Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ
==
فصل :
قوله: (فمر غلام وكان من أقراني) أي: من أمثالي في السن، قال
أهل اللغة : - بفتح القاف- مثلك في السن، فتقول: هو على قرني أي:
على سني. والقِرن - بالكسر -: مثلك في الشجاعة فانظر كيف يصح هنا
قوله: (من أقراني)؟ وفَعْل كضَرْب إذا كان صحيحًا ساكن العين مفتوح
الأول لا يجمع على أفعال إلا شيئًا قليلًا لم يعد هذا فيها .
وقوله: ( ((إن أُخِّرَ هذا لم يدركه الهرم))) هو كبر السن ((حَتَّى تقوم
الساعة))) قال الداودي: ليس هذا بمحفوظ إذ المحفوظ أنه قال للذين
خاطبهم: ((تأتيكم ساعتكم)) (١): يعني: موتكم. وكانوا أعرابًا خشي
أن يقول لهم: ما أدري متى الساعة، فيرتابوا، فكلمهم بالمعاريض
التي فيها مندوحة عن الكذب.
فصل :
وقوله: (متى الساعة؟) كان سؤال الناس رسول الله وَ ل عن وقتها
على وجهين: أحدهما: على معنى التكذيب لها، والآخر: على معنى
التصديق لها والشفقة منها، فلما قال البدوي: (متى الساعة؟) امتحنه
رسول الله وَلّ مستبرمًا حاله؛ ليعلم من أي الحالين هو، فلما أظهر له
إيمانه بالله وتصديقه برسول الله وَ ل قال له: ((أنت مع من أحببت))
فألحقه بحسن النية - (من غير زيادة عمل - بأصحاب)(٢) الأعمال
الصالحة، قاله الخطابي(٣).
(١) سيأتي برقم (٦٥١١) كتاب: الرقائق، باب: سكرات الموت، من حديث عائشة،
ورواه مسلم (٢٩٥٢) كتاب: الفتن، باب: قرب الساعة.
(٢) في الأصل: (غير زيادة لأصحاب) والمثبت من ((أعلام الحديث)).
(٣) ((أعلام الحديث)) ٢٢٠٦/٣-٢٢٠٧.

٥٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقال الداودي: يحتمل أن يريد أنه معهم في الجنة، وبعضهم فوق
بعض؛ لأن من أحب رسول الله وَ﴾ لا يلحق درجته ولا يقاربها.

-
كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ
٥٨٣
٩٦- باب (علامات الحب في الله)(١) رَلقّ
لِقَوْلِهِ: ﴿إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١].
٦١٦٨ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ،
عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ أَنَّهُ قَالَ: ((الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ)). [٦١٦٩ -
مسلم: ٢٦٤٠ - فتح ١٠/ ٥٥٧]
٦١٦٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ:
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَّ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ◌ِ﴿ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ
تَقُولُ فِي رَجُلٍ أَحَبَّ قَوْمًا وَلْ يَلْحَقْ بِهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ بَلَهُ: ((الْمَرْءُ مَعَ مَنْ
أَحَبَّ)).
تَابَعَهُ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ قَزْمٍ وَأَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ،
عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َله. [انظر: ٦١٦٨ - مسلم: ٢٦٤٠ - فتح ١٠/ ٥٥٧]
٦١٧٠- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِي
مُوسَى قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ وَلَهُ الرَّجُلُ يُحِبُّ القَوْمَ وَا يَلْحَقْ بِهِمْ؟ قَالَ: ((الْمَرْءُ مَعَ مَنْ
أَحَبَّ)). تَابَعَهُ أَبُو مُعَاوِيَةً وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ. [مسلم: ٢٦٤١ - فتح ١٠/ ٥٥١]
٦١٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَنَا أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُزَّةَ، عَنْ سَالمُ بْنِ أَبِي
الَجَعْدِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ وََّ: مَتَّى السَّاعَةُ يَا رَسُولَ اللهِ؟
قَالَ: ((مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟)). قَالَ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا مِنْ كَثِيرٍ صَلَاةٍ وَلَا صَوْمٍ وَلَا صَدَقَةٍ،
وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ. قَالَ: ((أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ)). [انظر: ٣٦٨٨ - مسلم: ٢٦٣٩-
فتح ١٠ / ٥٥٧]
وذكر فيه حديث أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ عَهِ، عَنِ النَّبِيِّ وَ أَنَّهُ قَالَ:
((الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ)).
(١) كذا بالأصل وفي ((اليونينية)) ٤٠/٨: (علامة حب الله) وبهامشها: (علامة الحب
في الله.

