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ وَِّ فَقَالَ:
هَلَكْتُ. قَالَ: ((مَا شَأْنُّكَ؟)). قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى أَمْرَأَتٍ فِي رَمَضَانَ. قَالَ: ((تَسْتَطِيعُ
تُعْتِقُ رَقَبَةً؟)). قَالَ: لاَ. قَالَ: ((فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنٍ؟)). قَالَ: لاَ.
قَالَ: ((فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟)). قَالَ: لاَ. قَالَ: ((اجْلِسْ)). فَجَلَسَ،
فَأَتِيَ النَّبِيُّ ◌َ بِعَرَقِ فِيهِ ثَمْرٌ - وَالْعَرَقُ: المِكْتَلُ الضَّخْمُ - قَالَ: ((خُذْ هذا فَتَصَدَّقْ بِهِ)).
قَالَ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنَّا؟ فَضَحِكَ النَّبِيُّ بَّهِ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، قَالَ: ((أَطْعِمْهُ
عِيَالَكَ)). [انظر: ١٩٣٦ - مسلم: ١١١١ - فتح ٥٩٥/١١].
ذكر فيه حديث أبي هريرة # في المجامع في رمضان، وقد سلف
في بابه، وأراد البخاري بإيراده أن يعرفك أن الكفارة تجب بعد الحنث
وانتهاك الذنب، وسيأتي مذاهب العلماء في الكفارة قبل الحنث وبعده
بعد هذا - إن شاء الله تعالى- وقد تقدم ما للعلماء في الفقير تجب
عليه الكفارة، ولا يجد ما يكفر هل تسقط عنه أو تبقى في ذمته إلى
حال يسره في كتاب الصيام، واستدل مالك والشافعي بهذا الحديث
أن الإطعام في كفارة الأيمان مُدٌّ لكل مسكين؛ لأن الكيل الذي أتى
به الشارع، وقال للواطئ: ((خذ فتصدق به)) كان فيه خمسة عشر
صاعًا، وذلك ستون مُدًّا، فالذي يصيب كل مسكين منهم مدٍّ مدٍّ،
وزعم الكوفيون أنه قد يجوز أن يكون الشارع لما علم حاجة الرجل
أعطاه المكتل من التمر بالخمسة عشر صاعًا ليستعين به فيما وجب

٤٠٧
ـ كِتَابُ كَفَّارَاتِ الأَيْمَانِ
عليه، لا على أنه جميع ما وجب عليه، كالرجل يشكو إلى الرجل ضعف
حاله، وما عليه من الدين، فيقول: خذ هُذِه العشرة دراهم فاقض بها
دينك، وليس على أنها تكون قضاء من جميع دينه، ولكن على أن
تكون قضاء لمقدارها من دينه، وهُذِه دعوى لا دليل عليها إلا الظن،
والظن لا يغني من الحق شيئًا، وقول مالك أولى بالصواب، وهو
ظاهر الحديث، لأنه التَّل لم يذكر مقدار ما تبقى عليه من الكفارة بعد
الخمسة عشر صاعًا، ولم يكن يسعه السكوت عن ذلك حتى يبينه،
لأنه التَّ بُعث معلمًا .
فصل :
قوله: (هلكت) يريد بما وقع فيه من الإثم، وقد يقال أنه واقع
متعمدًا، وفي الناسي خلاف، ومذهبنا ومذهب مالك أنه لا كفارة
عليه خلافًا لابن الماجشون.
وقوله: ( ((تستطيع تعتق رقبة؟)) ) احتج به الشافعي وأبو حنيفة على
أن كفارة الوقاع مرتبة، وهو أحد قولي ابن حبيب.
ورواه مطرف وابن الماجشون عن مالك في «المدونة»: لا أعرف
غير الإطعام. وقد سلف ذلك في بابه واضحًا، وعنه أنها مخيرة.
وقال أبو مصعب: إن أفطر لجماع كفر بالعتق والصيام، وإن أفطر
بأكل وشرب فالإطعام فقط.
وقال الحسن البصري: عليه عتق رقبة، أو هدي بدنة، أو عشرون
صاعًا لأربعين مسكينا .
فصل :
وقوله: (حتى بدت نواجذه) هو بالذال المعجمة. قال الأصمعي :

