Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
= كِتَابُ الأَيْمَانِ والنُّذُورِ
وقال ابن المنذر: الحديث في قوله: ((فليأت الذي هو خير)) فيمن
حلف على فعل يفعله في المستقبل فلا يفعله، أو لا يفعله ففعله،
وليس هذا المعنى في اليمين الغموس، ألا ترى أن الرجل إذا حلف
على المستقبل، أو قال: من غير أن يحلف عليه، فإنما عقد شيئًا قد
يكون، وقد لا يكون فخرج من باب: الكذب، قال: ولا نعلم خبرًا
يدل على الموجب، والكتاب والسنة دالة على النفي. قال: والأخبار
دالة على أن اليمين التي يحلف بها (الرجل)(١) يقتطع بها مالا حرامًا
هي أعظم من أن يكفرها ما يكفر اليمين.
قال القاضي إسماعيل: وينبغي للشافعي ألا يسمي من تعمد الحلف
على الكذب آئمًا إذا كفر يمينه؛ لأن الله تعالى جعل الكفارة في تكفير
اليمين، وقد قال تعالى: ﴿وَيَحِلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ الآية
[المجادلة: ١٤].
وقال ابن مسعود : كنا نعد الذنب الذي لا كفارة له اليمين
الغموس، أن يحلف الرجل على مال أخيه كاذبًا ليقتطعه(٢). ولا مخالف
من الصحابة، فصار كالإجماع، وقد أخبر الشارع أن من فعل ذلك،
فقد حرم الله عليه الجنة، وأوجب له النار. قلت: الشافعي * لم
يعتبر في اليمين الانعقاد، وإنما أعتبر العقد فالعقد صورة وجد،
فلذلك أوجب الكفارة لعظيم جنايته فيما أتى به، والإثم باطنًا باقٍ.
قال ابن المنذر: وأما قوله تعالى ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ اُلْقَوْلِ
وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢] فلا يجوز أن يقاس ذلك على اليمين الغموس؛
(١) من (ص٢).
(٢) رواه ابن الجعد في ((المسند)) ص ٢١٣ (١٤٠٨)، ومن طريقه البيهقي في ((الكبرى))
١٠/ ٣٨.

٣٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
لأنه لا يقاس أصل على أصل، ولو جاز قياس أحدهما على الآخر لكان
أحدهما فرعًا، وللزم أن يكون على الحالف بهذِه اليمين التي شبهت
بالظهار كفارة الظهار، وليس لأحد أن يوجب كفارة إلا حيث أوجبها
الله ورسوله.
قالوا: ومن الحجة في إسقاط الكفارة حديث الباب، وقد أجمعت
الأمة أن الإشراك بالله، والعقوق، وقتل النفس لا كفارة فيها،
وإنما كفارتها تركها والتوبة منها، فكذلك اليمين الغموس حكمها
حكم ما ذكر معها في الحديث في سقوط الكفارة. قلت: لا يلزم
الشافعي هذا بالجمع بين مختلف الأحكام جائز، ولا يلزم التساوي
في الحكم، قال تعالى: ﴿فَكَلِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًّا وَءَاتُوهُمْ﴾
[النور: ٣٣].
والإيتاء واجب والكفارة لا تجب، وقال: ﴿كُلُواْ مِن ثَمَرِهِةٍ إِذَا
أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] والإيتاء واجب والأكل
لیس بواجب.
ثم قالوا: والدليل على أن الحالف بها لا يسمى عاقدًا ليمينه قوله
تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِلَّغْوِ فِيَّ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَنَّ﴾
[المائدة: ٨٩] والعقد لغة عبارة عن الالتزام والتوثق، يقال: عقدت
على نفسي أن أفعل، أي: التزمت، فمن قال: لقيت زيدًا. وما لقيه،
فلم يلزم نفسه شيئًا، ولا ألزم غيره أمرًا يجب الامتناع منه والإقدام
عليه، فلا يسمى عاقدًا، ومعنى الاستيثاق: هو أن يستوثق بالعقد
حتى لا يواقع المحلوف عليه، وهذا معنى لا يحصل في اليمين
الغموس؛ لأنها منحلة بوجود الحنث معها، فلا يسمى عقدًا إذ
المنعقد ما أمكن حله إذا أنعقد.

٣٢٣
= كِتَابُ الأَيْمَانِ والنُّذُورِ
ألا ترى أن اللغو لما لم يكن يمينًا معقودة لم تجب فيها كفارة،
كذلك اليمين الغموس إذ لا يبالى فيها بر ولا حنث ولا لغو، وقد
علمت جواب هذا، وسيأتي في آخر باب اليمين فيما لا يملك فصلٌ
يتعلق بالباب.