٥٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، ثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ
ابْنُ مَسْعُودٍ ﴾: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ
تَقُولُ فِي رَجُلٍ أَحَبَّ قَوْمًا وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ؟ فَقَالَ: ((الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ)).
تَابَعَهُ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ قَرْمٍ وَأَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ
أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ رسول اللهَ وَالـ
ثم ساق من حديث أَبُّي نُعَيْم، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي
وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﴾ُ قَالَ: قِيلَ لرسول الله وَّهِ: الرَّجُلُ يُحِبُّ
القَوْمَ ولا يَلْحَقْ بِهِمْ؟ قَالَ: ((الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ)). تَابَعَهُ أَبُو مُعَاوِيَةً
وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ.
ثم ساق حديث أَنَسِ : أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رسول الله وَّلـ الحديث
سلف في الباب قبله، (ويأتي في الأحكام(١)، وأخرجه مسلم أيضًا)(٢).
وقوله: (تابعه جرير)(٣). إلى آخره يدل أن جريرًا الأول هو
ابن عبد الحميد بن قرط الضبي. ومتابعة سليمان أخرجها مسلم من
حديث أبي الجواب الأحوص بن جواب، عنه، وليس له في
((صحيحه)) سواه. ومتابعة أبي معاوية (٤) أخرجها ابن ماجه، عن
ابن نمير، عنه بمعناه(٥) .
(١) سيأتي برقم (٧١٥٣) باب: القضاء والفتيا في الطريق.
(٢) من (ص٢).
(٣) في هامش الأصل تعليق نصه: صرح المزي في ((أطرافه)) بأنه ابن عبد الحميد،
وظاهر كلامه أنه كذلك وقع فى الرواية، والله أعلم.
(٤) في هامش الأصل تعليق نصه: متابعته إنما أخرجها مسلم عن أبي بكر وأبي
كريب، عن أبي معاوية، وعن محمد بن عبد الله بن نمير، عن أبي معاوية.
(٥) لم أجدها عند ابن ماجه، وإنما رواها مسلم (٢٦٤١) كما سبق في هامش الأصل،
وانظر: ((تحفة الأشراف)) ٦/ ٤١٨-٤١٩ (٩٠٠٢).

٥٨٥
ـ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ
ومعنى: (ولما يلحق بهم): يريد في العمل والمنزلة، ولا شك أن
علامة حب الله: حب رسوله واتباع سبيله والاقتداء بسنته؛ لقوله تعالى:
﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَِّعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وقوله العَيْلُ:
((المرء مع من أحب)). فدل هذا أن من أحب عبدًا في الله فإن الله ◌َ
جامع بينه وبينه في جنته ومُدْخِلُه مُدخَله، وإن قصر عن عمله، وهذا
معنى قوله: (ولما يلحق بهم) كما سلف وبيان هذا المعنى- والله
أعلم- أنه لما كان المحب للصالحين إنما أحبهم من أجل طاعتهم الله
تعالى، وكانت المحبة عملا من أعمال القلوب، واعتقادًا لها أثاب
الله سبحانه معتقد ذَلِكَ ثواب الصالحين؛ إذ النية هي الأصل، والعمل
تابع لها، والله يؤتي فضله من يشاء.

