Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
= كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ
(وروينا في ((سنن أبي داود)) من حديث جابر وأبي طلحة مرفوعًا:
((ما من أمرئ يخذل أمراً مسلمًا في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص
فيه من عرضه إلا خذله الله في موضع يحب فيه نصرته، وما من أمرئ
ينصر مسلمًا في موطن ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته،
إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته))(١) وروينا في ((جامع
الترمذي)) من حديث أبي الدرداء مرفوعًا: ((من ردَّ عن عرض أخيه ردَّ
الله عن وجهه النار يوم القيامة)) ثم قال: حديث حسن)(٢)(٣).
(١) أبو داود (٤٨٨٤).
(٢) الترمذي (١٩٣١).
(٣) ما بين القوسين من (ص٢).

٣٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
صلىالله
وَسِيل
٤٧- باب قَوْلِ النّبِيّ
((خَيْرُ دُورِ الأَنْصَارِ))
٦٠٥٣- حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي
أُسَيْدِ السَّاعِدِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَّةِ: ((خَيْرُ دُورِ الأَنَّصَارِ بَنُو النَّجَّارِ)). [انظر:
٣٧٨٩ - مسلم: ٢٥١١ - فتح ١٠ / ٤٧١].
وذكر فيه حديث أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي أُسَيْدِ السَّاعِدِيِّ
قَالَ: قَالَ رسول الله وَّهَ: ((خَيْرُ دُورِ الأَنَّصَارِ بَنُو النَّجَّارِ)).
هذا الحديث سلف، وأبو الزناد أسمه عبد الله بن ذكوان، وأبو سلمة
أسمه: عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، وأبو أُسيد - بالضم - أسمه
مالك بن ربيعة.
كذا ترجم، وأدخل فيه: ((خير دور الأنصار بنو النجار)) وهو لائح.
وأما المهلب فذكره، وابن بطال بحذف لفظ ((دور)) ثم قال: وإنما أراد
أهل الدور، كقوله: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ وقوله: ﴿وَالْعِيَرَ أَلَِّىّ أَقْنَا فِّ﴾
[يوسف: ٨٢] يريد أهلها. قال: وقد جاء كذلك مصرحًا في غير هذا
الموضع(١). قلت: بل هو هنا كذلك كما أسلفناه.
وقال ابن قتيبة: الدور هنا: القبائل، يدل عليه الحديث الآخر:
ما بقي دار إلا بني فيها مسجد، أي: قبيلة. وإنما استوجب بنو النجار
الخير لمسارعتهم إلى الإسلام، وقد (بينه)(٢) الشارع في حديث
الأقرع بن حابس، حين قال لرسول الله وَله: إنما بايعك سراق
(١) ((شرح ابن بطال)) ٩/ ٢٤٨.
(٢) في الأصل: (رتب).

٣٨٣
كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ
=
الحجيج من طيء وأسلم وغفار - يريد تهجين هُذِه القبائل الضعيفة القليلة
العدد المسارعة (إليك)(١)؛ لقلتها وضعفها؛ لتكثر بك وبأصحابك، لتعز
من ذلتها - فقال التَّه: ((أرأيت إن كانت أسلم وغفار ومزينة خيرًا من بني
تميم)) (٢) لمسارعتها إلى الإسلام، فاستوجبت بذلك ما أثنى الله عليها في
القرآن بقوله: ﴿وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ الآية [التوبة:
١٠٠] ولذلك استوجب بنو النجار بالمسارعة إلى الإسلام من الخيرية
ما لم يستوجبه بنو عبد الأشهل المتباطئون بالإسلام.
فإن قلت: ما وجه دخول هذِه الترجمة في أبواب الغيبة؟
قيل: معناه ظاهر، وهو أنه دال على أنه يجوز للعالم المفاضلة بين
الناس وينبه على فضل الفاضل، ونقص من لا يلحق بدرجته في الفضل،
ولا يكون ذلك من باب الغيبة، كما لم يكن ذكره التقرير لغير بني النجار
أنهم دون بني النجار في الفضل من باب الغيبة. ومثل هذا أتفق
المسلمون من أهل السنة أن الصديق أفضل من عمر، وليس ذَلِكَ غيبة
(لعمر)(٣) ولا نقصًا له، وكذلك جاز لابن معين وغيره من أئمة
الحديث تجريح الضعفاء، وتبيين أحوالهم؛ خشية التباس أمرهم على
العامة، واتخاذهم أئمة وهم غير مستحقين للإمامة. (والله الموفق)(٤).
(١) في الأصل: (إليها).
(٢) سلف برقم (٣٥١٦) كتاب: المناقب، باب: ذكر أسلم، وغفار، ومزينة ... من
حديث أبي بكرة.
(٣) من (ص٢).
(٤) من (ص٢).

