Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١
- كِتَابُ الطّبِّ
معلما لأهل اليمن وحضرموت، فقال: ((إنك تقدم على قوم أهل كتاب،
وإنهم سائلوك .. )) الحديث.
وفيه: (( .. ولا تقضين إلا بعلم، وإن أشكل عليك أمر فسل واستشر،
فإن المستشير معان والمستشار مؤتمن، وإن التبس عليك فقف نبين لك
أو تكتب إلي، ولا تصرمن قضاء فيما لم تجده في كتاب الله أو ستي إلا عن
ملأ))(١) .
وفيه: دليل عظيم على ما كان عليه القوم من الإنصاف في العلم
والانقياد إليه.
وفيه: استعمال خبر الواحد (وقبوله)(٢) وإيجاب العمل به، وهو
أصح وأقوى ما يروى جهة الأثر في خبر الواحد؛ لأن ذلك كان
بمحضر من الصحابة في أمر قد أشكل عليهم، فلم يقولوا لعبد الرحمن
أنت واحد فلا يجب قبوله إنما يجب قبول خبر الكافة.
قال أبو عمر: ما أعظم ضلال من قاله، والله تعالى يقول: ﴿إِن
جَآءَ كُمْ فَاسِقٌ بِنَبَلٍ فَتَيَّنُوا﴾ فلو كان العدل إذا جاء بنبأ يتثبت في خبره
ولم ينفذ لاستوى الفاسق والعدل.
وهذا خلاف القرآن العظيم، قال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾
[ص: ٢٨](٣) وقد قال القاضي أبو بكر: الصحابة على تقديم خبر
الواحد(٤) على قياس الأصول، وما نحن فيه ظاهر.
(١) ((التمهيد)) ٣٧٠/٨.
(٢) من (ص٢).
(٣) السابق ٣٧١/٨.
(٤) قال ابن العربي في ((أحكام القرآن)) ٢/ ٥٧٩: خبر الواحد أصل عظيم لا ينكره
إلا زائغ، وقد أجمعت الصحابة على الرجوع إليه، وقد جمعناه في جزء.
٤٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
قال ابن التين: وإنما رجع عمر إلى رأي المشيخة لأنه ترجح عنده
على رأي من خالفهم ممن أمره بالدخول؛ لأنه جمع بين الحزم والأخذ
بالحذر، وأما ما يروى من ندمه على الرجوع فلا يصح عنه شيء من
ذلك، وكيف يندم وقد ظهر له الحق بحديث ابن عوف؟!
فصل :
قال ابن عبد البر: وقد روي عن ابن مسعود ظ أنه قال: الطاعون
فتنة على المقيم وعلى الفار، فأما الفار فيقول: فررت ونجوت، وأما
المقيم فيقول: أقمت فمت. وكذبا، فر من لم يجئ أجله وأقام من
جاء أجله(١).
وقال الأصمعي: هرب بعض البصريين من الطاعون، فركب حمارا
وسار هاربا نحو سفوان، فسمع حاديا يحدو خلفه:
ليس يسبق الله على حمار ولا على ذي ميعة طيار
قد يصبح الله (أمام) (٣) الساري
أو يأتي [الحتف] (٢) على مقدار
فرجع .
قال المدائني: ويقال: إنه ما فر أحد من الطاعون فسلم من الموت.
قال أبو عمر: ولم يبلغني أن أحدا من حملة العلم فر من الطاعون
إلا ما ذكر المدائني أن علي بن زيد بن جدعان هرب منه فطعن فمات
بالسيالة. قال: وهرب عمرو بن عبيد ورباط بن محمد بن رباط إلى
الرباطية، فقال إبراهيم بن علي (الفقيمي) (٤):
(١) ((التمهيد)) ٣٧٢/٨.
(٢) ليست بالأصل، ومثبتة من ((التمهيد)).
(٣) في الأصل (الأمام)، والمثبت من ((التمهيد)).
(٤) كذا بالأصل، وفي ((التمهيد)): القعنبي.
٤٦٣
كِتَابُ الطَّبِّ
=
ولما أستفز الموت كل مكذب صبرت (ولم يصبر رباط ولا عمرو) (١)
قال الأصمعي: ولما وقع طاعون الجارف بالبصرة لم يدفن بها
الموتى، فجاءت السباع على ريحها، وخلت سكة بني جرير، فلم
يبق فيها إلا جارية، فسمعت صوت الذئب في سكتهم فأنشأت تقول:
إلي أنبئك الذي قد بدا ليا
ألا أيها الذئب المنادي سحرة
بقية قوم ورثوني البواكيا
بدا لي أني قد نعيت وإنني
ويتبعني من بعد ما كان باكيا
وإني بلا شك سأتبع من مضى
قال المدائني: ولما وقع الطاعون بمصر في ولاية عبد العزيز بن
مروان خرج هاربا، فنزل قرية من قرى الصعيد يقال لها سكر، فقدم
عليه حين نزلها رسول لعبد الملك، فقال له عبد العزيز: ما اسمك؟
قال: طالب بن مدرك. فقال: أوه ما أراني راجعا إلى الفسطاط.