٥٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٩٧- باب قَوْلِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ: اخْسَأْ
٦١٧٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا سَلْمُ بْنُ زَرِيرِ، سَمِعْتُ أَبَا رَجَاءِ، سَمِعْتُ
ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ لانْنِ صَائِدِ: ((قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيثًا،
فَمَا هُوَ؟)). قَالَ: الدُّخُ. قَالَ: ((اخْسَأُ)). [فتح ١٠/ ٥٦٠]
٦١٧٣ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَنِي سَالمُ بْنُ عَبْدِ
اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الَخَطَّابِ أَنْطَلَقَ مَعَ رَسُولِ اللهِ وََّ فِي رَهْطِ
مِنْ أَصْحَابِهِ قِبَلَ ابن صَيَّدٍ، حَتَّى وَجَدَهُ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ فِي أُطُم بَنِي مَغَالَةَ - وَقَدْ
قَارَبَ ابن صَيَّادٍ يَوْمَئِذِ الحُلُمَ - فَلَمْ يَشْعُرْ حَتَّى ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ يَِّ ظَهْرَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ
قَالَ: ((أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟)). فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمّيِّينَ. ثُمَّ قَالَ
ابن صَيَّادٍ: أَتَشْهَدُ أَنِي رَسُولُ اللهِ؟ فَرَضَّهُ النَّبِيُّ ◌َِّ ثُمَّ قَالَ: ((آمَنْتُ باللهِ وَرُسُلِهِ)). ثُمَّ
قَالَ لايْنِ صَيَّدٍ: ((مَاذَا تَرَىُ؟)). قَالَ يَأْتِيْنِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َِله:
((خُلِّطَ عَلَيْكَ الأَمْرُ)). قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِِّ: ((إِنِّي خَبَأْتُ لَكَ خَبِيثًا). قَالَ: هُوَ الدُّخُ.
قَالَ: ((اخْسَأْ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ)). قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَأْذَنُ لِي فِيهِ أَضْرِبْ
عُنُقَهُ؟. قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنْ يَكُنْ هُوَ لَا تُسَلَّطُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ
فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ)). [انظر: ١٣٥٤ - مسلم: ٢٩٣٠ - فتح ٥٦٠/١٠]
٦١٧٤- قَالَ سَالَمٌ: فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: أَنْطَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ
وَرِ وَأَبِيُّ بْنُ كَغْبِ الْأَنَّصَارِيُّ يَؤُمَّانِ النَّخْلَ التِي فِيهَا ابن صَيَّادِ، حَتَّى إِذَا دَخَلَ
رَسُولُ اللهِ وَلِّ، طَفِقَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ، وَهُوَ يَخْتِلُ أَنْ يَسْمَعَ مِنِ
ابن صَيَّادِ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ، وَابْنُ صَيَّادِ مُضْطَجِعْ عَلَى فِرَاشِهِ فِي قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا
رَمْرَمَةٌ أَوْ زَمْزَمَةٌ فَرَأَتْ أُمُّ ابن صَيَّادِ النَّبِيَّ ◌َّهَ وَهُوَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ، فَقَالَتْ لاِبْنِ
صَيَّادٍ: أَيْ صَافٍ - وَهْوَ أَسْمُهُ - هذا مُحَمَّدٌ. فَتَنَاهَى ابن صَيَّادٍ، قَالَ رَسُولُ اللهِ وَه :
(لَوْ تَرَكَتْهُ بَّنَ)). [انظر: ١٣٥٥ - مسلم: ٢٩٣١ - فتح ١٠ / ٥٦١]
٦١٧٥ - قَالَ سَالمُ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: قَامَ رَسُولُ اللهِ وََّ فِي النَّاسِ فَأَثْنَى عَلَى اللهِ

٥٨٧
كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ
=
بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: ((إِنِّي أُنْذِرُكُمُوهُ، وَمَا مِنْ نَبِيِّ إِلَّ وَقَدْ أَنْذَرَ
قَوْمَهُ، لَقَدْ أَنْذَرَهُ نُوحٌ قَوْمَهُ، وَلَكِنِّي سَأَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ:
تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَعْوَرُ، وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ)). [انظر: ٣٠٥٧ - مسلم: ١٦٩ (سيأتي بعد
حديث ٢٩٣١) - فتح ١٠/ ٥٦١]
ذكر فيه حديث ابن صياد من طريق ابن عباس وابن عمر ﴾ فقال:
حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، ثَنَا سَلْمُ بْنُ زَرِيرٍ، سَمِعْتُ أَبَا رَجَاءٍ، قال: سَمِعْتُ
ابن عَبَّاسٍ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّه لاِبْنِ صَائِدٍ: ((قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيثًا،
فَمَا هُوَ؟)). قَالَ: الدُّخُ. قَالَ: ((اخْسَأُ).
ثم ساق حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه القرية قال لابن صياد:
((اخْسَأْ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرََكَ .. )) الحديث بطوله.
و((اخسأ))): زجر للكلب وإبعاد له وطرد، يقال: خسأت الكلب:
طردته. وخسئ الكلب بنفسه، يتعدى ولا يتعدى. هذا أصل هذِه
الكلمة عند العرب، ثم استعملت في كل من قال أو فعل ما لا ينبغي
له، مما يسخط الله تعالى.
قال صاحب ((الأفعال)): يقال: خسأت الكلب فخسأ أي: زجرته
فبعد(١).
وفي القرآن: ﴿كُونُواْ فِرَدَةً خَسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] أي: مبعدين وقال
(4﴾ [المؤمنون: ١٠٨] أي: أبعدوا
تعالى: ﴿قَالَ أَخْسَئُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ
بعد الكلاب ولا تكلمون في رفع العذاب عنكم؛ فكل من عصى الله
تعالى سقطت حرمته، ووجب خطابه بالغلظة والشدة والذم له؛ لينزع
عن مذهبه؛ ويرجع عن قبيح فعله.
(١) ((الأفعال)) ص٢٠٥.