٣٨٤
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٤٨- باب مَا يَجُوزُ مِنِ اغْتِيَابٍ أَهْلِ الفَسَادِ وَالرِّيَبِ
٦٠٥٤ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ، أَخْبَرَنَا ابن عُيَيْنَةَ، سَمِعْتُ ابن المُنْكَدِرِ، سَمِعَ
◌ُزْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَخْبَرَتْهُ قَالَتِ: أَسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى رَسُولٍ
اللهِ وَّةِ، فَقَالَ: ((اتْذَنُوا لَهُ، بِتْسَ أَخُو العَشِيرَةِ أَو ابن العَشِيرَةِ». فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ
لَهُ الكَلَامَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الهِ، قُلْتَ الذِي قُلْتَ، ثُمَّ أَنْتَ لَهُ الكَلَامَ! قَالَ: ((أَيْ
عَائِشَةُ، إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ - أَوَ وَدَعَهُ النَّاسُ - أَتَّقَاءَ فُحْشِهِ)). [انظر:
٦٠٣٢ - مسلم: ٢٥٩١ - فتح ١٠/ ٤٧١]
ذكر فيه حديث عائشة رضي الله عنها السالف في باب لم يكن رسول
الله وَلِّ فاحشًا .
وقد سلف من هو الرجل المذكور. وكتب الدمياطي أيضًا بخطه أنه
مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة، والد المسور، (وهو
أحد القولين فيه، وحكاهما معًا ابن بشكوال)(١)، وهذا الحديث أصل
في جواز غيبة أهل الفساد، ألا ترى قوله التيهي للرجل: ((بئس أخو
العشيرة)) وإنما قاله لما قد صح عنده من شره؛ لقوله في آخر
الحديث: ((إن شر الناس من تركه الناس أتقاء فحشه)). وسلف حكمه
وإلانته له الكلام قريبًا .
وروى ابن وضاح محمد بن المصفى، ثَنَا بقية بن الوليد، عن
الربيع بن يزيد، عن أبان، عن أنس مرفوعًا: ((من خلع جلباب الحياء
فلا غيبة فيه))(٢)، وفسره ابن سعدان، قال: معناه من عمل عملاً قبيحًا
(١) من (ص٢).
(٢) رواه ابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) ٢٩٥/٢-٢٩٦ (١٣٠١) من طريق هشام
ابن عمار، وعلي بن الجعد، كلاهما عن الربيع بن بدر، عن أبان، به. وقال: فيه
متروكان: الربيع وأبان.
=

٣٨٥
كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ
=
كشفه للناظرين، ولم يرع وقوفهم عليه، فلا بأس بذكره عنه من حيث
لا يسمع؛ لأنه كمن أذن في ذَلِكَ لكشفه عن نفسه، فأما من أستتر
بفعله فلا يحل ذكره لمن رآه؛ لأنه غير آذن في ذكره، وإن كان كافرًا.
وقد سئل ابن وهب عن غيبة النصراني فقال: لا؛ لقول الله تعالى:
﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] وهو من الناس، ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ
أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْنًا فَكَرِهِتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢] فجعل هذا لهم
مثلًا، وفي الحديث: ((اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس))(١).
قال ابن أبي زيد: يقال لا غيبة في أمير جائر، ولا في صاحب بدعة
يدعو إليها، ولا لمن يشاور في إنكاح أو شهادة أو نحو ذَلِكَ. وقد قال
التَّ لفاطمة بنت قيس، حين شاورته فيمن خطبها: ((إن معاوية صعلوك
لا مال له))(٢)، وكذلك رأت الأئمة أن من يقبل قوله من أهل الفضل يجوز
له أن يبين أمر من يخاف أن يتخذ إمامًا، فيذكر ما فيه من كذب أو غيبة،
مما يوجب ترك الرواية عنه. وكان شعبة يقول: أجلس بنا نغتاب في الله .
فصل :
قوله: ( ((إن شر الناس من تركه الناس (اتقاء شره)(٣)، أو ودعه أتقاء
فحشه)) ) معنى (ترك) و(ودع) واحد.
= وروي أيضًا من طريق أبي سعد، عن أنس. رواه البيهقي في (الشعب)) ١٠٨/٧-
١٠٩ (٩٦٦٤)، وغيره أنظر: ((المقاصد الحسنة)) (٩٢١)، ((السلسلة الصعيفة))
(٥٨٥).
(١) رواه بنحوه الطبراني في ((الأوسط)) ٣٣٨/٤-٣٣٩ (٤٣٧٢) من طريق بهز بن
حكيم، عن أبيه، عن جده.
(٢) رواه مسلم (١٤٨٠) كتاب: الطلاق: باب: المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها، من حديث
فاطمة بنت قيس.
(٣) من (ص٢).