٣٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
١٧- باب قَوْلِ اللّهِ رَّ:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآية
لا
[آل عمران: ٧٧]
[البقرة:
وَقَوْلِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَنِكُمْ﴾
٢٢٤]. وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَلَا تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِلاً.
الآية [النحل: ٩٥] وقوله: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدْتُمْ وَلَا
نَنْقُضُواْ الْأَيْمَنَ بَعْدَ تَّوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ﴾
[النحل: ٩١].
٦٦٧٦- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ أَبِي
وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ عَُّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ
بِهَا مَالَ آَمْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ)). فَأَنْزَلَ اللهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿إِنَّ
لا
الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] إِلَىَ آَخِرِ الآيَةِ. [انظر:
٢٣٥٦ - مسلم: ١٣٨ - فتح ٥٥٨/١١]
٦٦٧٧ - فَدَخَلَ الأَشْعَتُ بْنُ قَيْسٍ فَقَالَ: مَا حَدَّثَكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ فَقَالُوا: كَذَا
وَكَذَا. قَالَ: فِّ أُنْزِلَتْ، كَانَتْ لِي بِثْرٌ فِي أَرْضٍ ابن عَمِّ لِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَِّ فَقَالَ:
(بَيِّنَتُكَ أَوْ يَمِينُهُ)). قُلْتُ: إِذَا يَخْلِفُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((مَنْ
حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ صَبْرٍ وَهْوَ فِيهَا فَاجِرٌ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ أَمْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللهَ يَوْمَ
القِيَامَةِ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ)). [انظر: ٢٣٥٧ - مسلم: ١٣٨ - فتح ١١/ ٥٥٨].
ثم ساق حديث أَبِي وَائِلِ، عَنْ عَبْدِ اللهِلَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ:
(مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ آمْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللهَ وَهْوَ عَلَيْهِ
غَضْبَانُ)). فَأَنْزَلَ اللهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنًا
قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] إِلَى آخِرِ الآيَةِ.

٣٢٥
- كِتَابُ الأَيْمَانِ والتُّذُورِ
ثم ساق باقي الحديث. وقد سلف.
قال ابن بطال: وبهذه الآيات والحديث احتج الجمهور في أن
اليمين الغموس لا كفارة فيها؛ لأنه القفيها ذكر في هذِه اليمين المقصود
بها الحنث والعصيان والعقوبة والإثم، ولم يذكر فيها كفارة، ولو
كانت لذكرت كما ذكر في اليمين المعقودة، فقال: ((فليكفر عن يمينه
وليأت الذي هو خير))(١) .
قال: ويقوي هذا المعنى قوله التَّه للمتلاعنين بعد تكرار أيمانهما:
((الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟))(٢) ولم يوجب كفارة،
ولو وجبت لذكرها كما قال: ((هل منكما تائب؟)) قال ابن المنذر:
والأخبار دالة على أن اليمين التي يحلف بها الرجل يقتطع بها مالًا
حرامًا هي أعظم أن يكفرها ما يكفر اليمين، ولا نعلم سنة تدل على
قول من أوجب فيها الكفارة، بل هي دالة على قول من لم يوجبها .
قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَنِكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٤].
قال ابن عباس: هو الرجل يحلف ألا يصل قرابته، فجعل له مخرجًا
في التكفير، وأمره ألا يعتل بالله فليكفر يمينه ويبر(٣).
وأما الخطابي فقال: فيه (حجة) (٤) لمن يرى الكفارة فيها(٥) .
(١) رواه مسلم (١٦٥٠) كتاب: الأيمان، باب: ندب من حلف يمينًا فرأى غيرها خيرًا
منها، أن يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه.
(٢) سلف برقم (٥٣١١) كتاب الطلاق، باب: صداق الملاعنة، ورواه مسلم
(٦/١٤٩٣) كتاب: اللعان.
(٣) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ١٣٣/٦-١٣٤. أما قول ابن عباس فرواه الطبري في
«تفسیره)) ٤١٢/٢-٤١٣.
(٤) من (ص٢).
(٥) ((أعلام الحديث)) ٤/ ٢٢٨٧.

٣٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال زيد بن أسلم: أي: يكثر الحلف به، وإن كانوا بررة مصلحين
بين الناس. وقال سعيد بن جبير: هو الرجل يحلف أن لا يبر ولا يصل
ولا يصلح فيقال له: بر، فيقول: قد حلفت(١). والتقدير: كراهة أن
يبروا، ونحو هذا في كتاب محمد قال: هو أن يحلف على أن يبر
ولا يصل رحمه، فقال تعالى: ﴿أَن تَبَرُوا﴾ فهو مما يمضي على
ما لا يصلح فينبغي أن يكفر ويأتي بما هو خير.
فصل :
يمين الصبر: هو أن يحبس السلطان رجلًا على يمين حتى يحلف
بها، ويقال: صبرت يمينه، أي: حلفته بالله، وأصل الصبر: الحبس،
(ومعناه: الجبر)(٢) عليها .
قال الداودي: معناه أن يوقف حتى يحلف على رءوس الناس.
فصل :
واحتج بهذِه الآية في ((المعونة)) على أن العهد يمين، قال: وذلك
يدل على أن العهد والميثاق والكفالة أيمان؛ ولأن عرف الناس جار
بالحلف بهُذِه الأشياء، وهي من صفات الذات(٣).
فصل :
وقوله: (إذَا يحلف)، هو بنصب الفاء؛ لأنه فعل مستقبل منصوب
بـ (إذًا).
(١) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٤١٣/٢ (٤٣٥٨).
(٢) في (ص٢): وفعله بالجبر.
(٣) ((المعونة)) ٤١٣/١.