٥٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فصل :
قوله: (ثم قال ابن صياد: أتشهد أني رسول الله؟ (فرضه)(١) رسول
الله عَليه).
قال ابن بطال: من رواه بالضاد فمعناه: دفعه حَتَّى وقع، فتكسر،
يقال: رض الشيء فهو رضيض ومرضوض إذا انكسر، ومن رواه
بالصاد فمعناه: رصه حتى دخل بعضه في بعض، يقال: رص البنيان،
والقوم في الحرب رصًّا إذا قرب بعضها إلى بعض وقربها، ومنه قوله
تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَنٌ مَّرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤](٢).
وعبارة ابن التين: فرضه: رفضه.
وقال الخطابي: وقع هنا بضاد معجمة، وهو غلط، والصواب
بالصاد أي قبض عليه بيده، يضم بعضه إلى بعض(٣).
وقيل معنى المعجمة: دفعه.
فصل :
فيه أن الله لم يطلع نبيه على الدجال متى يخرج في أمته، وأخفى عنه
ذَلِكَ لما هو أعلم به، فلا علم لنبي مرسل ولا ملك مقرب إلا بما أعلمه
الله به، ولذلك قالت الملائكة: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَآ﴾ [البقرة: ٣٢].
فصل :
قوله: (((خبأت لك خبيئًا))). على وزن فعيل، وهو ماضٍ، وكذلك
الخبأ .
(١) في الأصل: فرفضه والمثبت هو الذي يقتضيه السياق.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٣٣٤/٩.
(٣) ((أعلام الحديث)) ٢٢٠٨/٣.

٥٨٩
كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ
=
فصل :
والرهط: دون العشرة، وليس معهم امرأة، والأطم يثقل ويخفف،
والجمع: آطام، وهي قصور لأهل المدينة، وقال الداودي: هو القصر
والمكان المرتفع.
وقوله: (ضرب رسول الله وَ ل ظهره بيده). قال الداودي: يحتمل أن
يريد ليخرج الله ما يسر على لسانه.
فصل :
وقوله: (هو الدخ) قال الداودي: كان التَّ خبأ له سورة الدخان في
يده مكتوبة، فأصاب بعض الكلمة، وهذا كأنه من استراق الجن السمع،
فيلقون ذَلِكَ إلى الكاهن، فيكذب ويخلط معها. قال: وهو معنى قوله:
((خلط عليك)). قال القزاز: الدخ: الدخان وكذا قاله ابن فارس(١)،
وقال الجوهري: الدخ بالضم لغة في الدخان(٢).
فصل :
قوله: ((إن يكن هو لا سبيل لك عليه))) يعني: الدجال الذي يزعم
أنه رب فلم يسلط عليه؛ لأن له أعمالًا وقد يبلغها .
وقوله: ((وإن لم يكن هو فلا خير لك في قتله») فلأنه يومئذ صغير
ليس من أهل التكليف ويرجى إسلامه، وقيل: إنه أسلم (٣)، قاله
الداودي، (وأورده ابن شاهين في الصحابة وقال: هو عبد الله بن
(١) ((مجمل اللغة)) ٣٢١/١. مادة [دخخ].
(٢) ((الصحاح)) ٤٢٠/١، مادة [دخخ].
(٣) في هامش الأصل ما نصه: أسلم لا شك، وقد عده بعضهم في الصحابة كابن
شاهين، فقال: أبوه يهوديًّا، فولد هذا أعور مختونًا، وهو الذي قيل: إنه الدجال،
ثم أسلم فهو تابعي له رؤية.