٤٠٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
هي الأضراس(١)، وهو ظاهر الحديث، ولأن جل ضحكه التبسم. وقال
غيره: هي المضاحك. وقال الجوهري: هي آخر الأضراس في أقصى
الأسنان بعد الأرحاء وهي ضرس الحلم؛ لأنها تنبت بعد البلوغ وكمال
العقل، تقول: ضحك حتى بدت نواجذه: إذا استغرق فيه (٢).
وقال ابن فارس: الناجذ: السن بين الأنياب والضرس، وقيل:
الأضراس كلها نواجذ(٣). قيل: سبب ضحكه وجوب الكفارة على
هذا المجامع، وأخذه ذلك صدقة وهو غير آثم.
(١) ((غريب الحديث)) لابن الجوزي ٢/ ٣٩٣ ولفظه: هي أقصى الأضراس.
(٢) ((الصحاح)) ٥٧١/٢، مادة (نجذ).
(٣) ((مجمل اللغة)) ٨٥٥/٢، مادة (نجذ).

٤٠٩
كِتَابُ كَفَّارَاتِ الأَيْمَانِ
٣- باب مَنْ أَعَانَ المُعْسِرَ في الكَفَّارَةِ
٦٧١٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْبُوبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّ.
فَقَالَ: هَلَكْتُ. فَقَالَ: (وَمَا ذَكَ؟)). قَالَ: وَقَعْتُ بِأَهْلِي فِي رَمَضَانَ. قَالَ: ((تَجِدُ
رَقَبَّةً؟)). قَالَ: لاَ. قَالَ: ((هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنٍ؟)). قَالَ: لاَ. قَالَ:
(فَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِقِينَ مِسْكِينًا؟)). قَالَ: لاَ. قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنَّصَارِ بِعَرَقِ
وَالْعَرَقُ: اِكْتَلُ فِيهِ تَمْرٌ - فَقَالَ: ((اذْهَبْ بهذا فَتَصَدَّقْ بِهِ)). قَالَ: عَلَى أَخْوَجَ مِنَّا يَا
رَسُولَ اللهِ؟! وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقٌّ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَخْوَجُ مِنَّا. ثُمَّ قَالَ:
(اذْهَبْ، فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ)). [انظر: ١٩٣٦ - مسلم: ١١١١ - فتح ١١/ ٥٩٦]
ذكر فيه حديث أبي هريرة # المذكور أيضًا: وفيه: فَقَالَ: ((اذْهَبْ
بهذا فَتَصَدَّقْ بِهِ)) وهو مطابق لما ترجم له.

٤١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٤- باب يُعْطِي في الكَفَّارَةِ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ،
قَرِيبًا كَانَ أَوْ بَعِيدًا
٦٧١١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ فَقَالَ: هَلَكْتُ. قَالَ: ((وَمَا شَأْنُّكَ؟)). قَالَ:
وَقَعْتُ عَلَى أَمْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ. قَالَ: ((هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً؟)). قَالَ: لاَ. قَالَ: ((فَهَلْ
تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنٍ؟)). قَالَ: لاَ. قَالَ: ((فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ
سِتِّينَ مِسْكِينًا؟)). قَالَ: لاَ أَجِدُ. فَأَتِ النَّبِيُّ رَ بِعَرَقٍ فِيهِ ثَمْرٌ فَقَالَ: ((خُذْ هذا
فَتَصَدَّقْ بِهِ)). فَقَالَ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنَّا؟! مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا أَفْقَرُ مِنَّا. ثُمَّ قَالَ: ((خُذْهُ
فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ)). [انظر: ١٩٣٦ - مسلم: ١١١١ - فتح ١١ / ٥٩٦].
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َُّه أيضًا وفيه: ((فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ
سِتِّينَ مِسْكِينًا؟)) ... الحديث، وليس مطابقا له ظاهرًا، إذ حكم
كفارة اليمين مخالف لكفارة الوقاع في رمضان؛ ولكن وجه إيراده
ما قال المهلب أنه جاء قوله تعالى: ﴿فَكَفَّرَتُهُ، إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ﴾
[المائدة: ٨٩] مبهمًا بغير شرط قريب ولا بعيد، وبين الشارع في كفارة
الوقاع أنه جائز في الأقارب؛ لقوله: ((أطعمه أهلك)) فقاس بذلك
البخاري المبهم من كفارة الأيمان بالله أنه مفسر، والمفسر يقضي
على المجمل، إلا أن أكثر العلماء على أن الفقير يبقى في ذمته، فمن
قال: هذا لا يجيز أن يعطي الكفارة أحدًا من أهله ممن تلزمه نفقته
إلا وتكون باقية في ذمته، وإن كان ممن لايلزمه نفقتهم فيجوز أن
يعطيهم ويجزئه في الكفارة(١). وقد سلف ذلك في الصيام أيضًا.
(١) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٦/ ١٧٢ - ١٧٣.