فمات في تلك القرية.
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى :
﴿أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَهُمْ أُلُوَفُّ حَذَرَ أُلْمَوْتِ﴾ قال: كانوا
أربعين ألفا خرجوا فرارا من الطاعون فماتوا، فدعا اللهَ نبيٌّ من الأنبياء
أن يحييهم حتى يعبدوه، فأحياهم الله تعالى(٢). وهذا النبي حزقيل، فيما
قاله ابن قتيبة في ((معارفه))(٣).
فصل : في الفرار منه:
في ((مسند أحمد)) حديث جابر رفعه: ((الفار من الطاعون كالفار من
(١) ساقط من الأصل.
(٢) من أول الفصل إلى هنا نقل من ((التمهيد)) ٢١٣/٦: ٢١٧ بتصرف.
(٣) ((المعارف)) ص٥١.
٤٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الزحف، والصابر فيه كالصابر في الزحف)). وفي رواية له: ((ومن صبر
كان له أجر شهيد))(١). ورواه ابن خزيمة باللفظين في ((كتاب التوكل)).
وقيل لمطرف: ما تقول في الفرار من الطاعون؟ قال: هو القدر
يخافونه ولیس منه بُد.
فصل :
روي عن مالك أنه سئل عن قول عمر : لبيت بركبة أحب إلي من
عشرة أبيات بالشام. فقال: إنما قال ذلك حين وقع الوباء بالشام. وركبة
واد من أودية الطائف، يريد لطول الأعمار والبقاء، ولشدة الوباء
(٢)
بالشام(٢) .
وقال ابن وضاح: ركبة: موضع بين مكة والطائف في طريق العراق.
فصل :
قال: وللطبري في حديث سعد الدلالة على أن على المرء توقي
المكاره قبل نزولها، وتجنب الموجعات قبل هجومها، وإن غلبه
الصبر وترك الجزع بعد نزولها .
وذلك أنه وَّ نهى من لم يكن في أرض الوباء عن دخولها إذا وقع
فيها، ونهى من هو فيها عن الخروج منها بعد وقوعه فيها فرارا منه،
فكذلك الواجب أن يكون حكم كل متق من الأمور غوائلها سبيله في
ذلك سبيل الطاعون.
(١) ((المسند)) ٣٢٣/٣، ٣٦٠/٣. قال الهيثمي في ((المجمع)) ٥٢/٣: رواه أحمد
والبزار والطبراني في ((الأوسط)) ورجال أحمد ثقات، وقال ابن حجر في ((الفتح))
١٨٨/١٠: وسنده صالح للمتابعات، وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (١٢٩٢).
(٢) انظر: ((الموطأ)) ص ٥٥٩، و((التمهيد)) ٢١١/٦.
٤٦٥
■ ڪِتَابُ الطِّبَّ
وهذا المعنى نظير قوله {وَالّل: ((لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله
العافية، وإذا لقيتموهم فاصبروا))(١) .
فإن قلت: فشعبة روى عن يزيد بن أبي زياد عن سليمان بن عمرو بن
الأحوص أن أبا موسى بعث بنيه إلى الأعراب من الطاعون.
وروى شعبة أيضًا عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي
موسى الأشعري أن عمر كتب إلى أبي عبيدة في الطاعون الذي وقع
بالشام: إنه قد عرضت لي حاجة لا غناء بي عنك فيها، فإذا أتاك
كتابي ليلا فلا تصبح حتى ترد إليَّ، وإن أتاك نهارا فلا تمس حتى
ترد إلي، فلما قرأ أبو عبيدة الكتاب قال: عرفت حاجة أمير
المؤمنين، أراد أن يستبقي من ليس بباق. ثم كتب إليه: إني قد عرفت
حاجتك، فحللني من عزمتك يا أمير المؤمنين، فإني في (جند)(٢)
المسلمين، ولن أرغب بنفسي عنهم. فلما قرأ عمر الكتاب بكى،
فقيل له: توفي أبو عبيدة؟ قال: [لا](٣). وكان قد كتب إليه عمر إن
الأردن أرض غميقة، وأن الجابية أرض نزهة، فاظهر بالمسلمين إلى
الجابية .
فلما قرأ أبو عبيدة الكتاب قال: هذا نسمع فيه لأمير المؤمنين
ونطيعه. فأراد ليركب بالناس فوجد وخزة فطعن، وتوفي أبو عبيدة،
وانكشف الطاعون (٤) .
(١) سلف عند البخاري (٢٩٦٦) كتاب: الجهاد، باب: كان النبي ◌َّ إذا لم يقاتل.
