Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٤١ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ = فَاغْفِرْ فِدَاءٌ لَكَ مَا أَقْتَفَيْنَا فَاغْفِرْ فِدَاءٌ لَكَ مَا أُقْتَفَيْنَا إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَتَيْنَا وَأَلْقِيَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا وَبِالصِّيَاحِ عَوَّلُوا عَلَيْنَا. قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ هذا السَّائِقُ؟)). قَالُوا: عَامِرُ ابْنُ الأَكْوَعِ. فَقَالَ: (يَرْحَمُهُ اللهُ). فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: وَجَبَتْ يَا نَبِيَّ اللهِ، لَوْ أَمْتَغْتَنَا بِهِ. قَالَ: فَأَتَّيْنَا خَيْبَرَ فَحَاصَزْنَاهُمْ حَتَّى أَصَابَتْنَا مَخْمَصَةٌ شَدِيدَةٌ، ثُمَّ إِنَّ اللهَ فَتَحَهَا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا أَمْسَى النَّاسُ اليَوْمَ الذِي فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ أَوْقَدُوا نِرَانًا كَثِيرَةَ. فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ ◌َّ: (مَا هَذِهِ النِّيرَانُ؟ عَلَى أَِّ شَيْءٍ تُوقِدُونَ؟)). قَالُوا: عَلَى ◌ْلَم. قَالَ: ((عَلَى أَّ لَحْم؟)). قَالُوا: عَلَى لَم ◌ُرٍ إِنْسِيَّةٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّرَ: ((أَهْرِقُوهَا وَاكْسِرُوهَا)). فَقَالَّ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله أَوْ نُهَرِيقُهَا وَنَغْسِلُهَا؟ قَالَ: ((أَوْ ذَاكَ)). فَلَمَّا تَصَافَّ القَوْمُ كَانَ سَيْفُ عَامِرٍ فِيهِ قِصَرٌ، فَتَنَاوَلَ بِهِ تَهُودِيًّا لِيَضْرِبَهُ، وَيَرْجِعُ ذُبَابُ سَيْفِهِ، فَأَصَابَ رُكْبَةً عَامٍِ، فَمَاتَ مِنْهُ، فَلَمَّا قَفَلُوا قَالَ سَلَمَةُ: رَآنِي رَسُولُ اللهِ وَ لَهِ شَاحِبًا. فَقَالَ لِي ((مَا لَكَ؟». فَقُلْتُ: فِدىْ لَكَ أَبِ وَأُمِّي، زَعَمُوا أَنَّ عَامِرَا حَبِطَ عَمَلُهُ. قَالَ: ((مَنْ قَالَهُ؟)). قُلْتُ: قَالَهُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَأُسَيْدُ بْنُ الْخُضَيْرِ الأَنَّصَارِيُّ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِّ: ((كَذَبَ مَنْ قَالَهُ، إِنَّ لَهُ لِأَجْرَيْنِ -وَجَمَعَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ- إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ، فَلَّ عَرَبِيٌّ نَشَأَ بِهَا مِثْلَهُ)). [انظر: ٢٤٧٧ - مسلم: ١٨٠٢ - فتح: ١٠ / ٥٣٧]. ٦١٤٩- حَدَّثَنَا مُسَدَّدْ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَّسِ بْنِ مَالِكِ عُ قَالَ: أَتَّى النَّبِيُّ وَّ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ وَمَعَهُنَّ أُمُّ سُلَيْمِ، فَقَالَ: (وَيْحَكَ يَا أَنْجَشَةُ، رُوَيْدَكَ سَوْقًّا بِالْقَوَارِيرِ)). قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: فَتَكَلَّمَ النَّبِيُّ ◌َ بِكَلِمَةٍ لَوْ تَكَلَّمَ بَعْضُكُمْ لَعِبْتُمُوهَا عَلَيْهِ: قَوْلُهُ: (سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيرِ)). [انظر: ٦١٦١، ٦٢٠٢، ٦٢١١،٦٢١٠،٦٢٠٩- مسلم: ٢٣٢٣ - فتح: ٥٣٨/١٠]. (الرجز) -بفتح الراء والجيم -: اختلف في كونه شعرًا، ولهذا حسن من البخاري عطفه على الشعر. قال ابن التين: هو من الشعر. وقيل: ٥٤٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - لا، وإنما هو الكلام السجع؛ وذلك أنه يقال لصانعه: راجز، ولا يقال: شاعر. و(الحُداء) بضم الحاء والمد: مصدر، يقال: حدوت الإبل حدوًا وحداء، وهو سوق الإبل والغناء لها، مثل: دعوت دعاء، ويقال للشمال: حدوًا؛ لأنها تدعو السحاب. (وحكى الأزهري وغيره: كسر الحاء أيضًا وأول من أتخذه قريش)(١). ثم ذكر البخاري قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٣)﴾ إلى آخر الآية: ﴿فِ كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٥]. (قال ابن عباس: في كل لغو يخوضون). قال ابن عباس: ﴿اَلْغَاوُونَ﴾: الرواة، وقال الضحاك: هما أثنان تهاجيا على عهد رسول الله وَله: أحدهما أنصاري، وكان مع كل واحد منهما جماعة، وهم الغواة أي: السفهاء. وقال عكرمة: هم الذين يتبعون الشاعر. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿اُلْغَاوُونَ﴾: الشياطين. وروي عنه: هم الذين يتبعون ويروون شعرهم (٢). ونقل ابن بطال عن أهل التأويل -منهم ابن عباس وغيره- أنهم شعراء المشركين يتبعهم غواة الناس، ومردة الشياطين وعصاة الجن، ويروون شعرهم؛ لأن الغاوي لا يتبع إلا غاويًا مثله. وقول ابن عباس: (في كل لغو يخوضون). وقيل: في كل واحد من القول يهيمون. قال أبو عبيدة: الهائم: المخالف للقصد في كل شيء(٣). (١) من (ص٢). (٢) أنظر ((تفسير الطبري)) ٤٨٨/٩-٤٨٩، ((تفسير ابن أبي حاتم)) ٢٨٣١/٩-٢٨٣٢. (٣) ((مجاز القرآن)) ص٩١. ٥٤٣ = كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ (يمرحون)(١) ويمرقون ويسرعون بما ليس في الممدوح والمذموم. وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] قال ابن عباس: يعني: ابن رواحة وحسانًا. وقوله: ﴿وَذَّكَرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ أي: في شعرهم، وقيل: في خلال كلامهم للناس، وقيل: لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله. ﴿ وَأَنْتَصَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ﴾ أي: ردوا على الكفار الذين كانوا يهجونه. قال الطبري: ولا خلاف في أن حكم المستثنى مخالف لحكم المستثنى منه، فوضح أن المذموم من الشعراء غير الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم محمودون غير (٢) مذمومین . ثم ذكر فيه أحاديث: أحدها : حديث شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عن أبي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عن مَرْوَانَ بْنِ الحَكَم عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنَ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ عن أَبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ◌ّهِ أَن النبي ◌َِّ قَالَ: ((إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً)). يعني: كلامًا نافعًا يمنع من الجهل والسفه، وينهى عنهما، وهو من أفراده، وعزاه إليه المزي في ((أطرافه))(٣) إلى الأدب (٤)، وقد علمت أنه في كتاب البر والصلة، وأخرجه أيضًا أبو داود وابن ماجه من حديث يونس بن زيد، عن الزهري به(٥) . (١) من (ص٢). (٢) ((شرح ابن بطال)) ٣٢١/٩-٣٢٢. (٣) ((تحفة الأشراف)) ٣١/١ (٥٩). (٤) في هامش الأصل: تقدم الجواب عنه في أول كتاب البر والصلة فاعلمه. (٥) أبو داود (٥٠١٠)، وابن ماجه (٣٧٥٥). ٥٤٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ورواه إبراهيم بن سعد أيضًا عن الزهري به، وقال: عبد الله بن الأسود بن عبد يغوث(١)، قال غير واحد عن إبراهيم بن سعد كذلك. وهو معدود من أوهامه. ورواه أبو عمر الحوضي، وأبو معمر الهذلي(٢)، وعبد العزيز بن أبي سلمة العمري، عن إبراهيم بن سعد، فقالوا: عن عبد الرحمن بن الأسود على الصواب. وتابعهم يزيد بن هارون، إلا أنه أسقط مروان بن الحكم من إسناده(٣). وكذلك رواه الوليد بن محمد الموقري عن الزهري(٤)، وروي عن عبد الرحمن بن مهدي، عن إبراهيم بن سعد بالوجهين جميعًا، وذكر فيه مروان بن الحكم. ورواه معمر عن الزهري. واختلف عليه فيه فقال رباح بن زيد الصنعاني عن معمر كرواية الجماعة(٥). وقال علي بن بحر بن بري: عن هشام بن يوسف، عن معمر بإسناده عن عبد الله بن الأسود، كما هو المشهور عن إبراهيم بن سعد، وقال عبد الله بن المبارك وعبد الرزاق(٦): عن معمر، عن الزهري عن عروة، عن مروان، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبي بن كعب(٧). (١) رواه أحمد ١٢٥/٥. (٢) رواه عبد الله بن أحمد في زوائده على ((المسند)) ١٢٦/٥. (٣) رواه أحمد ١٢٥/١ عن يزيد بن هارون، به. وذكر فيه: مروان بن الحكم. (٤) رواه عبد الله بن أحمد في زوائده على ((المسند)) ١٢٦/٥، ولم يذكر فيه مرواه بن الحكم. (٥) رواه أحمد ١٢٥/٥. (٦) ((جامع معمر)) ١١/ ٢٦٣ (٢٠٤٩٩)، ومن طريقه رواه أحمد ١٢٥/٥. (٧) من قوله: قال غير واحد إلى قوله: أبي بن كعب قاله المزي في ((تحفة الأشراف)) ٣١/١ - ٣٢. ٥٤٥ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ الحديث الثاني : حديث جندب : بَيْنَمَا النَّبِيُّ وَهِ يَمْشِي إِذْ أَصَابَهُ حَجَرٌ فَعَثَرَ فَدَمِيَتْ إِصْبَعُهُ فَقَالَ: ((هَلْ أَنْتِ إِلَّ إِصْبَعْ دَمِيتِ وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتٍ)) قد سلف أنه قول ابن رواحة تمثل به رسول الله وله. والأصبع يذكر ويؤنث، وفيها عشر لغات: تثليث الهمزة والباء والعاشرة أصبوع. واقتصر ابن التين على خمس منها . الحديث الثالث : حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾: قَالَ النَّبِيُّ وَهِ: ((أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ. وَكَادَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ أَنْ يُسْلِمَ)». يريد: أصدق قسم، ((وما خلا)): كلمة يستثنى بها وينصب ما بعدها و(يجر)(١)، وأما ما خلا أي: وما كان (فيه)(٢) من ملائكة وكتب ورسل ونبيين واليوم الآخر والجنة والنار ليسوا بباطل، وهذا من أختصار العرب. والقسم الثاني وهو: وكل نعيم لا محالة زائل، فعابه بعض الصحابة وقال: نعيم الآخرة لا ينفد. (١) ورد في هامش الأصل تعليق نصه: لعله خطأ، فإنه ينصب ما بعدها فقط. قلت: يلزم النصب إذا تقدمت عليها -أي: على خلا - (ما) المصدرية، باعتباره مفعولًا به لفعل الاستثناء. أما إذا لم تتقدم (ما) المصدرية على (خلا - عدا - حاشا) فيجوز اعتبارها أفعالًا جامدة تنصب المستثنى، مفعولًا لها، ويجوز اعتبارها حروف جر والمستثنى مجرور بها. وأنظر ((النحو الوافي)) ٣٣٠/٢. (٢) في (ص٢): لله. ٥٤٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = قال الداودي: والذي يدخل في هذا يدخل في القسم الأول كما تقدم. ومعناه: نعيم الدنيا. ولبيد: هو ابن ربيعة بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. قال أبو عمر: وهو شعر حسن، فيه ما يدل على أنه قاله في الإسلام، وهو قوله: وكل أمرئ يومًا سيعلم سعيه إذا كشفت عند الإله المحاصل وقد قال أكثر أهل الأخبار: إن لبيدًا لم يقل شعرًا منذ أسلم. وقال بعضهم: لم يقل في الإسلام إلا قوله : الحمد لله إذا لم يأتني أجلي حَتَّى أكتسيت من الإسلام سربالا وهذا البيت لقردة بن نفاثة في أبيات. وقيل البيت الذي قاله: ما عاتب المرء الكريم كنفسه والمرء يصلحه القرين الصالح(١) وقد ذكر ابن عساكر له مرثية في رسول الله وَّل ذكرها ابن عساكر، ومديحًا فيه بيت في ديوانه من غير رواية ابن السكري. وقال المبرد: كان شريفًا في الجاهلية والإسلام، وكان نذر ألا تهب الصبا إلا نحر وأطعم(٢)، وهو من فحول الشعراء ومن المؤلفة أيضًا، عَمَّر، مات بعد المائة، إما وأربعين أو سبع (وخمسين)(٣). وقوله: ((وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم)) أي: لأن ألفاظه حكمة. ويقال إنه الذي نزل فيه ﴿وَأَتَلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِىّ ءَاتَيْنَهُ ءَايَيِّنَا فَأَنْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٧٥] قاله عبد الله بن عمرو. (١) ((الا ستيعاب)) ٣٩٢/٣-٣٩٣. (٢) ((الكامل في اللغة والأدب)) ٧١/٢. (٣) من (ص٢). ٥٤٧ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ وقال ابن عباس: هو بلعام من بني إسرائيل. وقال عكرمة: هو من كبار اليهود والنصارى لم يصح إسلامه(١). وروي أن أمية هذا رأته ابنتاه في المنام نسرين، كشطا سقف بيته فشق أحدهما عن قلبه، فقال له الآخر: أوعى؟ قال: وعى. (قال: أزكى؟ قال: أبى)(٢): فقال: ذَلِكَ خير أريد بأبيكما فلم يقبله(٣). الحديث الرابع : حديث سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ السالف في غزوة خيبر وفيه: اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا أَهْتَدَيْنَا إلى آخره. وقوله: (فرجع ذباب سیفه) أي: طرفه الذي يضرب به. وقوله: (قال سلمة: فرأى رسول الله ﴿ ﴿ شاحبًا)، الشاحب: المتغير اللون والجسم؛ لعارض من مرض أو سفر ونحوهما، وقد شحب يشحب شحوبًا فهو شاحب، ولا يصح أن يكون بالجيم كما قاله ابن التين . قال الجوهري: شَجَبَ يشْجَب: إذا (حزن)(٤) أو هلك، فهو شَجِب. وشَجَب يشْجُب بالضم هو شاجب. أي: هالك(٥)، والمروي بالحاء