٤١١
كِتَابُ كَفَّارَاتِ الأَيْمَانِ
-
وبركتهما،
صَلى الله
وسام
٥- باب صَاعِ المَدِينَةِ وَمُدِّ النَّبِيّ
وَمَا تَوَارَثَ أَهْلُ المَدِينَةِ ذَلِكَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ
٦٧١٢ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا القَاسِمُ بْنُ مَالِكِ المُزَنُّ، حَدَّثَنَا
الْجُعَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كَانَ الصَّاعُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ
صَلى الله
وستاه
مُدَّا وَثُلُثَّا بِمُدِّكُمُ اليَوْمَ، فَزِيدَ فِيهِ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ. [انظر: ١٨٥٩ - فتح ١١ /
٥٩٧]
٦٧١٣ - حَدَّثَنَا مُنْذِرُ بْنُ الوَلِيدِ الْجَارُودِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ -وَهْوَ سَلْمٌ - حَدَّثَنَا
مَالِكٌ، عَنْ نَافِعِ قَالَ: كَانَ ابن عُمَرَ يُعْطِي زَكَاةَ رَمَضَانَ بِمُدِّ النَّبِيِّ وََّ المَدِّ الأَوَّلِ، وَفِي
كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بِمُدِّ النَّبِيِّ ◌ِلِ. قَالَ أَبُو قُتَيْبَةَ: قَالَ لَنَا مَالِكٌ: مُدُّنَا أَعْظَمُ مِنْ مُدِّكُمْ،
وَلاَ نَرَى الفَضْلَ إِلاَّ فِي مُدِّ النَّبِيِّ نََّ. وَقَالَ لِي مَالِكٌ: لَوْ جَاءَكُمْ أَمِيرٌ فَضَرَبَ مُدًّا
أَصْغَرَ مِنْ مُدِّ النَّبِيِّ ◌َِّ بِأَيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تُعْطُونَ؟ قُلْتُ: كُنَّا نُغْطِي بِمُدِّ النَّبِيِّ ◌َّ
٠
قَالَ: أَفَلاَ تَرِى أَنَّ الأَمْرَ إِنَّمَا يَعُودُ إِلَى مُدِّ النَّبِيِّ ◌َّ. [فتح ١١/ ٥٩٧]
٦٧١٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبي
طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ◌ََّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ بَارِلْكُ لَهُمْ فِي مِكْيَالِهِمْ
وَصَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ)). [انظر: ٢١٣٠ - مسلم: ١٣٦٨-فتح ١١ /٥٩٧]
ذكر فيه أحاديث:
أحدها: حديث السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كَانَ الصَّاعُ عَلَى عَهْدِ رسول
اللهَ وََّ مُدَّا وَثُلُثَّا بِمُدِّكُمُ الْيَوْمَ، فَزِيدَ فِيهِ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ.
ثانيها: حديث مَالِكِ، عَنْ نَافِع قَالَ: كَانَ ابن عُمَرَ رضي الله
عنهما يُعْطِي زَكَاةَ رَمَضَانَ بِمُدِّ النَّبِيِّ بَِّ المُدِّ الأَوَّلِ، وَفِي كَفَّارَةِ
اليَمِينِ بِمُدِّ النَّبِيِّ وَلَّ. وَقَالَ أَبُو قُتَيْبَةَ: قَالَ لَنَا مَالِكٌ: مُدُّنَا أَعْظَمُ مِنْ
مُدِّكُمْ، وَلاَ نَرى الفَضْلَ إِلَّ فِي مُدِّ النَّبِيِّ وَلِّ. وَقَالَ لِي مَالِكٌ: لَوْ

