Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
كِتَابُ الاسْتِئْذَانِ
=
الكفاية. وأما التي هو بفعلها محمود وتركها غير مذموم فالسلام عليه إذا
لقيه، فإن المبتدئ أخاه بالسلام له الفضل كما سلف في المتهاجِرَين
((وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)) (١) ومن ذلك عيادته لأخيه إذا مرض،
وإجابته إلى طعام إذا دعاه إليه، فإن تارك ذلك تارك للفضل لا تارك
فرض؛ لإجماع الجميع على ذلك.
قلت: كذا قال، والخلاف عندنا في وليمة العرس والأظهر
الوجوب، وقد سلف جملة من معنى هذا الحديث في الجنائز (٢)
والمظالم (٣) والنكاح(٤) واللباس(٥).
فصل :
سلف ذكر المياثر، قال الجوهري: ميثرة الفرس: لبدته، غير
مهموزة والجمع: مياثر ومواثر(٦). قال أبو عبيد: وأما المياثر الحمر
التي جاء فيها النهي فكانت من مراكب الأعاجم من ديباج أو من
حرير (٧). وعند الهروي: في الحديث: نهى عن ميثرة الأرجوان؛
صبغ أحمر(٨).
(١) سلف برقم (٦٠٧٧) من حديث أبي أيوب الأنصاري: كتاب: الأدب، باب
الهجرة، ورواه مسلم برقم (٢٥٦٠).
(٢) راجع شرح حديث (١٢٣٩).
(٤) راجع شرح حديث (٥١٧٥).
(٥) راجع شرح أحاديث (٥٨٣٨، ٥٨٤٩، ٥٨٦٣).
(٣) راجع شرح حديث (٢٤٤٥).
(٦) (الصحاح)) ٢/ ٨٤٤ مادة [وثر].
(٧) ((غريب الحديث)) لابن سلام ١٣٩/١.
(٨) ((النهاية في غريب الحديث)) ٥/ ١٥٠ والحديث أخرجه الترمزي عن عمران بن
حصين (٢٧٨٨) وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وصححه الألباني
في ((صحيح الترمذي)) (٢٢٣٩).

٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ===
وقال ابن فارس: المياثر ثياب حمر كانت مراكب العجم (١).
والقسيُّ سلف أنه بفتح القاف وكسرها، وقال الجوهري: إنه ثوب
يحمل من مصر يخالطه الحرير(٢). وقال أبو عبيد: هو منسوب إلى بلاد
يقال لها: القَسُّ، قال: وقد رأيتها، ولم يعرفها الأصمعي (٣)، وقيل:
هي القزي. أي: الإِبْرَيْسَم، أبدلت من الزاي سينًا، وقال ابن فارس:
هي ثياب يؤتى بها من اليمن (٤).
(١) ((مجمل اللغة)) ٩١٥/٢ مادة [وثر].
(٢) في هامش الأصل: لم أره في ((الصحاح)) في نسختي، وهي صحيحة. [قلت:
الكلام بنصه في ((الصحاح)) ٩٦٣/٣].
(٣) ((غريب الحديث)) ١/ ١٣٧ وهي قرية بمصر تنسب إليها الثياب القسية التي نهى
عنها النبي حكاه الحموي في ((معجم البلدان)) ٤/ ٣٤٤.
(٤) ((مجمل اللغة)) ٢/ ٧٥٣.

٤٣
كِتَابُ الاسْتِئْذَانِ
=
٩- باب السَّلَامِ لِلْمَعْرِفَةِ وَغَيْرِ المَعْرِفَةِ
٦٢٣٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ، عَنْ أَبِي
الَخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ◌َ: أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ:
(تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَعَلَى مَنْ لَمْ تَعْرِفْ)). [انظر: ١٢-
مسلم: ٣٩ - فتح ١١/ ٢١]
٦٢٣٧ - حَدَّثَنَا عَلَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ
اللَّنِيّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ◌َُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََِّ قَالَ: ((لَا يَحِلَّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ
ثَلَاثٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيَصُدُّ هذا، وَيَصُدُّ هذا وَخَيْرُهُمَا الذِي يَبْدَأُ بِالسَّلام)). وَذَكَرَ
سُفْيَانُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. [انظر: ٦٠٧٧ - مسلم: ٢٥٦٠ - فتح ١١ / ٢١]
ذكر فيه حديث يَزِيدَ - وهو ابن أبي حبيب- عَنْ أَبِي الخَيْرِ -وهو
مرثد بن عبد الله اليزني - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما أَنَّ
رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ بَّهِ: أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ
السَّلَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفَّ)) (وقد سلف في الإيمان)(١).
وحديث سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْئِيِّ، عَنْ أَبِي
أَيُّوبَ -خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد عوف بن غنم بن
مالك بن النجار- أنه نَّهِ قَالَ: ((لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ
ثَلَاثٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيَصُدُّ هذا، وَيَصُدُّ هذا وَخَيْرُهُمَا الذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَام)).
وَذَكَرَ سُفْيَانُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
الشرح :
مراده بقوله: (أيُّ الإسلام خير؟) أي: بعد التوحيد، أو يريد: أيُّ
شعب الإسلام خير؟ وفي حديث آخر: أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: ((إيمان
(١) من (ص٢)، قلت: سلف برقم (١٢).

٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
بالله ثم الجهاد))(١)، وفي آخر: ((ثم الصلاة لمواقيتها))(٢). وقد سلف الجمع
بين ذلك. وقال ابن التين: لعل هذا قبل أن يفرض الجهاد والصلاة،
وأخباره لا تتنافى، فإذا صلى في الوقت في الجهاد كان أفضل؛ لجمعه
بين الأمرين وإن صلاها في غير وقتها فالجهاد أفضل، وهذا لمن ليس له
أبوان؛ لقوله في الحديث الآخر بعد الصلاة: ((ثم بر الوالدين))(٣)،
فمن له أبوان فصلى في الوقت كان أفضل (من الجهاد) (٤).
فصل :
هذا أيضًا في باب الأدب والتواضع، وفي السلام لغير المعرفة
استفتاح للخلطة؛ ليكون المؤمنون كلهم إخوة؛ ولا يستوحش أحد من
أحد، وترك السلام لغير المعرفة يشبه صدود المتصارمين المنهي عنه،
فينبغي للمؤمن أن يجتنب مثل ذلك، وقد روى ابن مسعود ظه عن
رسول الله وَلقول أنه قال: ((من أشراط الساعة السلام للمعرفة))(٥).
وروى عبد الرزاق، عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يدخل
السوق، فما يلقى صغيرًا ولا كبيرًا إلا سلم عليه، ولقد مر بعبدٍ
أعمى فجعل يسلم عليه، والآخر لا يرد عليه، فقيل: إنه أعمى(٦).
(١) سلف برقم (١٥١٩) من حديث أبي هريرة كتاب: الحج، باب: فضل الحج المبرور.
(٢) سيأتي برقم (٧٥٣٤) من حديث ابن مسعود كتاب: التوحيد، باب: وسمى النبي
وَلّر الصلاة عملًا.
(٣) سلف برقم (٥٣٧) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: فضل الصلاة لوقتها.
(٤) من (ص٢).
(٥) رواه أحمد ٤٠٥/١. وقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على ((المسند)) (٣٨٤٨):
إسناده صحيح. ورواه أيضًا الإمام أحمد ١/ ٣٨٧ من طريق آخر. والحديث
صححه الألباني في ((الصحيحة)) (٦٤٨).
(٦) ((مصنف عبد الرزاق)) ٣٨٦/١٠ (١٩٤٤٢).

٤٥
= كِتَابُ الاسْتِئْذَانِ
وكان السلف من المحافظة على بذل السلام، كما ذكر معمر قال :
كان الرجلان من أصحاب النبي وَل﴾ مجتمعين، فتفرق بينهما شجرة، ثم
يجتمعان فيسلم أحدهما على الآخر (١).
ومما يدل على تأكيد السلام على كل أحد أن الله تعالى قد أمر
الداخل بيتًا غير مسكون بالسلام عند دخوله، وروي عن ابن عباس
والنخعي وعلقمة وعطاء وعكرمة وقتادة في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُم
بُيُوتًا فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] قالوا: إذا دخلت بيتًا ليس فيه
أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإن الملائكة ترد
عليك. وهذا يدل أن الداخل بيتًا مسكونًا أولى بالسلام(٢).
وروى ابن وهب، عن حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم أنه الشيخ
قال: ((إذا دخلتم بيوتكم فسلموا على أهلها، واذكروا اسم الله؛ فإن
أحدكم إذا سلم حين يدخل بيته، وذكر اسم الله على طعامه، يقول
الشيطان لأصحابه: لا مبيت لكم هنا ولا عشاء. وإذا لم يسلم إذا دخل
ولم يذكر اسم الله على طعامه، قال الشيطان لأصحابه: أدركتم المبيت
(٣)
والعشاء))(٣).
(١) رواه عنه عبد الرزاق ٣٨٨/١٠ (١٩٤٤٦).
(٢) الطبري ٣٥٦/٩-٣٥٧-٣٥٨، ((تفسير ابن أبي حاتم)) ٨/ ٢٦٥٠-٢٦٥١.
(٣) رواه الحاكم في ((المستدرك)) ٤٠١/٢-٤٠٢ من طريق محمد بن الحسن بن أبي
الحسن عن عبد الله بن الحارث بن فضيل عن أبيه عن جابر بن عبد الله، بنحوه.
قال الحاكم: حديث غريب الإسناد والمتن في هذا الباب، ومحمد بن الحسن
المخزومي أخشى أنه ابن زبالة، ولم يخرجاه.
والحديث رواه مسلم (٢٠١٨) من طريق أبي الزبير عن جابر مرفوعًا: ((إذا دخل
الرجل بيته، فذكر الله عند دخوله وعند طعامه .. )) الحديث.

٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وفي ((المشكل)) لأبي جعفر الطحاوي عن مسروق: كنت أنا وعلقمة
مع ابن مسعود وهو بيننا، فجاء أعرابي فقال: السلام عليكم يا ابن أم
عبد. فضحك عبد الله وقال: سمعت رسول الله وَّل يقول: ((إن من
أشراط الساعة السلام بالمعرفة))(١)، وفي رواية: ((ما بين يدي الساعة
تسليم الخاصة)) (٢)، وفي حديث إسلام أبي ذر قال: فانتهيت إليه
- يعني: رسول الله وَّة - وقد صلى هو وصاحبه - يعني: الصديق ظُ
فكنت أول من حياه بتحية الإسلام، فقال: ((وعليك ورحمة الله))(٣).
قال الطحاوي: وهذا ليس بمعارض للأول، إذ قد يحتمل أن يكون
أبو ذر كان مع الصديق ورسول الله وَ﴿ متشاغل إما بصلاة وإما بطواف؛
لأن ذلك كان بمكة عند البيت فلم يحتج إلى السلام على أبي بكر،
وكانت الحاجة إلى السلام على سيدنا رسول الله وَية؛ (فقصر سلامه
عليه فلم ينل) (٤) ذلك رسول الله وَل﴾(٥).
واختصاصه التَّ أبا ذر بالرد عليه وحده دون غيره؛ دليل على أن
الرد خلاف السلام؛ لأن المسلم على الواحد من الجماعة ظالم
لبقيتهم؛ لأنه كان عليه أن يسلم عليهم كلهم، والرد من المسلم عليه
عن نفسه وحده أو عن جماعة هو منهم على اختلاف بين أهل العلم
(١) ((مشكل الآثار)) ٢٦٥/٤ (١٥٩١) وفيه: عن علقمة أنه كان مع مسروق وابن
مسعود. أي: أن المتحدث هو علقمة، والذي مع ابن مسعود هو مسروق،
لا كما ذكر المصنف -رحمه الله.
(٢) مسلم (٢٤٧٣) كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل أبي ذر.
(٣) ((مشكل الآثار)) ٤/ ٢٧٠-٢٧١ (١٥٩٥).
(٤) كذا بالأصل، وفي ((شرح المشكل)) ٢٧٣/٤: (فقصد بسلامه إليه، فلم ينكر).
(٥) ((مشكل الآثار)) ٢٧٣/٤.

٤٧
كِتَابُ الاسْتِئْذَانِ
=
في ذلك؛ إنما هو على من سلم عليه عن نفسه أو عن جماعة منهم، فجاز
أن يختص به دون من سواه من الناس(١).
قال: وقد روي عن رسول الله وسلم أنه قال: ((لا غرار في صلاة
ولا تسليم))، قال أبو عبيد (٢): الغرار: النقصان، ومعناه في الصلاة أن
ينقص من ركوعها وسجودها، وفي السلام أن يقول: السلام عليك،
أو يرد بقوله: وعليك، ولا يقول: وعليكم(٣).
قال أبو جعفر: وقد يحتمل أن يكون النقصان المنهي عنه في السلام
القصد بالسلام إلى الواحد من الجماعة، بخلاف الرد لما ذكرناه،
مما يوجب حكم السلام، ورده في الحديث السالف وقد سلف الرد
بعليك، ولا نقص إذًا (٤).
(١) ((مشكل الآثار)) ٢٧١/٤ -٢٧٢.
(٢) ((غريب الحديث)) ١٢٨/٢ -١٢٩.
(٣) ((مشكل الآثار)) ٢٧٤/٤-٢٧٦ (١٥٩٧).
(٤) ((مشكل الآثار)) ٢٧٦/٤.

٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
١٠- باب آيَةِ الحِجَابٍ
٦٢٣٨ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا ابن وَهْبٍ، أَخْبَرَبِي يُونُسُ، عَنِ ابن
شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكِ أَنَّهُ كَانَ ابن عَشْرِ سِنِينَ مَقْدَمَ رَسُولِ اللهِّهِ المَدِينَةَ،
فَخَدَمْتُ رَسُولَ اللهِ وَِّ عَشْرًا حَيَاتَهُ، وَكُنْتُ أَعْلَمَ النَّاسِ بِشَأْنِ الِحِجَابِ حِينَ أُنْزِلَ،
وَقَدْ كَانَ أُبِيُّ بْنُ كَعْبٍ يَسْأَلُنِي عَنْهُ، وَكَانَ أَوَلَ مَا نَزَلَ فِي مُبْتَنَى رَسُولِ اللهِ بَلَهَ بِزَيْنَبَ
ابنةِ جَحْشٍ، أَصْبَحَ النَّبِيُّ ◌ََّ بِهَا عَرُوسًا فَدَعَا القَوْمَ، فَأَصَابُوا مِنَ الطَّعَامِ ثُمَّ خَرَجُوا،
وَبَقِيَ مِنْهُمْ رَهْطٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَ فَأَطَالُوا الْمُكْثَ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ إِلَ فَخَرَجَ
وَخَرَجْتُ مَعَهُ، كَي ◌َخْرُجُوا، فَمَشَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى جَاءَ عَتَبَةً
حُجْرَةٍ عَائِشَةَ، ثُمَّ ظَنَّ رَسُولُ اللهِ وَ أَنَّهُمْ خَرَجُوا فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ، حَتَّى دَخَلَ
عَلَى زَيْنَبَ فَإِذَا هُمْ جُلُوسٌ لَمْ يَتَفَرَّقُوا، فَرَجَعَ رَسُولُ اللهِ فَلَّهِ وَرَجَعْتُ مَعَهُ، حَتَّى بَلَغَ
عَتَبَةَ حُجْرَةٍ عَائِشَةَ، فَظَنَّ أَنْ قَدْ خَرَجُوا، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ فَإِذَا هُمْ قَدْ خَرَجُوا،
فَأُنْزِلَ آيَةُ الِحِجَابِ، فَضَرَبَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ سِتْرًا. [انظر: ٤٧٩١ - مسلم: ١٤٢٨ - فتح ١١ /٢٢]
٦٢٣٩ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّغْمَانِ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ أَبي: حَدَّثَنَا أَبُو مِجْلٍَ عَنْ أَنَسٍ
قَالَ: لَا تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ◌َّهِ زَيْنَبَ دَخَلَ القَوْمُ فَطَعِمُوا، ثُمَّ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ، فَأَخَذَ كَأَنَّهُ
يَتَهَيَّأُ لِلْقِيَامِ فَلَمْ يَقُومُوا، فَلَمَّا رَأْىُ ذَلِكَ قَامَ، فَلَمَّا قَامَ قَامَ مَنْ قَامَ مِنَ القَوْمِ وَقَعَدَ
بَقِيَّةُ القَوْمِ، وَإِنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ جَاءَ لِيَدْخُلَ فَإِذَا القَوْمُ جُلُوسٌ، ثُمَّ إِنَّهُمْ قَامُوا فَانْطَلَقُوا،
فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ رَِِّّ فَجَاءَ حَتَّى دَخَلَ، فَذَهَبْتُ أَدْخُلُ فَأَلّقَى الحِجَابَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ،
وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] الآيَةَ.
[ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: فِيهِ مِنَ الفِقْهِ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَأْذِنْهُمُ حِينَ قَامٍ وَخَرَجَ، وَفِيهِ أَنَّهُ تَهَّيأَ لِلقُيَامِ وَهُوَ يُريدُ أَنْ
يَقُومُوا] [انظر: ٤٧٩١ - مسلم: ١٤٢٨ - فتح ١١/ ٢٢]
٦٢٤٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا يَغْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحِ، عَنِ ابن شِهَابٍ
قَالَ: أَخْبَرَنِي عُزْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها زَوْجَ النَّبِيِّ وََّ قَالَتْ: كَانَ
عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ يَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ وَّةِ: أَحْجُبْ نِسَاءَكَ. قَالَتْ: فَلَمْ يَفْعَلْ، وَكَانَ