(٢) في (ص٢): حتف.
(٣) ليست بالأصل، ومثبتة من ((شرح ابن بطال)).
(٤) رواه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٤/ ٣٠٥.
٤٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وروى شعبة أيضًا أنه سأل الأشعث: هل فر أبوك من الطاعون؟
قال: كان إذا اشتد الطاعون فر هو والأسود بن هلال.
وروى شعبة أيضًا عن الحكم أن مسروقا كان يفر من الطاعون.
قيل: قد خالف هؤلاء من القدوة مثلهم، وإذا اختلف في أمر كان
أولى بالحق من كان موافقا أمر رسول الله أَالتل .
روى شعبة أيضًا، عن يزيد بن خمير، عن شرحبيل بن شفعة قال:
وقع الطاعون، فقال عمرو بن العاص: رجز فتفرقوا عنه. فبلغ
شرحبيل بن حسنة فقال: سمعت رسول الله وَ - وعمرو أضل من
بعير أهله- إنه دعوة نبيكم، ورحمة من ربكم، وموت الصالحين
قبلكم، فاجتمعوا له ولا تفروا عنه. فبلغ ذلك عَمْرًا فقال: صدق(١).
وروى أيوب عن أبي قلابة، عن عمرو بن العاص قال: تفرقوا عن
هُذا الرجز في الشعاب والأودية ورءوس الجبال. فقال معاذ: بل هو
شهادة ورحمة ودعوة نبيكم، اللهم أعط معاذا وأهله نصيبهم من
رحمتك. فطعن في كفه. قال أبو قلابة: قد عرفت الشهادة والرحمة
ولم أعرف ما دعوة نبيكم، فسألت عنها، فقيل: دعا ◌َّ أن يجعل
فناء أمته بالطعن والطاعون حتى دعا أن لا يجعل بأس أمته بينهم
فمنعها، فدعا بهذا(٢).
(١) رواه الإمام أحمد ٤/ ١٩٦، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٣٠٦/٤، وفي
((شرح معاني الآثار)): يزيد بن خمير عن شرحيل بن حسنة، خطأ، فيزيد هذا إنما
يروى عن شرحبيل بن شفعة، ((تهذيب الكمال)) ٣٢/ ١١٦ (٦٩٨٣) وشرحبيل بن
شفعة يروي عن عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة. أنظر: ((تهذيب الكمال))
١٢/ ٤٢٣ (٢٧١٨).
(٢) انظر: ((مسند أحمد)) ٢٤٨/٥.
٤٦٧
= كِتَابُ الطِّبُّ
كذا هو بلفظ: والطاعون، والصحيح - كما نبه عليه القرطبي- أنه
بـ (أو)، أي: لا يجمع ذلك عليهم، وأما الطبري فصححهما. بيانه:
أن مراده بأمته المذكورين في الحديث إنما هم أصحابه؛ لأنه وَّ دعا
لجميع أمته أن لا يهلكهم بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم أعداءهم،
فأجيب إلى ذلك، فلا تذهب بيضتهم ولا معظمهم بموت عام،
ولا يعدو على مقتضى هذا الدعاء أن يكون ما تأولناه- والدعاء
المذكور في حديث أبي قلابة يقتضي أن يفنى جميعهم بالقتل والموت
العام، فتعين أن يصرف الأول إلى أصحابه؛ لأنهم هم الذين اختار
الله تعالى لهم الشهادة بالقتل في سبيله الذي وقع في زمنهم فهلك به
بقيتهم. فعلى هذا: فقد جمع الله لهم الأمرين، فتبقى الواو على
أصلها في الجمع، أو تحمل على التنويعية والتقسمية(١).
وسئلت عائشة عن الفرار منه فقالت: هو كالفرار من الزحف. وقد
أسلفناه مرفوعا .
وسئل الثوري عن الرجل يخرج أيام الوباء بغير تجارة معروفة، قال:
لم يكونوا (ليفعلوا ذلك)(٢)، ولا أحب ذلك.
فإن قلت: الأجل لا بد من استيفائه، فما حكمة النهي عن الدخول
وعن الخروج؟
قلت: حذرا أن يظن أن الهلاك كان من أجل القدوم، والنجاء من
الفرار- كما سلف، وهو نظير الدنو من المجذوم والفرار منه مع الإعلام
(١) ((المفهم)) ٦١٢/٥، ولم ينكر القرطبي رواية الواو، وإنما نقله عن بعض العلماء،
ثم قال: ويظهر لي أن الروايتين صحيحتا المعنى.
(٢) بياض في الأصل والمثبت من (ص٢).
٤٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح :
بأن لا عدوى ولا طيرة (١).