٣٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
قيل: ولا تستعمل ودع (إلا)(١) بالتشديد. قال سيبويه: استغنوا عن
تخفيفه بـ (ترك)، وفي الحديث الآخر: ((عن ودعهم الجمعة))(٢).
وقال شمر: زعمت النحوية أن العرب أماتوا مصدر ودع وماضيه،
والشارع أفصح(٣).
وفي الشاذ: (ما وَدَعَك)(٤). وقال ابن فارس: الودع مصدر ودعته،
تقول: دع ذا(٥).
(١) من (ص٢).
(٢) رواه مسلم (٨٦٥) كتاب: الجمعة، باب: التغليظ في ترك الجمعة. من حديث
ابن عمر وأبي هريرة.
(٣) أنظر: ((تهذيب اللغة)) للأزهري ٤/ ٣٨٦٠.
(٤) وقع بعدها في (ص٢): (بالتشديد)، وليس بصواب، فقد أتفق القراء السبعة على
قراءتها بالتشديد، وإنما قرأها بالتخفيف: عروة بن الزبير، كما في ((المحتسب))
لابن جني ٢/ ٣٦٤.
(٥) ((المجمل)) ٩٢٠/٢ مادة (ودع).

٣٨٧
ـ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ
٤٩- باب: النَّمِيمَةُ مِنَ الكَبَائِرِ
٦٠٥٥- حَدَّثَنَا ابن سَلَامِ، أَخْبَرَنَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مَنْصُورٍ،
عَنْ تُجَاهِدٍ، عَنِ ابن عَبَّاسِ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ◌َّ مِنْ بَعْضِ حِيطَانِ المَدِينَةِ، فَسَمِعَ
صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا فَقَالَ: ((يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرَةٍ، وَإِنَّهُ
لَكَبِيرٌ، كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ، وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ)). ثُمَّ دَعَا
بِجَرِيدَةٍ فَكَسَرَهَا بِكِسْرَتَيْنِ أَوْ ثِنْتَيْنِ، فَجَعَلَ كِسْرَةً فِي قَبْرِ هذا، وَكِسْرَةً في قَبْرِ هذا،
فَقَالَ: (لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا)). [انظر: ٢١٦ - مسلم: ٢٩٢ - فتح ١٠ / ٤٧٢]
ذكر حديث ابن عباس رضي الله عنهما في صاحبي القبرين أيضًا،
وقد سلف، وفي إسناده عبيدة بن حميد أبو عبد الرحمن.
وقد أسلفت أول هذا الشرح في فصل معقود في جملة من الأسماء
المتكررة فيه :
أن عُبَيدة كلهم بالضم، إلا السلماني وابن سفيان وابن حميد
وعامر بن عبيدة فبالفتح وزدت عامر بن عبيدة قاضي البصرة، ذكره
البخاري في كتاب الأحكام، كما نبه عليه الجياني(١)، وأهمله
ابن الصلاح ومن بعده.
وبخط الدمياطي عَبيدة بفتح العين ثلاثة في الصحيح:
واحد متفق عليه، وهو عبيدة بن عمرو السلماني، أسلم قبل وفاة
رسول الله وَ﴾ بسنتين، وصلى ولم يهاجر إليه، ولم يره، وعبيدة بن
حميد الضبي هذا انفرد به البخاري، مات بعد سنة تسعين -أو فيها -
ومائة، وولد سنة تسع ومائة، وعبيد بن سفيان الحضرمي، روى عن
(١) (تقييد المهمل)) ٣٤٣/٢.