٤٩
ـ كِتَابُ الاسْتِئْذَانِ
وَثِّ يَخْرُجْنَ لَيْلًا إِلَى لَيْلِ قِبَلَ المَنَاصِع، خَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ،
أَزْوَاجُ النَّبِيِّ
وَكَانَتِ أَمْرَأَةً طَوِيلَةً فَرَآهَا عُمَرُ بْنُ الَخَطَّابِ وَهُوَ فِي المَجْلِسِ فَقَالَ: عَرَفْتُكِ يَا سَؤْدَةُ.
حِرْصًا عَلَى أَنْ يُنْزَلَ الِحِجَابُ. قَالَتْ: فَأَنْزَلَ اللهَ رَكْ آيَةَ الِحِجَابِ. [انظر: ١٤٦ - مسلم:
٢١٧٠ - فتح ٢٣/١١]
ذكر فيه حديث أَنَس ◌َّ أَنَّهُ كَانَ ابن عَشْرِ سِنِينَ مَقْدَمَ رَسُولِ اللهِ وَله
المَدِينَةَ، فَخَدَمْتُ رَسُولَ اللهِ وَّلَ عَشْرًا حَيَاتَهُ، فَكُنْتُ أَعْلَمَ النَّاسِ بِشَأْنِ
الحِجَابِ حِينَ أُنْزِلَ .. الحديث.
وحديث أبي مجلز - واسمه: لاحق بن حميد بن سعيد بن خالد بن
كثير بن حبيش بن عبد الله بن سدوس بن شيبان بن ذُهل بن ثعلبة
السدوسي البصري، مات قبل الحسن بقليل سنة تسع ومائة - عَنْ أَنَسٍ
﴿ قَالَ: لَمَّا تَزَوَّجَ رسول الله وَّهُ زَيْنَبَ دَخَلَ القَوْمُ فَطَعِمُوا، ثُمَّ
جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ، فَأَخَذَ كَأَنَّهُ يَتَهَيَّأُ لِلْقِيَامِ فَلَمْ يَقُومُوا، فَلَمَّا رَأْىُ ذَلِكَ
قَامَ، فَلَمَّا قَامَ قَامَ مَنْ قَامَ مِنَ القَوْم وَقَعَّدَ بَقِيَّةُ القَوْمِ، وَإِنَّ النَّبِيَّ ◌ِلـ
جَاءَ لِيَدْخُلَ فَإِذَا القَوْمُ جُلُوسٌ، ثُمَّ إِنَّهُمْ قَامُوا فَانْطَلَقُواَ .. الحديث.
وفي آخره: فَأَلْقَى الحجابَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّها
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِ﴾ [الأحزاب: ٥٣] الآيَةَ.
وحديث عَائِشَةَ رضي الله عنها: كَانَ عُمَرُ عَظُهُ يَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ
أَحْجُبْ نِسَاءَكَ .. الحديث.
وفيه: فرض الحجاب على أمهات المؤمنين؛ لقول عمر :
(احجب نساءك). وقال في حديث آخر: يا رسول الله، لو حجبت أمهات
المؤمنين فإنه يدخل عليهن البر والفاجر. فنزلت آية الحجاب(١)،
صَلىالله
وَسـ
(١) سلف برقم (٤٤٨٣).

التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
يوضحه قول الفقهاء: إن إحرام المرأة في وجهها وكفيها، وإجماعهم أن
لها أن تبرز وجهها؛ للإشهاد عليها، ولا يجوز ذلك في أمهات
المؤمنین .
وقد اختلف السلف في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا
مَا ظَهَرَ مِنْهًا﴾ [النور: ٣١] أهو الكحل والخاتم، أو الخضاب والسوار
والقرط والثياب، أو الوجه والكفان وهو الأظهر، روي ذلك عن
ابن عباس وابن عمر وأنس وهو قول مكحول وعطاء والحسن(١)، قال
إسماعيل بن إسحاق: فدخل في التفسير ما ذكر، والظاهر -والله
أعلم- يدل على أنه الوجه والكفان؛ لأن المرأة يجب عليها أن تستر
في الصلاة ما عداه (٢)؛ وفيه دلالة أنه يجوز للغرباء أن يروه من المرأة
-والله أعلم- بما أراد من ذلك. وسنعود إليه قريبًا في باب: من قام
(٣)
من مجلسه
. (
وقوله: (كنت أعلم الناس بشأن الحجاب): فيه: أنه يجوز للعالم
أن يضيف ما عنده من العلم لسائله عنه على وجه التعريف بما عنده
منه، لا على سبيل الفخر والإعجاب.
فصل :
قوله في الحديث الأول: (أصبح رسول الله وَل عروسًا). العروس
يستوي فيه الرجل والمرأة ما داما في أعراسهما؛ يقال: رجل عروس في
رجال عرس، وامرأة عروس في نساء عرس. والرهط: ما دون العشرة
(١) ذكر هذه الأقوال: الطبري ٣٠٤/٩-٣٠٥، ابن أبي حاتم ٢٥٧٠/٨-٢٥٧٥،
وابن كثير ١٠/ ٢١٧.
(٢) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٢١/٩.
(٣) انظر شرح الحديث الآتي برقم (٦٢٧١).

٥١
كِتَابُ الاسْتِئْذَانِ
=
ليس فيهم أمرأة، وفي رواية: كانوا ثلاثة رجال(١). وفي أخرى:
رجلين(٢) .
وقوله: (حتى إذا بلغ عتَبة حجرة عائشة) هي أَسْكُفَّةُ الباب، وهي
بفتح التاء.
فصل :
قوله في الحديث الثاني: (فأخذ كأنه يتهيأ للقيام) فيه أنه تهيأ، وهو
يريد قيامهم. وفيه: أنه لم يستأذنهم حتى قاموا، وقوله في الآية: ﴿غَيْرَ
نَظِرِينَ إِنَنهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] أي: متحرِّين نضجه، ﴿وَلَا مُسْتَئْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾
أي: بعد الأكل. وقوله: ﴿وَلَا أَنْ تَنكِحُواْ أَزْوَجَهُ﴾. قال معمر: قال
طلحة: إن مات رسول الله وَل﴿ تزوجت عائشة، فنزلت(٣).
فصل :
قال الداودي: حديث سودة -يعني: الثالث- ليس منها، إنما هو في
لباس الجلابيب ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَسِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩].
والمناصع: قال أبو سعيد: هي المواضع التي يتخلون فيها للبول
أو حاجة الإنسان، الواحد منصع، قال الأزهري: أراها مواضع خارج
المدينة (٤). قال: وفي الحديث أن المناصع: (يوقف أفلح)(٥)، خارجها.
واحجُب نساءَك بضم الجيم.
(١) رواها مسلم (١٤٢٨ / ٩٢).
(٢) سلفت برقم (٤٧٩٤)، ورواها مسلم (١٤٢٨ / ٨٧).
(٣) رواه عنه عبد الرزاق في ((التفسير)) ١٠٠/٢ (٢٣٧٢ - ٢٣٧٣).
(٤) ((تهذيب اللغة)) ٤/ ٣٥٨٦.
(٥) كذا صورتا هاتين الكلمتين بالأصل، والحديث هذا سلف برقم (١٤٦)، ورواه
مسلم (١٨/٢١٧) عن عائشة، وفيه قالت: إلى المناصع، وهو (صعيد أفيح).

٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
١١- باب الاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ البَصَرِ
٦٢٤١ - حَدَّثَنَا عَلَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ الزّهْرِيُّ: حَفِظْتُهُ كَمَا أَنَّكَ
هَا ههنا، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَغدٍ قَالَ: أَطَّلَعَ رَجُلٌ مِنْ جُحْرٍ فِي حُجَرِ النَّبِيِّ وََّ، وَمَعَ
النَّبِيِّ ◌ََّ مِذْرَى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ، فَقَالَ: ((لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُ لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ،
إِنَّمَا جُعِلَ الأَسْتِتْذَانُ مِنْ أَجْلِ البَصَرِ)). [انظر: ٥٩٢٤ - مسلم: ٢١٥٦ - فتح ٢٤/١١]
٦٢٤٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَنَسِ
ابْنِ مَالِكِ أَنَّ رَجُلًا أَطَّلَعَ مِنْ بَعْضِ حُجَرِ النَّبِيِّ نََّ، فَقَامَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ◌َ بِمِشْقَصٍ
-أَوْ: بِمَشَاقِصَ - فَكَأَنَّ أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَخْتِلُ الرَّجُلَ لِيَطْعُتَهُ. [٦٨٨٩، ٦٩٠٠ - مسلم: ٢١٥٧-
فتح ٢٤/١١]
ذكر فيه حديث سُفْيَانَ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: حَفِظْتُهُ كَمَا أَنَّكَ هُهنا، عَنْ
سَهْلِ بْنِ سَعْدِ الساعدي قَالَ: أَطَلَعَ رَجُلٌ مِنْ جُحْرٍ فِي حُجَرِ النَّبِيِّ
وَّةِ، وَمَعَ النَّبِيِّ نَّهِ مِدْرَى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ، فَقَالَ: ((لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُ
لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ، إِنَّمَا جُعِلَ الأَسْتِتْذَانُ مِنْ أَجْلِ البَصَرِ)).
وحديث أَنَسِ عُ أَنَّ رَجُلًا أَطَّلَعَ مِنْ بَعْضِ حُجَر رسول الله وَّهِ، فَقَامَ
إِلَيْهِ بِمِشْقَصِ - أَوْ بِمَشَاقِصَ- فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَخْتِلُ الرَّجُلَ لِيَطْعُنَهُ.
الشرح :
الكلام على ذلك من وجوه :
أحدها :
(الجحرة)(١) : بضم أوله وإسكان ثانيه: الخرق، والمدرى:
-بكسر الميم - يشبه المشط، وهي منونة؛ لأن وزنه مفعل، ليس
فعلا، قال ابن فارس: مدرت المرأة إذا سرحت شعرها .
(١) في (ص٢) : (الجحر).

