Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
= ڪِتَابُ الاسْتِئْذَانِ
٢٠- باب التّسْلِيمِ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلَاطٌ
مِنَ المُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ
٦٢٥٤ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ مَعْمٍَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
عُزْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ رَكِبَ حِمَارَا عَلَيْهِ إِكَافٌ تَحْتَهُ
قَطِيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ، وَأَزْدَفَ وَرَاءَهُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَهُوَ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِي بَنِي الحَارِثِ
بْنِ الَخَزْرَجِ - وَذَلِكَ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ - حَتَّى مَرَّ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلَاطٌ مِنَ المُسْلِمِينَ
وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوَثَانِ وَالْيَهُودِ، وَفِيهِمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ ابن سَلُولَ، وَفِي المَجْلِسِ عَبْدُ
اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَلَمَّا غَشِيَتِ المَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَةِ، خَّرَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِيِّ أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ
ثُمَّ قَالَ: لَا تُغَبُِّوا عَلَيْنَا. فَسَلَّمَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ◌َ ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللهِ وَقَرَّأَ
عَلَيْهِمُ القُزْآَنَ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبِيِّ ابْنُ سَلُولَ: أَيُّهَا الَمَرْءُ، لَا أَحْسَنَ مِنْ هذا، إِنْ كَانَ
مَا تَقُولُ حَقًّا، فَلَا تُؤْذِنَا فِي نَجَالِنَا، وَارْجِغْ إِلَى رَحْلِكَ، فَمَنْ جَاءَكَ مِنَّ فَاقْصُضْ
عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ رَوَاحَةَ: أَغْشَنَا فِي ◌َجَالِسِنَا، فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ. فَاسْتَبَّ المُسْلِمُونَ
وَالْشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ حَتَّى هَمُوا أَنْ يَتَوَاتَبُوا، فَلَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ◌َّه ◌ُخَفِّضُهُمْ، ثُمَّ رَكِبَ
دَابَّتَهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَقَالَ: ((أَيْ سَعْدُ، أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ أَبُو
حُبَابٍ)). يُرِيدُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيِّ - ((قَالَ: كَذَا وَكَذَا)) قَالَ: أَغْفُ عَنْهُ يَا رَسُولَ اللهِ
وَاصْفَحْ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَاكَ اللهُ الذِي أَغْطَاكَ، وَلَقَدِ اضْطَلَحَ أَهْلُ هذِهِ البَحْرَةِ عَلَى أَنْ
يُتَوَّجُوهُ فَيُعَصِّبُونَهُ بِالْعِصَابَةِ، فَلَمَّا رَدَّ اللهُ ذَلِكَ بِالْحِقٌّ الذِي أَغْطَاكَ شَرِقَ بِذَلِكَ، فَذَلِكَ
فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ، فَعَفَا عَنْهُ النَّبِيُّ ◌َّ
. [انظر: ٢٩٨٧ - مسلم: ١٧٩٨ - فتح ٣٨/١١]
ذكر فيه حديث أسامة ◌ُ أَنَّهُ العَيْ رَكِبَ حِمَارًا عَلَيْهِ إِكَافٌ تَحْتَهُ قَطِيفَةٌ
فَدَكِيَّةٌ .. الحديث بطوله، وفيه: فَسَلَّمَ عَلَيْهِمُ رسول اللهِ،وَّهِ ثُمَّ وَقَفَ .
وفيه: الإبانة أنه لا حرج على المرء في جلوسه مع قوم فيهم منافق
أو كافر، وفي تسليمه عليهم إذا انتهى إليهم وهم جلوس، وذلك أنه التعليم
سلم على القوم الذين فيهم عبد الله بن أبي ولم يمتنع من ذلك المكان

٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
عبد الله مع نفاقه وعداوته للإسلام وأهله إذ كان فيه من أهل الإيمان
جماعة .
وقد روي عن الحسن البصري أنه قال: إذا مررت بمجلس فيه
مسلمون وكفار فسلم عليهم(١). وذلك خلاف ما يقوله بعضُهم أنه غير
جائز على من كان عن سبيل الحق منحرفًا إما لبدعة أو لضلالة من
الأهواء الردية، أو ملك من ملوك الكفار كان بها. ونظمه غير سائغ،
وذلك أنه لا ضلالة أشنع ولا بدعة أخبث ولا كفرًا أرجس من النفاق
ولم يكن في نفاق عبد الله بن أبي يوم هذِه القصة شك.
فإن قلت: إنه العَيْه إنما سلم عليه ونزل إليه يومئذٍ ليدعوَهُ إلى الله
وذلك فرض عليه. قيل: لم يكن نزوله الكليّها ليدعوه؛ لأنه قد تقدم
الدعاء منه لعبد الله بن أبي ولجماعة المنافقين في أول الإسلام فكيف
يُدَعى إلى ما يظهره، وإنما نزل العَيْه هناك استئلافًا لهم ورفقًا بهم
رجاء رجوعهم إلى الحق، وقد كان الثّه يستألف بالمال فضلًا عن
التحية، والكلمة الطيبة من استئلافه إذ كناه عند سعد بن عبادة فقال له
سعد: (اعف عنه واصفح)، أي: لا تناصبه العداوة، كل هذا رجاء
أن يراجع الإسلام.
وقد أجاز مالك في تكنية اليهودي والنصراني، وقد روي عن السلف
أنهم كانوا يسلمون على أهل الكتاب كما سلف قريبًا .
وروى جرير عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة قال: كنت ردفًا
لابن مسعود، فصحبنا دهقان من القنطرة إلى زرارة فأشعب له طريق
واحد فيه، فقال عبد الله: أين الرجل؟ فقلت. أخذ في طريقه، فأتبعه
(١) رواه عبد الرزاق ١٠/ ٣٩٢ (١٩٤٦١).

