Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
كِتَابُ الأَيْمَانِ والنُّذُورِ
=
٥- باب لَا يُحْلَفُ بِاللّاتِ وَالْعُزِى وَلَا بِالطَّوَاغِيتِ
٦٦٥٠- حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ نُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾، عَنِ النَّبِيِّ وَّرْ قَالَ: (مَنْ
حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: بِاللَّاتِ وَالْعُزىُ. فَلْيَقُلْ: لا إله إِلَّ اللهُ. وَمَنْ قَالَ
لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أَقَامِرْلَكَ. فَلْيَتَصَدَّقْ)). [انظر: ٤٨٦٠- مسلم: ١٦٤٧ - فتح ٥٣٦/١١]
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َُهُ، عَنِ النَّبِيِّ نَلَ قَالَ: ((مَنْ حَلَفَ فَقَالَ
فِي حَلِفِهِ: بِاللَّاتِ وَالْعُزى. فَلْيَقُلْ: لَا إله إِلَّا اللهُ. وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ
أُقَامِرْكَ. فَلْيَتَصَدَّقْ)). وقد سلف.
وقوله ((لا إله إلا الله)) هو كفارة لما أتى به من المعصية.
وقيل: إنما هذا إذا كان هذا القول منه خطأ .
ومعنى الحديث الآخر: ((من حلف بملة غير الإسلام فهو كما
قال))(١)، يريد: متعمدًا، وكذلك هو موجود في بعض الروايات. وقيل:
لئلا يمضي عليه وقتان على هذِه المعصية، (فيخل)(٢) ذلك بقوله:
((لا إله إلا الله)) وجعل الصدقة كفارة لقوله ((أقامرك)) وإن لم يفعله.
قال المهلب: كان أهل الجاهلية قد جرى على ألسنتهم الحلف
باللات والعزى، فلما أسلموا ربما جروا على عادتهم بذلك من غير
قصد منهم، فكان من حلف بذلك فكأنه قد راجع حالةً من حالة
الشرك، وتشبه بهم في تعظيمهم غير الله، فأمر الشارع من عرض له
(١) سلف برقم (١٣٦٣) كتاب الجنائز، باب: ما جاء في قاتل النفس، من حديث
ثابت بن الضحاك عك. ورواه مسلم عنه أيضًا برقم (١١٠) كتاب الإيمان، باب:
غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه.
(٢) في (ص٢): فيجعل.

٢٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ذلك بتجديد ما أنساهم الشيطان أن يقولوا: لا إله إلا الله، فهو كفارة له
إذ ذاك براءة من اللات والعزى، ومن كل ما يعبد من دون الله.
قال الطبري: وقول ذلك واجب مع إحداث التوبة، والندم على
ما قال من ذلك، والعزم على ألَّا يعود، فلا يعظم غير الله.
وقد روى أبو إسحاق السبيعي، عن مصعب بن سعد، عن أبيه،
قال: حلفت باللات والعزى، فقال أصحابي: ما نراك قلت إلا هجرًا،
فأتيت رسول الله وَلّ فقلت: إن العهد كان قريبًا، فحلفت باللات
والعزى، فقال: ((قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك،
وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، ثلاث مرات، وانفث عن
شمالك ثلاثًا، وتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ولا تعد))(١).
قال الطبري: وفيه الإبانة: أن كل من أتى أمرًا يكرهه الله تعالى، ثم
أتبعه من العمل بما يرضاه الله ويحبه بخلافه، وندم عليه، وترك العودة
له؛ فإن ذلك واضع عنه وزر عمله، وماح إثم خطيئته، وذلك كالقائل
يقول: كفر بالله إن فعل كذا، فالصواب له أن يندم على قوله ندامة
سعد على حلفه، وأن يحدث من قول الحق خلاف ما قال من
الباطل، وكذلك أعمال الجوارح، كالرجل يهم بركوب معصية، فإن
توبته ترك العزم عليه، والانصراف عما هم به، وأن يهم بعمل طاعة
الله مكان همه بالمعصية، كما قال العليا لمعاذ في وصيته: ((إذا عملت
سيئة، فأتبعها بحسنة تمحها))(٢).
(١) رواه النسائي ٧/٧-٨.
(٢) رواه أحمد ٢٢٨/٥، والطبراني في ((الصغير)) ٣٢٠/١ (٥٣٠) والبيهقي في
(الشعب)) ٤٠٥/١ (٥٤٨).
وحسنه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٩٧).