٣٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
أبي هريرة، انفرد به مسلم، وأهمل رابعًا وخامسًا (١) (فاستنقذهم)(٢).
فصل : في نبذة من فوائده السالفة:
فيه: إثبات عذاب القبر. وقال الداودي: وليس من الأحاديث
الصحيحة أشد من هذا .
وفيه: المرور في القبور.
وفيه: أنه كان يسمع ما لم يسمعه غيره ويخبر عن ذَلِكَ. وقال: فيه
أن النميمة غيبة؛ لأنه ينم على الرجل في غيبته، ففيها الوجهان، قال:
وقيل: هما أختان لا تفارق إحداهما الأخرى.
والعسيب: من جريد النخل.
وفيه: بركة مسه، وبركة دعائه، وبركة النخلة. قال الجوهري:
العسيب: ما لم ينبت عليه خوص، فإذا نبت فهو سعف(٣).
وقوله: (((مَا لَمْ يَيْبَسَا))) هو بفتح الباء وكسرها (والكسر)(٤) لغتان؛
لأن فعل بالكسر يأتي على يفعَل بفتح العين، إلا أفعالًا تزاد، هذا منها
[و] ومق یمق کما سلف، وورث یرث، ووثق يثق.
وقصد بالعسيب الرطب؛ لأنه يسبح ما دام أخضر بدليل قوله: ((مَا لَمْ
بَيْبَسَا)).
وقوله: (((كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ))) وروي: يستنزه،
ويستبرئ، ويستتر.
(١) في هامش الأصل: حاشية: أما الرابع فعامر بن عبيدة له ذكر في الأحكام في
البخاري، ولا يرد على الدمياطي والخامس لا أعرفه أنا.
(٢) من (ص٢).
(٣) ((الصحاح)) ١/ ١٨١، مادة: (عسب).
(٤) كذا في الأصل، و(ص٢) وعليها في الأصل: كذا.

٣٨٩
كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ
=
ومعنى أكثرها متقارب، الأول: من التباعد، والثاني: من الحدث،
والثالث: من البول أو أعين الناس، وأنكر بعضهم الأولى والثانية.
وقوله: (فَكَسَرَهَا بِكِسْرَتَيْنِ أَوْ ثِنْتَيْنٍ، فجعل كسرة في قبر هذا). هي
بالکسر .

٣٩٠
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٥٠- باب مَا يُكْرَهُ مِنَ النَّمِيمَةِ
وَقول الله تعالى: ﴿هَمٍَّ مَّشَكِ بِنَمِيمٍ ﴾﴾ [القلم: ١١] و
﴿وَيْلٌ لِّكُلِ هُمَزَةٍ لَّمَزَةٍ ﴾﴾ [الهمزة: ١]. يَهْمِزُ وَيَلْمِزُ:
یعِیبُ، واحد.
٦٠٥٦- حَدَّثَنَا أبو نعيم، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّام
قَالَ: كُنَّا مَعَ حُذَيْفَةَ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ رَجُلًا يَزْفَعُ الحَدِيثَ إِلَى عُثْمَانَ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ:
سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌ََّ يَقُولُ: ((لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ)). [مسلم: ١٠٥ - فتح ١٠ / ٤٧٢]
ذكر فيه حديث مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّام -ابن الحارث
النخعي الكوفي، مات في ولاية الحجاج- قَالَ: كُنَّا مَعَ حُذَيْفَةَ فَقِيلَ
لَهُ: إِنَّ رَجُلًا يَرْفَعُ الحَدِيثَ إِلَى عُثْمَانَ. فَقَالَ له حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ النَّبيَّ
وَ﴿ يَقُولُ: ((لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ)).
الشرح :
(هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا باللفظ المذكور، وفي آخره:
((نمام)) فتركه وهو كما يأتي)(١).
واللمزة: من يغتابك في وجهك. والهمزة: الذي يغتابك بالغيب،
قاله الليث. وحكى النحاس عن مجاهد عكسه. وفي ((الكتاب)) أنهما
شيء واحد، وقاله محمد بن كعب والجوهري(٢) والهروي.
ويلمز مثلث الميم، والكسر لغة القرآن. وقال أهل التأويل: الهمَّاز:
الذي يأكل لحوم الناس. ويقال: هم المشاءون بالنميمة، المفرقون بين
(١) من (ص٢).
(٢) ((الصحاح)) ٩٠٢/٣، مادة (همز).