٨٣
ـ كِتَابُ الاسْتِئْذَانِ
بصره. وقال: السلام عليكم، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أليس تكره أن
يُبدءوا بالسلام؟ قال: نعم، ولكن حق الصحبة (١). وكان ابن محيريز يمر
على السامرة فيسلم عليهم، وقال قتادة: إذا دخلت بيوت أهل الكتاب
فقل: سلام على من أتبع الهدى(٢) .
فإن قلتَ: فحديث أبي هريرة عنه قال: قال رسول الله وَّة: ((لا تبدءوا
اليهود والنصارى بالسلام)) أخرجه مسلم منفردًا به(٣).
قلتُ: كلاهما صحيح فهذا عام والأول خاص؛ لأن فيه أنه العليا ؟
لما رأى عبد الله بن أبي وحوله رجال من قومه، تذمذم أن يجاوره،
فنزل فسلم فجلس، وكان نزوله إليه (بقيادٍ تام)(٤)، وفيه نظير ما سلف
من التسليم على الدهقان وكلام إبراهيم النخعي فالأول بغير سبب
يدعوكم أن تبدءوهم من قضاء دينكم، أو حاجة تعرض لكم قبلهم،
أو حق صحبة في جوار أو سفر.
فصل :
وفيه - كما قال المهلب -: عيادة المريض على بُعد والركوب إليه،
وركوب الحمر للأشراف والأنبياء.
فصل :
ومعنى: (خمر عبد الله أنفه): غطاه، وكل مغط عند العرب فهو
مخمر، ومنه: ((خمر إناءك ولو بعودٍ تعرضه عليه))(٥) .
(١) (شعب الإيمان)) ٦/ ٤٦٣.
(٢) (مصنف عبد الرزاق)) ٦/ ١٢ (٩٨٤١)، ٢٩٢/١٠ (١٩٤٥٩).
(٣) مسلم (٢١٦٧).
(٤) كذا بالأصل.
(٥) سلف برقم (٥٦٢٤) عن جابر مرفوعًا.

٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
و(البحرة): القرية، وكل قرية لها نهر ماء جارٍ أو ناقع فإن العرب
تسميها بحرًا، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ اُلْفَسَادُ فِ الْبَرِّ وَاَلْبَحْرِ﴾
[الروم: ٤١]: إنه عنى بالبحر الأمصار التي فيها أنهار ماء، والعرب
تقول: هذه بحرتنا، أي: بلدنا.
وقوله: (يعصبوه) أي: يسودوه، والسيد المطاع يقال له: المعصب؛
لأنه يعصب الأمور برأسه، والتاج عندهم للملك، والعصابة للسيد
المطاع. ومعنى (شَرِق بذلك): غص به، يقال: غص الرجل
بالطعام، وشرق بالماء، وشجى بالعظم.
فصل :
فيه دليل: أنه العَّ كان يقدر في ذلك الوقت على مقاومة ابن أبي،
ومقاومة من يؤذيه من الأنصار بمدينتهم وموضع سلطانهم.
فصل :
قوله: (عبد الله بن أبي ابن سلول) سلول: قبيلة من هوازن، وهو
اسم أمهم كما ذكره الجوهري(١). فعلى هذا لا ينصرف.
(١) ((الصحاح)) ١٧٣١/٥.