وقال بعض العلماء فيما حكاه ابن الجوزي: إنما نهى عن الخروج؛
لأن الأصحاء إذا خرجوا هلكت المرضى، فلا يبقى من يقوم بحالهم،
فخروجهم لا يقطع بنجاتهم، وهو قاطع بهلاك من بقي، والمؤمن
للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، وأكثر أهل العلم على منع القدوم
عليه ومنع الخروج فرارا منه.
وفي قوله: ((فرارا منه)) جواز الخروج منه لا على (سبيل)(٢) الفرار
منه، وكذا الداخل، كما نبه عليه بعض العلماء.
وقال عروة بن رويم: بلغنا أن عمر كتب إلى عامله بالشام: إذا
سمعت بالطاعون قد وقع عندكم فاكتب لي حتى أخرج إليه(٣).
فرع :
سئل مالك عن البلد يقع فيه الموت والأمراض هل يكره الخروج
إليه؟ فقال: ما أرى بأسا خرج أو أقام. قيل: فهذا يشبه ما جاء به
الحديث من الطاعون؟ قال: نعم(٤).
فصل :
حديث أنس السالف في العرنيين لما أستوخموا المدينة أمرهم أن
يخرجوا منها، حجة لمن أجاز الفرار من أرض الوباء والطاعون،
لكن ليس كما توهم، وذلك أن القوم شكوا إلى رسول الله وَي أنهم
(١) ((شرح ابن بطال)) ٩/ ٤٢٣-٤٢٥.
(٢) في (ص٢): وجه.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ٤٢٦/٩.
(٤) ((المفهم)) ٦١٤/٥.
٤٦٩
ـ كِتَابُ الطّبِّ
كانوا أهل ضرع ولم تلائمهم المدينة فاستوخموها؛ لمفارقتهم هواء
بلادهم، فهم الذين أستوخموا المدينة خاصة دون سائر الناس،
فأمرهم ◌َّ بالخروج منها.
وفي هذا من الفقه: أن من قدم إلى بلدة ولم يوافقه هواؤها أنه مباح
له الخروج منها والتماس أفضل (هواء) (١) منها، وليس ذلك بفرار من
الطاعون، وإنما الفرار منه إذا عم الموت في البلدة الساكنين فيها
والطارئين عليها، وفي ذلك جاء النهي(٢).
(فائدة :
نقل ابن الصلاح في بعض مجاميعه عن الزهري أن من قدم أرضا
فأخذ من ترابها فجعله في مائها ثم شرب عوفي من وبائها)(٣).
فصل :
قوله: ( ((وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه)) ) دليل أنه
يجوز الخروج منها لا على قصد الفرار منه - كما سلف أيضًا - إذا اعتقد
أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وكذلك حكم الداخل أيضًا إذا أيقن أن
دخوله لا يجلب إليه قدرا لم يكن قدره الله عليه فمباح له الدخول،
وقد روي عن عروة بن رويم -كما سلف- أن عمر كتب إلى عامله
بالشام: إذا سمعت بالطاعون وقع عندكم فاكتب لي حتى أخرج إليه (٤).
وروى القاسم عن عبد الله بن عمر أن عمر قال: اللهم اغفر لي
رجوعي من سرغ(٥).
(١) من (ص٢).
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٩/ ٤٢٥-٤٢٦.
(٣) من (ص٢).
(٤) رواه ابن عبد البر بإسناده في ((التمهيد)) ٢١٢/٦-٢١٣.
(٥) السابق، وهو عند ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ٢٨/٧ (٣٣٨٣٧).
٤٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فصل :
حديث عائشة يفسر قوله والقر: ((الطاعون شهادة، والمطعون شهيد))
يبين أن الصابر عليه المحتسب أجره على الله العالم أنه لن يصيبه
إلا ما كتب الله عليه، ولذلك تمنى معاذ أن يموت فيه لعله إن مات
فيه فهو شهيد، وأما من جزع من الطاعون وكرهه وفر منه فليس
بداخل في معنى الحديث.
فصل :
سلف أن (الوباء) يمد ويقصر (١)، والثاني عليه الجماعة، وهو مرض
عام يفضي إلى الموت غالبا، وعند الأطباء هو (آفة تعرض للهواء)(٢)
فتفسد بفساده الأمزجة.
وقال أبو زيد: أرض وبئة: إذا كثر مرضها .
وقال صاحب ((الجامع)): الوباء على فعل الطاعون، وقيل: كل
مرض عام وباء.
قال ابن درستويه: والعامة لا تهمزه، وإن كان ترك الهمز جائزا.
والشأم بهمزة ساكنة، ويجوز تخفيفه بحذفها كـ (رأس) وشبهه، وفيه
لغة ثالثة: شآم، بالمد وأنكرت، تذکر وتؤنث.
وقوله: (ادع لي من كان ههنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح).
(قال الداودي: فيه دليل أن الفتح فتح مكة؛ لأن أبا سفيان ومن أسلم معه
من مهاجرة الفتح)(٣).
