Indexed OCR Text

Pages 121-140

٠
*
٠
+
+
٨٢
كِتَابُ الْقَدْرِ
*
٠
*
+
٠

£

كـ
٨٢- كَاف القدر
١ - باب في القَدَرِ
٦٥٩٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الَلِكِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَنْبَأَنِي سُلَيْمَانُ
الأَغْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ وَلِّ - وَهْوَ
الصَّادِقُ المَصْدُوقُ - قَالَ: ((إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ عَلَقَةً
مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ مَلَكًّا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ بِرِزْقِهِ،
وَأَجَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، فَوَاللَّهِ إِنَّ أَحَدَكُمْ - أَوِ الرَّجُلَ - يَعْمَلُ بِعَمَّلِ أَهْلِ
النَّارِ ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا غَيْرُ بَاعٍ أَوْ ذِرَاعٍ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ، فَيَعْمَلُ
بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ الرَّجَّلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ، حَتَّى مَا
يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا غَيْرُ ذِرَاعٍ أَوْ ذِرَاعَيْنِ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ
أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا)). قَالَ آدَمُ: (إِلَّا ذِرَاعٌ)). [انظر: ٣٢٠٨ - مسلم: ٢٦٤٣ - فتح:
١١/ ٤٧٧].
٦٥٩٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَزبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ
أَنَسِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ عَُّ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: «وَكَّلَ اللهُ بِالرَّحِمِ مَلَكًّا فَيَقُولُ:
أَيْ رَبِّ نُطْفَةٌ، أَبْ رَبِّ عَلَقَةٌ، أَنْ رَبِّ مُضْغَةٌ. فَإِذَا أَرَادَ اللهُ أَنَّ يَقْضِيَ خَلْقَهَا

١٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
قَالَ: أَيْ رَبِّ، ذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَمَا الرِّزْقُ؟ فَمَا الأَجَلُ؟
فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِي بَطْنِ أَمِّهِ)). [انظر: ٣١٨ - مسلم: ٢٦٤٦ - فتح: ١١ / ٤٧٧].
استروح بعض شيوخنا من شراحه فقال: أبوابه كلها تقدمت ولم
يزد، ثم انتقل إلى الأيمان والقدر، وهذا كما فعل في الأدب إلى
الاستئذان حيث تفرد في نحو أربع ورقات بخطه، وهو في كتاب
البخاري نفسه ثلاث وعشرون ورقة، وقد شرحناه بحمد الله في نحو
نصف جزء كما سلف.
وما خاب المثل: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، وعلى تقدير
سبقها فتراجم البخاري وفقهه في أبوابه وصناعته في إسناده، أين
تذهب؟ وللحروب رجال، فمن يتصدى لهذا الكتاب الجليل، ويعمل
فيه هذا العمل القليل، في كثير مع عدم التحرير والتصحيف
والتحريف والتكرار والنقص والتقليد والتقديم والتأخير؟! والله
المستعان (١).
(١) في هامش الأصل ما نصه: أظن بل أجزم أنه أراد به شيخه الحافظ علاء الدين
مغلطاي، ولم يرد الحافظ قطب الدين عبد الكريم الحلبي، وذلك لأن قطب الدين
أجازه فقط ولم يقرأ عليه، وانتفع به، بخلاف مغلطاي فإنه قرأ عليه وانتفع به، وقد
قرأ عليه قطعة من شرحه لهذا الكتاب من أوائله كما رأيت، وفي آخر كلام شيخنا
ما يريد إلى ما ذكرته، وذلك قطب الدين شرحه مسودة لم يبيضه، وما أظن شيخنا،
وقف عليه كله، وقد رأيت عنده بخط قطب الدين، وهو خط غلق، وقطب توفي
سنة أربع وثلاثين بل خمس وثلاثين في سلخ رجب، وكان شيخنا إذ ذاك له عشر
سنين وزيادة، وأخبرني أنه عرض عليه ((العمدة)) لعبد الغني وأجازه، ورأيت خطه
معه عليها، والعرض في سنة أربع وثلاثين وستمائة، والله أعلم، وقد قال ابن رافع
في ((معجم شيوخه)) أنه كتب قطعة كبيرة من شرح البخاري، فصريح هذا أنه لم
يكمل شرحه يعني: الشيخ قطب الدين.