٨٥
كِتَابُ الاسْتِئْذَانِ
٢١ - باب مَنْ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَى مَنِ افْتَرَفَ ذَنْبًا
وَلَمْ يَرُدَّ سَلَامَهُ حَتَّى تَتَبَيَّ تَوْبَتُهُ، وَإِلَى مَتَى تَتَبَيَّنُ
تَوْبَةُ العَاصِي؟
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو: لَا تُسَلِّمُوا عَلَى شَرَبَةِ الخَمْرِ.
٦٢٥٥ - حَدَّثَنَا ابن بُكَثْرِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلِ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ كَغْبَ بْنَ مَالِكِ يُحَدِّثُ حِينَ
تَخَلَّفَ عَنْ تَبُوكَ: وَنَهَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَنْ كَلَامِنَا، وَآتِي رَسُولَ اللهِ وَّهِ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ،
فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ أَمْ لَا؟ حَتَّى كَمَلَتْ خَمْسُونَ لَيْلَةً، وَأَذَنَ
النَّبِيُّ ◌َةَ بِتَوْبَةِ اللهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى الفَجْرَ. [انظر: ٢٧٥٧ - مسلم: ٢٧٦٩ - فتح ١١ / ٤٠]
ثم ذكر فيه حديثَ كعب حين تخلف عن تبوك ونهيه عن كلامهم.
وفيه: وَآتِي رَسُولَ اللهِ وَّهِ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ
شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ أَمْ لَا؟ حَتَّى كَمَلَتْ خَمْسُونَ لَيْلَةً، وَأَذَنَ النَّبِيُّ وََّ بِتَوْبَةِ
اللهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى الفَجْرَ.
الشرح :
(شَرَبَة) بفتح الشين والراء، كأنه جمع شارب مثل آكل وأكلة، ولم
يجمعه اللغويون كذلك، وإنما جمعوه شارب وشرب، مثل صاحب
وصحب، وجمع الشرب: شروب.
وقوله: (وإلى متى تتبين توبة العاصي) ليس في ذلك حد محدود،
ولكن معناه أنه لا تتبين توبته من ساعته ولا يومه حتى يمر عليه ما يدل
على ذلك.
وروى ابن وهب، عن يزيد بن أبي حبيب قال: لو مررت على قوم

٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
يلعبون بالشطرنج ما سلمت عليهم(١).
وكان سعيد بن جبير إذا مر على أصحاب(٢) لم يسلم عليهم (٣).
ورخص مالك في السلام على من لم يدمن اللعب بها (2)، وإنما
يلعب بها المرة بعد المرة.
قال الداودي: ليس ما كان من أمر كعب وصاحبيه حدًّا لذلك؛ لأنه
لم يوقت لهم ذلك في أول الأمر، وإنما وقف عنه حتى شاء الله، وقد
أنتظر الوحي فليس يعرف توبة أحد أنها قبلت.
فصل :
قوله: (كملت) هو مثلث الميم، قال في ((الصحاح)): والكسر أردؤها(٥).
فصل :
المبتدع ومن أقترف ذنبًا عظيمًا ولم يتب منه، فينبغي ألا يسلم عليه
ولا يرد القّها، كما ذكره البخاري وغيره من العلماء محتجين بقصة كعب،
فإن أضطر إلى السلام على الظلمة سلم عليهم، وينوي أن السلام آسم
من أسمائه تعالى، المعنى: الله عليكم رقيب.
قال المهلب: ترك الكلام على العصاة -بمعنى التأديب لهم- سنة
ماضية؛ لحديث كعب بن مالك وصاحبيه -الثلاثة الذين خلفوا- وبذلك
قال كثير من أهل العلم في أهل البدع: لا يسلم عليهم أدبًا لهم.
(١) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) ٢٤٢/٦-٢٤٣ (٦٥٢٦).
(٢) في هامش الأصل: لعله سقط: الشطرنج.
(٣) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٢٩٠/٥ (٢٦١٦٤).
(٤) ((عقد الجواهر الثمنية)) ١٣٠١/٣.
(٥) (الصحاح)) ١٨١٣/٥.

٨٧
كِتَابُ الاسْتِئْذَانِ
=
وقد روي عن علي # أنه قال: لا تسلموا على مدمني الخمر،
ولا على (المسيء)(١) بأبويه، ذكره الطبري، وكذلك كان في قطع
الكلام عن كعب وصاحبيه حين تخلفوا وإظهار الموجدة عليهم أبلغ
في الأدب لهم، فالإعراض أدب بالغ؛ ألا ترى قوله تعالى: ﴿وَلَِّى
تَّخَافُونَ نُشُوزَهُرَ فَعِظُوهُنَ وَأَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤].
(١) غير واضحة في الأصل، والمثبت أقرب لرسمها ولمعنى السياق.

٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٢٢- باب كَيْفَ يُرَدُّ عَلَى أَهْلِ الذِّقَةِ السَّلَامُ؟
٦٢٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُزْوَةُ، أَنَّ
عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: دَخَلَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى سُولِ اللهِ وَّةِ فَقَالُوا: السَّامُ
عَلَيْكَ. فَفَهِمْتُهَا فَقُلْتُ: عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّغْنَةُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ رَ: ((مَهْلًا يَا
عَائِشَةُ، فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ)). فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا
قَالُوا قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: ((فَقَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ)).
٦٢٥٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ
اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ قَالَ: ((إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمُ اليَهُودُ فَإِنَّمَا
يَقُولُ أَحَدُهُمُ: السَّامُ عَلَيْكَ. فَقُلْ: وَعَلَيْكَ)). [٦٩٢٨ - مسلم: ٢١٦٤ - فتح ٤٢/١١]
٦٢٥٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ
بْنِ أَنَسٍ، حَدَّثَنَا أَنَّسُ بْنُ مَالِكِ تَُّهَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّه: ((إذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ
الكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ)). [٦٩٢٦ - مسلم: ٢١٦٣ - فتح ٤٢/١١]
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها: دَخَلَ رَهْطٌ مِنَ اليَهُودِ عَلَى
رَسُولِ اللهِ نَّهِ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ. فَفَهِمْتُهَا فَقُلْتُ: عَلَيْكُمُ السَّامُ
وَاللَّعْنَةُ. الحديث سلف. وفي آخره: ((فقد قلت: وعليكم)).
وحديث ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّه وَّرَ قَالَ: ((إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمُ
اليَهُودُ فَإِنَّمَا يَقُولُ أَحَدُهُمُ: السَّامُ عَلَيْكَ. فَقُلْ: وَعَلَيْكَ)).
وحديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ◌َُ: قَالَ رسول الله وَّهِ: ((إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ
أَهْلُ الكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ)).
الشرح :
(السام): فسره أبو عبيد وقال: هو الموت. وتأوله قتادة على خلافه،
وقال: تسأمون دينكم، وهو مصدر سئمته سآمة وسامًا وروي مرفوعًا،