٣٩١
= كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ
الأحبة، المناعون للبر بالغيب.
والقَتَّات: النمام، عند أهل اللغة (بفتح القاف وتشديد المثناة فوق.
قال الجوهري وغيره: يقال: نم الحدیث ینمه، ونمه بکسر النون وضمها
نمَّا، والرجل نمام ونم. وفيه: يقته -بضم القاف- قتًّا)(١) (٢).
ومعنى: ((لا يدخل الجنة قتات)): إن أنفذ الله عليه الوعيد؛ لأن أهل
السنة مجمعون أن الله تعالى في وعيده بالخيار، إن شاء عذبهم بعدله،
وإن شاء عفا عنهم. (أو تؤول على أنه لا يدخلها دخول الفائزين،
أو يحمل على المستحل بغير تأويل مع العلم بالتحريم.
قال ابن بطال)(٣): وقد فرق أهل اللغة بين النمام والقتات، فذكر
الخطابي أن الأول الذي يكون مع القوم يتحدثون فينم حديثهم،
والثاني الذي يتسمع على القوم وهم لا يعلمون، ثمَّ ينم حديثهم.
والقساس: الذي يقس الأخبار. أي يسأل عنها، ثم (ينشرها) (٤) على
أصحابه(٥) .
فصل :
وقوله: (فَقِيلَ لَّهُ: إن رجلًا) هو إبراهيم بن يزيد بن الأسود النخعي
الكوفي الفقيه (٦).
(١) ((الصحاح)) ٢٠٤٥/٥، مادة: (نمم).
(٢) من (ص٢).
(٣) من (ص٢).
(٤) في الأصل: (يسترها).
(٥) ((أعلام الحديث)) ٢١٨٦/٣، ((شرح ابن بطال)) ٢٥٠/٩.
(٦) في هامش الأصل: في هذا الكلام نظر، وإنما حق الكلام أن يقول: وفيه - أي:
في السند - إبراهيم، هو إبراهيم بن يزيد بن الأسود النخعي الكوفي الفقيه،
لا أنه هو الرجل الذي يرفع، حاشاه من ذلك؛ لأن إبراهيم لم يدرك =

٣٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقوله: (يَرْفَعُ الحَدِيثَ إِلَى عُثْمَانَ). لعله أراد تحذيره مما وقع فيه،
قاله الداودي. ولا (يوافق)(١) قول حذيفة؛ لأنه لا يقال فيه الحديث
الذي ذكره حذيفة، إذا كان يرفعه على هذا الوجه، لكن يتأول في
ذَلِكَ جوازه، وتأول عليه حذيفة (أنه)(٢) فعله غيبة.
عثمان فإنه توفي سنة ست وتسعين وعمره أربع وأربعين سنة، وعثمان توفي سنة
=
خمس وثلاثين، وكأن هذا من الناسخ وهو كثير الغلط والإسقاط والتصحيف -عفا
الله عنه.
(١) في (ص٢): (يوافي).
(٢) من (ص٢).

٣٩٣
= كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ
٥١- باب قَوْلِ اللّهِ تَعَالَى:
﴿ وَاجْتَنِبُواْ فَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:
٦٠٥٧- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا ابن أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ المَقْبُرِيِّ [عَنْ أَبِيهِ] عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِِّ قَالَ: ((مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ،
فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ)). قَالَ أَحْمَدُ: أَفْهَمَنِي رَجُلٌ إِسْنَادَهُ. [انظر:
١٩٠٣ - فتح ٤٧٣/١٠]
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ وَِّ قَالَ: ((مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ
وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ، فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ)). قَالَ أَحْمَدُ،
يعني : ابن يونس شيخ البخاري: أَفْهَمَنِي رَجُلٌ إِسْنَادَهُ. والحديث سلف.
و﴿قَوْلَ الزُّورِ﴾: هو الكذب، وهو محرم على المؤمنين، وهذا
الحديث في شاهد الزور تغليظ شديد، ووعيد كبير.
ودل قوله: ( ((فَلَيْسَ الله حَاجَةٌ)) ) إلى آخره: أن الزور يحبط أجر
الصائم، وأن من نطق به في صيامه كالآكل الشارب عند الله في
الإثم، فينبغي تجنبه والحذر منه؛ لإحباطه للصيام الذي أخبر الشارع
عن ربه أنه قال فيه: ((كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي
به))(١). فما ظنك بسيئةٍ غطت على هذا الفضل الجسيم والثواب
العظيم؟! وقد قال بعض أهل العلم: إن الغيبة مفطرة للصائم.
والكافة على خلافه، وهي من الكبائر، فإنها لا تفي له بأجر صومه،
فكأنه في حكم المفطر(٢).
(١) سلف برقم (٥٩٢٧) كتاب: اللباس، باب: ما يذكر في المسك.
(٢) في هامش الأصل: حكى الرافعي عن صاحب ((العدة)) أن الغيبة من الصغائر،
وأقره الرافعي والنووي على ذلك.