(١) في هامش الأصل: مع الهمز.
(٢) في الأصل: فساد الهواء.
(٣) من (ص٢).
٤٧١
كِتَابُ الطِّبَّ
-
وقوله: (إني مصبح على ظهر)، أي سفر. قال الجوهري: الظهر:
طريق البر(١). وفي حديث ابن شهاب عن سالم أن عمر إنما رجع بالناس
لحديث عبد الرحمن بن عوف، فلعل معنى قوله: (إني مصبح على ظهر)
على معنى الأرتياء والاستخارة ثم عزم لحديث عبد الرحمن.
وقوله: (نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله). يريد أن القدر بالموت
لا بد أن يدرك، فنفر من قدر يقع في أنفسنا منه شيء إلى قدر لا يقع في
أنفسنا (منه شيء)(٢).
وقوله: (له عدوتان): شاطئان وحافتان. وهي بضم العين وكسرها،
وقرئ بهما في قوله تعالى: ﴿إِذْ أَنْتُم بِلْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾. وقال أبو عمرو:
العدوة بالضم والكسر: المكان المرتفع (٣).
وقوله: (إحداهما خصبة). قال ابن التين: ضبط بفتح الخاء، وكسر
الصاد في بعض الكتب. وفي بعضها بالسكون. وفي ((الصحاح)):
الخصب بالكسر: نقيض الجدب، (يقال: بلد خصب)(٤)، وجدبة
بفتح الجيم وسكون الدال: ضد الخصب.
فصل :
وقوله قبل: (لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه).
قال كراع: كان الشام على خمسة أجناد: الأردن، وحمص،
ودمشق، وفلسطين، وقنسرين، على كل ناحية أمير، ولم يمت عمر
حتى جمع الشام كله لمعاوية.
(١) ((الصحاح)) ٢/ ٧٣٠ (ظهر).
(٢) من (ص٢).
(٣) السابق ٢٤٢١/٦ (عدا).
(٤) من (ص٢).
٤٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فصل :
وقوله: (فقال عمر لما قال أبو عبيدة: أفرارا من قدر الله؟: لو غيرك
قالها يا أبا عبيدة، نفر من قدر الله إلى قدر الله). فيه قولان:
الأول: لعاقبته.
الثاني: هلا تركت هذِه الكلمة لمن قل فهمه وروى ابن جرير أن
عمر قال لأبي عبيدة في هذا الحديث: أشككت؟ فقال: يا أمير
المؤمنين، أشاكا كان يعقوب العَّ حيث قال (لبنيه)(١): ﴿لَا تَدْخُلُواْ مِنْ
بَابٍ وَاحِدٍ﴾ [يوسف: ٦٧]؟ فقال عمر: والله لأدخلنها. فقال أبو عبيدة:
والله لا تدخلها. فرده.
فصل :
قوله: ( ((لا يدخل المدينة المسيح ولا الطاعون)) ). فيه فضل ظاهر
للمدينة .
قلت: وسبب عدم الدخول أنه في الأصل رجز وعذاب، وإن كان
شهادة فببركة مجاورته التّ بها دفع عنهم ألمه، وقد دعا بنقل الحمى
عنها إلى الجحفة كما سلف، وهي طهور، وسيأتي أن الحرق والغرق
شهادة، وقد استعاذ ◌َّ منهما .
وأما قول عائشة: (قدمنا المدينة وهي وبيئة)(٢). فلعله كان قبل
استيطان المدينة، أو المراد به الوخم، وقد ورد أن الطاعون لا يدخل
(١) من (ص٢).
(٢) أنظر حديث (١٨٨٩) السالف في أبواب فضائل المدينة، وفيه: وقدمنا المدينة
وهي أوبأ أرض الله. واللفظ الذي هنا رواه مسلم (١٣٧٦) كتاب: الحج، باب:
الترغيب في سكنى المدينة.
٤٧٣
كِتَابُ الطَّبِّ
=
مكة أيضًا، وإسناده ضعيف(١). وفي ((المعارف)) لابن قتيبة أنه لم يقع
بالمدينة ولا بمكة طاعون قط(٢).
قلت: أما المدينة فنعم، وأما مكة فدخلها سنة تسع وأربعين
وسبعمائة(٣) .
والمسيح بالحاء المهملة، وروي بالمعجمة، وضبطه ابن التين بكسر
الميم وتشديد السين، ثم قال: وقيل: المسّيح. قال الحربي: سمي
بذلك لأن فردة عينه ممسوحة عن أن يبصر بها (٤).
وقال ابن الأعرابي: المسيح: الأعور، وبه سمي الدجال.
وقال ابن فارس: هو الذي أحد شقي وجهه ممسوح لا عين له
ولا حاجب. قال: وبذلك سمي دجالا؛ لأنه ممسوح العين(٥).