٣٢٧
= كِتَابُ الأَيْمَانِ والنُّذُورِ
١٨- باب اليَمِينِ فِيمَا لَا يَمْلِكَ، وَفِي المَعْصِيَةِ،
وَاليمين في الغَضَبِ
٦٦٧٨ - حَدَّثَنِي نُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ، عَنْ أَبِي بُزْدَةَ، عَنْ
أَبِي مُوسَى قَالَ: أَرْسَلَنِي أَصْحَابِي إِلَى النَّبِيِّ وَِّ أَسْأَلُهُ الْحُمْلَانَ، فَقَالَ: ((والله لَا
أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَيٍ). وَوَافَقْتُهُ وَهْوَ غَضْبَانُ، فَلَمَّا أَتَيْتُهُ قَالَ: ((انْطَلِقْ إِلَى
أَصْحَابِكَ فَقُلْ: إِنَّ اللهَ - أَوْ إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ - يَحْمِلُكُمْ)). [انظر: ٣١٣٣ - مسلم:
١٦٤٩ - فتح ١١/ ٥٦٤]
٦٦٧٩- حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، حَدَّثَنَا إِنْرَاهِيمُ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ ح.
وَحَدَّثَنَا الحَجَّاجُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَثِيُّ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ الأَثَلِّ
قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ عُزْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ اُسَيَّبٍ وَعَلْقَمَةَ بْنَ
وَقَّاصٍ وَعُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ◌َِّ حِينَ قَالَ
لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا فَبََّهَا اللهُ مِمَّا قَالُوا، كُلِّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنَ الَحَدِيثِ، فَأَنْزَلَ اللهُ:
﴿إِنَّ الَِّيَنَ جَاءُو بِلْإِفْكِ﴾ العَشْرَ الآيَاتِ كُلَّهَا فِي بَرَاءَتِي. فَقَالَ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ - وَكَانَ
يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ -: والله لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الذِي قَالَ
لِعَائِشَةَ. فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْثُواْ أُوْلِ الْقُرْبَ﴾﴾ [النور: ٢٢]
الآيَةَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى والله إِّ لِأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي. فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحِ النَّفَقَةَ
التِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَقَالَ: والله لَا أَنْزِعُهَا عَنْهُ أَبَدًا. [انظر: ٢٥٩٣ - مسلم: ٢٧٧٠ - فتح
١١/ ٥٦٤] .
٦٦٨٠- حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ
زَهْدَمِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ لَّهِ فِي نَفَرٍ مِنَ
الأَشْعَرِيِّينَ، فَوَافَقْتُهُ وَهْوَ غَضْبَانُ فَاسْتَحْمَلْنَاهُ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا ثُمَّ قَالَ: ((والله إِنْ
شَاءَ اللهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الذِي هُوَ خَيْرٌ
وَتَحَلَّلْتُهَا)). [انظر: ٣١٣٣ - مسلم: ١٦٤٩ - فتح ١١ / ٥٦٤]

٣٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ذكر فيه حديث أَبِي مُوسَى ﴾ قَالَ: أَرْسَلَنِي أَصْحَابِي إِلَى رسول الله
وَ أَسْأَلُهُ الحُمْلَانَ، فَقَالَ: ((والله لَا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَيءٍ)). ووافيته وَهْوَ
غَضْبَانُ، فَلَمَّا أَتَيْتُهُ قَالَ: ((انْطَلِقْ إِلَى أَصْحَابِكَ فَقُلْ: إِنَّ اللهَ وَى - أَوْ إِنَّ
رَسُولَ اللهِ ◌ِِّ- يَحْمِلُكُمْ)).
وحديث عَائِشَةَ في قصة الإفك مَا قَالُوا فَبَرَّأَهَا اللهُ، وَكَانَ أبو بكر
يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ، فقال: والله لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ شَيْئًا
أَبَدًا بَعْدَ الذِي قَالَ لِعَائِشَةَ. فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوْ اُلْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾
الآية [النور: ٢٢]. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى والله إِنِّي لأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ
لِي. فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحِ النَّفَقَةَ التِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَقَالَ: والله لَا
أَنْزِعُهَا منه أَبَدًا .
ثم ساق حديث أَبِي مُوسَى عَّ أيضًا: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِوَّهِ فِي نَفَرٍ مِنَ
الأَشْعَرِيِّينَ، فوافيته وَهْوَ غَضْبَانُ فَاسْتَحْمَلْنَاهُ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا ثُمَّ
قَالَ: ((والله إِنْ شَاءَ اللهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا
أَتَيْتُ الذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا)).
الشرح :
في ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ قولان:
أحدهما: قول ابن عباس: لا تقسموا ألا تنفعوا أحدًا، وهذا
الحدیث یؤيده.
ثانيها: أن لا تقصروا، من قولهم: ما أَلَوتُ أن أفعل، التقدير:
ولا يحلف (أولو) (١) الفضل أن يؤتوا، وعلى قول الكوفيين:
لئلا يؤتوا، ومن قال: لا تقصروا، التقدير عنده عن (علي)(٢): أن
(١) في (ص٢): أهل.
(٢) من (ص٢).