٣٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٥٢- باب مَا قِيلَ فِي ذِي الوَجْهَيْ
٦٠٥٨ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((تَجِدُ مِنْ شَرِّ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ عِنْدَ اللهِ
ذَا الوَجْهَيْنِ، الذِي يَأْتِي هؤلاء بِوَجْهٍ وهؤلاء بِوَجْهٍ)). [انظر: ٣٤٩٤ - مسلم:
٢٥٢٦ - فتح ١٠/ ٤٧٤]
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَهِ: «تَجِدُ مِنْ شَرِّ
النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ عِنْدَ اللهِ ذَا الوَجْهَيْنِ، الذِي يَأْتِي هؤلاء بِوَجْهٍ وهؤلاء
بِوَجْهٍ)).
يريد أنه يأتي إلى كل قوم بما يرضيهم، خيرًا كان أو شرًا، وهذه هي
المداهنة المحرمة .
وإنما سمي ذو الوجهين مداهنًا؛ لأنه يظهر لأهل المنكر أنه عنهم
راضٍ فيلقاهم بوجه سمح بالترحيب والبشر، وكذلك يظهر لأهل
الحق أنه عنهم راضٍ، وفي باطنه أن هذا دأبه في أن يرضي كل فريق
منهم، ويريهم أنه منهم، وإن كان في مصاحبته لأهل الحق مريدًا
لفعلهم، وفي صحبته لأهل الباطل منكرًا لفعلهم. فبخلطته لكلا
الطائفتين وإظهاره الرضا بفعلهم أستحق اسم المداهنة للأسباب
الظاهرة عليه المشبهة بالدهان الذي يظهر على ظواهر الأشياء ويستر
بواطنها، ولو كان مع إحدى الطائفتين لم يكن مداهنًا، وإنما كان
يسمى باسم الطائفة المتفرد بصحبتها .
وقد جاء في ذي الوجهين وعيد شديد، روى أبو هريرة عن رسول الله
وَّ قال: ((ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيهًا))(١) .
(١) رواه البزار في ((مسنده)) ١٤/ ٣٨٦ (٨١١٠).

٣٩٥
= ڪِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ
وروى أنس عن رسول الله وَ لهم أنه قال: ((من كان ذا لسانين في الدنيا
جعل الله له لسانين من نار يوم القيامة)) (١) فينبغي للمؤمن العاقل أن يرغب
بنفسه عما يوبقه ويخزيه عند الله تعالى.
(١) رواه البزار في ((مسنده)) ٢١٩/١٣-٢٢٠ (٦٦٩٩)، وأبو يعلى ١٥٩/٥ (٢٧٧١،
٢٧٧٢). كلاهما من طريق إسماعيل بن مسلم المكي، عن الحسن، عن أنس،
وعند أبي يعلى: عن الحسن وقتادة.
ورواه الطبراني في ((الأوسط)) ٣٦٥/٨ (٨٨٨٥) من طريق أيوب بن خُوط، عن
قتادة، عن أنس. وانظر: ((مجمع الزوائد)) ٩٥/٨. ورواه أبو داود (٤٨٧٣) بنحوه
من حدیث عمار بن ياسر.

٣٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٥٣- باب مَنْ أَخْبَرَ صَاحِبَهُ بِمَا يُقَالُ فِيهِ
٦٠٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ
ابن مَشْعُودٍ عَُّ قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ وَلهَ قِسْمَةً، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنَّصَارِ: والله
مَا أَرَادَ مُحَمَّدٌ بهذا وَجْهَ اللهِ. فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَّ فَأَخْبَرْتُهُ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُهُ وَقَالَ:
(رَحِمَ اللهُ مُوسَى، لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هذا فَصَبَرَ)). [انظر: ٣١٥٠ - مسلم: ١٠٦٢-
فتح ٤٧٥/١٠]
ذكر فيه حديث ابن مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ قِسْمَةً، فَقَالَ
رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: والله مَا أَرَادَ مُحَمَّدٌ بهذا وَجْهَ اللهِ. فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ
ونَ﴿ فَأَخْبَرْتُهُ، فَتَمَغَّرَ وَجْهُهُ وَقَالَ: ((رَحِمَ اللهُ مُوسَى، لَقَدْ أُوْذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ
هذا فَصَبَرَ )).
الشرح:
(هذا الحديث سلف في فضائل موسى العليا)(١).
فيه من الفقه: أنه يجوز للرجل أن يخبر أهل الفضل والستر من إخوانه
بما يقال فيهم مما لا يليق؛ ليعرفهم بذلك من يؤذيه من الناس وينقصه،
ولا حرج عليه في مقالته بذلك وتبليغه له، وليس ذَلِكَ من باب النميمة؛
لأن ابن مسعود حين أخبر الشارع بقول الأنصاري فيه وتجويره له في
القسمة لم يقل له: أتيت بما لا يجوز، ونممت الأنصاري، والنميمة
حرام، بل رضي ذَلِكَ، وجاوبه عليه بقوله: (يرحم الله موسى)) إلى
آخره وإنما جاز لابن مسعود نقل ذَلِكَ إليه؛ لأن الأنصاري في تجويره
له أستباح إثمًا عظيمًا، وركب (حرامًا جسيمًا)(٢)، فلم يكن لحديثه
(١) من (ص٢)، والحديث سلف برقم (٣٤٠٥) كتاب: الأنبياء.
(٢) في الأصل: (جرمًا عظيمًا).