فصل :
الطاعون: الموت الشامل، وعبارة الداودي: إنه حبة تنبت في
الأرفاغ وكل ما أنثنى من الإنسان.
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) ٢/ ٤٨٣ عن عمر بن العلاء الثقفي عن أبيه عن أبي
هريرة بلفظ: المدينة ومكة محفوفتان بالملائكة، على كل نقب منها ملك،
لا يدخلها الدجال ولا الطاعون.
(٢) ((المعارف)» ص٦٠٢.
(٣) ورد بهامش الأصل: لا يرد على ابن قتيبة؛ لأنه بعد زمنه.
(٤) لم أقف عليه في ((غريبه)) وهذا الكلام في ((اللسان)) ٧/ ٤١٩٧ غير منسوب.
(٥) ((مجمل اللغة)) ٣/ ٨٣٠.
٤٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٣٢ - باب الرُّقَى (بِالْقُرْآنِ)(١) وَالْمُعَوِّذَاتِ
٥٧٣٥- حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ نَّهَ كَانَ يَنْفُثُ عَلَى نَفْسِهِ فِي الَمَرَضِ الذِي
مَاتَ فِيهِ بِالْعَوِّذَاتِ، فَلَمَّا ثَقُلَ كُنْتُ أَنْفِثُ عَلَيْهِ بِهِنَّ، وَأَمْسَحُ بِيَدِ نَفْسِهِ لِبَرَكَتِهَا.
فَسَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ: كَيْفَ يَنْفِثُ؟ قَالَ: كَانَ يَنْفِثُ عَلَى يَدَيْهِ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ.
[انظر: ٤٤٣٩- مسلم: ٢١٩٢ - فتح ١٩٥/١٠]
ذكر فيه حديث عائشة رضي الله عنها أَنَّه ◌ِ لّهِ كَانَ يَنْفُثُ عَلَى نَفْسِهِ فِي
المَرَضِ الذِي مَاتَ فِيهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، فَلَمَّا ثَقُلَ كُنْتُ أَنْفِثُ عَلَيْهِ بِهِنَّ،
وَأَمْسَحُ بِيَدِ نَفْسِهِ لِبَرَكَتِهَا. فَسَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ: كَيْفَ يَنْفِثُ؟ قَالَ: كَانَ
يَنْفِثُ عَلَى يَدَيْهِ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا علىَ وَجْهَهِ .
الشرح :
(هذا الحديث كرره في الطب (٢)، وسلف في فضائل القرآن(٣)
والمغازي(٤) وزاد خلف: وفي الأدب، وأخرجه مسلم(٥) وأبو داود(٦)
والنسائي (٧) وابن ماجة)(٨)(٩).
(١) من (ص٢).
(٢) سيأتي برقم (٥٧٥١) باب: في المرأة ترقي الرجل.
(٣) سلف برقم (٥٠١٦) باب: فضل المعوذات.
(٤) سلف برقم (٤٤٣٩) باب: مرض النبي ◌ُّ ووفاته.
(٥) مسلم (٢١٩٢) كتاب: السلام، باب: رقية المريض بالمعوذات والنفث.
(٦) ((سنن أبي داود)) (٣٩٠٢).
(٧) (سنن النسائي الكبرى)) ٤/ ٣٦٤.
(٨) ((سنن ابن ماجة)) (٣٥٢٩).
(٩) من (ص٢).
٤٧٥
كِتَابُ الطَّبِّ
=
في الأسترقاء بالمعوذات: استعاذة بالله تعالى من شر كل ما خلق،
ومن شر النفاثات في السحر، ومن شر الحاسد، ومن شر الشيطان
ووسوسته، وهذِه جوامع من الدعاء تعم أكثر المكروهات، ولذلك
كان ◌َلّ يسترقي بها، وهذا الحديث أصل أن لا يسترقى إلا بكتاب
الله وأسمائه وصفاته، وقد روى مالك في ((الموطأ)) أن الصديق دخل
على عائشة رضي الله عنها وهي تشتكي، ويهودية ترقيها، فقال أبو بكر
: أرقيها بكتاب الله(١). يعني بالتوراة والإنجيل؛ لأن ذلك كلام الله
الذي فيه الشفاء، وذكر ابن حبان في (صحيحه)) مرفوعا أنه وَ ل دخل
.. الحديث، قال ابن حبان: قوله: عالجيها بكتاب الله، أي بما
يبيحه كلام الله؛ لأن القوم كانوا يرقون في الجاهلية بأشياء فيها
شرك، فزجرهم بهُذِه اللفظة عن الرقى إلا بما يبيحه كتاب الله(٢)،
وقد روي عن مالك جواز رقية اليهودي والنصراني للمسلم إذا رقى
بكتاب الله، وهو قول الشافعي(٣)، وعنه أنه كره رقى أهل الكتاب
وقال: لا أُحبه، وذلك -والله أعلم- لأنه لا يُدرى هل يرقون بكتاب
الله أو الرقى المكروهة التي تضاهي السحر (٤).