٨٩
كِتَابُ الاسْتِئْذَانِ
=
ذكره بقي بن مخلد في ((تفسيره)))(١) عن سعيد، عنه -أعني قتادة- عن
أنس، أنه التَّة بينما هو جالس مع أصحابه إذ أتى يهودي فسلم عليه،
فردوا عليه، فقال القَّة: ((هل تدرون ما قال؟))، قالوا: سلم يا رسول
الله، قال: ((قال: سام عليكم. أي: تسأمون دينكم))(٢).
وفي رواية: قالت: عليكم السام والذَّام(٣)، بالدال المهملة،
والمعجمة، فأما من قال بالمهملة أي: الموت الدائم، فحذفت الياء؛
لأجل السام، وبالذال المعجمة: العيب، تهمز ولا تهمز. ورواية من
روى: عليكم، بغير واو، أحسن من رواية من روى بالواو، كما قاله
الخطابي (٤)؛ لأن معناه بغير واو: رددت ما قلتموه عليكم، وإذا
أدخلت الواو صار المعنى: عليَّ وعليكم؛ لأن الواو حرف تشريك(٥).
وقال ابن حبيب: إذا قلت: وعليك. حققت على نفسك ما قال، ثم
أشركته معك فيه، ولكن قل: عليك. كأنه رد عليه بما قال، ولعله لم
يبلغه الحدیث.
وقد اختلف العلماء في رد السلام على أهل الذمة فقيل: فرض،
وهذا تأويل قوله: ﴿وَإِذَا حُبِّيْتُم بِنَحِيَّةٍ﴾ الآية [النساء: ٨٦]. قال
ابن عباس وقتادة وغيرهما: هي عامة في الرد على المؤمنين والكفار.
قال: وقوله: ﴿أَوْ رُدُّوهَاً﴾. بقول: وعليكم. للكفار. قال ابن عباس:
(١) من (ص٢).
(٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) ١٥/١٢، وابن حبان ٢/ ٢٥٦، من طريق بن یزید زريع،
عن شعيب، عن قتادة، عن أنس به.
(٣) رواه مسلم (١١/٢١٦٥).
(٤) ((معالم السنن)) ١٤٣/٢.
(٥) ((غريب الحديث)) للخطابي ٣٢٢/١.

٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ومن سلم عليك من خلق الله فاردد عليه ولو كان مجوسيًّا(١).
وروى ابن وهب عن مالك: لا ترد على اليهودي والنصراني، فإن
رددت فقل: عليك(٢) .
وروى ابن عبد الحكم عن مالك أنه يجوز تكنية اليهودي والنصراني
وعيادته(٣)، وهذا أكثر من رد السلام.
وروى يحيى عن مالك أنه سئل عمن سلم على يهودي أو نصراني
هل يستقيله ذلك؟ قال: لا(٤).
وقال ابن وهب: يسلم عليهما(٥)، وتلا قوله تعالى: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ
حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] واحتج بقوله تعالى: ﴿فَأَصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَمٌ﴾
[الزخرف: ٨٩].
ورد بأنه لو كان كما قال لكان سلامًا بالنصب، وإنما يعني به على
اللفظ والكناية.
وقيل: إن الآية منسوخة؛ بآية القتال، وقيل: لا يرد عليهم. والآية
في أهل الإسلام خاصة عن عطاء(٦)، ورد الشارع على اليهودي:
((وعليكم)). حجة لمن (رأى)(٧) الرد على أهل الذمة، فسقط قول
عطاء، ورواه أشهب وابن وهب عن مالك.
(١) رواه عنهما الطبري في ((تفسيره)) ٤/ ١٩١ (١٠٠٤٥-١٠٠٤٨).
(٢) ((المنتقى)) ٢٨٠/٧-٢٨١.
(٣) المصدر السابق ٣٤٣/٣.
(٤) ((الموطأ)) ٢/ ٩٦٠.
(٥) ((المنتقى)) ص٥٩٥
(٦) الطبري ٤ /١٩١.
(٧) في الأصل: (أراد).