٣٢٩
= كِتَابُ الأَيْمَانِ والنُّذُورِ
لا يؤتوا، فإن قلت: يؤتوا للجماعة، وفي الحديث: أن المراد الصديق.
قلت: روى الضحاك، قال أبو بكر وغيره من المسلمين: لا نبرُّ أحدًا
ممن ذكر عائشة، فنزلت الآية(١).
فصل :
اليمين في ما لا يملك في حديث الأشعريين معناه: أنه الكلية حلف
ألا يحملهم، فكان ظاهر هذه اليمين الإطلاق والعموم، ثم آنسهم
بقوله: ((وما عندي ما أحملكم عليه)) ومثال هذا: أن يحلف رجل أن
لا يهب ولا يتصدق ولا يعتق، وهو في حال يمينه لا يملك، ثم يطرأ
له بعد ذلك مال فيهب أو يتصدق أو يعتق، فعند جماعة الفقهاء: أنه
تلزمه الكفارة إن فعل شيئًا من ذلك كما فعل الشارع بالأشعريين أنه
تحلل من يمينه، وأتى الذي هو خير، ولو حلف ألا يهب ولا يتصدق
ما دام معدمًا، وجعل العدم علة لامتناعه من ذلك، ثم طرأ له بعد
ذلك مال، لم يلزمه عند الفقهاء كفارة إن وهب أو تصدق أو أعتق؛
لأنه إنما أوقع يمينه على حالة العدم لا على حالة الوجود، هذا ما في
حديث أبي موسى من معنى اليمين فيما لا يملك.
فصل :
واختلفوا في هذا المعنى إذا حلف الرجل يعتق ما لا يملك إن ملكه
في المستقبل :
فقال مالك: إن عين أحدًا أو قبيلة أو جنسًا لزمه العتق، وإن قال:
كل مملوك أملكه أبدًا حر لم يلزمه عتق، فكذلك في الطلاق إن عين قبيلة
أو بلدة أو صفة ما لزمه الحنث، وإن لم يعين لم يلزمه .
(١) ((تفسير الطبري)) ٢٩٠/٩ (٢٥٨٧٨).

٣٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يلزمه الطلاق والعتق، سواء عم
أو خص.
وقال الشافعي: لا يلزمه لا ما خص ولا ما عم، وحجة مالك: أن
الله تعالى نهى عباده أن يحرموا طيبات ما أحل الله لهم، ومن استثنى
موضع نكاح أو عتق فلم يحرم نفسه كل ما أحل الله له.
وحجة الكوفيين أنها طاعة لله، فيلزمه الوفاء بها إن قدر عليها،
ومخرجها مخرج النذر كما يقول مالك في الأيمان، وحجة الشافعي
قوله التعليم: ((لا نذر في معصية ولا فيما لا يملك ابن آدم)) (١) وإذا لم يلزمه
النذر فيما لا يملك فاليمين أولى ألا يلزمه، وأما الطلاق؛ فلأن الله
تعالى إنما جعله في كتابه بعد النكاح، فقال تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ
اُلْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] و(ثم) لا توجب غير التعقيب.
وأجمعوا إذا حلف بعتق عبيد غيره أنه لا يلزمه شيء من ذلك إلا ابن
أبي ليلى، فإنه كان يقول: إن كان موسرًا بأثمانهم لزمه عتقهم، ثم رجع
عنه. وإن حلف على غيره مثل: أن يحلف على امرأته النصرانية أن
تسلم، أو حلف على رجل ليسلفنه مالًا، أو حلف على غريمه
ليقضينه حقه، فإن ضرب لذلك أجلا، وكان الدين إلى أجل أخر إلى
الأجل، فإن لم يقض، وإلا يلزم له على قدر ما يراه، هذا قول
ابن القاسم، عن مالك، وإن لم يضرب لذلك أجلًا فلا يكون من
امرأته موليًا إن حلف بالطلاق، ولكن يلزم(٢) له على قدر الطلبة إلى
المحلوف عليه يفعل ما حلف عليه.
(١) رواه النسائي ٧/ ٣٠، وأحمد ٤٢٩/٤ من حديث عمران بن حصين.
(٢) في (ص٢): يتلوم.