٤١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
جَاءَكُمْ أَمِيرٌ فَضَرَبَ لكم مُدَّا أَصْغَرَ مِنْ مُدِّ رسول الله وَّهِ بِأَيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ
تُعْطُونَ؟ قُلْتُ: كُنَّا نُعْطِي بِمُدِّ رسول الله وَّهِ. قَالَ: أَفَلاَ تَرِىْ أَنَّ الأَمْرَ
إِنَّمَا يَعُودُ إِلَى مُدِّ رسول الله وَّه .
ثالثها: حديث أَنَسِ ﴿ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَِّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ بَارِْ لَهُمْ فِي
مِكْيَالِهِمْ وَصَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ)).
الشرح :
الحديث الأول يدل على أن مدهم ذلك الوقت حين حدَّث به السائل
زنته أربعة أرطال، فإذا زيد عليه (ثلثه)(١) -وذلك رطل وثلث- قام منه
خمسة أرطال وثلث وهو الصاع بالبغدادي، بدليل أن مده العقلية فيه
رطل وثلث، وصاعه أربعة أمداد بمده وَالآ .
وأما مقدار ما زيد عليه في زمن عمر بن عبد العزيز فلا يعلم ذلك
إلا بخبر، وإنما الحديث يدل أن مدهم ثلاثة أمداد بمده، ووصف
ابن عمر المد بالأول ليفرق بينه وبين مد هشام بن الحارث الذي أخذ
به أهل المدينة في كفارة الظهار؛ ليغلظها على المظاهرين الذين شهد
عليهم أنهم يقولون منكرًا من القول وزورا، فجعلوها بمد هشام، وهو
أكبر من مده العليا بثلثي مد، ولم يكن لرسول الله وَ لّ إلا مد واحد،
وهو الذي نقله أهل المدينة، وعمل به الناس إلى اليوم قرنًا بعد قرن،
وجيلاً بعد جيل، وإجماع أهل المدينة (حجة)(٢) عند مالك، ومن
ذلك: فضل الأذان والإقامة، وتقديم أذان الصبح قبل وقتها، وترك
أخذ الزكاة من الخضروات، وقد رجع أبو يوسف بمثل هذا في تقدير
(١) في الأصل: ثلاثة.
(٢) من (ص٢).

٤١٣
كِتَابُ كَفَّارَاتِ الأَيْمَانِ
=
المد والصاع، وترك مذهب إمامه. والفقهاء على قولين في كفارة
الأيمان، فطائفة يقولون: إن الكفارات كلها بمده القليل مد مد لكل
مسكين، وكذلك الإطعام عمن وطئ في رمضان حتى أتى رمضان
آخر، وهو قول مالك والشافعي وأبي يوسف كما قلناه على ما ثبت
في هذه الأحاديث، وحديث المواقع في رمضان.
وقال أهل العراق: الكفارات كلها مدان، مدان لكل مسكين، فالمد
رطلان، والصاع ثمانية أرطال، قياسًا على ما أجمعوا عليه من فدية
الأذى في حديث كعب السالف أنه العلمية أمر أن يطعم كل مسكين
نصف صاع، وهو مدان(١)، وما أسلفناه يرده.
فصل :
قال المهلب: وإنما دعا الشارع لهم بالبركة في مكيالهم ومدهم
وصاعهم، فإنه خصهم من بركة دعوته بما أضطر أهل الأرض كلها
إلى أن يشخصوا إلى المدينة ليأخذوا هذا (المعيار) (٢) المدعو له
بالبركة، وينقلوه إلى بلدانهم، ويكون ذلك سنة في معايشهم
وما أفترضه الله عليهم لعيالهم، وقد سلف في كتاب الوضوء والغسل
الحجة لمقدار مده وصاعه بما فيه مقنع (٣) .
(١) سلف برقم (١٨١٦) كتاب المحصر، باب: الإطعام في الفدية نصف صاع. ورواه
مسلم برقم (١٢٠١) كتاب الحج، باب: جواز حلق الرأس للمحرم ...
(٢)
في (ص٢): المكيال.
(٣) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٦/ ١٧٣ - ١٧٥.