٥٣
كِتَابُ الاسْتِئْذَانِ
=
قلت: ومن أنثه قال: مدراة. وقد جاء في الشعر: مدراة. والجمع:
المدارى.
والمشقص : -بكسر الميم أيضًا - نصل السهم إذا كان طويلاً غير
عريض، فإن كان عريضًا فهو المِعْبَلة. وعبارة الجوهري: المشقص
هو الطويل من النصال العريض(١). وقال الخطابي: هو نصل عريض(٢).
وقيل: هو سهم فيه سن عريض، وقيل: هو الطويل ليس بعريض.
ثانیھا :
يختل -بكسر التاء المثناة فوق- أي: يحتال فيراوغه ويستغفله
ويطعنه، قال (الجوهري: طعنه بالرمح، وطعن في السن. يطعُن
بالضم طعنًا، قال: وطعن فيه بالقول، يطعن أيضا طعنًا وطعنانًا(٣)،
وحكى)(٤) ابن فارس عن بعضهم: طعن بالرمح، وطعن بالقول،
يطعن بالفتح(٥).
ثالثها :
الحديث دال على هدر المفعول به، وجواز رميه بشيء خفيف،
وقيل: إن ذلك على وجه التهديد والتغليظ، ولو وقع الفعل (للضرورة)(٦)
قد لا تكون تلك العقوبة، (وكذلك)(٧) يفعل الأئمة في التغليظ
(١) ((الصحاح)) ١٠٤٣/٣.
(٢) ((أعلام الحديث)) ٢٢٢٩/٣.
(٣) ((الصحاح)) ٦/ ٢١٥٧.
(٤) من (ص٢).
(٥) ((مقاييس اللغة)) لابن فارس ص ٥٩٥.
(٦) في الأصل : (للضر).
(٧) في الأصل : (وقد).

٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
والإرهاب، وكذا من عض رجلًا فندرت سِنه يقتص منه عند مالك
خلافًا(١)، للشافعي(٢) وابن نافع، قال يحيى بن عمر: ولعله لم يبلغه
الحدیث.
وهل يجوز الرمي قبل الإندار؟! فيه وجهان: أصحهما : نعم؛ لظاهر
الحديث.
رابعها :
هذا الحديث يبين معنى الاستئذان، وأنه إنما جعل خوف النظر إلى
عورة المؤمن وما لا يحل منه، فلا يحل لأحد أن ينظر في جحر باب
وشبهه كما هو متعرض فيه؛ لوقوع البصر على أجنبية.
وفي ((الموطأ)) عن عطاء بن يسار أن رجلًا قال: يا رسول، الله
أستأذن على أمي؟ قال: ((نعم)) قال: إني معها في البيت! قال:
((استأذن عليها؛ أتحب أن تراها عريانة؟!)) قال: لا. قال: ((فاستأذن
عليها))(٣).
وروي عن علي عليه أنه قال: لا يدخل الغلام إذا أحتلم على أمه
وعلى أخته، إلا بإذن.
وأصل هذا كله في قوله تعالى: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَعْدِنَكُمُ الَّذِينَ
مَلَكَتْ أَيْمَئُكُمْ﴾ الآية [النور: ٥٨] الآية قال أبو عبيد: فأما ذكور المماليك
فعليهم الاستئذان في الأحوال كلها .
(١) ((المدونة)) ٤٩٩/٤، ((النوادر والزيادات)) ٢٥٤/١٤.
(٢) ((الأم)) ٧/ ١٣٧.
(٣) ((الموطأ)) ص ٥٩٧.

٥٥
ـ كِتَابُ الاسْتِئْذَانِ
خامسها :
هذا الحديث يرد قول أهل الظاهر، ويكشف عليهم في إنكارهم
العلل والمعاني، وقولهم: إن الحكم للأسماء خاصة؛ لأنه العقليةهي: علل
الاستئذان أنه إنما جعل من أجل البصر، فدل ذلك على أنه القبيئي
أوجب أشياء وحظر أشياء؛ من أجل معان علق التحريم بها. ومن
أبى هذا رد نص السنن، وقد ورد القرآن بمثل هذا كثيرًا من قوله
تعالى: ﴿وَحَعَلْنَا فِ اُلْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٣١]، وقوله:
﴿َّا أَقَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾، إلى قوله: ﴿كَ لَا يَكُونَ دُولَةٌ
بَيِّنَ اٌلْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]، وقوله: ﴿لِئَّلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ
حُجَّةٌ﴾ [النساء: ١٦٥] وقوله: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِمَا كَفَرُواْ﴾ [سبأ: ١٧] في
مواضع كثيرة تطول، فلا يلتفت إلى من يخالف ذلك.

٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
١٢- باب زِنَا الجَوَارِحِ دُونَ الفَرْجِ
٦٢٤٣ - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابن طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ
ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: لَمْ أَرَ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ. حَدَّثَنِي
تَحْمُودٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْن ◌َاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابن عَبَّاسِ
قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَم ◌ِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ: ((إِنَّ اللهَ كَتَبَ
عَلَى ابن آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا،َ أَدْرََكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَا العَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا
اللِّسَانِ المَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ)).
[٦٦١٢ - مسلم: ٢٦٥٧ - فتح ٢٦/١١]
ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: لَمْ أَرَ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَم
مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وفي لفظ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَم مِمَّا قَالَ أَبُوَ
هُرَيْرَةَ عَنِ رسول الله وَّهِ: ((إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَى ابن آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا،
أَدْرََكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَا العَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ المَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ
تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ (أَوَيُكَذِّبُهُ)(١).
معنى: كتب: قدر، فلا تخلَّصَ منه.
وقوله: ( ((والفرج يصدق ذلك ويكذبه)) ) احتج به أشهب أنه إذا قال:
زنى (يدك أو رجلك أنه لا حدَّ عليه، وخالفه ابن القاسم، وقال الشافعي
إذا قال: زنت)(٢) يدك تحد. وقال بعض أصحابنا: لا يحد، قال
الخطابي: لأن الأفعال من فاعلها تضاف إلى الأيدي، كقوله: ﴿وَمَآ
أَصَبَكُم مِّن قُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠](٣).
(١) كذا في الأصل وفي ((اليونينية)) ٥٤/٨: (ويكذبه) وفي هامشها: (أو يكذبه) وورمز
فوقها لأبي ذر عن الكشميهني.
(٢) من (ص٢).
(٣) ((أعلام الحديث)) ٢٢٣١/٣.

٥٧
- كِتَابُ الاسْتِئْذَانِ
ولم يختلف إذا قال: زنى فَرْجُكَ أنه يحد له.
ومعنى: ( ((لا محالة))): لا حيلة للتخلص من إدراك ما كتب عليه.
فصل :
زنا العين فيما زاد على النظرة الأولى التي لا تملك مما تستديم
النظر إليه على سبيل اللذة والشهوة، وكذلك زنا المنطق فيما يلتذ به
من محادثة من لا يحل له ذلك منه، وزنا النفس تمنِّي ذلك وتشهِّيه،
فهذا كله يسمى زنًا؛ لأنه من دواعي زنا الفرج.
قال المهلب: وكل ما كتبه الله على ابن آدم فهو سابق في علم الله،
لا بد أن يدركه المكتوب وأن الإنسان لا يملك دفع ذلك عن نفسه غير أن
الله تفضل على عباده وجعل ذلك لممًا وصغائر، لا يطلب بها عباده إذا
لم يكن للفرج تصديق، فإذا أصدقها الفرج كان ذلك من الكبائر؛ رفقًا من
الله بعباده؛ ورحمة لهم، لما جبلهم عليه من ضعف الخلقة ولو آخذ عباده
باللمم، أو ما دونه من حديث النفس، لكان ذلك عدلًا منه في عباده
وحكمةً، لا يُسأل عما يفعل وله الحجة البالغة، لكن قبل منهم اليسير
وعفا لهم عن الكثير؛ تفضلًا منه وإحسانًا .

٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
١٣- باب التَّسْلِيم وَالإِسْتِئْذَانِ ثَلَاثًا
٦٢٤٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ اُثَنَّى، حَدَّثَنَا
◌َُامَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَنَسِ ﴾ِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وََّ كَانَ إِذَا سَلَّمَ سَلَّمَ ثَلَاثَا، وَإِذَا تَكَلَّمَ
بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا. [انظر: ٩٤- فتح ٢٦/١١]
٦٢٤٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ، عَنْ
بُشْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كُنْتُ فِي ◌َجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الأَنَّصَارِ، إِذْ
جَاءَ أَبُو مُوسَى كَأَنَّهُ مَذْعُورٌ، فَقَالَ: أَسْتَأْذَنْتُ عَلَى عُمَرَ ثَلَاثًا، فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعْتُ،
فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ؟ قُلْتُ: أَسْتَأْذَنْتُ ثَلَاثًا، فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعْتُ، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَله
((إِذَا أَسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَلْيَرْجِعْ)). فَقَالَ: والله لَتُقِيمَنَّ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ،
أَمِنْكُمْ أَحَدٌ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ يََّ؟ فَقَالَ أَبِيُّ بْنُ كَعْبٍ: والله لَا يَقُومُ مَعَكَ إِلَّ أَصْغَرُ
القَوْمِ. فَكُنْتُ أَصْغَرَ القَوْمِ، فَقُمْتُ مَعَهُ فَأَخْبَرْتُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ قَالَ ذَلِكَ. وَقَالَ
ابن المُبَارَكِ: أَخْبَرَبِي ابن عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ، عَنْ بُشْرٍ، سَمِعْتُ أَبًا سَعِيدٍ بهذا.
[انظر: ٢٠٦٢ - مسلم: ٢١٥٣ - فتح ٢٦/١١]
ذكر فيه حديث أَنَس ◌َ أَنَّه وَِّ كَانَ إِذَا سَلَّمَ سَلَّمَ ثَلَاثًا، وَإِذَا تَكَلَّمَ
بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا .
وحديث بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ ◌َ﴾ قَالَ: كُنْتُ فِي
مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الأَنْصَارِ، إِذْ جَاءَ أَبُو مُوسَى كَأَنَّهُ مَذْعُورٌ، فَقَالَ:
اُسْتَأْذَنْتُ عَلَى عُمَرَ ثَلَاثًا، فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي .. الحديث.
وَقَالَ ابْنِ المُبَارَكِ: أَخْبَرَنِي ابن عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بن خصيفة، عَنْ
بُسْرٍ، سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ بهذا .
وهذا أخرجه ابن المبارك في كتاب البر والصلة بهذا، وقد أسلفت
الكلام عليه، وتكراره القي الكلمة يحتمل أن يكون تأكيدًا، وأن يكون