٣٣١
كِتَابُ الأَيْمَانِ والنُّذُورِ
-
وروى ابن الماجشون، عن مالك، وغيره من علماء المدينة: أن
حلفه بالطلاق أو العتاق على فعل غيره، مثل حلفه على فعل نفسه في
جميع وجوه ذلك، ويدخل عليه الإيلاء في حلفه بالطلاق.
فصل :
وأما حديث عائشة في يمين الصديق أن لا ينفق على مسطح،
فإنما هي يمين في ترك طاعةٍ، وفضيلة في حال غضب، ولا خلاف
بين علماء المدينة في وجوب الكفارة على من حلف أن يمتنع من
فعل الطاعة إذا رأى غير ما حلف عليه، وكذلك فعل الصديق كفر عن
يمينه، وجمهور الفقهاء يلزمون الغاضب الكفارة، ويجعلون غضبه
مؤكدا لیمینه.
وقد روي عن ابن عباس أن الغضبان يمينه لغو ولا كفارة فيها،
وروي عن مسروق والشعبي وجماعة أن الغضبان لا يلزمه يمين
ولا طلاق ولا عتق، واحتجوا بقوله الظّهر: ((لا طلاق في إغلاق))،
و ((لا عتق قبل ملك)) وفي حديث الأشعريين ردُّ لهُذِه المقالة؛ لأن
الشارع حلف وهو غاضب ثم قال: ((والله لا أحلف على يمين)) إلى
آخره، وهُذِه حجة قاطعة، وكذلك فعل الصديق.
وأما حديث («لا طلاق في إغلاق)) فليس بثابت، ولا مما يعارض به
مثل هذِه الأحاديث الثابتة، كذا في كتاب ابن بطال(١) .
والحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه واستدركه الحاكم،
وقال: صحيح على شرط مسلم، أخرجوه من حديث عائشة رضي الله
عنها .
(١) ((شرح ابن بطال)) ٦/ ١٣٧.

٣٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قال الحاكم: وله متابع، فذكره. قال أبو داود: أظنه في الغضب.
وقال غيره: الإغلاق: الإكراه، والمحفوظ: ((إغلاق)) كما هو لفظ
ابن ماجه والحاكم، ولفظ أبي داود: ((غلاق))(١).
وأما حديث ((لا عتق قبل ملك)) فهو من حديث عمرو بن شعيب، عن
أبيه، عن جده مرفوعًا ((لا طلاق إلا فيما تملك (ولا عتق إلا فيما تملك،
ولا بيع إلا فيما يملك»، رواه أبو داود بإسناد صحيح)(٢)، ورواه
الأربعة، والحاكم بلفظ: ((لا طلاق إلا فيما تملك)) وقال: صحيح
الإسناد. وقال الترمذي: هو حسن، وهو أحسن شيء روي في
الباب، وقال أيضًا: سألت محمدًا فقلت: أي شيء أصح في الطلاق
قبل النكاح؟ فقال: حديث عمرو بن شعيب هذا(٣).
وتأول المدنيون والكوفيون الإغلاق على الإكراه هذا معنى اليمين
عندهم، وأما اليمين في المعصية فليس هذا الباب موضعه، وسيأتي عند
قوله القليئة: ((من نذر أن يعصي الله، فلا يعصه))(٤).
قال ابن حزم: واليمين في الرضا والغضب وعلى أن يطيع وعلى أن
يعصي، أو على ما لا طاعة فيه ولا معصية، سواء في كل ما ذكرنا، إن
تعمد الحنث في كل ذلك فعليه الكفارة، وإن لم يتعمد الحنث أو لم يعقد
اليمين بقلبه فلا كفارة في ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَنْكُمْ إِذَا
حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] فالكفارة واجبة في كل حنث قصده المرء.
(١) رواه أبو داود (٢١٩٣)، وابن ماجه (٢٠٤٦)، والحاكم ١٩٨/٢.
(٢) من (ص٢).
(٣) رواه أبو داود (٢١٩٠)، والترمذي (١١٨١)، والنسائي ٢٨٨/٧ وليس فيه ذكر
الطلاق، وابن ماجه (٢٠٤٧)، والحاكم ٤/ ٣٠٠.
(٤) سيأتي قريبًا برقم (٦٦٩٦) باب: النذر في الطاعة.

٣٣٣
كِتَابُ الْأَيْمَانِ والنُّذُورِ
=
وقد اختلف السلف في ذلك، فروي عن ابن عباس أن (لغو)(١)
اليمين هو اليمين في الغضب ولا كفارة فيها، قال ابن حزم: وهو
قول لا دليل على صحته، بل البرهان قائم بخلافه، كما روينا من
طريق البخاري، فذكر حديث أبي موسى: وافقت رسول الله وَ ل وهو
غضبان، فاستحملناه فحلف أن لا يحملنا. الحديث، فصح وجوب
الكفارة في اليمين مع الغضب. قال تعالى: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا
عَقَّدتُمُ الْأَيْمَنَّ فَكَفَّرَتُهُ﴾ الآية [المائدة: ٨٩]. والحالف في الغضب
معقد ليمينه فعليه الكفارة.
فأما النهي في المعصية، فروى أبو البختري: أن رجلًا ضافه رجل،
فحلف أن لا يأكل، فحلف الضيف أن لا يأكل. فقال ابن مسعود: كُلْ
وإني لأظن أحب إليك أن تكفر. فلم ير الكفارة في ذلك إلا استحبابًا،
وعن ابن عباس: أنه حلف أن يجلد غلامه مائة جلدة (ثم لم يجلده)(٢)،
فقيل له في ذلك فقال: ألم تر ما صنعت؟ تركته، فذاك بذاك.
وعن سليمان الأحول أنه قال: من حلف على ملك يمينه فكفارته أن
لا يضربه، وهو مع الكفارة حسنة(٣). وعن إبراهيم فيمن حلف أن
يضرب مملوكه فقال: لأن يحنث أحب إليّ من أن يضربه(٤). وقال
المعتمر: حلفت أن أضرب مملوكًا لي، فنهاني أبي ولم يأمرني بكفارة.
(١) ساقطة من الأصل والمثبت من (ص٢).
(٢) من (ص٢).
(٣) رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) ٤٩٧/٨ (١٦٠٤٠) عن سليمان الأحول، عن
طاوس، عن ابن عباس، وابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ٩١/٣ (١٢٣٩٢) عن سليمان
الأحول، عن أبي معبد، عن ابن عباس.
(٤) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٤٩٨/٨ (١٦٠٤١).