١٢٥
ـ كِتَابُ القَدَرِ
ذكر البخاري في الباب:
حديث زَيْدٍ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، يعني: ابن مسعود، قَالَ: حَدَّثَنَا
رَسُولُ اللهِ وَّهِ -وَهْوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ -: ((إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ
أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ... الحديث.
وحديث أَنَسِ بْنِ مَالِكِ رَُ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((وَكَّلَ اللهُ بِالرَّحِم
مَلَكًّا فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ نُطْفَةٌ، أَبْ رَبِّ عَلَقَةٌ، أَيْ رَبِّ مُضْغَةٌ. فَإِذَا أَرَادٌّ
اللهُ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقَهَا قَالَ: أَنْ رَبِّ، أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَمَا
الرِّزْقُ؟ فَمَا الأَجَلُ؟ فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِي بَطْنِ أَمِِّ».
الشرح :
حديث أنس سلف في الحيض (١)، وحديث ابن مسعود سلف في بدء
(٢)
الخلق (٢).
ومعنى وصفه بالصادق: عصمته، لا يقول إلا حقًّا، وبالمصدوق:
أن الله صدقه فيما وعده به، وهذا تأكيد. و(( العلقة) واحدة العلق، وهو
الدم قبل أن (يغيض) (٣)، وهو جامد، والمضغة: القطعة الصغيرة من
اللحم، سميت بذلك؛ لأنها قدر ما يمضغ.
وقوله: ( ((فيؤمر بأربع))) أي: كلمات، وكذا لم تثبت الهاء في أربع.
وقوله: ( ((برزقه، وأجله، وشقي أو سعيد) ). هذِه ثلاثة؛ لأنه
لا تجتمع الشقاوة والسعادة في واحد، وهو قد قال: ((أربع)). ولعله
ذكر جملة ما يؤمر به. لا أن كل شخص يؤمر فيه بهذِه الأربع، وفي
رواية أخرى: ((رزقه، وأجله، وأثره، وشقي أو سعيد)). وهذا أبين من
(١) سلف برقم (٣١٨).
(٣) في (ص٢): ييبس.
(٢) سلف برقم (٦٥٩٤).

١٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الأول، ويكون على كل شخص، (وفي ابن حبان زيادة سلفت، إذ روى
من حديث أبي الدرداء مرفوعًا: ((فرغ الله إلى كل عبد من خمس: من
رزقه، وأجله، وعمله، وأثره، ومضجعه))(١) يعني: قبره، فإنه مضجعه
على الدوام ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَتِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ﴾ [لقمان: ٣٤].
وروى رزين في ((تجريد الصحاح)) من حديث سهل بن سعد مرفوعًا :
((إذا دفعت النطفة في الرحم)). الحديث، وفيه: فيقول: ((أذكر أم أنثى،
أشقي أم سعيد، وما عمره، وما رزقه، وما أثره، وما مصائبه، فيقول الله،
ويكتب الملك)) فإذا مات الجسد، ودفن من حيث أخذ ذَلِكَ التراب،
كذا ذكره، ولم يعلم له، ومقتضاه أن البخاري رواه، كما أصطلح
عليه في خطبته، ولم نره فيه، لا جرم عزاه ابن الأثير إلى رزين
وحده، وهو غريب غير مشهور)(٢) ومعنى: ((يجمع في بطن أمه)):
ما فسره ابن مسعود، وسئل الأعمش عنه، فقال: حَدَّثَني خيثمة قال:
قال عبد الله بن مسعود: إن النطفة إذا وقعت في الرحم، فأراد الله أن
يخلق منها بشرًا طارت في بشر المرأة، تحت كل شعرة وظفر، ثم
تمكث أربعين ليلة، ثم تصير دمًا في الرحم، فذلك جمعها(٣).
وقوله: ( ((يعمل بعمل أهل الجنة)) ) إلى آخره. قال الداودي: يقول
قد يعمل أحدكم العمل الصالح إلى قرب موته، وقرب معاينته الملائكة
الذين يقبضون روحه، ثم يعمل السيئات التي توجب النار، وتحبط ذَلِكَ
العمل، فيدخل النار، والإيمان لا يحبطه إلا الكفر، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ
أُوْجِىَ إِلَيْكَ﴾ الآية [الزمر: ٦٥].
(١) ((صحيح ابن حبان)) ١٤/ ١٨ (٦١٥٠).
(٢) من (ص٢).
(٣) أنظر ((شرح ابن بطال)) ٢٩٨/١٠.