٢٦٣
كِتَابُ الأَيْمَانِ والنُّذُورِ
=
قال غيره: والأمر بالصدقة في الثاني محمول عند الفقهاء على
الندب، بدليل أن مريد المعصية ولم يفعلها، فليس عليه صدقة
ولا غيرها، بل تكتب له حسنة، كما رواه ابن عباس مرفوعًا (١).
وروى أبو هريرة مرفوعًا: ((من هم بسيئة فلم يعملها لم يكتب عليه
شيء))(٢).
واحتج ابن عباس لروايته بقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جََّانِ
٤٦
[الرحمن: ٤٦] قال: هو العبد يهم بالمعصية، ثم يتركها من خوف الله(٣).
و(سبق) (٤) زيادة في معنى هذا الحديث في آخر كتاب الاستئذان، في
باب: كل لهو باطل إذا اشتغل عن طاعة الله.
فصل :
والطاغوت في الترجمة قد اختلف السلف في معناه، أهو الشيطان
كما قاله عمر ومجاهد والشعبي وقتادة وجماعة، أو الساحر كما روي عن
أبي العالية وابن سيرين وغيرهما، أو الكاهن كما روي عن جابر
وسعيد بن جبير(٥).
(١) سلف برقم (٦٤٩١) كتاب الرقاق، باب: من هم بحسنة أو بسيئة ورواه مسلم برقم
(١٣١) كتاب الإيمان، باب: إذا هم العبد بحسنة.
(٢) سيأتي برقم (٧٥٠١) كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُواْ
كَلَمَ اللَّهِ﴾ ولمسلم برقم (١٢٨)، كتاب الإيمان، باب: إذا هم العبد بحسنة
كتبت، وإذا هم بسيئة لم تكتب.
(٣) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٩٩/٦-١٠١.
(٤) من (ص٢)، وفي الأصل: (ستأتي)، وورد في هامشه: أعلم أن كتاب الاستئذان
تقدم، وكذا الباب فيه، فاعلمه.
(٥) رواه الطبري في ((تفسيره)) ١٩/٣-٢٠ (٥٨٣٥)، (٥٨٣٧)، (٥٨٣٨)، (٥٨٤٠)،
(٥٨٤٢)، (٥٨٤٣)، (٥٨٤٤).

٢٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قال الطبري: وهو عندي فعلوت من الطغيان، كالجبروت من
الجبر، والخلبوت من الخلب، قيل ذلك لكل من طغى على ربه تعالى،
فعبد من دونه، إنسانًا كان ذلك الطاغي أو شيطانًا أو صنمًا(١).
(١) السابق ٢١/٣.

٢٦٥
كِتَابُ الْأَيْمَانِ والنُّذُورِ
=
٦- باب مَنْ حَلَفَ عَلَى الشَّيْءٍ وَإِنْ لَمْ يُحَلَّفْ
٦٦٥١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَّ أَصْطَنَعَ خَاتَمَا مِنْ ذَهَبٍ وَكَانَ يَلْبَسُهُ، فَيَجْعَلُ فَصَّهُ فِي بَاطِنِ كَفِّهِ،
فَصَنَعَ النَّاسُ [خَوَاتِيمَآ ثُمَّ إِنَّهُ جَلَسَ عَلَى اِنْبَرِ فَنَزَعَهُ فَقَالَ: ((إِنِّي كُنْتُ أَلْبَسُ هذا
الخَاتِمَ وَأَجْعَلُ فَصَّهُ مِنْ دَاخِلٍ)). فَرَمَى بِهِ ثُمَّ قَالَ: ((والله لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا)). فَنَبَذَ
النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ. [انظر: ٥٨٦٥- مسلم: ٢٠٩١ - فتح ١١ / ٥٣٧]
ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ رضي الله عنهما أَنه ◌َِّ أَصْطَنَعَ خَاتَمًا مِنْ
ذَهَب وَكَانَ يَلْبَسُهُ، فَيَجْعَلُ فَصَّهُ فِي بَاطِنِ كَفِّهِ، فَصَنَعَ النَّاسُ، ثُمَّ إِنَّهُ
جَلَسَ عَلَى المِنْبَرِ فَتَزَعَهُ فَقَالَ: ((إِنِّي كُنْتُ أَلْبَسُ هذا الخَاتِمَ وَأَجْعَلُ
فَصَّهُ مِنْ دَاخِلٍ)). فَرَمَى بِهِ ثُمَّ قَالَ: ((والله لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا)). فَنَبَذَ النَّاسُ
خَوَاتِیمَهُمْ .
وقد سلف.
ولغات الخاتم سلفت، والفص واحد الفصوص، والعامة تقول:
فص بالكسر، قاله في ((الصحاح)) (١).
وقوله: (فرمى به)، قيل: يحتمل أن يكون أذن له فيه، ثم نسخ
ذلك، أو تكون الأشياء على الإباحة حتى تنتهي. وقوله: (رمى به)
أي: لم يستعمله، ليس أنه أتلفه؛ لنهيه عن إضاعة المال.
وقوله: ((لا ألبسه أبدًا))) أراد بذلك تأكيد الكراهة في نفوس الناس
بيمينه؛ لئلا يتوهم الناس أن كرهه لمعنى، فإن زال ذلك المعنى لم يكن
بلبسه بأس، فأكد بالحلف أن لا يلبسه على جميع وجوهه.
(١) ((الصحاح)) ١٠٤٨/٣، مادة (قصص).