٣٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وسئل طاوس عمن حلف أن لا يعتق غلامًا له فأعتقه، فقال: أتريد
من الكفارة أكثر من هذا؟ وعن الشعبي: اللغو في اليمين: هو كل يمين
في معصية فليست لها كفارة كمن يكفر للشيطان، وقال عكرمة: من حلف
على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأته. ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِالَّغْوِ فِ أَيْمَنِّكُمْ﴾
[المائدة: ٨٩] فيه نزلت، وعن مسروق في الرجل يحلف أن لا يصل أباه
وأمه، فقال: كفارته تركه، فلما بلغ ذلك ابن جبير قال: لم يصنع شيئًا
ليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه(١).
احتج أهل هذه المقالة بما رويناه من حديث عمرو بن شعيب، عن
أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله وَله: ((من حلف على معصية
فلا يمين له، ومن حلف على قطيعة رحم له فلا يمين له))(٢).
ولفظ أبي داود: ((لا نذر ولا يمين فيما لا يملك ابن آدم، ولا في
معصية الله، ولا في قطيعة رحم، ومن حلف على يمين فرأى غيرها
خيرًا منها فليدعها وليأت الذي هو خير، فإن تركها كفارة))(٣).
ومن حديث ابن المسيب: أن عمر بن الخطاب قال: سمعت النبي
وَلّ يقول: ((لا يمين عليك ولا نذر في معصية الله، وفي قطيعة الرحم،
وفيما لا تملكه))(٤).
(١) رواه الطبري في ((تفسيره)) ١٦/٥ من طريق داود، عن سعيد بن جبير قال: هو
الرجل يحلف على المعصية، فلا يؤاخذه الله تعالى ذكره، يكفر عن يمينه ويأتي
الذي هو خير ..
(٢) رواه أبو داود (٢١٩١) قال الشيخ الألباني: حسن. ((صحيح الجامع)) (٧٥٢٢).
(٣) أبو داود (٣٢٧٤).
(٤) رواه أبو داود (٣٢٧٢)، وابن حبان ١٩٧/١٠ (٤٣٥٥)، والحاكم ٣٠٠/٤.

٣٣٥
= كِتَابُ الأَيْمَانِ والنُّذُورِ
ومن حديث يحيى بن عبيد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة # من عند
الحجاج بن منهال، قال الَّل: ((من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا
منها فليأت الذي هو خير فهو كفارتها))(١) ومن طريق العقيلي: حدثنا
أحمد بن عمرو، ثنا إبراهيم بن المسْتَمر، حدثنا شعيب بن حيان بن
شعيب بن درهم، ثنا يزيد بن أبي معاذ، عن مسلم بن عقرب، عن
رسول الله وَالر، قال: ((من حلف على مملوكه ليضربنه، فإن كفارته أن
يدعه له مع كفارته خير))(٢)، ومن طريق سعيد بن منصور: حدثنا
حزم بن أبي حزم القطعي قال: سمعت الحسن يقول: بلغنا أن رسول
الله وَ لّ قال: ((لا نذر لابن آدم في مال غيره، ولا يمين في معصية)).
قال ابن حزم: وهذا كله لا يصح، حديث عمرو بن شعيب صحيفة،
وحديث عمر منقطع؛ لأن ابن المسيب لم يسمع من عمر شيئًا إلا نعيه
النعمان فقط (٣).
قلت: في ((المجالسة)) للدينوري، حدثنا ابن قتيبة، ثنا عبد الرحمن،
عن عمه عبد الملك بن قريب، عن طلحة بن محمد بن سعيد بن
المسيب، عن أبيه: أن سعيدًا قال: إني لفي الأغيلمة الذين يجرون
جعدًا إلى عمر بن الخطاب حتى ضربه يعني جعدًا (٤)، القائل فيه
بعض الغزاة لعمر.
ألا أبلغ أبا حفص رسولًا فدى لك من أخي ثقة إزاري
وبئس معقل الذود الظوار
---
يعقلهن جعد شيظمي
(١) رواه البيهقي ٣٤/١٠.
(٢) ((الضعفاء)) للعقيلي ١٨٣/٢.
(٣) ((المحلى)) ٨/ ٤٠-٤٣.
(٤) ((المجالسة)) ٥٣/٥ (١٨٥١).