٥٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
صائد، كان أبوه يهوديًّا فولد عبد الله أعور مختونًا. وقيل: إنه الدجال ثم
أسلم، فهو تابعي، له رؤية. وقال أبو سعيد الخدري: صحبني ابن صياد
إلى مكة، فقال: لقد هممت أن آخذ حبلا فأوثقه إلى شجرة، ثم أختنق
مما يقول الناس فيَّ. وذكر الحديث وهو في مسلم)(١) (٢).
فصل :
وقوله: (يؤمان النخل). أي: يقصدانها، يقال: أمه وأممه وتأممه
أي: قصده.
وقوله: (وهو يختل) أي: يختال، قاله الداودي، وقال أهل اللغة:
الختل: الخدع.
وقوله: (في قطيفة له فيها رمرمة أو زمزمة). قال الداودي: شك
المحدث أيهما قال، وهو الصوت الذي لا يفهم كالهينمة، وفي
((الصحاح)): رمرم إذا حرك فاه بالكلام(٣). وقال في باب الزاي:
الزمزمة: صوت الرعد، عن أبي زيد. والزمزمة: كلام المجوس عند
أكلهم(٤). قال الداودي: ويروى: زمزة ورمرة. وكان يستلقي على
ظهره ويسجي تشبهًا بفعله العائلة .
وفي الحديث: أن الله تعالى لم يعلم نبيه: متى يخرج الدجال في
أمته؟ وأخفى عنه ذاك؛ لما هو أعلم به .
(١) مسلم (٢٩٢٧/ ٩١)، كتاب: الفتن، باب: ذكر ابن صياد، من حديث أبي سعيد.
(٢) من (ص٢).
(٣) ((الصحاح)) ١٩٣٧/٥، مادة: [رمم].
(٤) ((الصحاح)) ١٩٤٥/٥، مادة: [زمم].

٥٩١
كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ
=
٩٨- باب قَوْلِ الرَّجُلِ مَرْحَبًا
وَقَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ (لِفَاطِمَةَ عَلَيْهَا
السَّلَامُ) (١): ((مَرْحَبًا بِابْنَتِي)). وَقَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: جِئْتُ إِلَى
النَّبِيِّ ◌َِّ فَقَالَ: ((مَرْحَبًا بِأَمِّ هَانِئٍ)) وقد سلفا.
٦١٧٦ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ، عَنْ أَبِي
جَمْرَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: لَمَا قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ القَيْسِ عَلَى النَّبِيِّ وَلـ
قَالَ: ((مَرْحَبًا بِالْوَفْدِ الذِينَ جَاءُوا غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى)). فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ،
إِنَّا حَيٍّ مِنْ رَبِيعَةَ وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مُضَرُ، وَإِنَّا لَا نَصِلُ إِلَيْكَ إِلَّ فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ، فَمُزْنَا
بِأَمْرٍ فَضْلٍ نَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ، وَنَدْعُو بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا. فَقَالَ: ((أَرْبَعٌ وَأَرْبَعُ: أَقِيمُوا
الصَّلَاةَ، وَأَتُوا الزَّكَاةَ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَعْطُوا خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ، وَلَا تَشْرَبُوا
فِي الدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالنَّقِيرِ، وَالْمُزَقَّتِ)). [انظر: ٥٣ - مسلم: ١٧ - فتح ١٠/ ٥٦٢].
ثم ساق حديث أَبي التَّّاحِ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله
عنهما قَالَ: لَمَّا قَدِمَ وَقْدُ عَبْدِ القَيْسِ عَلَى النَّبِّ وَِّ قَالَ: «مَرْحَبًا بِالْوَقْدِ
الذِينَ جَاءُوا غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى)) الحديث.
وأبو التياح: أسمه يزيد بن حميد الضبعي أبو حماد -من أنفسهم-
البصري، مات سنة ثمان وعشرين ومائة، وقيل: سنة ثلاثين بسرخس.
وأبو جمرة: اسمه نصر بن عمران الضبعي -بالجيم والراء- مات
بسرخس أيضًا في ولاية يوسف بن عمر بن يوسف بن عمر بن
محمد بن الحكم الثقفي على العراق، وكانت سنة عشرين ومائة إلى
أن هرب إلى الشام في ولاية يزيد بن الوليد الناقص سنة ست
وعشرين. وفي ربيعة بن نزار: ربيعة أثنان: أحدهما: ربيعة بن نزار
(١) ليست في الأصل والمثبت من اليونينية ٤١/٨.