٢٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وفيه من الفقه: أنه لا بأس بالحلف على ما يحب المرء تركه،
أو على ما يحب فعله من سائر الأفعال.
قال المهلب: وإنما كان العلّة يحلف في تضاعيف كلامه، وكثير من
فتواه، متبرعًا بذلك لينسخ ما كانت الجاهلية عليه من الحلف بآبائها
وآلهتها والأصنام وغيرها، ليعرفهم أن لا محلوف به إلا الله،
وليتدربوا على ذلك، حتى ينسوا ما كانوا عليه من الحلف بغير الله(١).
(١) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٦/ ١٠٢.

٢٦٧
= ڪِتَابُ الأَيْمَانِ والنُّذُورِ
٧- باب مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوى الإِسْلَامِ
وَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((مَنْ حَلَفَ بِاللَّاتِ وَالْعُزىُ فَلْيَقُلْ: لَا إله
إِلَّا اللهُ)). وَلَمْ يَنْسُبْهُ إِلَى الكُفْرِ. [انظر: ٤٨٦٠]
٦٦٥٢- حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ
ثَابِتِ بْنِ الضَّخَّاكِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ مِلَّةِ الإِسْلَام فَهْوَ كَمَا
قَالَ. قَالَ: وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَلَعْنُ المُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ،
وَمَنْ رَمَىْ مُؤْمِنَا بِكُفْرٍ فَهْوَ كَقَتْلِهِ)). [انظر: ١٣٦٣ - مسلم: ١١٠ - فتح ١١/ ٥٣٧]
ذكر فيه حديث ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ﴾ قَالَ: قَالَ رسول اللهِوَالَ: (مَنْ
خَلَفَ بِغَيْرِ مِلَّةِ الإِسْلَامِ فَهْوَ كَمَا قَالَ. قَالَ: وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ
فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَلَعْنُ المُّؤْمِنِ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهْوَ كَقَتْلِهِ)). وقد
سلف .
ويشبه أن يريد بالأول ما في ((مصنف ابن أبي شيبة)): حدثنا عبد الله،
ثنا إسرائيل، عن أبي مصعب، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، قال:
حلفت باللات والعزى، فأتيت النبي ◌َّ فقلت: إني حلفت باللات
والعزى، فقال: ((قل: لا إله إلا الله ثلاثًا، وانفث عن شمالك ثلاثًا،
وتعوذ بالله من الشيطان، ولا تعد)) (١) وقد أسلفناه في الباب قبله (٢).
وحديث أبي هريرة عن عبد بن المنذر مرفوعًا: ((من حلف فقال في
حلفه: واللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله))(٣).
(١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٣/ ٨٠.
(٢) سلف برقم (٦٦٥٠) من حديث أبي هريرة.
(٣) سلف برقم (٤٨٦٠) كتاب التفسير، باب: ﴿أَفَهَيُّ الَّتَ وَالْعُزَّى
الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة مرفوعًا.
﴾ عن

٢٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وأخرجه ابن أبي عاصم بإسناد جيد.
قال المهلب: قوله ((فهو كما قال)) يعني: هو كاذب في يمينه لا كافر؛
لأنه لا يخلو أن يعتقد الملة التي حلف بها، فلا كفارة له إلا الرجوع إلى
الإسلام، أو يكون معتقدًا للإسلام بعد الحنث فهو كاذب فيما قاله،
بمنزلة من حلف يمين الغموس لا كفارة عليه؛ إلا من حلف باللات
والعزى، فليقل: لا إله إلا الله ولم ينسبه إلى الكفر(١).
وقال ابن التين: قوله: ((فهو كما قال)) يريد إذا كان معتقدًا لها.
قال ابن المنذر: وفسر ابن المبارك الكفر في هذه الأحاديث، المراد
به: التغليظ، وليس الكفر، كما روي عن ابن عباس في قوله تعالى:
﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] أنه
لیس کمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله(٢) .
وكذلك قال عطاء: كفر دون كفر، وفسق دون فسق، وظلم دون
ظلم (٣)، وكما قال العَيْ (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) (٤) أي: كفر
بما أمر به أن لا يقتل بعضهم بعضا .
قال غيره: والأمة مجمعة أن من حلف باللات والعزى، فلا كفارة
عليه، فكذلك من حلف بما سوى الإسلام لا فرق بينهما .
ومعنى الحديث: النهي عن الحلف بما حلف من ذلك، والزجر
(١) انظر: ((شرح ابن بطال)) ١٠٢/٦-١٠٣.
(٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٥٩٦/٤ (١٢٠٥٨).
(٣) السابق ٤ /٥٩٦ (١٢٠٦١).
(٤) سلف برقم (٤٨)، كتاب الإيمان، باب: خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو
لا يشعر، ورواه مسلم برقم (٦٤) كتاب: الإيمان، باب: بيان قول النبيِ وَّل
(سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)).