٣٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فصل :
قال ابن حزم: وحديث أبي هريرة له منقطع فعن يحيى بن عبيد الله،
وهو ساقط (متروك)(١).
قلت: قال أبو إسحاق الجوزجاني: أحاديثه متقاربة من حديث أهل
الصدق، وقال يعقوب بن سفيان الفسوي: لا بأس به إذا روى عن ثقة،
وقال الساجي: يجوز في الزهد والرقاق، وقال إسحاق بن راهويه:
سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: يحيى بن عبيد الله بن عبد الله بن
موهب ثقة، وروى يحيى عنه، وقال ابن عدي: في بعض ما يرويه
ما لا يتابع عليه .
قلت: وإيراده يحيى وتركه أباه غير جيد؛ لأنه ممن قال فيه
السعدي: لا يعرف، ذكر ذلك مسلم أو غيره(٢). وأما حديث مسلم بن
عقرب ففيه شعيب بن حيان، وهو ضعيف، ويزيد بن أبي معاذ غير
معروف، وحديث الحسن مرسل، فسقط كل ما في هذا الباب.
قال: ووجدنا نص القرآن العظيم يوجب الكفارة في ذلك بعمومه،
ومع ذلك قوله القَّه: ((من حلف على يمين)) الحديث، فإن قيل: إن هذا
فيما كان من كليهما خير، إلا أن الأخرى أكثر خيرًا، قلنا : هذِه دعوى،
بل كل شر في العالم وكل معصية فالبر والتقوى خير منهما، قال تعالى:
﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًا﴾ [الفرقان: ٢٤] ولا خير في جهنم
أصلًا(٣).
(١) من (ص٢).
(٢) انظر: ((الكامل)) لابن عدي ٣١/٩ (٢١٠٦)، و((تهذيب الكمال)) ٤٤٩/٣١
(٦٨٧٦).
(٣) ((المحلى)) ٨/ ٤٣.

٣٣٧
كِتَابُ الَّيْمَانِ والنُّذُورِ
-
فصل :
ينعطف على اليمين الغموس، قال ابن عبد البر: وقد جعل الله
الكفارة في قتل الصيد على العمد، وجاءت السنة فيمن حلف، فرأى
غيرها خيرًا منها أن يحنث نفسه ثم يكفر، وهذا قد تعمد الحنث،
فأمر بالكفارة.
ومن التابعين القائلين بأن المتعمد للكذب في يمينه يكفر الحكم بن
عتيبة، وعطاء بن أبي رباح، قال شعبة: سألت الحكم وحمادًا عن ذلك
فقالا: ليس لها كفارة، قال الحكم: والكفارة خير.
وذكر ابن أبي شيبة(١)، عن حفص بن غياث، عن الحجاج، عن
عطاء: يكفر (٢). وقد أسلفنا ذلك عنه، وفي كتاب ابن أبي هبيرة:
قال الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى: يكفر، وفي ((المحلى)) عن
معمر في الرجل يحلف على أمر يتعمده كاذبًا: والله لقد فعلت ولم
يفعل، ووالله ما فعلت وقد فعل، قال: أحب إليَّ أن يكفر.
وعن ابن مسعود: كنا نعد من الذنب الذي لا كفارة له اليمين
الغموس، وعن إبراهيم وحماد بن أبي سليمان والحسن: هي أعظم
من أن تكفر، محتجين بما روى أبو ذر مرفوعًا: ((ثلاثة لا يكلمهم الله
يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم))، (فذكر منهم) (٣) ((المنفق
سلعته بالحلف الكاذب)) (٤).
(١) (المصنف)) ٨٤/٣ (١٢٣١٧).
(٢) ((الاستذكار)) ٦٦/١٥ -٦٧.
(٣) من (ص٢).
(٤) ((المحلى)) ٣٦/٨ والحديث رواه مسلم برقم (١٠٦) كتاب: الإيمان، باب: غلظ
تحريم إسبال الإزار ...

٣٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وسلف حديث عبد الله بن عمرو في عد اليمين الغموس من الكبائر،
وروى ابن أبي عاصم من حديث محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ، عن
عبد الله بن أبي أمامة، عن أبيه، عن عبد الله بن أنيس يرفعه: ((من حلف
بالله على يمين صبر فيدخل فيها بمثل جناح بعوضة إلا كانت نكتة في قلبه
إلى يوم القيامة))(١) .
ومن حديث عبد السلام بن عبد الحميد السكوني ثنا أبي، عن
عمرو بن قيس، عن واثلة يرفعه: ((اليمين الغموس تفتح الديار))(٢)،
وهي الحلف على يمين فاجرة صبرًا ليقتطع بها مال امرئ مسلم.
قال ابن أبي عاصم: وفي الباب عن وائل بن حجر وسعيد بن زيد
وأُبي وأبي أمامة الحجازي، قال: ومالك أبو أمامة الحمصي-
والحارث بن البرصاء ومعقل بن يسار وأبي سُود وأبي هريرة وعدي بن
عَميرة.
قال ابن حزم: وعن عمران بن حصين يرفعه: ((من حلف على يمين
مصبورة كاذبًا فليتبوأ مقعده من النار))(٣).
وعن ابن عمر من طريق ابن الجهم، ثنا يوسف بن الضحاك، ثنا
موسى بن إسماعيل، ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت عنه: أنه الكلية قال
لرجل ((فعلت كذا وكذا))، قال: لا، والذي لا إله إلا هو ما فعلت.
فجاء جبريل فقال: ((بل فعل، ولكن الله غفر له بالإخلاص)).
(١) رواه ابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) ٤/ ٨٠ (٢٠٣٦) وليس فيه عبد الله بن
أبي أمامة.
(٢) رواه الطبراني في ((مسند الشاميين)) ٣٩٧/٣ (٢٥٤٣) بلفظ: ((اليمين الغموس
الكاذبة تذر الدیار بلاقع».
(٣) رواه أبو داود (٣٢٤٢)، وأحمد ٤٣٦/٤.