١٢٧
كِتَابُ القَدَرِ
وذكر عن عمرو بن عبيد إمام القدرية، وزاهدهم ومقدمهم، أنه قال :
لو سمعت هذا الحديث من أبي عثمان (لكتبته)(١)، ولو سمعته من زيد بن
وهب لرددته، ولو سمعته من ابن مسعود لما قبلته، ولو سمعته من رسول
الله ◌َّهُ لطرحته، ولو سمعته من الله لقلت: ما على هذا أخذت
مواثيقنا(٢)؟ فهذا قد أرتكب في مقالته هذِه خطبًا جسيمًا، نعوذ بالله
من الضلال، ونسأله الفوز من الأهوال.
وقوله: ( ((غير باع أو ذراع))). قال ابن التين: غير باع؛ كذا وقع
لأبي ذر، والباع: قدر مد اليدين، وهذا تمثيل كلام، وقد بسطت شرحه
في ((شرح الأربعين)) أكمل من هذا .
فصل :
قال المهلب: في هذا الحديث رد لقول القدرية، واعتقادهم أن
العبد يخلق أفعاله كلها من الطاعات والمعاصي، وقالوا: إن الله يتنزه
عن أن يخلق المعاصي والزنا والكفر وشبهه، فبان في هذا الحديث
تكذيب قولهم بما أخبر به الَّه أنه يكتب في بطن أمه شقي أو سعيد،
مع تعريف الله العبد أن سبيل الشقاء هو العمل بالمعاصي والكفر،
فكيف يجوز أن يعمل بما أعلمه الله أنه يعذبه عليه، ويشقيه به مع
قدرة العبد على اختياره لنفسه وخلقه لأعماله دون ربه تعالى أن يكون
معه خالق غيره، ثم قطع القدرية بقوله: ((فيسبق عليه الكتاب فيعمل
بعمل أهل النار فيدخلها)» فلو كان الأمر إلى أختياره؛ أتراه كان يختار
(١) ورد بهامش الأصل: لعله: لكذبته.
(٢) ورد بهامش الأصل: نقل هذا عنه الذهبي في ((ميزانه))، فقال عبيد الله بن معاذ، عن
أبيه، أنه سمع عمرو بن عبيد، فذكره، ولكن فيه لو سمعت الأعمش يقول هذا
لكذبته والباقي سواء. اهــ أنظر ((ميزان الاعتدال)) ١٩٨/٤.

١٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
خسارة عمله طول عمره بالخير، ثم يخلق لنفسه عملًا من الشر والكفر،
فيدخل به النار، وهل السابق له إلا فعل ربه وخلقه له؟ وخلق عمله السيئ
كسبًا له، فاكتسب العبد بشهوة نفسه الأمارة بالسوء، (مستلذًا)(١) بذلك
العمل، أقدره الله عليه بقدرة خلقها له بحضرة الشيطان المغوي لنفسه
الأمارة له مع الشيطان بالسوء، فاستحق العقاب على ذَلِكَ، فانقطعت
حجة العبد بالنذارة، وانقطعت حجة القدرية بسابق كتاب الله تعالى
على العبد المعترف بمآل أمره اكتسابه العمل القبيح؛ يخلق الله له
قدرة على عمله بحضرة عدويه؛ نفسه وشيطانه؛ ولذلك نسب الشر
إلى الشيطان لتزيينه له، ونسبة الخير إلى الله لخلقه لعبده، وإقدار
العبد عليه مع حضرة الملك المسدد له، الدافع لشيطانه عنه بعزة الله
وعصمته، هذا هو أصل الكلام في القدرية، ثم يلزمهم أن يكون العبد
شريكًا لله في خلقه، بأن يكون العبد يخلق أفعاله، والله تعالى قد أتى
من ذَلِكَ بقوله: ﴿اَللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] و﴿هَلْ مِنْ خَلِقٍ غَيْرٌ
اللهِ﴾ [فاطر: ٣] فخالفوا النص، وأوجبوا للعبد من القدرة على خلق
عمله ما أوجبه الله لنفسه من الانفراد بالخلق؛ ولذلك سميت القدرية
مجوس هذِه الأمة في عدة أحاديث؛ لقولها: بخالقين، مثل ما قالته
المجوس من اعتبارها الأرباب من الشمس والقمر والنور والنار
والظلمة، كل على أختياره، وقد نص الله على إبطال قول القدرية
لعلمه بضلالهم؛ ليهدي بذلك أهل سنته، فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ
(٢)
.
[الصافات: ٩٦ ]
وَمَا تَعْمَلُونَ
(١) في (ص٢): مستكفرًا.
(٢) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٢٩٦/١٠-٢٩٧.

١٢٩
= كِتَابُ القَدَرِ
٢- باب جَفَّ القَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ رَّ
وقوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣]، وَقَالَ
أَبُو هُرَيْرَةَ : قَالَ النَّبِيُّ مَ: ((جَفَّ القَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ))
[انظر: ٥٠٧٦]. قَالَ ابن عَبَّاسِ: ﴿لَا سَبِقُونَ﴾ [المؤمنون:
(٦]: سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعَادَةُ.
٦٥٩٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ الرَّشْكُ قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرَّفَ بْنَ
عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيِرِ يُحَدِّثُ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ،
أَيُغْرَفُ أَهْلُ الَجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: (نَعَمْ)). قَالَ: فَلِمَ يَعْمَلُ العَامِلُونَ؟ قَالَ: ((كُلّ
يَعْمَلُ لِمَا خُلِقَ لَهُ)). أَوْ ((لِمَا يُسِّرَ لَهُ)). [٧٥٥١ - مسلم: ٢٦٤٩ - فتح: ١١ / ٤٩١].
ذَكَرَ فيهِ حَدِيث عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَجُلٌ :
يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُعْرَفُ أَهْلُ الجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: ((نَعَمْ)). قَالَ: فَلِمَ
يَعْمَلُ العَامِلُونَ؟ قَالَ: ((كُلِّ يَعْمَلُ لِمَا خُلِقَ لَهُ - أَوْ- ((لِمَا يُسِّرَ لَهُ)).
عرض البخاري في هذا الباب غرضه السالف من إدحاض حجة
القدرية بهذِه النصوص من كلام الله تعالى وكلام رسوله، كما نبه عليه
المهلب، فأخبر أنه قد فرغ من الحكم على كل نفس، وكتب القلم
بما يصير إليه العبد من خيرٍ أو شر في أم الكتاب، وجف مداده على
المقدور من علم الله، وأضله الله على علم به، ومعرفة ما كان يصير
إليه أمره لو أهمله، ألا تسمعه قد بين ذَلِكَ في كتابه حيث يقول:
﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُرْ إِذْ أَنشَأَكُمُ مِّنَ اْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ فَلَ
تُرَّكُواْ أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَ﴾ [النجم: ٣٢]. يعرفنا أنه كان بنا عالمًا
حين خلق آدم من طينة الأرض المختلفة، وأحاط علمًا بما يقع من
تلك الطينة لكل شخص من أشخاص ولده إلى يوم القيامة المتناسلين

١٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
من صلب إلى صلب في أعداد لا يحيط بها إلا محصيهم تعالى، وعلم
ما قسمه من تلك الطينة (من طيب أو خبيث)(١)، وعلم ما يعمل كل واحد
من الطاعة والمعصية؛ ليشاهد أعماله بنفسه، وكفى بنفسه شهيدًا عليه،
ولتشهد عليه ملائكته، ومن عاينه من خلقه، فتنقطع حجته، وتحق
عقوبته، وكذلك قال لأبي هريرة # حين أراد أن يختصي خشية الزنا
على نفسه: ((قد جف القلم بما أنت لاق فاختصٍ على ذَلِكَ أو ذر)) فعرّفه
أنه لا يعدو ما جرى به القلم من خير أو شر، فإنه لا بد عامله ومكتسبه،
فنهاه عن الأختصاء بهذا القول، الذي ظاهره التخيير، ومعنى النهي
والتكسب لمن أراد الهروب عن القدر، والتعريف له أنه إن فعل فإنه
أيضًا من القدر المقدور عليه فيما جف به القلم عليه .
وقد سئل الحسن البصري عن القدر فقال: إن الله خلق الخلق
للابتلاء، لم يطيعوه بإكراه منه، ولم يعصوه بغلبة، ولم (يهملهم من
المملكة)(٢)، بل كان المالك لما ملكهم فيه، والقادر لما قدره
عليهم، فإن يأتم العباد بطاعة الله لم يكن الله صادًا عنها، ولا مبطأَ
بل يزيدهم هدى إلى هداهم وتقوى إلى تقواهم، وإن يأتم العباد
بمعصية الله، كان القادر على صرفهم، إن شاء فعل، وإن شاء
(حال)(٣) بينهم وبينها فيكتسبونها، فمن بعد الإعذار والإنذار لله
[الأنبياء: ٢٣]
الحجة البالغة ﴿لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ
﴿وَلَوْ شَآءَ ◌َهَدَدَكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل: ٩](٤).
(١) في الأصل: لو حييت.
(٢) في الأصل (الملائكة) والمثبت من (ص٢).
(٣) في الأصل: جعل، والمثبت من ((شرح ابن بطال)) وهو ما يقتضيه السياق.
(٤) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٢٩٨/١٠ -٣٠٠.

١٣١
كِتَابُ القَدَرِ
=
فصل :
قال المهلب أيضًا: في حديث الباب حجة لأهل السنة على المجبرة
من أهل القدر، وذلك قوله: ( ((اعملوا فكل ميسر لما خلق له)) ) ولم
يقل: فكل مجبر على ما خلق له، وإنما أراد لما خلق له من عمله
للخير أو للشر، فإن قلت: إنما أراد بقوله: لما خلق له الإنسان من
جنة أو نار، فقد أخبر أنه ميسر لأعمالها ومختار لا مجبر؛ لأن الجبر
لا يكون باختيار، وإنما هو إكراه(١).
فصل :
قيل: أول ما خلق الله اللوح والقلم والدواة، وقال للقلم: أكتب
ما يكون، فكتب. وروي عن ابن عباس: أول ما خلق الله القلم
فقال: أكتب قال: ما أكتب؟ قال: أكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة،
فكتب(٢). ثم خلق نون، فوقع ذَلِكَ، فذلك قوله تعالى: ﴿تَّ وَالْقَلَمِ
وَمَا يَسْطُرُونَ ﴾﴾ [القلم: ١] وذكر أيضًا عنه: أن أول ما خلق الله
الدواة، وهي نون والقلم، فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة.
فصل :
وقوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ اَللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣] أي: علم الله تعالى
في الأزل من يضله ومن يهديه، هذا معنى ما ذهب إليه البخاري في
الترجمة كما مر، وقيل معناه: أنه أضله بعد أن أعلمه وبين له فلم يقبل .
فصل :
قوله: ( ((كل يعمل لما خلق له -أو- لما ييسر له)) ) إنما قال
إحداهما، يعني: أنه إنما يعمل ما سبق في علمه سبحانه أنه يعمله.
(١) ((شرح ابن بطال)) ١٠/ ٣٠٠.
(٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) ١٧٦/١٢.

١٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٣ - باب اللُّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ
٦٥٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ وَِّ عَنْ أَوْلَادِ
الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: ((اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ)). [انظر: ١٣٨٣ - مسلم: ٢٦٦٠ - فتح:
١١/ ٤٩٣] .
٦٥٩٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَثِرِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ:
وَأَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ سُئِلَ: رَسُولُ اللهِ وَّرْ عَنْ ذَرَارِيٌّ
الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: ((اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ)). [انظر: ١٣٨٤- مسلم: ٢٦٦٠ - فتح:
١١/ ٤٩٣].
٦٥٩٩ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ
يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ، كَمَا تُنْتِجُونَ البَهِيمَةَ، هَلْ تَجِدُونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ حَتَّى
تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا؟)). [انظر: ١٣٥٨ - مسلم: ٢٦٥٨ - فتح: ١١ / ٤٩٣].
٦٦٠٠ - قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ وَهْوَ صَغِيرٌ؟ قَالَ: ((اللهُ أَعْلَمُ بِمَا
كَانُوا عَامِلِينَ)). [انظر: ١٣٨٤- مسلم: ٢٦٥٨، ٢٦٥٩ - فتح: ١١ /٤٩٣].
ذكر فيه ثلاثة أحاديث :
أحدها: حديث ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّلَه عَنْ
أَوْلَادِ المُشْرِكِينَ فَقَالَ: ((اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ)).
ثانيها: حديث أبي هُرَيْرَةَ عُ سُئِلَ: رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَنْ ذَرَارِيٍّ
المُشْرِكِينَ فَقَالَ: ((اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ)).
ثالثها: حديثه أيضًا: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ
عَلَى الفِطْرَةِ)) ... الحديث، وفي آخره: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَرَأَيْتَ
مَنْ يَمُوتُ وَهْوَ صَغِيرٌ؟ قَالَ: ((اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ)).

١٣٣
كِتَابُ القَدَرِ
=
وغرضه في الباب الرد على الجهمية في قولهم: إن الله لا يعلم
أفعال العباد حَتَّى يعملوها، تعالى الله عن قولهم، فرد الشارع ذَلِكَ
من قولهم، وأخبر في هذا الحديث أن الله يعلم ما لا يكون أن لو
كان كيف كان يكون، ومصداق هذا الحديث في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ
رُدُواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] وقال في آية أخرى ﴿وَلَوْ عَلِمَ اُللَّهُ
[الأنفال: ٢٣]
فِيِهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمِّ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَنَوَلَّواْ وَّهُم مُعْرِضُونَ
فإذا ثبت بهاتين الآيتين المصدقتين لحديثه العليا أنه يعلم ما لا يكون
لو كان كيف كان يكون، فأحرى أن يعلم ما يكون وما قدره وقضاه
في كونه، وهذا يقوي ما يذهب إليه أهل السنة: أن القدر هو علم الله
وغيبه الذي استأثر به، فلم يطلع عليه ملكًا مقربًا، ولا نبيًّا مرسلًا،
وروى روح بن عبادة، عن حبيب بن الشهيد، عن محمد بن سيرين
قال: ما ينكر هؤلاء -يعني: الصفرية- أن يكون الله تعالى علم
علمًا، فجعله كتابًا (١)، وقد قيل: إن بعض الأنبياء كان يسأل الله
تعالى عن القضاء والقدر فمحي من النبوة.
وروى ابن عباس عن رسول الله وسلم أنه قال: ((إذا ذكر القدر
فأمسكوا))(٢) وقال بلال بن أبي بردة لمحمد بن واسع، ما تقول في
القضاء والقدر؟ فقال: أيها الأمير إن الله تعالى لا يسأل عباده يوم
القيامة عن قضائه وقدره، وإنما يسألهم عن أعمالهم (٣) .
(١) رواه ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٣/ ١٤٠، و((الاستذكار)) ٨٦/٢٦.
(٢) لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد رواه الطبراني في ((الكبير)) ١٩٨/١٠، وابن عدي في
(الكامل)) ٨/ ٢٦٤ عن ابن مسعود. قال الهيثمي في ((المجمع)) رواه الطبراني وفيه:
مسهر بن عبد الملك، وثقه ابن حبان وغيره وفيه خلاف وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٣) رواه ابن عبد البر في ((التمهيد)) ١٤١/٣، و((الاستذكار)) ٨٧/٢٦.

١٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري: إن الله لا يطالب
خلقه بما قضى عليهم، وإنما يطالبهم بما نهاهم عنه وأمرهم به،
فطالب نفسك من حيث يطالبك ربك(١).
وسئل أعرابي عن القدر فقال: الناظر في قدر الله كالناظر في عين
الشمس يعرف ضوئها ولا يقدر على حدودها .
فصل :
قال الداودي: لا أعلم لهذا الحديث وجهًا إلا: الله أعلم بما يعمل
به؛ لأنه سبحانه علم أن هؤلاء لا يتأخرون عن آجالهم، ولا يعملون
شيئًا، وقد أخبر أنهم ولدوا على الفطرة -أي: الإسلام- وأن آبائهم
يهودونهم وينصرونهم، كما أن البهيمة تولد سليمة من الجدع والخصاء
وغيره مما يعمل الناس بها حَتَّى يصنع ذَلِكَ بها، وكذلك الولدان.
وقيل: الفطرة: الخلق، وقيل: معناه على: الإقرار لله الذي أمر به
لما أخرجه من ظهر آدم.
فصل :
الجدع: قطع الأنف، وقطع الأذن أيضًا، وقطع اليد والشفة، ذكره
(٢)
الجوهري (٢).
وقوله: ( ((كما تنتجون البهيمة)) ). قال أبو علي: يقال: تنتَّجْتَ
الناقة إذا أعنتها على النتاج، قال الجوهري: نتجت الناقة على ما لم
يسم فاعله - تنتج نتاجًا، ونتجها أهلها نتجًا(٣). ومثله عند ابن
(٤)
فارس (٤).
(١) أنظر: ((الاستذكار)) ٨٧/٢٦-٨٨.
(٣) ((الصحاح)) ٣٤٣/٢.
(٢) ((الصحاح)) ١١٩٣/٣.
(٤) ((مجمل اللغة)) ٢/ ٨٥٣.

١٣٥
ـ كِتَابُ القَدَرِ
وقال الجوهري: الناتج من الإبل كالقابلة من النساء، ويقال: نتجت
الناقة: إذا ولدت، فهي منتوجة، كما يقال: نفست فهي منفوسة وأنتجت
الفرس: حملت، وقال يعقوب: إذا استبان حملها. وقال الجوهري: إذا
حان نتاجها(١). قال ابن التين: وروي (يُنتجون)) بضم أوله على أنه
رباعي من أنتج إنتاجًا .
فصل :
قد أسلفنا مذاهب العلماء في أولاد المشركين، والمختار أنهم من
أهل الجنة لا ذريتهم، ولا مع آبائهم، ولا بالوقف، ولا بإرسال رسول
إليهم يأمرهم باقتحام النار، فمن أقتحمها كانت بردًا وسلامًا، ومن أبى
وجبت عليه الحجة. وقد سلف أن فيها تكليفًا ما، وليس بغالب.
و(قيل)(٢): معنى قوله: (والله أعلم بما كانوا عاملين)) أي: يعلم من
أقتحم ومن يأبى. قيل: والصم والبكم في الحكم مثلهم. وهو بعيد.
قال الداودي: أحتج قوم فقالوا: جائز تكليف ما لا يطاق؛ لقوله
تعالى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى الشُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] وهذا لم يدعو
إليه ليجزوا بفعله ولا ليعاقبوا على تركه، وهم لا يعاقبون إذا لم
يسجدوا يوم القيامة، إنما يعاقبون بتركهم إياه وهم سالمون، وهذا
الذي حكاه عن قوم هو مذهب أهل السنة، أن تكليف ما لا يطاق
جائز، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهٌِ﴾
[البقرة: ٢٨٦] فلو لم يكن جائز لما سألوه.
(١) ((الصحاح)) ٣٤٣/٢.
(٢) من (ص٢).

١٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٤ - باب
﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٢٨]
٦٦٠١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ بِّهِ: ((لَا تَسْأَلِ المَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرِغَ
صَحْفَتَهَا، وَلْتَنْكِحْ، فَإِنَّ لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا)). [انظر: ٢١٤٠ - مسلم: ١٤١٣ - فتح: ١١ / ٤٩٤].
٦٦٠٢ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عَاصِمِ، عَنْ أَبِي
عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ◌ََّ إِذْ جَاءَهُ رَسُولُ إِحْدِى بَنَاتِهِ - وَعِنْدَهُ
سَعْدٌ وَأُبَى بْنُ كَعْبٍ وَمُعَاذٌ - أَنَّ ابنهَا يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهَا: (لله مَا أَخَذَ ولله مَا
أَعْطَى، كُلِّ بِأَجَل، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ)). [انظر: ١٢٨٤ - مسلم: ٩٢٣- فتح: ١١ / ٤٩٤].
٦٦٠٣ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُخَيْرِيزِ الْجَمَحِيُّ أَنَّ أَبَا سَعِيدِ الْخُذْرِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ
جَالِسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ وَِّ جَاءَ رَجُلٌ مِنِ الأنْصَارِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا نُصِيبُ سَبْيًا
وَنُحِبُّ المَالَ، كَيْفَ تَرِى فِي العَزْلِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةَ: «أَوَ إِنَّكُمْ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟!
لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا، فَإِنَّهُ لَيْسَتْ نَسَمَةٌ كَتَبَ اللهُ أَنْ تَخْرُجَ إِلَّا هِيَ كَائِنَةٌ)).
[انظر: ٢٢٢٩- مسلم: ١٤٣٨ - فتح: ١١ / ٤٩٤].
٦٦٠٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ،
عَنْ حُذَيْفَةَ عَه قَالَ: لَقَدْ خَطَبَنَا النَّبِيُّ ◌َِّ خُطْبَةَ مَا تَرَكَ فِيهَا شَيْئًا إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ
إِلَّا ذَكَرَهُ، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ، إِنْ كُنْتُ لِأَرَى الشَّيْءَ قَدْ نَسِيتُ، فَأَعْرِفُ
مَا يَغْرِفُ الرَّجُلُ إِذَا غَابَ عَنْهُ فَرَآهُ فَعَرَفَهُ. [مسلم: ٢٨٩١ - فتح: ١١ / ٤٩٤].
٦٦٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي
عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلَيَّ عَّ قَالَ: كُنَّا جُلُوسَا مَعَ النَّبِيِّ نَّهِ وَمَعَهُ عُودٌ يَنْكُتُ
فِي الأَرَضِ، وَقَالَ: ((مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا قَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ أَوْ مِنَ الجَنَّةِ)).
فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: أَلَا نَتَّكِلُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (لَا، أَعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَشَرٌ)) ثُمَّ قَرَأَ:

١٣٧
-ِ كِتَابُ القَدَرِ
[الليل: ٥] الآيَةَ. [انظر: ١٣٦٢- مسلم: ٢٦٤٧ - فتح:
﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى وَأَنََّى
١١/ ٤٩٤].
ذكر فيه خمسة أحاديث :
أحدها :
حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾: ((لَا تَسْأَلِ المَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا)) سلف في
(١)
النكاح (١) .
ثانيها :
حديث أُسَامَةَ ﴾ أتى إلى رسول الله وَّهِ رسول إِحْدِى بَنَاتِهِ - أَنَّ
ابنِهَا يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهَا: (لله مَا أَخَذَ ولله مَا أَعْطَى، وكُلّ شيء
بِأَجَلٍ، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ)).
ثالثها :
حديث أَبَي سَعِيدٍ ضُهُ فِي العَزْلِ: ((لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا، ما من
نَسَمَةٌ)) الحديث سلف في موضعه.
رابعها :
حديث حُذَيْفَةَ لَّهِ قَالَ: لَقَدْ خَطَبَنَا النَِّيُّ وَّةِ خُطْبَةً مَا تَرَكَ فِيهَا شَيْئًا
إِلَىْ قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا ذَكَرَهُ، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ، إِنْ كُنْتُ
لأَرَى الشَّيْءَ قَدْ نَسِيتُ، فَأَعْرِفُ كمَا يَعْرِفُ الرَّجُلُ إِذَا غَابَ عَنْهُ فَرَآهُ
فَعَرَفَهُ .
خامسها :
حديث عَلِيٍّ ◌َ﴾: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ النَّبِيِّ وَلَّهِ وَمَعَهُ عُودٌ يَنْكُتُ فِي
الأَرْضِ، وَقَالَ: ((مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا قَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ أَوْ مِنَ
(١) سلف برقم (٥١٤٤).

١٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
الجَنَّةِ)). فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: أَلَا نَتَّكِلُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((لَا، أَعْمَلُوا
، الآية [الليل: ٥].
فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ)) ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى وَلَّقَى (@)
غرضه في الباب كما نبه عليه المهلب أن يبين أن جميع مخلوقات
الله المكونات بأمر كلمة كن، من حيوان أو عرض، أو حركات العباد،
واختلاف إرادتهم وأعمالهم بمعاصٍ أو طاعات، كل مقدر بالأزمان
والأوقات، لا مزيد في شيء منها ولا نقصان عنها، ولا تأخير لشيء
منها عن وقته، ولا يقدم قبل وقته.
ألا ترى قوله: ((لا تسئل المرأة طلاق أختها)) لتصرف حظها إلى
نفسها ولتنكح، فإنه لا تنال من الرزق إلا ما قدر لها كانت له زوجة
أخرى أو لم تكن(١).
فصل :
وقوله: ( ((اعملوا فكل ميسر لما خلق له)) ) فيه دليل على إبطال قول
أهل الجبر؛ لأن (التيسير غير الجبر)(٢)، واليسرى: العمل بالطاعة.
والعسرى: العمل بالمعصية.
فصل :
في حديث علي ◌ّه كما نبه عليه الطبري: إن الله لم يزل عالمًا بمن
يطيعه فيدخله الجنة، وبمن يعصيه فيدخله النار. ولم يكن استحقاق من
استحق الجنة منهم لعلمه السابق فيهم، ولا استحقاق من يستحق منهم
النار لعلمه فيهم، ولا أضطر أحدًا منهم علمه السابق إلى طاعة
ولا معصية، ولكنه جل جلاله نفذ علمه فيهم قبل أن يخلقهم، وما هم
(١) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٣٠٣/١٠.
(٢) في الأصل: الشر غير الخير.