المهملة. (١) أنظر ((تفسير عبد الرزاق)) ٢٢٧/١، ((تفسير الطبري)) ١١٨/٦-١٢٠، ((معاني القرآن)» للنحاس ١٠٥/٣. (٢) في الأصل: (قال: إن كان يا حموتاه) والمثبت من ((تفسير عبد الرزاق)). (٣) رواه عبد الرزاق في ((تفسيره)) ١/ ٢٢٧ (٩٥٩). (٤) من (ص٢) وفي الأصل: حرى. (٥) ((الصحاح)) ١٥١/١. ٥٤٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = الحديث الخامس : حديث أَنَسِ ◌ُّ: أَتَى النَِّيُّ ◌َِّ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ - وَمَعَهُنَّ ◌ُمُّ سُلَیْم- فَقَالَ: ((وَيْحَكَ يَا أَنْجَشَةُ، رُوَيْدَكَ سَوْقًا بِالْقَوَارِيرِ)). قَالَ أَبُو قِلَابَةٌ: فَتَكَلَّمَ النَّبِيُّ وَّهِ بِكَلِمَةٍ لَوْ تَكَلَّمَ بَعْضُكُمْ لَعِبْتُمُوهَا عَلَيْهِ: قَوْلُهُ: ((سَوْقَا بِالْقَوَارِيرِ)). الشرح : الشعر والرجز والحداء كسائر الكلام، فما كان فيه ذكر تعظيم الرب ووحدانيته وقدرته وإيثار طاعته وتصغير الدنيا والاستسلام له تعالى، كنحو ما أورده البخاري في الباب فهو حسن مرغب فيه، وهو الذي قال فيه التّ: ((إن من الشعر حكمة)). وما كان منه كذبًا أو فحشًا فهو الذي ذمه الله ورسوله. وقال الشافعي: الشعر كلامه حسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيحه(١). قُلْتُ: وهو حديث مرفوع(٢)، وسماع الحُداء ونشيد الأعراب لا بأس به؛ فإن الشارع قد سمعه وأقره ولم ينكره. وهذا الباب رد على من نهى عن قليل الشعر وكثيره، واعتلوا بحديث جبير بن مطعم * عن النبي ◌َّ: أنه كان إذا افتتح الصلاة يستعيذ من الشيطان من همزه ونفخه ونفثه(٣)، فسره عمرو بن مرة في رواية. فقال: نفثه: الشعر ونفخه: الكبر وهمزه الموت (٤). أي: الجنون، وبحديث أبي أمامة الباهلي أنه التَّئ قال: لما أنزل إبليس إلى الأرض (١) ((الأم)) ٦/ ٢١٢. (٢) رواه البخاري في ((الأدب المفرد)) ص ٣٠١ (٨٦٥) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا. (٣) رواه أبو داود (٧٦٤). (٤) رواه ابن ماجه (٨٠٧). ٥٤٩ = كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ قال: يا رب اجعل لي قرآنًا، قال: الشعر .. وذكر الحديث(١). وبحديث ابن لهيعة عن أبي قبيل قال: سمعت عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول: من قال ثلاثة أبيات من الشعر من تلقاء نفسه لم يدخل الفردوس. قال الأعمش: تمثل مسروق بأول بيت شعر ثم سكت فقيل له: لم سكت؟ قال: أخاف أن أجد في صحيفتي شعرًا(٢). وقال ابن مسعود: الشعر مزامير الشيطان(٣). وكان الحسن لا ينشده(٤). قال الطبري: وهُذِه أخبار واهية، والصحيح في ذَلِكَ أنه العَيْ كان يتمثل أحيانًا بالبيت فقال: ((هل أنت إلا أصبع)) إلى آخره. وقال: ((أصدق كلمة قالها الشاعر)). تمثل بأول البيت وترك آخره. وقالت عائشة رضي الله عنها: كان النبي وسلّ يتمثل من الشعر: ويأتيك بالأخبار من لم تزود(٥). وكان عامر بن الأكوع يحدو بالشعر بحضرته المشرفة. وقال: ((من هذا السائق؟)) قالوا: عامر. فقال: ((يرحمه الله)). وأمر حسان بن ثابت وغيرُه بهجاء المشركين، وأعلمهم أن (لهم على ذَلِكَ)(٦) جزيل الأجر وقال: ((هو أشد عليهم من نضح النبل))(٧). (١) رواه الطبراني ٢٠٧/٨ (٧٨٣٧)، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ١١٩/٨: فيه علي بن يزيد الألهاني، وهو ضعيف. (٢) رواه ابن أبي شيبة ٢٨٣/٥ (٢٦٠٨١)، وهناد في ((الزهد)) ٥٤٢/٢ (١١٢٠). (٣) رواه هناد في ((الزهد)) ٢٨٦/١ (٤٩٧). (٤) رواه عبد الرزاق في ((جامع معمر)) ٢٦٤/١١ -٢٦٥ (٢٠٥٠٣). (٥) رواه الترمذي (٢٨٤٨)، وأحمد ١٥٦/٦. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. (٦) في الأصل: له على كلٍ. والمثبت من (ص٢). (٧) ذكره ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) ١/ ٤٠٣، وروى الترمذي (٢٨٤٧)، والنسائي ٢٠٢/٥-٢٠٣ من حديث أنس، أنه وَلّ قاله لعبد الله بن رواحة، بلفظ: ((فلهو أسرع فيهم من نضح النبل)». ٥٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وذكر الطبري عن عمر وعلي وجلة الصحابة ﴿ أنهم أنشدوا الأشعار. وتمثل معاوية بالشعر(١). وكان ابن أبي مليكة وعكرمة ينشدانه. وكان ابن أبي ملكية ينشد به والمؤذن يقيم. وعن ابن سيرين أنه كان ينشد الشعر الرقيق. وقال معمر: سمعت الزهري وقتادة ينشدان الشعر. قال قتادة: وكان ابن مسعود ربما تمثل بالبيت من وقائع العرب (٢). قال شعبة: وكان قتادة ينشد الشعر فأقول له: أنشدك بيتًا وتحدثني بحديث(٣). فصل : وقول عامر: (فاغفر فداءً لك ما أقتفينا). أي: اتبعنا من الصالحين. زعم بعض الغفلة أن قوله: فداء لك. تصحيف لا يجوز أن يقال ذَلِكَ لله، وليس كما ظن، والشعر صحيح. والمعنى: فاغفر ما أقتفينا أي: ما ارتكبنا من الذنوب. تقول العرب: قفوت الشيء قفوًا: أتبعت أثره. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْهٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] وقوله: (فداءً لك) دعاء منه ربه أن يفديه من عقابه على ما أقترف من ذنوب، فكأنه قال: اللهم اغفر لي وافدني منه فداءً لك أي: من عندك فلا تعاقبني. وقوله: (لك) يبين الفاعل للفداء المعني بالدعاء كما تقول في الدعاء: سقيا لك. فـ (لك) ههنا مذكور لتبين المعنى بالدعاء له، والمعنى سقاك الله، فكذلك قوله: (فداءً لك) معناه: آفدنا من عقابك. (١) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب ((المحتضرين)) (٧٣). (٢) ((جامع معمر)) ٢٥٦/١١ (٢٠٥٠٣، ٢٠٥٠٤). (٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) ٧/ ١٥٤. ٥٥١ - كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ وقد ذكر البخاري في غزوة خيبر بلفظ (ما أبقينا)(١) أي: من الذنوب، أي: ما تركناه مكتوبًا علينا، ونحو ذَلِكَ. (فداءٌ لك) بالرفع والخفض أيضًا. فوجه الرفع: أن يكون خبر ابتداء مضمر أي: نحن فداءٌ لك كأنك قُلْتَ: نحن لتفدنا أو أفدنا، كما تقول: نحن أرحمنا، وزيدًا أرحمه. ومن خفض فداءً شبهه بأمس، فبناه على الكسر كبناء الأصوات عليه نحو قولهم: قال: الغراب غاق والخيل طاق، وأنشد سيبويه : مهلًا فداء لك الأقوام كلهم (٢) وتقديره: أغفر أفدنا . فصل : وقول الرجل(٣): (وجبت يا رسول الله). يعني: الجنة فهو من دعائه لعامر بالرحمة أنه يستشهد في تلك الغزاة، ويكون من أهل الجنة، كما فهم ابن عباس من قوله: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِ دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا [النصر: ٢] الآية حضور أجله العليه، فلذلك قال الرجل: وجبت يا رسول الله، ثم قال: هلا أمتعتنا به. وقوله: (لولا أمتعتنا به). أي: هلا، ومعناه: التحضيض. (١) سلف برقم (٤١٩٦) كتاب: المغازي. (٢) وهو النابغة الذبياني، وشطره الثاني: وما أثمر من مالا ومن ولد. أنظر: ((ديوان النابغة)). (٣) ورد بهامش الأصل: الرجل هو عمر بن الخطاب كما صرح به مسلم في ((صحيحه)) [قلت: برقم (١٨٠٧)]. ٥٥٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - فصل : قوله ((إن له لأجرين، إنه لجاهد مجاهد))) أي: جاد في الأجر مجتهد فيه مبالغ ومجاهد في سبيل الله، ويحتمل أن يكون لما أمات نفسه وقتلها في سبيله تفضل الله عليه بأن ضاعف أجره مرتين أو أخذ الأجرين لموته في سبيل الله. والآخر لما كان يحدو به القوم من شعره ويدعو الله في ثباتهم عند لقاء عدوهم وذلك تحضيض للمسلمين وتقوية لنفوسهم. وقد روي هذا المعنى مرفوعًا. روى معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه أنه قال الرسول الله ◌َّهُ: إن الله قد أنزل في الشعر ما أنزل. قال: ((إنَّ المؤمنَ يجاهدُ بنفسه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأنما تَرْمون به نضح النبل))(١). وتأويل سلمة ومن معه أن عامرًا حبط عمله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] فحملوا الخطأ على العمد، قيل: ويحتمل أن يكون هذا قبل نزول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَّأَ﴾ [النساء: ٩٢]. فصل : قوله: (ألا تسمعنا من هنيهاتك). العرب تقول لكل شيء صغير: هنة، والهنوات من الكلام: ما صغر منها ولم یکن له کبیر معنى، كما قال الشاعر: على هنوات كلها تتابع يريد: على صغار من الكلم المستحق بها القطيعة. والهنة: كل شيء صغير برز من عظم شيء أو بان منه. كزمعة ظلف الشاة، وحلمة الثدي (١) ((جامع معمر)) ٢٦٣/١١ (٢٠٥٠٠). ٥٥٣ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ = والضرع، ويجوز أن يقال: هنية وهنيهة. قال الجوهري: في فلان هنات أي: خصلات شر(١). وهنيهات: تصغير، كأنه قال له: أسمعنا من أشعارك وغنائك. وفي كتاب الدعاء: ألا أسمعتنا من هنياتك(٢). ويقال ذَلِكَ؛ للبرهة من الدهر أيضًا . فصل : وقوله الكليتان: ((يا أنجشة رويدك سوقًا بالقوارير)) القوارير هنا: كناية عن النساء الذين على الإبل، أمره بالرفق في الحداء والإنشاد؛ لأن الحداء يحث الإبل حَتَّى تسرع السير، فإذا مشت الإبل رويدًا أمن على النساء السقوط. وتشبيهه القّة النساء بالقوارير من الاستعارة البديعة؛ لأن القوارير أسرع الأشياء تكسرًا، فأفادت الاستعارة ههنا من الحض على الرفق بالنساء في السير ما لم تفده الحقيقة؛ لأنه لو قال: أرفق في مشيك بهن أو ترسَّل، لم يفهم من ذَلِكَ أن التحفظ بالنساء كالتحفظ بالقوارير، كما فهم ذَلِكَ من الاستعارة؛ لتضمنها من المبالغة في الرفق ما لم تتضمنه الحقيقة. فصل : أنشجة: غلام أسود لرسول الله وَّر، ذكروه في الصحابة، وهو من الأفراد، كان في سوقه عنف، فأمره أن يرفق بالمطايا يسوقها كما يسوق الدابة إذا حملت القوارير، قاله ابن التين. وليس كتأويل البخاري أنه كان (١) ((الصحاح)) ٦/ ٢٥٣٧ مادة [هنو]. (٢) سيأتي برقم (٦٣٣١) باب: قول الله تعالى ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ بلفظ: (لو أسمعتنا). ٥٥٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = يحدو. وسيأتي في باب: ويلك، أنه كان يحدو(١). وقال في حديث بعد: وكان حسن الصوت(٢). فصل : القوارير: جمع قارورة من الزجاج. قال الهروي: شبههن بذلك؛ لضعف عزائمهن، والقوارير يسرع الكسر إليها. وكان أنجشة ينشد من القريض. والرجز ما فيه تشبب فلم يأمن أن يصيبهن أو يقع بقلوبهن حداؤه، فأمره بالكف؛ خوف ذَلِكَ(٣) . فصل : قوله: (اللهم لولا أنت ما اهتدينا). هذا ليس بشعر ولا رجز ولا موزون(٤)، وقوله: (فاغفر فدى لك ما أقتفينا). صوابه فداء بالمد وكسر الفاء، وبه ينون على ما قبله، ومن قصر فدى فتح الفاء، ومنهم من يكسر(٥) فداءٍ بالتنوين إذا جاور لام الجر خاصة تقول: فداء لك؛ لأنه نكرة یریدون به معنى الدعاء. فصل : قوله: ( ((قَلَّ عربي نشأ بها مثله)) ) يعني عليها . (١) سيأتي برقم (٦١٦١). (٢) سيأتي برقم (٦٢١١) باب: المعاريض. (٣) ((النهاية في غريب الحديث) ٣٩/٤. (٤) هذا الكلام قاله ابن التين وتعقبه ابن حجر في ((الفتح)) ٥٤٣/١٠ قائلًا: وليس كما قال، بل هو رجز موزون وإنما زيد في أوله سبب خفيف ويسمى الخزم بالمعجمتين اهـ، وقال العيثني في ((عمدة القاري)) ٣٤١: قوله: (اللهم لولا أنت ما اهتدينا) إلى آخره. رجز. (٥) ورد بهامش الأصل: وقد قدَّم شيئًا من ذلك. ٥٥٥ ـ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَّةِ وذكره ابن التين بلفظ: ((نشأ بها)). أي: كبر عليها؛ لأن النشأة البداءة، ثم ذكر (ما) (١) بدأنا رواية عن الداودي، وذكره في غزوة خيبر: ((مشى))(٢) من المشي. فصل : وقوله: ((رويدك)) أي: أمهل، وحركت الدال؛ لالتقاء الساكنين وتنصب نصب المصادر، وهو تصغير ترخيم من أرود يرود روادًا، وتقول: رويدك عمرًا، فالكاف للخطاب لا موضع لها من الإعراب؛ لأنها ليست باسم، و(رويد) غير مضافة إليها ومتعدٍّ إلى عمرو؛ لأنه أسم سمي به الفعل، فعمل عمل الأفعال، وتفسير رويدًا: مهلًا، وتفسير رويدك: أمهل؛ لأن الكاف إنما تدخله إذا كان بمعنى أفعل، قاله الجوهري(٣) . فصل : وقوله: (لو تكلم بعضكم لعبتموها عليه). قال الداودي: إنما قاله لأهل العراق، لما فيهم من التكلف والزهو ومعارضة الحق بالباطل. فصل : قوله: (فتناول به يهوديًّا ليضربه). إلى آخره. (فيه)(٤) - كما قال أبو عبد الملك -: دليل على أن من لم يعرف قاتله لا يودى، كقول أهل العراق. واحتجوا بقوله: لا يفرجنا في الإسلام (١) مكررة بالأصل. (٢) سيأتي برقم (٤١٩٦) كتاب: المغازي. (٣) ((الصحاح)) ٤٧٩/٢. (٤) من (ص٢). ٥٥٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = مفرجًا. أي: لا (يترك)(١) قتيل بلا دية، وإن لم يعرف قاتله وداه المسلمون، فهذا لم يده. والأصمعي يرويه: مفرحا. بالحاء، وينكر الجيم. وقيل: هما روايتان بالجيم معناه كما تقدم. وقال أبو عبيدة: وهو الذي إذا جنى أدى عنه بيت المال. (١) في هامش الأصل: كذا أضبطه يُترك. وكذا رأيته في ((نهاية ابن الأثير)). ٥٥٧ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ = ٩١- باب هِجَاءِ المُشْرِكِينَ ٦١٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتِ أَسْتَأْذَنَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ رَسُولَ اللهِ وَهِ فِي هِجَاءِ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((فَكَيْفَ بِنَسَيِي؟)). فَقَالَ حَسَّانُ: لأَسُلََّّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعَرَةُ مِنَ العَجِينِ. وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِهِ قَالَ: ذَهَبْتُ أَسُبُّ حَسَّانَ عِنْدَ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: لَا تَسُبُّهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ عَنْ رَسُولِ اللهِ مَله. [انظر: ٣٥٣١ - مسلم: ٢٤٨٧، ٢٤٨٩ - فتح ١٠/ ٥٤٦] ٦١٥١ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِ يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، أَنَّ الهَيْثَمَ بْنَ أَبِي سِنَانٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ فِي قَصَصِهِ يَذْكُرُ النَّبِيَّ وَلَ يَقُولُ: ((إِنَّ أَخَا لَكُمْ لَا يَقُولُ الرَّفَث)). يَغْنِي بِذَاكَ: ابن رَوَاحَةَ. قَالَ: إِذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنَ الفَجْرِ سَاطِعُ فِينَا رَسُولُ اللهِ يَثْلُو كِتَابَهُ أَرَانَا الهُدىْ بَعْدَ العَمَى فَقُلُوبُنَا بِهِ مُوقِئَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ وَاقِعُ إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالْكَافِرِينَ المَضَاجِعُ يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ تَابَعَهُ عُقَيْلٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ وَالأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. [انظر: ١١٥٥ - فتح ٥٤٦/١٠] ٦١٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ نُحَمَّدِ بْنِ أَبِيِ عَتِيقٍ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتِ الأَنَّصَارِيَّ يَسْتَشْهِدُ أَبَا هُرَيْرَةَ فَيَقُولُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، نَشَدْتُكَ بِاللهِ هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((يَا حَسَّانُ، أَجِبْ عَنْ رَسُولِ اللهِ، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ القُدُسِ؟)). قَالَ أَبُو هُرَيْرَةً؟ نَعَمْ. [انظر: ٤٥٣ - مسلم: ٢٤٨٥ - فتح ٥٤٦/١٠] ٦١٥٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَزْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنِ البَرَاءِ ٥٥٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ◌َّ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ قَالَ لَحِسَّانَ: ((اهْجُهُمْ - أَوْ قَالَ: هَاجِهِمْ - وَجِبْرِيلُ مَعَكَ)). [انظر: ٣٢١٣ - مسلم: ٢٤٨٣ - فتح ٥٤٦/١٠] ذكر فيه حديث هِشَام، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: اسْتَأْذَنَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ رَسُولَ اللهِ وَهِ فِي هِجَاءِ المُشْرِكِينَ، فَقَالَ: ((فَكَيْفَ بِنَسَبِي؟)). فَقَالَ حَسَّانُ: لَأَّسُلَّنَكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعَرَةُ مِنَ العَجِينِ . وَعَنْ هِشَام، عَنْ أَبِهِ قَالَ: ذَهَبْتُ أَسُبُّ حَسَّانَ عِنْدَ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: لَا تَسُبَّهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ. وحديث الهَيْثَم بْنِ أَبِي سِنَانٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﴾ فِي قَصَصِهِ يَذْكُرُ رسول الله وَلٍ يَقُولُ: ((إِنَّ أَخَا لَكُمْ لَا يَقُولُ الرَّفَثَ)). يَعْنِي بِذَاكَ: ابن رَوَاحَةَ. قَالَ: وفِينَا رَسُولُ اللهِ .. إلى آخر الأبيات. سلف في الصلاة في باب فضل من تعار بالليل، بذكر