٤١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٦- باب قول الله رمگلّ:
﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَّبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩)، وَأَيُّ الرِّقَابِ أَرْكَى؟
٦٧١٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ
مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي غَسَّانَ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ
سَعِيدٍ ابن مَرْجَانَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً أَعْتَقَ
اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنَ النَّارِ، حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ)). [انظر: ٢٥١٧ - مسلم:
١٥٠٩- فتح ١١/ ٥٩٩]
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَُّ، عَنِ النَّبِّ وَِّ: ((مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً
أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًّا مِنَ النَّارِ، حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ)).
وقد سلف.
ويريد به: أن من أعتق عتق من النار البعض بالبعض، ويصح
التبعيض كما في قطع اليد أو غيرها من الأعضاء؛ لأنه التكلئي قال:
(حرم الله على النار أن تأكل موضع السجود))(١).
وقوله: ( ((حتى فرجه بفرجه)) ) (حتى) هنا عاطفة، وهي عند
النحويين لا تعطف إلا بثلاث شروط: أن تعطف قليلاً على كثير،
وأن يكون من جنسه، وأن يراد به التعظيم أو التحقير، والقليل (هنا
الفرج، والكثير)(٢) الأعضاء وهو من جنسها، والمراد به: التحقير،
فيكون ((فرجه)) منصوبًا بالعطف.
(١) سلف برقم (٦٥٧٣) كتاب الرقاق، باب: الصراط جسر جهنم، ورواه مسلم برقم
(١٨٢) كتاب الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية.
(٢) من (ص٢).

٤١٥
كِتَابُ كَفَّارَاتِ الأَيْمَانِ
=
فصل :
قد أسلفنا في الصوم أنه يجزئ الكافرة والصغيرة عند أبي حنيفة
وأصحابه، وهو قول الكوفيين وأبي ثور، وكذا المعيبة عند داود، فإن
مالكًا والشافعي وأحمد يشترطون الإيمان، وكذا الأوزاعي، قال
الكوفيون: فندب به في كفارة قتل الخطأ خاصة دون كفارة اليمين
والظهار، فلا تقاس الرقبة كما لم يقس الصوم المطلق على المتتابع،
وكما لم يجعل الإطعام في القتل بدلاً من الصوم قياسًا على الظهار،
أجاب الأكثرون بحمل المطلق على المقيد، فإن علة التقييد كونها
كفارة، فألحق (بها)(١) مالم يقید.
ألا ترى أن الله تعالى شرط العدالة في الشهادة، حيث قال: ﴿مِمَّن
تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقال في موضع آخر ﴿وَأَشْهِدُوَأْ إِذَا
تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولم يختلف العلماء في أن العدالة من شرط
الإشهاد في التبايع، فوجب أن تكون مثل ذلك في الرقبة، فلما قيدت
في موضع استغني عن إعادتها في غيره. ألا ترى أنه التكليف إنما حضّ
على عتق المؤمن لأنه أزكى وأطهر. ولم يختلف العلماء في جواز
عتق الكافر في التطوع، واحتج مالك في ذلك بقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنَّأَ
بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءَ﴾ [محمد: ٤] فالمن: العتق للمشركين، وقد مَنَّ رسول الله
وَلير- على جماعة منهم (٢).
(١) في (ص٢): به.
(٢) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ١٧٦/٦.

٤١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٧- باب عِتْقِ المُدَبَّرِ وَأَمِّ الوَلَدِ وَالْمُكَاتَبِ في الكَفَّارَةِ،
وَعِتْقٍ وَلَدِ الزِّنَا
وَقَالَ طَاوُسٌ: يُجْزِئُ المُدَبَّرُ وَأُمُّ الوَلَدِ .
٦٧١٦ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، أَخْبَرَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدِ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ أَنَّ رَجُلاً
مِنَ الأَنَّصَارِ دَبَّرَ مَمْلُوَكًا لَهُ وَلْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ◌َلَ فَقَالَ: ((مَنْ يَشْتَرِيهِ
مِنِّي؟)). فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ النَّخَّامِ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمْ، فَسَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ:
عَبْدًا قِبْطِيًّا مَاتَ عَامَ أَوَّلَ. [انظر: ٢١٤١ - مسلم: ٩٩٧ - فتح ١١ /٦٠٠]
ثم ساق فيه حديث جابر في بيع المدبر، وليس من الكفارة في
شيء، إنما فيه جواز بيع المدبر، إلا أن يقال: لو وجبت عليه كفارة
لما وجد شيئًا يكفر به إلا مدبره، أو يقال: لما جاز بيعه جاز عتقه
في الكفارة وغيرها كما سيأتي بعد.
وأثر طاوس أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد فيه ليث عنه، أخرجه عن ابن
علية عنه: يجزئ عتق المدبر في الكفارة وأم الولد في الظهار(١). وقد
اضطربت روايته عن طاوس في الجواز وعدمه، فيقال: كيف علقه
بصيغة الجزم، ولعل له طريقًا آخر غيره.
وممن قال بقول طاوس فيما ذكره ابن أبي شيبة الحسن في المدبر،
وبقوله في أم الولد إبراهيم وعلي.
وخالف في ذلك الزهري والشعبي والحسن وحماد، وخالف في
المدبر الزهري وإبراهيم والشعبي (٢) .
(١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٧٨/٣-٧٩.
(٢) المصدر السابق ٧٨/٣-٧٩.