وروى ابن وهب عن مالك أنه سئل عن المرأة التي ترقي بالحديد(٥)
والملح، وعن الذي يكتب (الكتاب) (٦) للإنسان ليعلقه عليه من الوجع،
(١) ((الموطأ)) ص٥٨٦.
((صحيح ابن حبان)) ١٣ / ٤٦٤.
(٢)
(٣) ((الاستذكار)) ٣٤/٢٧.
(٤) ((الاستذكار)) ٣٢/٢٧.
(٥) كذا في الأصل [بالحديد] وقد وضع علامة الإهمال تحت الحاء، وفي الاستذكار
(بالجريدة).
(٦) من (ص٢).
٤٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
ويعقد في الخيط الذي يربط به الكتاب سبع عقد، والذي يكتب خاتم
سليمان في الكتاب، فكرهه كله وقال: لم يكن ذلك أمر الناس في
(١)
القديم(١).
وفي ((جامع مختصر الشيخ أبي محمد)) أن مالكا كره ذلك، وأن
ابن وهب أجازه، واحتج بفعل أبي بكر السالف.
فصل :
هذا الحديث ذكره البخاري في باب النفث الآتي قريبًا بلفظ: كان
إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ ﴾﴾ وبالمعوذتين
جميعا ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسده، فلما اشتكى كان
يأمرني أن أفعل ذلك به(٢) .
وروى الترمذي -وقال: حسن- عن أبي سعيد: كان ◌َل يتعوذ من
الجان وعين الإنسان، فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما وترك
ما سواهما(٣).
فصل :
ينفث بكسر الفاء وضمها، قال أبو عبيد: هو شبيه بالنفخ، وأما
التفل فلابد فيه شيء من الريق (٤)، وقيل: يكون معه شيء أقل من التفل.
فصل :
فيه : إثبات الرقى كما ذكرناه، والرد على من أنكر ذلك من الإسلاميين.
(١) ((الاستذكار)) ٣٣/٢٧-٣٤.
(٢) سيأتي برقم (٥٧٤٨).
(٣) ((سنن الترمذي)) (٢٠٥٨).
(٤) ((غريب الحديث)) ١/ ١٨٠.
٤٧٧
كِتَابُ الطَّبِّ
=
فصل : وهو دال على الرقية في صحة الجسم.
فائدة : (في)(١) النفث التبرك بتلك الرطوبة أو الهواء أو النفس
المباشر لتلك الرقية والذكر، وقد يكون على وجه التفاؤل بزوال الألم
عن المريض وانفصاله عنه كما ينفصل ذلك النفث عن الراقي.
فصل :
وفيه: إباحة النفث في الرقى، وقد روى الثوري عن الأعمش، عن
إبراهيم قال: إذا رقيت بآي القرآن فلا تنفث(٢).
وقال الأسود: أكره النفث. وكان لا يرى بالنفخ بأسا .
وكرهه أيضًا عكرمة والحكم بن حماد(٣)، وأظن حجة من كرهه
ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّشَتِ فِ الْعُقَدِ ﴾﴾ وذلك نفث
سحر، والسحر محرم، وما جاء عن الشارع أولى، وفيه الخير والبركة.
وفيه أيضًا: المسح باليد عند الرقية، وفي معناه المسح باليد على كل
ما ترجى بركته وشفاؤه وخيره، مثل المسح على رأس اليتيم وشبهه.
وفيه: التبرك بالصالحين وأيمانهم كما فعلت عائشة بيده اليمنى دون
الشمال (٤).
فصل :
قيل: وفيه: أن أقل الجمع أثنان؛ لقوله: بالمعوذات، وهما
معوذتان، وهو عجيب، وأغرب من ذلك أنه من باب التغليب،
ومعهما (قل هو الله أحد) وغلب، وقد سلف.
(١) هذا فيه نظر وسيأتي إيضاح حكم التبرك وأنواعه.
(٢) ورد في هامش الأصل: لعله سقط: (في) فأثبتناها ليتضح السياق.
(٣) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤٤/٥.
(٤) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤٤/٥.
٤٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
=
٣٣ - باب الرُّقَى بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ
وَيُذْكَرُ عَنِ ابْن عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ.
٥٧٣٦- حَدَّثَنِي ◌ُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ
أَبِي المُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ◌َ﴾ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َ أَتَوْا عَلَى حَى
مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ، فَلَمْ يَقْرُوهُمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ لُدِغَ سَيِّدُ أُولَئِكَ فَقَالُوا: هَلْ
مَعَكُمْ مِنْ دَوَاءِ أَوْ رَاقٍ؟ فَقَالُوا: إِنَّكُمْ لَمْ تَقْرُونَا، وَلَا نَفْعَلُ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُغْلًا.