٥٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
أخي أسد بن ربيعة، والثاني: ابن قيس بن ثعلبة. قال الأصمعي: معنى
قوله: مرحبًا لقيت رحبًا وسعة. وقال الفراء: هو منصوب على المصدر
وفيه معنى الدعاء. والرحب: السعة، وتقول العرب: مرحبًا وأهلًا
وسهلًا. أي: لقيت أهلًا كأهلك، ولقيت سهلًا أي: سهلت عليك
أمورك.
فصل :
قوله: ((غير خزايا))) أي: غير مخزيين ولا أذلاء بل مكرمين
مرتضين. (ولا ندامى)) غير نادمين بل مغتبطين فرحين بما أنعم الله
عليهم من الإسلام وتصديق رسول الله وَل ونصرته ودعاء قومهم إلى
دينه .
وخزایا: جمع خزیان، كحيارى: جمع حيران، وندامى، ومراده
جمع الواحد الذي هو نادم، ولكنه جاء هنا على غير قياس أتباعًا
الخزايا؛ لأن فاعلًا لا تجمع على فعالى كقولهم: إني لآتيه بالغدايا
والعشايا. قالوا: غدايا لما ضُمِّت إلى العشايا .
وفي الحديث: ((ارجعن مأزورات غير مأجورات))(١) والأصل:
موزورات وإنما يجمع على ندامى الندمان الذي هو النديم، وقال
القزاز في ((جامعه)): يقال في النادم: ندمان، فعلى هذا يكون جاريًا
على الأصل لا على الأتباع. وقال ابن السكيت: خزى يخزى خزيًا :
إذا وقع في بلية. وقيل: معنى مستحيين، يقال: خزي خزاية إذا
استحیا(٢)، وقال الداودي: هو جمع مخزی.
(١) رواه ابن ماجه (١٥٧٨) وضعفه الألباني في ((ضعيف ابن ماجه)) (٣٤٤).
(٢) ((إصلاح المنطق)) ص ٣٧٣.

٥٩٣
كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ
=
وقال ابن التين: وليس ببين؛ لأن مفعلًا لا يجمع على فعالى.
وقيل: جمع مُخْزى، وهو أيضًا غير بين؛ لأن خزا ثلاثي غير متعد،
ولا يُبنى منه لما لم يسم فاعله، ولا يكون أيضًا فعالى جمع مفعول.
وقوله: (فقال: ((أربع وأربع)))، أي: الذي آمركم به أربع والذي
أنهاكم عنه أربع.
و((الدباء)): بالمد، وحكي القصر: القرعة، جمع: دباءة ممدود.
و((الحنتم)) قال أبو عبيد: هي جرار خضر(١).
وقال ابن حبيب: هي الجر، وهو كل ما كان من فخار أبيض
وأخضر.
وأنكره بعض العلماء وقال: إنما الحنتم ما طلي بالحنتم المعمول
من الزجاج وغيره، ويعجل الشدة في الشراب بخلاف ما لم يطل.
وعلى هذا أهل اللغة.
و((النقير)): أصل النخلة وهو منسوخ، خلافًا لمالك، وقد سلف
کله .
(١) ((غريب الحديث)) ٣٠٥/١.

٥٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٩٩- باب يُدْعَى النَّاسُ بِآبَائِهِمْ
٦١٧٧- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابن عُمَرَ
رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ نََّ قَالَ: ((الْغَادِرُ يُرْفَعُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، يُقَالُ:
هذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلانٍ)). [انظر: ٣١٨٨ - مسلم: ١٧٣٥ - فتح ٥٦٣/١٠]
٦١٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ
ابن عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وََّ قَالَ: ((إِنَّ الغَادِرَ يُنْصَبُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُقَالُ:
هذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلانٍ)). [انظر: ٣١٨٨ - مسلم: ١٧٣٥ - فتح ٥٦٣/١٠]
ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِّ نَّهِ قَالَ: ((الْغَادِرُ
يُرْفَعُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، يُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ)).
وعنه: ((إِنَّ الغَادِرَ يُنْصَبُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُقَالُ : .» هذا
الحدیث.
اللواء: ممدود، وقوله: ( ((هذِه غدرة فلان ابن فلان))). فيه رد لقول
من زعم أنه لا يدعى الناس يوم القيامة إلا بأمهاتهم؛ لأن فيه سترًا على
آبائهم، ومصداق هذا الحديث في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ
لِتَعَارَفُواْ﴾ [الحجرات: ١٣] قال أهل التفسير: الشعوب: النسب الأبعد،
والقبائل: النسب الأقرب. يقال: فلان من بني فلان. غير أن النسب
إلى الآباء وإن كان هو الأصل، فقد جاء في الحديث أن يدعى المرء
بأحب أسمائه إليه، وأحبها إليه أن يدعى بكنيته؛ لما في ذَلِكَ من
توقيره، والدعاء بالآباء أشد في التعريف وأبلغ في التمييز، وبذلك
نطق الكتاب والسنة. وقد كان الأعراب الجفاة يأتون رسول الله
وهو جالس مع أصحابه فيقولون: أيكم محمد بن عبد المطلب؟
ولا يذكرون ما شرفه الله به من النبوة المعصومة والرسالة المؤيدة،

٥٩٥
= كِتَابُ البِرّ والصِّلَةِ
فلا ينكر ذَلِكَ عليهم؛ لما خصه الله تعالى به من الخلق العظيم، وجبله
عليه من الطبع الشريف.
فصل :
وفيه: جواز الحكم بظواهر الأمور إذا لم يكن علم بواطنها؛ لأنه قد
يجوز أن يكون كثير من الناس فيمن يدعى إلى أبيه في الظاهر وليس
كذلك في الباطن .
ودل عموم هذا الحديث على أنه إنما يدعى الناس بالآباء، ولا يلزم
داعيهم البحث عن حقيقة أمورهم والتنقير عنهم.