٢٦٩
كِتَابُ الأَيْمَانِ والنّذَورِ
=
عنه، فإن ظن ظان أن في هذا الحديث دليلًا على إباحة الحلف بملة غير
الإسلام صادقًا؛ لاشتراطه في هذا الحديث أن يحلف بذلك كاذبًا .
قيل: ليس كما توهمت؛ لورود نهي الشارع عن الحلف بغير الله نهيًا
مطلقًا، فاستوى الكاذب والصادق في النهي، وقد تقدم معنى هذا
الحديث في آخر الجنائز في باب: قاتل النفس، وسلف زيادة في بيانه
في كتاب: الأدب في باب: من كفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال(١).
فصل :
وقوله: ( ((من قتل نفسه بشيء عذب به في نار جهنم)) ) هو على
الوعيد، والله تعالى فيه بالخيار.
وقوله: ( ((لعن المؤمن كقتله)) ) ليسا في الفعل سواء، وإنما يريد
أنهما حرام.
وقيل: يريد المبالغة في الإثم، فالشيء يسمى باسم الشيء للمقاربة
كقوله: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)»(٢) فيه تأويلان.
وقال المهلب: هو معنى قول الطبري: اللعن في اللغة: هو الإبعاد،
فمن لعن مؤمنًا فكأنه أخرجه من جماعة الإسلام، فأفقدهم منافعه،
وتكثير عددهم، فكأنه كمن أفقدهم منافعه بقتله. ويفسر هذا قوله
للذي لعن ناقته: ((انزل عنها فقد أجيبت دعوتك))(٣) فسرحها، ولم
(١) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٦/ ١٠٣.
(٢) سلف برقم (٢٤٧٥) كتاب: المظالم، باب: النهبى بغير إذن صاحبه.
ورواه مسلم برقم (٥٧) كتاب: الإيمان، باب: بيان نقصان الإيمان بالمعاصي.
(٣) رواه مسلم (٣٠٠٩) من حديث عبادة بن الصامت بلفظ: ((انزل عنه، فلا تصاحبنا
بملعون)). ورواه الخرائطي في ((مساوئ الأخلاق)) ص ٤٥ (٧٣) من حديث أبي
هريرة، بلفظ ((أخرها عنا فقد استجيب لك))

٢٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ينتفع بها أحد بعد ذلك، فأفقد منافعها لما أجيبت دعوته، فكذلك يخشى
أن تجاب دعوة اللاعن فيهلك الملعون.
(والتأويل الثاني)(١) أن الله تعالى حرم لعن المؤمن، كما حرم قتله،
فهما سواء في التحريم، وهذا يقتضي تحذير لعن المؤمن والزجر عنه؛
لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا اُلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] فأكد حرمة
الإسلام وشبهها بحرمة النسب.
وكذلك معنى قوله: «من رمی مؤمنًا بكفر فهو كقتله)) يعني في تحریم
ذلك عليه .
فإن قيل: هذا التأويل يعارض ما ثبت عن رسول الله وَيقول أنه لعن
جماعة من المؤمنين، فلعن المخنثين من الرجال، ولعن شارب
الخمر، ولعن غيره، ولعن المصورين، ولعن من غير تخوم الأرض،
ولعن من أنتمى إلى غير مواليه، ومن أنتسب إلى غير أبيه، ولعن من
سب والديه، وجماعة سواهم.
قيل: لا تعارض في شيء من ذلك، والمؤمنون الذين حذر رسول
الله ◌َّ لعنهم، هم غير من لعنهم، فنهى عن لعن من لم يظهر الكبائر،
ولا أستباح ركوب ما نهى الله عنه، وأمر بموالاتهم، ومؤاخاتهم في الله،
والتودد إليهم.
ولعن الَّ من خالف أمره، واستباح نهيه، وأمر بإظهار التكبر
عليهم، وترك موالاتهم، والانبساط إليهم، والرضى عن أفعالهم.
فالحديثان مختلفان، فلا تعارض (٢).
(١) في (ص٢): فيه تأويل.
(٢) انظر: ((شرح ابن بطال)) ١٠٤/٦-١٠٥.

٢٧١
كِتَابُ الأَيْمَانِ والنُّذُورِ
فصل :
واختلف العلماء في الرجل يقول: أكفر بالله، وأشرك بالله، ثم
يحنث، فقال مالك: لا كفارة عليه، وليس بكافر، ولا مشرك، حتى
يكون قلبه مضمرًا على الشرك والكفر، وليستغفر الله تعالى، وينسَ
ما صنع، وهو قول عطاء، ومحمد بن علي، وقتادة، وبه قال الشافعي،
وأبو ثور، وأبو عبيد. وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي:
من قال: هو يهودي، أو نصراني، أو قال: أشركت بالله، أوبرئت من
الله، أو من الإسلام فهو يمين، وعليه الكفارة إن حنث؛ لأنه تعظيم
الله، فهو كاليمين بالله، وبه قال أحمد وإسحاق (١)، كما قدمنا ذلك
في فصل مفرد.
وممن رأى الكفارة على من قال ذلك: ابن عمر وعائشة، والحكم
(على)(٢) من أسلفناه هناك.
قال ابن المنذر: وقول من لم يرها يمينًا أصح، لقوله الشئالا: (من
حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله)) ولم يأمر بكفارة(٣) .
قال ابن القصار: ولقوله الكلية: ((من حلف بملة غير الإسلام فهو
كما قال)). ومعناه: النهي عن مواقعة ذلك اللفظ، والتحذير منه، لا أنه
يكون كافرًا بالله بقوله ذلك. قال ابن القصار: وإنما أراد التغليظ في هذِه
الأيمان حتى لا يجترئ عليها أحد، وكذلك قال ابن عباس، وأبو هريرة،
والمسور*، ثم تلاهم التابعون، فلم يوجبوا على من أقدم عليها كفارة.
(١) أنظر: ((الإشراف)) ٢٤٣/٢-٢٤٤.
(٢) في (ص٢): غير.
(٣) السابق ٢٤٤/٢.