٣٩٧
= كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ
حرمة، ولم يكن نقله من باب النميمة. وقد قال مالك في الرجل يمر
بالرجل يقذف غائبًا: فليشهد عليه إن كان معه غيره. وقال في قوم
سمعوا رجلًا يقذف رجلًا فرفعوه إلى الإمام: فلا ينبغي له أن يحده
حتَّى يجيء الطالب ولو كان هذا نميمة لم تجز الشهادة؛ لأنها كبيرة
وهي مسقطة للشهادة(١).
فصل :
قوله: (فَتَمَعَّرَ وَجْهُهُ). بتشديد العين المهملة، ولأبي ذر: (فتمغر)(٢).
أي: (تغير) (٣) من الغضب.
وفيه من الفقه: أن أهل الفضل والخير قد يعز عليهم ما يقال فيهم من
الباطل، ويكبر عليهم، فإن ذَلِكَ جبلة في البشر فطرهم الله عليها، إلا أن
أهل الفضل يتلقون ذَلِكَ بالصبر الجميل، اقتداءً بمن تقدمهم من
المؤمنين، ألا ترى أنه الكَّ قد أُقتدى في ذَلِكَ بصبر موسى الشَّيْل .
وقد روي عن الحسن البصري أنه قيل له: فلان اغتابك، فكافأه،
كما سلف.
وقوله: ( ((لَقَدْ أُوذِيَ مُوسَى بِأَكْثَرَ مِنْ هذا فَصَبَرَ))). قيل: قالوا: هو
آدر، فمر يغتسل عريانًا ووضع ثوبه على حجر ففر الحجر فتبعه فجاز
على بني إسرائيل، فبرأه الله مما قالوا (٤).
(١) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٢٥٢/٩.
(٢) كذا في (ص٢) وفي اليونينية ١٨/٨ من رواية أبي ذر والكشميهني. وفي الأصل:
(فتغير).
(٣) في الأصل: بغين.
(٤) سلف برقم (٢٧٨) كتاب: الغسل، باب: من أغتسل عريانًا، من حديث أبي
هريرة.

٣٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ـ
وقيل: قال قارون لامرأة ذات جمال وحسب: هل لك أن أشركك
في أهلي ومالي! أن تأتيني إذا كنت في ملأ تقولين: أكفني موسى، فإنه
أرادني على نفسي؟. فلما وقفت عليه بدل الله قلبها، فقالت: قال لي
قارون كذا. فنكس رأسه، وأيقن بالهلاك. فأخبر موسى، فكان شديد
الغضب يخرج شعره من ثوبه فتوضأ وصلى، وجعل يدعو ويبكي
ويقول: يا رب أراد فضيحتي، فأوحى الله إليه: أن قد أمرت الأرض
أن تطيعك فمرها بما شئت. فأقبل إلى قارون، (فلما رآه) (١) قال:
يا موسى أرحمني، قال: يا أرض خذيه، فساخت به الأرض وبداره
إلى الكعبين، فقال: يا موسى أرحمني. فقال: خذيه، فساخت به
وبداره، فهو يتجلجل إلى يوم القيامة(٢).
وقال عليٍّ: صعد موسى وهارون الجبل، فمات هارون، فقالت بنو
إسرائيل لموسى: أنت قتلته، كان ألين لنا منك وأشد حبًّا. وأوذي في
ذَلِكَ، فأمر الله الملائكة فحملته، فمروا على مجالس بني إسرائيل،
فتكلمت الملائكة بموته، حتَّى علمت بنو إسرائيل أنه مات، فدفنوه
فلم يعلم موضع قبره إلا الرخم، فجعله الله أصم أبكم (٣).
(١) من (ص٢).
(٢) رواه الطبري في ((تفسيره) ١١١/١٠ (٢٧٦٣٩) عن عبد الله بن الحارث.
(٣) رواه الطبري ٣٣٨/١٠ (٢٨٦٧٦).