٩١
كِتَابُ الاسْتِئْذَانِ
قال المهلب: وفي الحديث من الفقه جواز أنخداع الرجل الشريف
المكائد أو عاص أو معارضته من حيث لا يشعر إذا رجا رجوعه وتوبته.
وفيه: الانتصار للسلطان ووجوب ذلك على حاشيته وحشمه.
فصل :
حديث ابن عمر هنا بالواو، وحذفها في ((الموطأ)) (١).
فصل :
في ((المعونة)): في اختيار بعضهم أنه يرد عليهم بكسر السين، وهي
الحجارة، قال: والأولى أن يقال: وعليك(٢). والصواب أن يقال لهم:
السلام على من اتبع الهدى، كما كتب الشارع إلى هرقل(٣).
فرع :
سلم على من ظنه مسلمًا فبان كافرًا استحب أن يرد سلامه فيقول:
رُدَّ علي سلامي، والمقصود من ذلك أن يوحشه، ويظهر له أن ليس
بينهما ألفة، روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سلم على رجل،
فقيل له: إنه يهودي. فتبعه وقال: ردَّ علي سلامي(٤).
(١) ((الموطأ)) ٢ / ٩٦٠.
(٢) ((المعونة)) ٢ / ٥٧٢.
(٣) سلف أول الكتاب برقم (٧)، ورواه مسلم (١٧٧٣).
(٤) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ١٠/ ٣٩٢ (١٩٤٥٨).

٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٢٣ - باب مَنْ نَظَرَ فِي كِتَابٍ
مَنْ يُحْذَرُ عَلَى المُسْلِمِينَ لِيَسْتَبِينَ أَمْرُهُ
٦٢٥٩ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بنُ بُهْلُولٍ، حَدَّثَنَا ابن إِذْرِيسَ قَالَ: حَدَّثَنِي خُصَيْنُ بْنُ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيَّ ◌َّهِ قَالَ
بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ نَّهِ وَالزُّبَيْرَ بْنَ العَوَّامِ وَأَبَا مَرْثَدِ الغَنَوِيَّ وَكُلُّنَا فَارِسٌ، فَقَالَ:
((انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخْ، فَإِنَّ بِهَا أَمْرَأَةً مِنَ المُشْرِكِينَ مَعَهَا صَحِيفَةٌ
مِنْ حَاطِبٍ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى أَلْمُشْرِكِينَ)). قَالَ: فَأَدْرَكْنَاهَا تَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ لَهَا
حَيْثُ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ وَ قَالَ: قُلْنَا: أَيْنَ الكِتَابُ الذِي مَعَكِ؟ قَالَتْ: مَا مَعِي
كِتَابٌ. فَأَنَخْنَا بِهَا، فَابْتَغَيْنَا فِي رَحْلِهَا فَمَا وَجَدْنَا شَيْئًا، قَالَ صَاحِبَايَ: مَا نَرىُ كِتَابًا.
قَالَ: قُلْتُ: لَقَدْ عَلِمْتُ مَا كَذَبَ رَسُولُ اللهِ نَّةِ، وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لَتُخْرِجِنَّ الِكِتَابَ أَوْ
لأُجَرَّدَنَّكِ. قَالَ: فَلَمَّا رَأَتِ الجِدَّ مِنِّي أَهْوَتْ بِيَدِهَا إِلَى حُجْزَتِهَا - وَهْيَ مُحْتَجِزَةٌ
بِكِسَاءٍ - فَأَخْرَجَتِ الكِتَابَ. قَالَ: فَانْطَلَقْنَا بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلَه، فَقَالَ: «مَا حَمَلَكَ
يَا حَاطِبُ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟)). قَالَ: مَا بِي إِلَّ أَنْ أَكُونَ مُؤْمِنَا بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَا غَيَّرْتُ
وَلَا بَدَّلْتُ، أَرَدْتُ أَنْ تَكُونَ لِي عِنْدَ القَوْمِ يَدٌ يَدْفَعُ اللهُ بِهَا عَنْ أَهْلِي وَمَالِي، وَلَيْسَ مِنْ
أَضْحَابِكَ هُنَاكَ إِلَّ وَلَهُ مَنْ يَدْفَعُ اللهُ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ. قَالَ: ((صَدَقَ، فَلَا تَقُولُوا لَهُ
إِلَّا خَيْرًا)). قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الَخَطَّابِ: إِنَّهُ قَدْ خَانَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، فَدَغْنِي
فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ. قَالَ: فَقَالَ: ((يَا عُمَرُ، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ قَدِ أَطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ
فَقَالَ: أَعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمُ الجَنَّةُ). قَالَ: فَدَمَعَتْ عَيْنَا عُمَرَ وَقَالَ:
اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. [انظر: ٣٠٠٧ - مسلم: ٢٤٩٤ - فتح ١١/ ٤٦]
ذكر فيه حديث عليٍّ اللّه في صحيفة حاطب بن أبي بلتعة مع الظعينة
في روضة خاخ، وقد سلف بطوله واضحا.
وفيه - كما قال المهلب -: هتك ستر المذنب، وكشف المرأة
العاصية، وأن الحديث الذي روي أنه لا يجوز النظر في كتاب أحد،