٢٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قال: وأما قولهم: إذا قال: أنا يهودي فقد عظم الإسلام، وأراد
الامتناع من الفعل، فالجواب أنهم يقولون: كما لو قال: وحق
القرآن، وحق المصحف، ثم حنث، أنه لا كفارة عليه، وفي هذا من
التعظيم الله وللإسلام ما ليس لما ذكروه، فسقط قولهم.
وأيضا فإنه إذا قال: هو يهودي، أو كفر بالله، فليس من طريق
التعظيم، وإنما هو من الجرأة، والإقدام على المحرمات كالغموس،
وسائر الكبائر، وهي أعظم من أن تكون فيها كفارة(١).
فصل :
قوله: (ولم ينسبه إلى الكفر) هو بضم السين، وكذا هو في اللغة.
قال الجوهري: نسبت الرجل: أنسُبُهُ بالضم، نِسبة، ونَسَبًا، إذا
ذكرت نسبه، ونسب الشاعر بالمرأة، ينسِب بالكسر إذا شبب بها(٢).
فصل :
وقوله: ((ومن رمى مؤمنًا بكفر فهو كقتله))). قيل: يعني في الحرمة،
وقيل: يعني إذا نسب ذلك إليه وادعاه، وليس هو كذلك، وقد سلف
مبسوطًا .
(١) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ١٠٥/٦-١٠٦.
(٢) ((الصحاح)) ٢٢٤/١، مادة (نسب).

٢٧٣
= كِتَابُ الأَيْمَانِ والنُّذُورِ
٨- باب لَا يَقُولُ: مَا شَاءَ اللّهُ وَشِئْتَ
وَهَلْ يَقُولُ: أَنَا بِاللهِ ثُمَّ بِكَ؟
٦٦٥٣ - وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عَاصِم: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ◌َلِّ يَقُولُ: ((إِنَّ ثَلَاثَةً فِي
بَنِي إِسْرَائِيلَ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ مَلَكًّا فَأَتَى الأَبْرَصَ فَقَالَ: تَقَطَّعَتْ بِي
الحِبَالُ، فَلَا بَلَاغَ لِي إِلَّا بِاللهِ ثُمَّ بِك)). فَذَكَرَ الحَدِيثَ. [انظر: ٣٤٦٤ - مسلم: ٢٩٦٤-
فتح ١١ / ٥٤٠]
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ: ثَنَا هَمَّامٌ، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثَنَا عَبْدُ
الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ عُ حَدَّثَّهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيِّ نَّهِ يَقُولُ:
((إِنَّ ثَلَاثَةً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ إليهم مَلَكًا فَأَنَى
الأَبْرَصَ فَقَالَ: تَقَطَّعَتْ بِي الحِبَالُ، فَلَا بَلَاغَ لِي إِلَّا باللهِ ثُمَّ بِكَ)).
فَذَكَرَ الحَدِيثَ في الأقرع والأعمى أيضًا المذكور في بني إسرائيل،
وهناك أسنده، فقال: حدثنا أحمد بن إسحاق، ثنا عمرو بن عاصم،
وحدثنا محمد، ثنا عبد الله بن رجاء، قالا: ثنا همام به .
قال المهلب: وإنما أراد البخاري أن يخبر بـ (ما شاء الله ثم شئت)
استدلالاً من قوله القَلْهي في حديث أبي هريرة: ((فلا بلاغ لي إلا بالله ثم
بك)) وإنما لم يجز أن يقول: ما شاء الله وشئت؛ لأن الواو تشرك بين
المشيئين جميعًا. وقد روي هذا المعنى عن رسول الله وَالل أنه قال:
((لا يقولن أحدكم ما شاء الله وشاء فلان، ولكن ليقل: ما شاء الله ثم
ما شاء فلان))(١) وإنما جاز دخول (ثم) مكان الواو؛ لأن مشيئة الله
(١) رواه أبو داود (٤٩٨٠)، وأحمد ٣٨٤/٥ من حديث حذيفة بلفظ: لا تقولوا.