٣٣٩
= كِتَابُ الأَيْمَانِ والنُّذُورِ
ورواه أبو داود من طريق موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة،
عن عطاء بن السائب، عن أبي يحيى، عن ابن عباس رضي الله
عنهما(١)، وكذا رويناه من طريق ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن
الثوري، عن عطاء بن السائب، عن أبي يحيى، عن ابن عباس، فإن
لم يكن أخطأ فيه يوسف بن الضحاك فهو حديث جيد وإلا فهو
حديث ضعيف. قلت: يدور على عطاء.
أخرجه النسائي أيضًا، عن هناد، عن أبي الأحوص، وعن محمد بن
إسماعيل بن سمرة، عن وكيع، عن سفيان ثلاثتهم عن عطاء، عن أبي
يحيى به (٢)، ولما رواه البخاري في ((تاريخه)) أيضًا سمى أبا يحيى
زيادًا المكي(٣)، وعرفه بولاء قيس بن مخرمة، وهو رد لما ذكره
ابن عساكر: أبو يحيى هذا مصدع المعرقب(٤).
ورواه ابن أبي عاصم من حديث سفيان، عن عطاء، عن أبي يحيى
فلا وجه لتردد ابن حزم، ثم إن عطاء رواه عند ابن أبي عاصم، عن أبي
البختري، عن عبيدة السلماني، عن عبد الله بن الزبير بنحوه، وهو دال
على عدم ضبط عطاء.
قال ابن حزم: قالوا: لم يأمره بكفارة، وقالوا: إنما الكفارة
فيما حلف فيه في المستأنف، قالوا: وقد قال تعالى: ﴿وَأَحْفَظُواْ
ج
أَيْمَنَّكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] قالوا: وحفظها إنما يكون بعد مواقعتها، قال:
(١) أبو داود (٣٢٧٥).
(٢) ((السنن الكبرى)) ٤٨٩/٣ (٦٠٠٦)، (٦٠٠٧).
(٣) ((التاريخ الكبير)) ٣٧٨/٣ (١٢٧١).
(٤) ((تاريخ دمشق)) ٢٣٩/٣١، وانظر ترجمة مصدع في ((تهذيب الكمال)) ١٤/٢٨
(٥٩٧٨).

٣٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وهذا كله لا حجة لهم فيه؛ لأن ما ذكروا من الأحاديث ليس في شيء
منها إسقاط الكفارة ولا إيجابها، كما أنه ليس فيها ذكر للتوبة أصلًا،
وإنما فيها الوعيد الشديد بالعقاب.
قال ابن حزم: وبالحس والمشاهدة ندري نحن ومن خالفنا أن
الحالف باليمين الغموس لا يسمى مستلجًّا في أهله، فبطل احتجاجهم
في إسقاط الكفارة.
وأما حديث حماد بن سلمة وسفيان فطريق سفيان لا يصح، ولئن
صحت طريق حماد فليس فيها لإسقاط الكفارة ذكر، وإنما فيه أن الله
قد غفر له بالإخلاص فقط، وليس كل شريعة توجد في كل حديث،
ولا شك في أنه مأمور بالتوبة من تعمد الحلف على الكذب، وليس
في الخبر لها ذكر، فإن كان سكوته وَلّ عن ذكر الكفارة حجة في
سقوطها، فسكوته عن ذكر التوبة حجة في سقوطها ولا بد، وهم
لا یقولون بهذا .
فإن قالوا: قد أمر بالتوبة في نصوص أخر. قلنا: وكذلك أمر
بالكفارة في نصوص أخر، فإن احتجوا بقوله: ((لا أحلف على
يمين ... )) الحديث.
قلنا: لا حجة لكم فيه، لأن الكفارة عندنا وعندهم تجب في غير
الصورة، وهو من حلف على يمين فرأى غيرها شرًّا منها ففعل الذي
هو شر فإن الكفارة عندنا وعندهم واجبة عليه في ذلك.
قال: وأما قولهم هي أعظم من أن تكفر، فمن أين لهم هذا؟ وأين
وجدوه؟ وهل هذا إلا بحكم منهم فيعارضون بأن يقال لهم كل ذنب
عظيم كان صاحبه أحوج إلى الكفارة، وكانت أوجب عليه منها
فيما ليس ذنبًا أصلًا، أو فيما هو صغير من الذنوب، هذا المتعمد في