٩٣
كِتَابُ الاسْتِئْذَانِ
وأن ذلك حرام، وما جاء في التغليظ فيه (١)، فإنما ذلك لمن يظن به في
كتابه إلا الخير، فإن كان متهمًا على المسلمين فلا حرمة لكتابه ولا له،
ألا ترى أن المرأة لا يجوز النظر إليها عريانة لغير ذي محرم منها؛ لأنها
عورة، وقد أراد عليٍّ تجريدها لو لم تخرج الكتاب، وأقسم إن لم تخرجه
ليجردنها، وحرمة المرأة أكثر من حرمة الكتاب، وقد سقطت عند
خيانتها، فكذلك حرمة الكتاب.
وفيه دليل أنه لا باس بالنظر إلى عورة المرأة عند الأمر ينزل فلا يجد
من النظر إليها بدًّا، ويشهد لصحة ذلك ما رواه مالك، عن سهيل بن أبي
صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن سعد بن عبادة قال: يا رسول الله،
أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلًا، أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ فقال
القَلْ: ((نعم))(٢).
(١) يشير المصنف - رحمه الله- إلى ما رواه أبو داود (١٤٨٥) من طريق عبد الله بن
يعقوب بن إسحاق عمن حدثه عن محمد بن كعب القرظي: حدثني عبد الله بن
عباس أن رسول الله وَ﴾ قال: ((لا تستروا الجدر، من نظر في كتاب أخيه بغير إذنه
فإنما ينظر في النار .. )) الحديث.
وهو حديث ضعيف، قال أبو داود: روي هذا الحديث من غير وجه عن محمد بن
كعب كلها واهية، وهذا الطريق أمثلها، وهو ضعيف أيضًا.
وقال الحافظ في ((الفتح)) ٤٧/١١، والألباني في ((الإرواء)) ١٨٠/٢: مسنده
ضعيف وضعفه أيضًا في ((ضعيف أبي داود)) (٢٦٢).
ورواه الطبراني ٣٢٠/١٠ (١٠٧٨١)، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) ١/ ٢٨٤-
٢٨٥ (٤٦٤) من طريق هشام بن زياد -أبي المقدام- عن محمد بن كعب القرظي،
عن ابن عباس، مرفوعًا بنحوه.
وهذا إسناد ضعيف أيضًا، كما أشار أبو داود قبل، لذا أورده الألباني في
((الضعيفة)) (٥٢١٨، ٥٤٢٥) وقال: ضعيف جدًّا.
(٢) رواه في ((الموطأ)) ص٤٥٩.

٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قال الطبري: ولو كان الشهداء الأربعة إذا حضروا لم يجز لهم النظر
إلى فروجهما لم يكن حضورهم وغيبتهم إلا سواء؛ لأن الشهادة على
الزنا لا تصح، إلا أن يشهد الشهود أنهم رأوا ذلك مهما كالمرود في
المكحلة.
وقد سلف بعض معاني هذا الحديث في باب: (الجاسوس) في
كتاب الجهاد(١)، وسيأتي في باب: المتأولين، في آخر الديات(٢).
فصل :
شيخ البخاري (في هذا الحديث)(٣): يوسف بن بُهلول بضم الباء
وهو نعت ومعناه الضحاك، وسمي به وليس وزنه مثل: سُبوح
وقُدوس؛ لأن هذا فعلول بالضم وذلك فعول لم يأت سواهما،
وفيهما الفتح، والروح ثالثهما ليس فيه إلا الضم، وليس في الكلام
فعلول (بالفتح سوى صعفوق كما نبه عليه الجوهري، قال:
وأما خرنوب فإن الفصحاء يضمونه أو يشددونه مع حذف النون
وإنما يفتحها العامة) (٤) .
فصل :
وقول عليّ ه: (بعثني والزبير وأبا مرثد الغنوي). هؤلاء من
شجعان الصحابة، وفيه تجريد المرأة للضرورة إذا عصت بعد
(التهديد)(٥) بذلك، كما سلف.
(١) راجع شرح حديث (٣٠٠٧) كتاب: الجهاد والسير، باب: الجاسوس.
(٢) أنظر ما سيأتي برقم (٦٩٣٩) كتاب: استتابة المرتدين! باب: ما جاء في المتأولين.
(٣) من (ص٢).
(٤) من (ص٢). وانظر: ((الصحاح)) ١٥٠٧/٤، [صعق].
(٥) من (ص٢).

٩٥
كِتَابُ الاسْتِئْذَانِ
=
وقوله: (فلما رأت الجد) الجد بالكسر نقيض الهزل، تقول منه: جد
في الأمر، يجد بالكسر جدًّا .
وقول عمر : (دعني أضرب عنقه) لعله لم يسمع قوله القليئة:
((ولا تقولوا له إلا خيرًا)) أو كان قبل قول ذلك.

٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٢٤- باب كَيْفَ يُكْتَبُ إِلَى أَهْلِ الكِتَابِ؟
٦٢٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلِ أَبُو الحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَن
الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا
سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ - وَكَانُوا تِجَارَا بِالشَّأْمِ-
فَأَتَوْهُ فَذَكَرَ الحَدِيثَ. قَالَ: ثُمَّ دَعَا بِكِتَابٍ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فَقُرِئَ فَإِذَا فِيهِ: ((بِسْمِ اللهِ
الرَّحْمَنِ الرَّحِيم، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيم الرُّومِ، السَّلَامُ
عَلَى مَنِ أَتَّبَعَ الَهُدىُ، أَمَّا بَعْدُ)). [انظر: ٧ - مسلم: ١٧٧٣ - فتح ١١ /٤٧]
ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْب
أَخْبَرَهُ، أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ - وَكَانُوا تِجَارًا بِالشَّأُمِ-
فَذَكَرَ الحَدِيثَ. (ثم قَالَ:) (١) ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ وَ (فَقُّرِئَ) (٢)
فَإِذَا فِيهِ: ((بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى
هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، السَّلَامُ عَلَى مَنِ أَتَّبَعَ الهُدىُ، أَمَّا بَعْدُ)).
وقد سلف، وأهل الكتاب لا بأس أن يكتب إليهم بالبسملة ويقدم
الكاتب أسمه في الكتابة كما يفعل إذا كتب إلى مسلم. وفي الحديث
حجة لمن أجاز بداءة أهل الذمة بالسلام عند الحاجة تكون إليهم؛
لأنه التَّ إنما كتب إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام.
فائدة :
هرقل: ملك الروم بكسر الهاء وإسكان الراء، ويجوز فتحها، ذكره
الجوهري، (وقد سلف ذلك)(٣).
(١) من (ص٢).
(٢) من (ص٢).
(٣) من (ص٢). وانظر: ((الصحاح)) ٥/ ١٨٤٩.

٩٧
كِتَابُ الاسْتِئْذَانِ
=
٢٥- باب بِمَنْ يُبْدَأُ في الكِتَابِ
٦٢٦١ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُزْمُزَ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ ◌َُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ يَّ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا،
فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ
سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((نَجَرَ خَشَبَةً، فَجَعَلَ المَالَ فِي جَوْفِهَا، وَكَتَبَ
إِلَيْهِ صَحِيفَةً: مِنْ فُلَاذٍ إِلَى فُلَانٍ)). [انظر: ١٤٩٨ - فتح ٤٨/١١]
وقال اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَّهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ
أَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا، فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ.
وقد سلف.
وأخرجه الإسماعيلي عن محمد بن سليمان، ثنا عاصم، ثنا الليث به.
وقال عمر بن أبي سلمة عن أبيه، سمع أبا هريرة ظه قال: قال النبي
وَهُ : «نَجَرَ خَشَبَةً، فَجَعَلَ المَالَ فِي جَوْفِهَا، وَكَتَبَ إِلَيْهِ صَحِيفَةً: مِنْ فُلَانٍ
إِلَىْ فُلَازٍ».
(ونقر) (١) بالنون أي: نقبها بالمنقاب.
أما فقه الباب: فقال الداودي: كتب ابن عمر إلى أبيه رضي الله
عنهما فبدأ بنفسه، وسأله رجل كتابًا إلى معاوية في امرأته، فأراد أن
يبدأ بنفسه فقيل له: إن بدأت به كان أنجح للحاجة ففعل. وهو جائز
عند مالك البداءة بالمكتوب إليه، قال: تطابق الناس اليوم على ذلك،
وكان يأباه بعض العراقيين.
(١) في الأصل أعلاها: كذا.

٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال المهلب: السنة أن يبدأ صاحب الكتاب بذكر نفسه. فلذلك
هي في جميع الأشياء؛ إلا أنه قد جاء في الحديث: ((صاحب الدابة
أولى بمقدمها))(١) .
وروى معمر، عن أيوب قال: قرأت كتابًا: من العلاء بن الحضرمي
إلى محمد رسول الله.
وقال الشعبي: كتب أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل: من أبي
عبيدة، ومعاذ لعبد الله عمر أمير المؤمنين.
وقال نافع: كان عمال عمر ته إذا كتبوا إليه بدءوا بأنفسهم.
وقال معمر عن أيوب، عن نافع: كان ابن عمر يأمر غلمانه إذا كتبوا
إليه أن يبدءوا بأنفسهم، وإلا لم يرد لهم جوابًا(٢).
(١) بهذا اللفظ رواه ابن أبي شيبة ٢٢٦/٥ (٢٥٤٦٦) مقطوعًا عن الشعبي.
ورواه أحمد ١٩/١ عن عمر بن الخطاب قال: قضى النبي ◌ّر أن صاحب الدابة
أولی بصدرها.
ورواه ٣٢/٣ عن أبي سعيد، عن النبي وَّر، قال: ((الرجل أحق بصدر دابته .. ))
الحدیث.
قال الهيثمي في ((المجمع)) ٦١/٨: رواه أحمد، وفيه: إسماعيل بن رافع قال
البخاري: ثقة مقارب الحديث، وضعفه جمهور الأئمة، وبقية رجاله رجال
الصحيح، ورواه الترمذي (٢٧٧٣)، وأحمد أيضًا ٣٥٣/٥عن بريدة أنه قال: بينا
رسول الله يمشي ... إلى قوله وَلجر: ((لا، أنت أحق بصدر دابتك مني إلا أن تجعله
لي .. )) الحدیث.
ورواه ابن حبان في ((صحيحه)) عن بريدة أيضًا ٣٦/١١-٣٧ (٤٧٣٥)، وصححه
الألباني في ((صحيح الترمذي)) (٢٢٣٥).
(٢) روى هذِه الآثار عبد الرزاق في ((المصنف)) ٤٢٨/١١-٤٢٩ (٢٠٩١٢، ٢٠٩١٤ -
٢٠٩١٦).