٢٧٤
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
تعالى متقدمة على مشيئة خلقه، قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ
اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] فهذا من الأدب، وذكر عبد الرزاق، عن إبراهيم
النخعي أنه (قال: لا نرى)(١) بأسًا أن يقول: ما شاء الله ثم شئت،
وكان يكره أن يقول: أعوذ بالله وبك، حتى يقول: ثم بك(٢) . (والحديث
في ذلك)(٣)(٤) رواه محمد بن بشار، ثنا أبو أحمد الزبيري، ثنا مسعر
(عن)(٥) معبد بن خالد، عن عبد الله بن يسار، عن قتيلة - أمرأة من
جهينة- قالت: جاء يهودي إلى رسول الله وَلل فقال: إنكم تشركون،
وإنكم تجعلون لله ندًّا، تقولون: والكعبة، وتقولون: ما شاء الله
وشئت، فأمرهم رسول الله وَله إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا:
(ورب الكعبة)) وأمرهم أن يقولوا: ((ما شاء الله ثم شئت)) (٦) .
وهذا الحديث رأي البخاري، ولم يكن من شرطه، فترجم به،
واستنبط معناه من حديث أبي هريرة (٧).
(١) في (ص٢): أنه كان لا يرى.
(٢) ((مصنف عبد الرزاق)) ٢٧/١١ (١٩٨١١، ١٩٨١٢).
(٣) من (ص٢).
(٤) ورد بهامش الأصل: هذا الحديث في النسائي في الأيمان والنذور وفي اليوم
والليلة عن يوسف بن عيسى، عن الفضل بن موسى، عن مسعر به. وعن أحمد بن
حفص، عن أبيه عن إبراهيم بن طهمان، عن مغيرة به بنحوه. اهـ قلت: هو في
النسائي ٦/٧.
(٥) في الأصل: بن. والصواب ما أثبتناه، أنظر: ((تحفة الإشراف)) (١٨٠٤٦).
(٦) رواه النسائي ٧/ ٦ من طريق يوسف بن عيسى، عن الفضل بن موسى، عن مسعر
قال ابن حجر في ((الإصابة)) ٣٨٩/٤ (٨٨٦): سنده صحيح.
ورواه الطبراني في ((الكبير)) ١٣/٢٥ من طريق محمد بن النضر وعمر بن حفص،
عن عاصم بن علي، عن المسعودي، عن معبد به.
(٧) انظر: ((شرح ابن بطال)) ١٠٦/٦ -١٠٧.

٢٧٥
= كِتَابُ الأَيْمَانِ والنُّذُورِ
وقال الداودي: ليس في هذا نهي أن لا يقول: بالله وبك. قال
تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوْاْ إِلَّ أَنْ أَغْتَدُهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ مِن فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٤]،
وقال: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧]،
وقال: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] والابتلاء: الاختبار.
وفيه: أن الملائكة تكلم غير الأنبياء؛ إلا أن المتكلم ربما يعرف أن
الذي يكلمه ملك. واعترضه ابن التين، فقال: ما ذكره ليس بظاهر؛ لأن
قوله: ما شاء الله وشئت، يشارك الله في مشيئه، وجعل الأمر مشتركًا بينه
وبين الله في المشيئة، وليس كذلك الآي التي ذكرها؛ لأنه إنما شاركه في
الإنعام، أنعم الله على زيد بن حارثة بالإسلام، وأنعم عليه الشارع
بالعتق، وإنما الذي يمنع أن تقول: ما شاء الله وشئت توقع المشاركة
في المشيئة، وهي منفردة لله سبحانه حقيقة، ومجازًا لغيره.
(فصل :
قوله: ((تقطعت بي الحبال))) الذي نحفظه بالحاء. قال ابن التين:
رويناه ((بالجبال)) وفي رواية أخرى بالخاء، وهو أشبه)(١).
(١) من (ص٢).