١٣٩
كِتَابُ القَدَرِ
=
عاملون، وإلى ما هم إليه صائرون، إذ كان لا تخفى عليه خافية قبل أن
يخلقهم وبعدما خلقهم؛ ولذلك وصف أهل الجنة فقال: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ
كَأَمْثَلِ اللُّؤْلُوِ الْمَكْتُنِ
وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآَخِرِينَ ﴾﴾ إلى قوله: ﴿وَحُورُ عِينُ ◌َـ
١٣
جَزَاءُ بِمَا كَانُوْ يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٢، ٢٣، ٢٤] وقال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ
﴾ [السجدة: ١٧]
نَفْسُ مَّ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ جَزَآءُ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
وكذلك قال في أهل النار: ﴿ذَلِكَ جَزَآءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارِّ لَهُمْ فِيَهَا دَارُ الْخُلْدِّ
جَزَاءُ بِمَا كَانُواْ بِأَيَفِنَا يَحْحَدُونَ ﴾﴾ [فصلت: ٢٨]، فأخبر أنه أثاب أهل
طاعته جنته بطاعته، وجازى أهل النار بمعصيتهم إياه، ولم يخبرنا أنه
أدخل من أدخل منهم النار والجنة لسابق علمه فيهم، ولكنه سبق في
علمه أن هذا من أهل السعادة والجنة، ويعمل بطاعته، وفي هذا أنه
من أهل الشقاء، وأنه يعمل بعمل أهل النار فيدخلها بمعصيته؛ فلذلك
أمر تبارك وتعالى ونهى ليطيعه الطائع منهم، فيستوجب بطاعته الجنة،
ويستحق العقاب منهم العاصي بمعصيته، فيدخل بها النار، ولتتم
حجة الله تعالى على خلقه، فإن قلت: فما معنى قوله إذًا: ((اعملوا
فكل ميسر لما خلق له)). إن كان الأمر كما وصف من أن الذي سبق
لأهل السعادة والشقاء لم يضطر واحدًا من الفريقين إلى الذي كان
يعمل، ويمهد لنفسه في الدنيا، ولم يجبره على ذَلِكَ. بل هو أن كل
فريق من هذين مسهل له العمل الذي اختاره لنفسه مزين له، كما
قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ﴾ إلى قوله: ﴿حَكِيمٌ﴾
[الحجرات: ٧] وأما أهل الشقاء فإنه زين لهم سوء أعمالهم؛ الإيثارهم
لها على العمل بطاعته، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلْآَخِرَةِ
زَيَّنَا لَهُمْ أَعْمَلَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ﴾﴾ [النمل: ٤] وكما قال: ﴿أَفَنَ زُيِّنَ لَهُ
سُوْءُ عَمَلِهِ، فَرَءَاهُ حَسَنَّ فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [فاطر: ٨]

١٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وهذا يصحح ما قلنا: من أن علمه تعالى النافذ في خلقه بما هم عاملون،
وكتابه الذي كتبه قبل خلقه أتاهم بأعمالهم لم يضطر أحدًا منهم إلى عمله.
ذَلِكَ؛ لأن المضطر إلى الشيء لا شك أنه يكره عليه لا محبة له، بل هو له
كاره ومنه هارب، والكافر يقاتل دون كفره أهل الإيمان، والفاسق يناصب
دون فسوقه الأبرار، محاماة من هذا عن كفره الذي اختاره على الإيمان،
وإيثارًا من هذا لفسقه على الطاعة، وكذلك المؤمن يبذل مهجته دون
إيمانه، ويؤثر العناء والنصب دون ملاذه وشهواته؛ حبًا لما هو له مختار
من طاعة ربه على معاصيه، وأنى يكون مضطرًا إلى ما يعمله من كانت
هُذِهِ صفته، فبان أن معنى قوله التَّئل: ((اعملوا فكل ميسر لما خلق له)) هو
أن كل فريقي السعادة والشقاوة مسهل له العمل الذي اختاره، مزين ذَلِكَ
له(١)، محبب إلیه كما قلنا .
فصل :
معنى يجود بنفسه هو في السياق، يقال: جاد بنفسه عند الموت
يجود جودًا. وقوله: ((فلتصبر ولتحتسب)) ولم يقل: فلتصبرين؛ لأنها
غائبة، والغائب لا يخاطب بما يخاطب به الحاضر. تقول: هند تقوم
وتقعد، وأنت تقومين، وليقم زيد، ولتقعد زينب. وقال الداودي:
إنما خاطب الرسول، ولو خاطب المأمور بالصبر، لقال: فاصبري
واحتسبي.
فصل :
وقوله: ( ((لا عليكم ألا تفعلوا)) ) قيل: هو على النهي، وقيل: على
الإباحة للعزل، أي: لكم أن تعزلوا، وليس فعل ذَلِكَ موءودة؛ بدليل
(١) ((شرح ابن بطال)) ٣٠٣/١٠-٣٠٥.