٥٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
١٠٠- باب لَ يَقُلْ: خَبُثَتْ نَفْسِي
٦١٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ
رضي الله عنها، عَنِ النَّبِيِّ بَّ قَالَ: ((لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ خُبْئَتْ نَفْسِي، ولكن
لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي)). [مسلم: ٢٢٥٠ - فتح ١٠ /٥٦٣]
٦١٨٠- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي
أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: ((لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: خَبُثَتْ نَفْسِي،
ولكن لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي)). تَابَعَهُ عُقَيْلٌ. [مسلم: ٢٢٥١ - فتح ٥٦٣/١٠]
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ: ((لَا يَقُولَنَّ
أَحَدُكُمْ خَبْقَتْ نَفْسِي، ولكن لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي)).
وحديث يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ أَبِيهِ - أي:
وهو ابن سعد، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: خَبُثَتْ نَفْسِي،
ولكن لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي)). تَابَعَهُ عُقَيْلٌ.
الشرح :
(يقال: خبثت خبئًا فهو خبيث أي: رديء)(١)، ومعنى: لقست
-بكسر القاف -: عثت. (وكره)(٢) خبث وهو بائن من لفظ الخبث، قال
أبو عبيد: لقست وخبثت واحد، ولكنه استقبح لفظ خبثت(٣). أي: فإنه
كان يعجبه اللفظ الحسن ويتفاءَل به ويكره الاسم القبيح ويغيره، وكره
لفظ الخبيث إذ الخبيث حرام على المؤمنين، وليس هذا على معنى
(١) من (ص٢).
(٢) في الأصل: (ذكره) والمثبت موافق للسياق.
(٣) ((غريب الحديث)) ٧٣/٢.

٥٩٧
= كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ
الإيجاب والحتم، وإنما هو من باب الأدب، فقد قال الثّ في الذي يعقد
الشيطان على قافية رأسه: ((أصبح خبيث النفس كسلان)) (١) وقد نطق
القرآن بهذه اللفظة فقال تعالى: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِثَةٍ﴾
[إبراهيم: ٢٦].
(١) سلف برقم (١١٤٢)، كتاب: التهجد، باب: عقد الشيطان على قافية الرأس إذا
لم يصل بالليل.
ورواه مسلم برقم (٧٧٦)، كتاب: الصلاة، باب: ما روي فيمن نام الليل أجمع
حتى أصبح.

٥٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
١٠١- باب لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ
٦١٨١ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثِرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابن شِهَابٍ، أَخْبَرَنِ
أَبُو سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﴿ه: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: (( قَالَ اللهُ: يَسُبُّ بَنُو آدَمَ
الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ)). [انظر: ٤٨٢٦- مسلم: ٢٢٤٦ - فتح
١٠/ ٥٦٤]
٦١٨٢- حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَغْلَى، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بََّ قَالَ: (لَا تُسَمُّوا العِنَبَ
الكَرْمَ، وَلَا تَقُولُوا: خَيْبَةَ الدَّهْرِ. فَإِنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ)). [انظر: ٤٨٢٦، ٦١٨٣ - مسلم:
٢٢٤٦، ٢٢٤٧ - فتح ١٠/ ٥٦٤]
حدثنا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، ثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابن شِهَابٍ،
أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ قَالَ: أَبُو هُرَيْرَةَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((قَالَ اللهُ
تعالى: يَسُبُّ بَنُو آدَمَ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ)).
حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الوَلِيدِ، ثَنَا عَبْدُ الأَعْلَىْ، ثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِّ ◌ِّهِ قَالَ: ((لَا تُسَمُّوا العِنَبَ
الكَرْمَ، وَلَا تَقُولُوا: خَيْبَةَ الدَّهْرِ. فَإِنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ)).
قال الجیاني: کذا روي هذا الإسناد من حدیث اللیث عن يونس،
وفي روايتنا عن أبي علي بن السكن: ثنا الليث، عن عُقيل، عن ابن
شهاب. قال: والحديث محفوظ ليونس عن ابن شهاب بهذا السند.
وكذا ذكره مسلم من حديث ابن وهب عن يونس وقال محمد بن
يحيى الذهلي في كتاب ((علل حديث الزهري)): حدثنا أبو صالح، ثنا
الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﴾
قال: سمعت النبي وَّ يقول: ((لا يسب ابن آدم الدهر)) الحديث.