٢٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٩- باب قَوْلِ اللّهِ تَعَالَى:
﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَِمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩]
وَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ أَبُو بَكْرِ: فَوَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللهِ لَتُحَدِّثَنِّي
بِالَّذِي أَخْطَأْتُ فِي الرُّؤْيَا. قَالَ: ((لَا تُقْسِمْ)). [انظر: ٧٠٤٦]
٦٦٥٤- حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ
مُقَرِّنٍ، عَنِ البَرَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِ.
وَحَدَّثَنِي نُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، حَدَّثَنَا غُنْدَرْ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ
سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ، عَنِ البَرَاءِ عَّهُ قَالَ: أَمَرَنَا النَّبِيُّ وََّ بِإِبْرَارِ المُقْسِمِ. [انظر: ١٢٣٩-
مسلم: ٢٠٦٦ - فتح ١١/ ٥٤١]
٦٦٥٥ - حَدَّثَنَا حَقْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، أَخْبَرَنَا عَاصِمُ الأَحْوَلُ، سَمِعْتُ أَبَا
عُثْمَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أُسَامَةَ، أَنَّ ابنةَ لِرَسُولِ اللهِ وَّهِ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ - وَمَعَ رَسُولِ اللهِ و ◌َل
أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَسَعْدٌ وَأُبَى - أَنَّ: ابنيٍ قَدِ أَخْتُضِرَ فَاشْهَدْنَا. فَأَرْسَلَ يَقْرَأُ السَّلَامَ
وَيَقُولُ: ((إِنَّ لله مَا أَخَذَ وَمَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ مُسَمَّى، فَلْتَصْبِرْ وَتَحْتَسِبْ)).
فَأَزْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ، فَقَامَ وَقُمْنَا مَعَهُ، فَلَمَّا قَعَدَ رُفِعَ إِلَيْهِ، فَأَقْعَدَهُ فِي حَجْرِهِ
وَنَفْسُ الصَّبِيِّ تَقَعْقَعُ، فَفَاضَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَقَالَ سَعْدٌ: مَا هذا يَا رَسُولَ
اللهِ؟ قَالَ: ((هذا رَحْمَةٌ يَضَعُهَا اللهُ فِي قُلُوبٍ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ
اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ)). [انظر: ١٢٨٤ - مسلم: ٩٢٣ - فتح ١١/ ٥٤١]
٦٦٥٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ، عَنِ ابنِ المُسَيَّبِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ بِهِ قَالَ: ((لَا يَمُوتُ لأَحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنَ
الوَلَدِ تَمَسُّهُ النَّارُ، إِلَّا تَحِلَّةَ القَسَم)). [انظر: ١٢٥١ - مسلم: ٢٦٣٢ - فتح ١١ / ٥٤١]
٦٦٥٧- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّىَ، حَدَّثَنِي غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ
خَالِدٍ، سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ نََّ يَقُولُ: ((أَلَا أَدُلَّكُمْ عَلَى أَهْلِ
الجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَغَّفٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ، وَأَهْلِ النَّارِ كُلَّ جَوَّاظٍ

٢٧٧
كِتَابُ الأَيْمَانِ والنُّذُورِ
عُثُلٌّ مُسْتَكْبِرٍ)). [انظر: ٤٩١٨- مسلم: ٢٨٥٣ - فتح ١١ / ٥٤١]
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: قال أبو بكر : فوالله يا رسول
الله لتحدثني بالذي أخطأت في الرؤيا، (قال: ((لا تقسم)))(١). يريد
البخاري بذلك: ما رواه في كتاب: التعبير مسندًا(٢).
وذكره ابن أبي عاصم بإسناد جيد إلى عبيد الله بن عبد الله، عن
ابن عباس، قال: كان أبو هريرة ﴾ يحدث أن رجلًا من الأنصار
قال: يا رسول الله رأيت كأن ظلة .. الحديث من مسند أبي هريرة(٣).
والذي أخطأ فيه أبو بكر: هو تقدمته(٤) بين يدي رسول الله رَّهِ، وقد
أصاب في عبارته، واستحى رسول الله وَّر أن يقول له: أخطأت في
تقدمتك بین یدي.
ثم ساق فيه أحاديث:
أحدها: حديث البَرَاءِ: أَمَرَنَا النَّبِيُّ وَّه بِإِبْرَارِ المُقْسِمِ.
ثانيها: حديث أُسَامَةَ بن زيد أَنَّ ابنةً لِرَسُولِ اللهِ وَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ
- وَمَعَه أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَسَعْدٌ وَأُبَى - أَنَّ ابني قَدِ أَحْتُضِرَ فَاشْهَدْنَا. فَأَرْسَلَ
يَقْرَأُ السَّلَامَ وَيَقُولُ: ((إِنَّ لله مَا أَخَذَ وَمَا أَعْطَى))، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ،
فَقَامَ وَقُمْنَا مَعَهُ .. الحديث.
ثالثها: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَِّ قَالَ: ((لَا يَمُوتُ لأَحَدٍ
مِنَ المُسْلِمِينَ ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ تَمَسُّهُ النَّارُ، إِلَّا تَحِلَّةَ القَسَم)».
(١) من (ص٢).
(٢) سيأتي برقم (٧٠٤٦)، باب: من لم ير الرؤيا لأوَّل عابر إذا لم يصب.
(٣) ((السنة)) ٧٦٧/٢ (١١٧٧).
(٤) ورد بهامش الأصل: هذا قول من أقوال، والصحيح خلافه، فإنه لم يعبر إلا بإذنه