المتابعة. وحديث أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ يَسْتَشْهِدُ أَبَا هُرَيْرَةَ يقول: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، نَشَدْتُكَ بِاللهِ هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ وَّه يَقُولُ: ((يَا حَسَّانُ، أَجِبْ عَنْ رَسُولِ اللهِ، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحٍ القُدُسِ؟)). قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ. وحديث البراء أنه العمليه قال لحسان: ((اهجهم -أو قال- هاجهم وجبریل معك)). الشرح : الهجاء خلاف للمدح، يقال: هجوته هجوًا وهجاء، ولا تقول: هجيته. ولعله إنما أذن له بعد هجوهم إياه، فيكون ذَلِكَ جزاء لهجوهم، كما في الحديث الآخر: ((اللهم إن فلانًا هجاني ٥٥٩ ـ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ فاهجه))(١). أي: جاوبه، وهذا كقوله ﴿وَجَزَّوُاْ سَيْئَةٍ سَِّئَةٌ مِّثْلُهَا ﴾ [الشورى: ٤٠]؛ لأنه القليل منزه عن البدء بالذم. والمهاجاة أن يجيب من هجاه. ومعنى: لأسلنك منهم: أخرجك نقيًّا من العيوب. وكان التَّل كذلك لم تمسه ولادة حرام من آدم إليه، وكان أعز قريش مجدًا وأشرفهم أبًا . ومعنى (ينافح): يخاصم ويدافع، تقول العرب: نافحت عن فلان، ونفحت عنه: إذا خاصمت عنه، والمخاصمة، والمنافحة لا تكون إلا من أثنين؛ لأنها مفاعلة، وكل مفاعلة كذلك. و ((الرفث)): الفحش من القول، تقول منه: رفث الرجل وأرفث. وكان شعراء النبي نَّ: ابن رواحة، وحسان، وكعب بن مالك. وكان الذين يهجونه من قريش: عمرو بن العاصي، وعبد الله بن الزبعري، وأبو سفيان بن الحارث أخو رسول الله وهل من الرضاعة وابن عمه. قال الداودي: وفي حسان وصاحبيه نزلت: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] وسلف عن ابن عباس أنها نزلت في حسان وابن رواحة، وذكر أن المشركين لما هجوا رسول الله ◌َّ قال: ((ما حق قوم نصروا رجلًا بأسيافهم إلا ينصروه بألسنتهم)). فأتاه حسان وقد أخرج لسانه يضرب به أنفه وعلا لسانه فقال: والله لأفرينهم فري الأديم. فلما هجاهم، قال القليل: ((والذي نفسي بيده إنه لأشد عليهم من رشق النبل)) (٢). وهجاه واحد، فقال العَيْف: ((إني لا أحسن الشعر، فالعنه بكل بيت لعنة))(٣). (١) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ١١٨/٤٦. (٢) رواه الطبراني ٣٨/٤ (٣٥٨٢)، والبيهقي في ((السنن)) ٢٣٨/١٠. (٣) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ١٧٨/٢٥. ٥٦٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - فصل : هجاء المشركين أهل الحرب وسبهم جائز بهذِه الأحاديث، وأنه لا حرمة لهم إذا سبوا المسلمين، والانتصار منهم بذمهم وذكر كفرهم، وقبيح أفعالهم من أفضل الأعمال عند الله؛ ألا ترى قوله لحسان: ((اهجهم -أو هاجهم- وجبريل معك)) وقوله: ((اللهم أيده بروح القدس))؟ وكفى بذلك فضلًا وشرفًا للعمل والعامل به. فأما إذا لم يسب أهل الحرب المسلمين فلا وجه لسبهم؛ لأن الله تعالى قد أنزل على نبيه في قنوته على أهل الكفر: إن الله لم يبعثك لغَّانًا ولا سبابًا، وإنما بعثت رحمة، ولم يبعثك عذابًا، فترك سبهم، فإن قُلْت: فما دليلك أنه التََّه أمر حسانًا بهجاء المشركين لينتصر منهم لهجوهم المسلمين؟ قيل: قول عائشة رضي الله عنها: إنه كان ينافح عنه بقبضته كما سلف، ويبين ذَلِكَ قوله لأبي هريرة: نشدتك الله، هل سمعت رسول الله * يقول: ((يا حسان، أجب عن رسول الله(وَلَّه)؟ قال: نعم. فبان أن هجاء المشركين إنما كان مجازاة لهم على قبيح قولهم. روى ابن وهب عن جرير بن حازم قال: سمعت ابن سیرین یقول: هجا رسول الله ◌َ﴾ والمسلمين ثلاثة رهط من المشركين وقد سلف ذكرهم، فقال المهاجرون: يا رسول الله، ألا تأمر عليًّا أن يهجو عنا هؤلاء القوم؟ فقال: ((ليس علي هنالك)). ثم قال: ((إذا القوم نصروا رسول الله ﴾ بأيديهم وأسلحتهم، فبألسنتهم أحق أن ينصروه)) فقالت الأنصار: أرادنا. فأتوا حسان بن ثابت، فذكروا له ذَلِكَ، فأقبل حَتَّى وقف على رسول الله وَّل فقال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق، ما أحب أن لي بقولي ما بين صنعاء وبصرى. فقال التَّه: ((أنت لها