٥٩٩
كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ
=
وهذه الرواية تقوي ما في رواية ابن السكن إن كان حفظه.
ورواه ابن عيينة عن ابن شهاب، عن سعيد، عن أبي هريرة عند
البخاري أيضًا .
قال النسائي: كلاهما محفوظ. وحديث أبي سلمة أشهرهما(١).
قال الخطابي: كانت الجاهلية تضيف النصائب والنوائب إلى الدهر
الذي هو مر الليل والنهار. وهم في ذَلِكَ فرقتان: فرقة لا تؤمن بالله ولا تعرف
إلا الدهر الليل والنهار، اللذين هما محل للحوادث وطرق لمساقط
الأقدار، تنسب المكاره إليه على أنها من فعله، ولا ترى أن لها مدبرًا
غيره، وهُذِه الفرقة هم الدهرية الذين حكى الله عنهم في قوله: ﴿وَمَا
يُهْلِكُثاً إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]. وفرقة ثانية تعرف الخالق وتنزهه أن
تنسب إليه المكاره فتضيفها إلى الدهر والزمان، وعلى هذين الوجهين
كانوا يسبون الدهر ويذمونه، فيقول القائل منهم: يا خيبة الدهر ويا
بؤس الدهر فقال التَّه لهم مبطلًا ذَلِكَ: ((لا يسبن أحدكم الدهر)).
فالله هو الدهر يريد -والله أعلم -: لا تسبوا الدهر على أنه الفاعل
لهذا الصنع بكم، فإن الله هو الفاعل له، فإذا سببتم الذي أنزل بكم
المكاره رجع السب إلى الله وانصرف إليه.
ومعنى قوله: ((أنا الدهر)). أي: أنا ملك الدهر ومصرفه، فحذف
اختصارًا للفظ واتساعًا في المعنى. وبيان هذا في حديث أبي هريرة
من حديث هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عنه
رفعه: ((يقول الله : أنا الدهر بيدي الليل والنهار (أجده)(٢)
(١) ((تقييد المهمل وتمييز المشكل)) ٧٣٦/٢-٧٣٧.
(٢) كذا بالأصل وفي ((المسند)): (أجددها).

٦٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
و(أقلبه)(١)، وأذهب بالملوك وآتي بهم))(٢).
وروى عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن
أبي هريرة ه يرفعه: ((يقول الله: يؤذيني ابن آدم يقول: يا خيبة الدهر،
فلا يقولن أحدكم: يا خيبة الدهر؛ فإني أنا الدهر أقلبه ليله ونهاره، فإذا
شئت قبضتهما))(٣).
وقال النحاس: يجوز فيه نصب الراء من قوله: ((فإن الله هو الدهر)).
والمعنى: فإن الله مقيم الدهر أي: مقيم أبدًا لا يزول، ولما قال
ابن الجوزي: كان أهل الجاهلية يرون أن الدهر هو مهلكهم
ولا يرونها من الله، كان أبو بكر بن داود يرويه: ((أنا الدهر)) بفتح
الراء منصوبة على الظرف أي أنا طول الدهر بيدي الأمر. قال: وهو
باطل من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه خلاف ضبط المحدثين المحققين.
ثانيها: أنه ورد بألفاظ صحاح تبطل تأويله، منها ما عند البخاري:
((لا تقولوا: يا خيبة الدهر)).
ثالثها: لو كان بالضم كان اسمًا من أسمائه تعالى، يقتضي أن يكون
علة النهي لم تذكر؛ لأنه إذا قال: ((لا تسبوا الدهر فأنا الدهر أقلب الليل
والنهار)) كأنه قال: لا تسبوا الدهر فأنا أقلبه. وتقليبه الأشياء لا يمنع
ذمها، وإنما يتوجه الأذى في قوله: (((يؤذيني ابن آدم))) على ما أشرنا
إليه ولم يكن ابن داود من الحفاظ ولا من علماء النقل.
(١) في (ص٢): أبليه.
(٢) رواه أحمد ٤٩٦/٢ عن ابن نمير، عن هشام بن سعد، به.
(٣) رواه عبد الرزاق في ((جامع معمر)) ١١/ ٤٣٦ - ٤٣٧ (٢٠٩٣٨).