٥٩
كِتَابُ الاسْتِئْذَانِ
=
عَلِم أو شَكَّ هل فهم عنه، فكرر الثانية فزاد الثالثة؛ لاستحبابه الوتر،
وقد أسلفنا حكمة تكراره السلام ثلاثًا .
قال المهلب: ذلك للمبالغة في الإفهام (والإسماع)(١) وقد أورد الله
ذلك في القرآن فكرر القصص والأخبار والأوامر؛ ليفهم عباده أن يتدبر
السامع في الثانية والثالثة ما لم يتدبر في الأولى؛ وليرسخ ذلك في
قلوبهم، والحفظ: إنما هو بتكرير الدراسة للشيء المرة بعد المرة،
وقد كان القَّى يقول الشيء المرة الواحدة، وقول أنس: (كان إذا تكلم
الكلمة أعادها ثلاثًا). يريد: في أكثر أمره، وأخرج الحديث مخرج
العموم، والمراد به الخصوص.
فصل :
اختلف العلماء في قوله القفيها: ((الاستئذان ثلاث))(٢):
فقالت طائفة: معنى قوله: ((فإن أذن له وإلا فليرجع)) إن شاء، وإن
شاء زاد على الثلاث لا أنه بواجب عليه أن يرجع.
قال ابن نافع: لا بأس إن عرفت أحدًا أن تدعوه أن يخرج إليك،
وتنادي به ما بدا لك. وروى ابن وهب عن مالك قال: الاستئذان
ثلاثًا، لا أحب لأحد أن يزيد عليها، إلا من علم أنه لم يسمع
فلا بأس أن يزيد(٣). وظاهر حديث أبي موسى يرده؛ لأن أبا موسى
حمله على أنه لا يزاد على الثلاث مرات، وذلك يكفي معناه عن
رسول الله وَّر، ولو كان عند أبي موسى أنه يجوز الزيادة على الثلاثة
لكان مخالفًا لمذهب عمر، ولم يحتج أبو موسى أن ينزع بقوله:
(١) من (ص٢).
(٢) كذا لفظه عند مسلم (٢١٥٣) كتاب: الآداب، باب: الاستئذان.
(٣) ((الذخيرة)) ٢٩٥/١٣.

٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
((الاستئذان ثلاث)) حتى أنكر عليه عمر ترك الزيادة عليها، وقد زعم قوم
من أهل البدع أن طلب عمر أن يأتيه بمن سمع ذلك من رسول الله وَله
يدل أن مذهب عمر رد قبول خبر الواحد العدل، وقد سلف رده، وهو
خطأ في التأويل وجهل بمذهب غيره من السلف. وقد جاء في بعض
طرق هذا الحديث أن عمر قال لأبي موسى: أما إني لم أتهمك
ولكني أردت ألا يتجرأ الناس على الحديث عن رسول الله وَمليءٍ(١).
ففيه من الفقه: التثبت في خبر الواحد؛ لما يجوز عليه من السهو وغيره،
وحكم عمر في خبر الواحد أشهر من أن يخفى؛ قد قبل خبر الضحاك بن
سفيان وحده في ميراث المرأة من دية زوجها(٢)، وقبل خبر حمل بن
مالك الهذلي الأعرابي أن في دية الجنين غرة عبد أو أمة(٣)، وقبل
(١) رواه أبو داود (٥١٨٣-٥١٨٤).
(٢) رواه أبو داود (٢٩٢٧)، والترمذي (١٤١٥، ٢١١٠)، وابن ماجه (٢٦٤٢)،
وأحمد ٢/ ٤٥٢ من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب،
قال: كان عمر بن الخطاب يقول: الدية للعاقلة ولا ترت المرأة من دية زوجها
شيئًا. حتى قال له الضحاك بن سفيان: كتب إليَّ رسولُ الله ◌َّه: أن أورث أمرأة
أشيم الضبابي من دية زوجها. فرجع عمر. وهو حديث صححه الألباني في ((صحيح
أبي داود)) (٢٥٩٩) وانظر ((الإرواء)) (٢٦٤٩).
(٣) رواه أبو داود (٤٥٧٢)، والنسائي ٢١/٨-٢٢، وابن ماجه (٢٦٤١)، وأحمد
١/ ٣٦٤ من طريق عمرو بن دينار أنه سمع طاوسًا، عن ابن عباس، عن عمر أنه
سأل عن قضية النبي ◌َّ في ذلك، فقام حمل بن مالك بن النابغة، فقال: كنت بين
امرأتين، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها، فقضى رسول الله في
جنينها بغرة وأن تقتل.
والحديث صححه ابن حبان ١٣/ ٣٧٨ (٦٠٢١). وقال الشيخ أحمد شاكر في
تعليقه على ((المسند)) (٣٤٣٩): إسناده صحيح.
وكذا صحح إسناده الشيخ الألباني في ((صحيح ابن ماجه)) (٢١٣٦).