٤١٧
كِتَابُ كَفَّارَاتِ الأَیْمَانِ
=
واختلف العلماء في هذا الباب، فقال مالك: لا يجوز أن يعتق في
الرقاب الواجبة مكاتب ولا مدبر ولا أم الولد، ولا يعتق إلى سنين، وهو
قول الكوفيين والأوزاعي والشافعي، إلا إن الشافعي أجاز عتق المدبر،
(وكذا أبو ثور، وقال الأوزاعي وأصحاب الرأي وأبوعبيد: لا يجزئه)(١)
وإن الكوفيين والأوزاعي قالوا: إن كان المكاتب قد أدى شيئًا من كتابته
فلا يجوز عتقه في الكفارة، وإن لم يؤد شيئًا جاز عتقه، وبه قال الليث
وأحمد وإسحاق، وفيه قول ثالث: أن عتقه يجزئ وإن أدى بعض
كتابته؛ لأنه عبد ما بقي عليه درهم، فهو يباع. وقد أشترت عائشة
بريرة بأمر الشارع، هذا قول أبي ثور.
وحجة مالك ومن وافقه أن المكاتب والمدبر وأم الولد قد ثبت لهم
عقد حرمة لا سبيل إلى رفعها، والله تعالى إنما ألزم عتق رقبة واجبة أن
ينوي عتقها من غير عقد (حرية)(٢) تقدمت فيها قبل عتقه، قال تعالى
﴿فَتَحْرِيُرُ رَقَبَةٍ﴾ ولم يقل: بعض رقبة.
واحتج الشافعي بأن المدبر (يجزئ)(٣) عتقه في الكفارة بحديث
جابر في الباب، فلما جاز بيعه جاز عتقه فيها وغيرها؛ لأنه لو كانت
فيه شبهة الحرية لم يبعه الشارع، ويقضي به المالكيون بأن كثيرًا ممن
يجوز بيعه لا يجوز عتقه كالأعمى والمقعد وشبهه.
وقال مالك والكوفيون: إنما بيع المدبر؛ لأن تدبيره كان سفهًا،
وكان من الإعلان بسوء النظر لنفسه؛ فلذلك رده الشارع؛ لأن تدبيره
كلا تدبير.
(١) من (ص٢).
(٢) في (ص٢): حرمة.
(٣) قي (ص٢): يحرم.

٤١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وبه أحتج بعض العلماء في جواز نقض أفعال السفيه قبل أن يولى
عليه، وأما التدبير الصحيح بخلاف هذا، لا يجوز أن يباع من يثبت
له ذلك؛ لأنه قد ثبت له شرط الحرية بعد الموت، وعبارة ابن التين :
يحتمل أن يكون مديانا، فردَّ الدين تدبيره، إن كان تدبيرًا معلقا نصفه
إن كان: مِتُّ من مرضي هذا، قال: وقد اختلف عندنا إذا دبر في
مرضه ولم يقل: إن مت من مرضي هذا، هل له أن يرجع عنه.
فصل :
وأما عتق أم الولد في الرقاب الواجبة ففقهاء الأمصار -منهم مالك
والشافعي وأصحاب الرأي وأبو عبيد- على أنه لا يجوز عتقها في ذلك؛
من أجل أنه قد ثبت لها شرط الحرية بعد موت سيدها على ما حكم به
عمر بن الخطاب بحضرة الصحابة.
وما ذكره البخاري، عن طاوس فيها هو قول النخعي والحسن
البصري، كما ذكره ابن بطال، وهو خلاف ما أسلفناه عن الحسن،
وحجتهم الإجماع على أن أحكامها في خراجها وحدودها أحكام أمة
لا حرة.
فصل :
وأما عتق ولد الزنا في الرقاب الواجبة فأجازه الفقهاء، روي ذلك
عن عمر وعلي وعائشة، وجماعة من الصحابة.
وقال عطاء والشعبي والنخعي: لا يجوز عتقه. وهو قول الأوزاعي،
وما روي عن أبي هريرة ظي مرفوعًا: ((إنه شر الثلاثة))(١) فقد روي عن
ابن عباس وعائشة إنكار ذلك.
(١) رواه أبو داود (٣٩٦٣)، وأحمد ٣١١/٢.