٩٩
= ڪِتَابُ الاسْتِئْذَانِ
وأجاز قوم أن يبدأ باسم غيره قبله، قال معمر: وكان أيوب ربما بدأ
باسم الرجل قبله إذا كتب إليه(١).
وروئ أشهب أن مالگًا سئل عن الذي يبدأ في الكتاب بأصغر منه،
ولعله ليس بأفضل منه، قال: لا بأس بذلك. أرأيت لو أوسع له في
المجلس إذا جاء أعطى ماله. وقال: إن أهل العراق يقولون: لا تبدأ
بأحد قبلك، وإن كان أباك أو أكبر منك. يعيب ذلك من قولهم. وفي
الحديث: ((كبر كبر)» الذي أراد أن يتكلم قبل صاحبه(٢).
فصل :
قال بعضهم: في الحديث الأول دليل على إثبات كرامات الأولياء.
وعليه جمهور الأشعرية خلافًا لأبي إسحاق الشيرازي، ووافقه ابن أبي
زيد وأبو الحسن القابسي، كذا في ابن التين، فليحرر.
(١) رواه عبد الرزاق ٤٢٨/١١-٤٢٩ (٢٠٩١٤).
(٢) سلف برقم (٣١٧٣)، ورواه مسلم (٦٦٩).

١٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٢٦- باب قَوْلِ النّبِيِّ ◌َّ: ((قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ))
٦٢٦٢- حَدَّثَنَا أَبُوِ الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ
سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ أَنَّ أَهْلَ قُرَيْظَةَ نَزَلُوا عَلَى حُكْم سَغدٍ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ
وَ إِلَيْهِ فَجَاءَ، فَقَالَ: ((قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ)). أَوْ قَالَ: ((خَيْرِكُمْ)). فَقَعَدَ عِنْدَ النَّبِيِّ
وَلِّ، فَقَالَ: ((هؤلاء نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ)). قَالَ: فَإِّ أَحْكُمُ أَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ،
وَتُسْبَى ذَرَارِتُّهُمْ. فَقَالَ: (لَقَدْ حَكَمْتَ بِمَا حَكَمَ بِهِ المَلِكَ)).
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: أَفْهَمَنِي بَعْضُ أَصْحَابِيٍ، عَنْ أَبِيِ الوَليدِ مِنْ قَوْلٍ أَبِي سَعِيدٍ :
((إِلَى حُكْمِكَ)). [انظر: ٣٠٤٣ - مسلم: ١٧٦٨ - فتح ١١/ ٤٩]
ذكر فيه حديث أَبِي سَعِيدٍ في قصة أهل قريظة فقال: ((قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ)).
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: أَفْهَمَنِي بَعْضُ أَصْحَابِي، عَنْ أَبِيِ الوَلِيدِ مِنْ قَوْلِ
أَبِي سَعِيدٍ : ((إِلَى حُكْمِكَ)).
فيه: أمر السلطان والحاكم بإكرام السيد من المسلمين، وجواز
إكرام أهل الفضل في مجلس السلطان الأكبر والقيام فيه لغيره من
أصحابه، وإلزام الناس كافة للقيام إلى سيدهم.
وأما حديث مسعر عن أبي العنبس، عن أبي العدبس، عن أبي
مرزوق، عن أبي غالب، عن أبي أمامة قال: خرج علينا النبي وَّ
متوكئًا على عصاةٍ فقمنا له، فقال: ((لا تقوموا كما تقوم الأعاجم
بعضهم لبعض))، فضعيف(١).
(١) رواه أبو داود (٥٢٣٠)، وأحمد ٢٥٣/٣، والطبري في ((تهذيب الآثار)) (٨٣٣) من
الطريق الذي ذكره المصنف. وهو حديث ضعيف، كما ذكر المصنف رحمه الله؛
أعله الطبري كما سيأتي، وأعله العراقي في ((تخريج الإحياء)) ٥٠٨/١ (١٩٥٢):
بجهالة أبي العدبس. وقال الألباني في «الضعيفة)) (٣٤٦): ضعيف، وفي إسناده
أضطراب وضعف وجهالة.