٣٩٩
ـ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ
٥٤- باب مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّمَادُحِ
٦٠٦٠- حَدَّثَنَا نُحَمَّدُ بْنُ صَبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ
عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُزْدَةَ، عَنْ أَبِي بُزْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ◌َِّهِ رَجُلًا يُثْنِي
عَلَى رَجُلٍ وَيُطْرِيهِ فِي الِدْحَةِ، فَقَالَ: ((أَهْلَكْتُمْ- أَو قَطَعْتُمْ - ظَهْرَ الرَّجُلِ)). [انظر:
٢٦٦٣- مسلم: ٣٠٠١ - فتح ١٠/ ٤٧٦]
٦٠٦١- حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِ بَكْرَةَ، عَنْ
أَبِهِ أَنَّ رَجُلًا ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ وَِّ فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَجُلٌ خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((وَيْحَكَ،
قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ -يَقُولُهُ مِرَارًا- إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًّا لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ:
أَحْسِبُ كَذَا وَكَذَا. إِنْ كَانَ يُرِى أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَحَسِيبُهُ اللهُ، وَلَا يُزَكِّي عَلَىَ الهِ
أَحَدًّا)). [انظر: ٢٦٦٢ - مسلم: ٣٠٠٠ - فتح ٤٧٦/١٠] قَالَ وُهَيْبٌ، عَنْ خَالِدِ: ((وَيْلَكَ)).
ذكر فيه حديث أَبِي مُوسَى عُ قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ◌َهِ رَجُلًا يُثْنِي عَلَى
رَجُلٍ وَيُظْرِيهِ (فِي المِدْحَة)(١)،ِ فَقَالَ: ((أَهْلَكْتُمْ - أَو قَطَعْتُمْ- ظَهْرَ
الرَّجُلِ)).
وحديث أَبِي بَكْرَةَ، أَنَّ رَجُلًا ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ وَلَ فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَجُلٌ
خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((وَيْحَكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ -يَقُولُهُ مِرَارًا-
إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ كَذَا وَكَذَا. إِنْ كَانَ يُرى
أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَحَسِيبُهُ اللهُ، وَلَا يُزَكِّي عَلَى اللهِ أَحَدًا)). قال وُهيب عن
خالد: ((ويلك)).
الشرح :
(حديث أبي موسى سلف في الشهادات، وكذا حديث أبي بكرة،
وأخرجه مسلم آخر ((صحيحه))، وأخرج الأول عن شيخ البخاري)(٢).
(١) في الأصل: (ويمدحه).
(٢) من (ص٢).

٤٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
والإطراء: مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه، وهو رباعي غير
مهموز، وقيل: المدح بما ليس فيه.
ومعنى الحديث -والله أعلم- النهي أن يفرط في مدح الرجل بما
ليس فيه، فيدخله من ذَلِكَ الإعجاب، ويظن أنه في الحقيقة بتلك
المنزلة، ولذلك قال العليها: ((قطعتم ظهر الرجل))، حين وصفتموه بما
ليس فيه، فربما حمله ذَلِكَ على العجب والكبر، وعلى تضييع العمل
وترك الازدياد من الفضل، واقتصر على حاله من حصل موصوفًا، بما
وصف به. وكذلك تأول العلماء في قوله الثّها: ((احثوا التراب في
وجوه المداحين)» (١) أن المراد به: المداحون الناس في وجوههم
بالباطل وما ليس فيهم.
ولذلك قال عمر ت﴾: المدح هو الذبح(٢). ولم يرد به من مدح رجلًا
بما فيه، فقد مُدِح رسول الله بَّر في الشعر والخطب والمخاطبة، ولم
يحث في وجوه المداحين التراب، ولا أمر بذلك، كقول أبي طالب فيه :
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه. ثمال اليتامى عصمة للأرامل.
وكمدح العباس وحسان له في كثير من شعره وكعب بن زهير، وقد
مدح رسول الله قلية الأنصار فقال: ((إنكم لتقلون عند الطمع وتكثرون عند
الفزع))(٣) ومثله قوله التقليئة: ((لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى
ابن مريم، قولوا: عبد الله، فإنما أنا عبد الله ورسوله))(٤) أي:
لا تصفوني بما ليس بي من الصفات، تلتمسون بذلك مدحي، كما
(١) رواه مسلم (٣٠٠٢) كتاب الزهد والرقائق، باب: النهي عن المدح ...
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٢٩٨/٥ (٢٦٢٥٤).
(٣) عزاه المتقي الهندي في ((كنز العمال)) ٦٦/١٤ (٣٧٩٥١) للعسكري في ((الأمثال)).
(٤) سيأتي برقم (٦٨٣٠) كتاب: الحدود، باب: رجم الحبلى من الزنى إذا أحصنت.