٤١٩
كِتَابُ كَفَّارَاتِ الأَيْمَانِ
=
قال ابن عباس: لو كان شر الثلاثة لما استوفى بأمه حتى تضعه(١).
وقالت عائشة: ما عليه من ذنب أبويه شيء، ثم قرأت ﴿ وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ
أُخْرَى﴾ (٢) [الأنعام: ١٦٤].
قال ابن المنذر: روينا عن فضالة بن عبيد وأبي هريرة: أجزأه، وبه
قال سعيد بن المسيب والحسن وطاوس وإسحاق والشافعي وأحمد
وأبو عبيد، وبه نقول لدخوله في قوله تعالى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ .
فصل :
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من وجبت عليه كفارة
يمين فأعتق عنها رقبة أن ذلك يجزئ عنه، واختلفوا في عتق غير
المؤمنة عن الكفارة، فكان عطاء وإبراهيم وأصحاب الرأي يجيزونه،
وقال مالك والشافعي وأبو عبيد والأوزاعي: لا يجزئه.
واختلفوا في رجل يعتق عبدًا بينه وبين آخر عن رقبة عليه، فكان
الشافعي وأبو ثور يقولان: لا يجزئه، وبه قال محمد بن الحسن
وأبو يوسف: إذا كان موسرًا، ويضمن لشريكه (حصته)(٣)، وقال
أبو حنيفة: لا يجزئه.
واختلفوا في الرجل يشتري من يعتق عليه من والد أو ولد ينوي
بذلك العتق من كفارة عليه، فقال مالك والشافعي وأبو ثور:
لا يجزئه .
(١) انظر: ((التمهيد)) ٢٤/ ٣٦.
(٢) رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) ٧/ ٤٥٤، والحاكم ١٠٠/٤ والبيهقي في ((السنن
الكبرى)) ٥٨/١٠.
(٣) من (ص٢).

٤٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
واختلفوا في عتق الصغير عن الرقاب الواجبة، فكان الحسن يقول:
يجزئ. وبه قال الزهري وعطاء والشافعي وأبو ثور وأبو عبيد وأصحاب
الرأي.
وقال مالك: من صام وصلى أحب إلي، وبه قال أحمد. قال
ابن المنذر: وظاهر الآية الإجزاء، واجتمعوا أنه إذا كان أعمى
أو مقعدًا أو مقطوع اليدين، أو أشلهما أو الرجلين أنه لا يجزئ،
وقال مالك: لا يجزئ العرج الشديد، وقال الشافعي: يجزئ
الخفيف. وقال أصحاب الرأي: يجزئ مقطوع أحد اليدين وأحد
الرجلين، ولا يجزئ ذلك في قول الشافعي وأبي ثور، والنظر دال
على ما قالوا، وأن ما أضر بالعمل إضرارًا بينًا لا يجزئ، وما لا يضر
به إضرارًا بينًا يجزئ إذا كان قصدهم في ذلك العمل، ويجزئ الأخرس
في قول الشافعي وأبي ثور، ولا يجزئ في قول أصحاب الرأي،
ولا يجزئ الجنون المطبق في قول مالك والأوزاعي والشافعي
وأصحاب الرأي، وقال الشافعي: إذا كان يجن ويفيق يجزئ، وقال
مالك: لا يجزئ. ولا يجوز عند مالك من أعتق إلى سنين، ويجزئ
ذلك في قول الشافعي. ولا يجزئ في قول الشافعي والكوفي أن يعتق
ما في بطن أمه. وقال أبو ثور: يجزئ، قال الثوري: إذا كان على
الرجل كفارة رقبة، فقال الرجل: أعتق عني عبدي، فأعتق عنه أجزأ،
وبه قال مالك والشافعي وأبو ثور، وإن أعتقه بأمره على غير شيء
ففي قول الشافعي: يجزئ، ويكون ولاؤه للمعتق عنه، وبه قال
يعقوب، وقال أبو ثور: يجزئ ذلك وولاؤه للذي أعتقه. وفي قول
أبي حنيفة: الولاء للمعتق، ولا يجزئ عن ذلك. وقال محمد: هذا
أحب إليَّ، فإن أشترى عبدًا شراءً فاسدًا فأعتقه عن واجب عليه لم