٢٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
رابعها: حديث حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَهِ يَقُولُ:
(أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ الجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعَّفٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ
لِأَبَرَّهُ، وَأَهْلِ النَّارِ كُلِّ جَوَّاظٍ عُثُلَّ مُسْتَكْبِرٍ)).
وسلف في التفسير(١).
فصل :
من روى (بإبرار المقسم) بفتح السين، فمعناه: بإبرار الإقسام؛ لأنه
قد يأتي المصدر على لفظ المفعول، كقوله: أدخلته مدخَلًا، بمعنى:
إدخال، وأخرجته مخرجًا، بمعنى: إخراج.
فصل :
قال المهلب: قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ﴾ [الأنعام:
١٠٩] دليل على أن الحلف بالله أكبر الأيمان كلها؛ لأن الجهد:
(شدة)(٢) المشقة(٣).
فصل :
اختلف العلماء في قول الحالف: أقسمت بالله، على أقوال سلفت
في باب: لا تحلفوا بآبائكم.
وقال مالك: أقسم، لا يكون يمينًا حتى يقول: بالله، أو ينوي به
اليمين، فإن لم ينو فلا شيء عليه (٤). وروي مثله عن الحسن، وعطاء،
وقتادة، والزهري. وقال الشافعي: أقسم: ليست بيمين، وإن نواها،
(١) سلف برقم (٤٩١٨) باب:
بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ
﴿عُثُلّ
(٢) من (ص٢).
(٣) انظر: ((شرح ابن بطال)) ١٠٨/٦.
(٤) ((المدونة الكبرى)) ٣٠/٢.

٢٧٩
كِتَابُ الأَيْمَانِ والنُّذُورِ
=
بخلاف أقسم بالله، فإنها يمين إن نواها (١)، وروى عنه الربيع أنه إذا
قال: أقسم، ولم يقل: بالله، فهو كقوله: والله (٢).
واحتج الكوفيون برواية من روى في حديث أبي بكر : أقسمت
عليك يا رسول الله لتحدثني، فقال العمليه: ((لا تقسم)) وبحديث البراء
في الباب، قالوا: ولم يقل بالله. وبحديث أسامة بن زيد أيضًا:
أرسلت تقسم عليه، ولم يقل: بالله. وبقوله: ((لو أقسم على الله
لأبره)»، ولم يأت في شيء من الأحاديث ذكر اسم الله، قالوا: وقد
جاء [في القرآن](٣) ذكر اسم الله مع القسم في موضع، ولم يأت في
موضع آخر؛ اكتفاء بما دل عليه اللفظ. قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ
جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] فذكر اسمه تعالى. وقال تعالى: ﴿إِذْ
أَقْتَمُوْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: ١٧] فحذف أسمه تعالى، فدل أن أحد
الموضعين يفيد ما أفاده الآخر(٤).
وقال السيرافي: لا تكون (أقسم)(٥) إلا يمينًا لدخول اللام في
جوابها، ولو كانت غير يمين لما دخلت اللام في الجواب؛ لأنك
لا تقول: ضربت لأفعلن، كما تقول: أقسمت لأفعلن. وحجة مالك
قوله القَّ: ((الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)) (٦) ومن لم ينو
اليمين، فلا يمين له. وأيضًا فإن العادة جرت بأن يحلف الناس على
ضروب، فمنها اللغو، يصرحون فيه باسم الله تعالى، ثم لا تلزمهم
(١) ((الأم)) ٧ / ٥٥- ٥٦.
(٢) ((مختصر اختلاف العلماء)) ٢٣٧/٣-٢٣٨.
(٣) ليست في الأصل، والمثبت من ((شرح ابن بطال)).
(٤) ((شرح معاني الآثار)) ٢٦٩/٤-٢٧١.
(٥) من (ص٢).
(٦) سلف برقم (١) كتاب: بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله وَله.

٢٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الكفارة لعدم قصدهم إلى الأيمان، فالموضع الذي عدم فيه التصريح
والقصد أولى أن لا تجب فيه كفارة. قاله ابن القصار.
قال: وقال أصحاب الشافعي: اليمين تكون يمينًا؛ لحرمة اللفظ،
وإذا قال: أقسمت، فلا لفظ هنا له حرمة. وكل ما احتج به الكوفيون
فهو حجة على غيره.
قال ابن القصار: ويقال له: قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ
أَيْمَنِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] فوصل القسم باسمه تعالى، فكان يمينًا، وقال
في موضع آخر: ﴿إِذْ أَقَْمُوْ لَيَصْرِمُنَهَا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: ١٧] فأطلق القسم،
ولم يقيده بشيء، فوجب أن يحمل المطلق على المقيد كالشهادة
قرنت بالعدالة في موضع وعريت في موضع من ذكرها، وكالرقبة في
الكفارة، قيدت في موضع بالإيمان، وأطلقت في آخر(١).
فصل :
قال ابن المنذر: وأمر الشارع بإبرار القسم أمر ندب، (لا)(٢)
وجوب؛ لأن الصديق أقسم على رسول الله وَّةٍ، فلم يبر قسمه،
ولو كان ذلك واجبًا لبادر، ولم يشأ رجل أن يسأل آخر بأن يخرج له
من كل ما يملك، ويطلق زوجته، ثم يحلف على الإمام في حد
أصابه أن يسقط عنه إلا تم له، وفي ذلك تعطيل الحدود، وترك
القصاص مما فيه القصاص، وإذا لم يجز ذلك، كان معنى الحديث
بالندب، فيما (يجب)(٣) الوقوف عنه دون ما يجوز تعطيله.
(١) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ١٠٨/٦ - ١١٠.
(٢) في الأصل: (أو). والمثبت من (ص٢).
(٣) في (ص٢): يجوز.