فَجَعَلُوا لَهُمْ قَطِيعًا مِنَ الشَّاءِ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ بِأُمِّ القُرْآنِ، وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ، وَيَتْفِلُ، فَبَرَأَ، فَأَتَوْا
بِالشَّاءِ، فَقَالُوا: لَا تَأْخُذُهُ حَتَّى نَسْأَلَ النَّبِيَّ ◌َةِ، فَسَأَلُوهُ، فَضَحِكَ وَقَالَ: ((وَمَا أَدْرَاَ
أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ خُذُوهَا، وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْم)). [انظر: ٢٢٧٦ - مسلم: ٢٢٠١ - فتح
١٩٨/١٠]
ثم ساق بإسناده حديث أبي سعيد الخدري السالف في الإجارة(١)
(وفضائل القرآن)(٢)(٣)، ذكره هنا من حديث غندر، عن شعبة، عن
أبي بشر، عن أبي المتوكل عنه، وإليه الإشارة بقوله هناك: وقال
شعبة: ثنا أبو بشر، سمعت أبا المتوكل بهذا. وكان ساقه أولا من
حديث أبي عوانة، عن أبي بشر به.
وأبو بشر أسمه جعفر، وأبو المتوكل الناجي علي بن داود، والناجي
أيضًا أبو الصديق بكر بن عمرو، ويقال: ابن قيس، جميعا يرويان عن
أبي سعيد سعد بن مالك، متفق عليهما .
وحديث ابن عباس كذا ذكره بلفظ (يُذكر) وهو صيغة تمريض، وقد
(١) سلف برقم (٢٢٧٦) باب: ما يعطى في الرقية على أحياء العرب.
(٢) سلف برقم (٥٠٠٧) باب: فضل فاتحة الكتاب.
(٣) من (ص٢).
٤٧٩
كِتَابُ الطَّبِّ
=
ساقه بعد في باب الشرط في الرقية كما ستعلمه(١)، وهو راد على(٢) من
يقول إن مثل هذه صيغة تمريض، فهذا مما ذكره بصيغة التمريض،
وهو عنده بسند صحيح، وقد سبق نظيره في الصلاة من حديث أبي
موسی.
أما فقه الباب فهو ظاهر من جواز الرقى بالفاتحة، ويرد به ما روى
شعبة، عن الزكي قال: سمعت القاسم بن حسان يحدث عبد الرحمن بن
حرملة عن ابن مسعود أنه وُ ◌ّ كان يكره الرقى إلا بالمعوذات(٣). وهو
حديث لا يجوز الاحتجاج بمثله، كما نبه عليه الطبري؛ إذ فيه من
لا يعرف، ثم لو صح لكان إما غلطا أو منسوخا بقوله وَّل فيه:
((ما أدراك أنها رقية؟)) فأثبت أنها رقية بقوله هذا، وقال: ((اضربوا لي
معكم بسهم)). (قيل: أراد التبرك به، وكذا في شحم العنبر) (٤)، وإذا
جازت الرقية بالمعوذتين - هما سورتان من القرآن- كانت الرقية بسائر
القرآن مثلهما في الجواز؛ إذ كله قرآن.
وقال المهلب: في الحديث معنى الرقى شبيه بمعنى ما في
المعوذات منه، وهو قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ والاستعانة به تعالى
في ذلك دعاء في كشف الضر وسؤال الفرج، وقد سلف هذا المعنى
في الإجارة.
(١) الحديث التالي برقم (٥٧٣٧).
(٢) في هامش الأصل: أجاب عنه وعن الأول وغيرهما شيخنا العراقي في ((النكت))
وهذا الذي قاله شيخنا أصله لشيخه مغلطاى، والله أعلم.
(٣) ((سنن أبي داود)) (٤٢٢٢)، ((سنن النسائي)) ١٤١/٨، ((مسند أحمد)) ٣٨٠/١،
((صحيح ابن حبان)) ٤٩٥/١٢، ((المستدرك)) ١٩٥/٤.
(٤) من (ص٢).
٤٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فائدة :
قولهم: (فلم يقروهم). هو ثلاثي، قريت الضيف: أكرمته، قرى(١)
مثل: قليته قلى وقلاء، وقراء أيضًا، إذا كسرت قصرت، وإذا فتحت
مددت .
والقطيع: الطائفة من الغنم، كما قاله ابن فارس (٢). وقال
الجوهري: هي الطائفة من البقر والغنم، والجمع: أقاطيع، على غير
قياس، كأنهم جمعوا إقطيعا، وقد قالوا: أقطاع، مثل: شريف
وأشراف(٣) .
وقوله: (من الشاء). هو جمع الكثرة للشاة، وأصله: شاهة؛ لأن
جمعها : شياه، فتصغيرها : شويهة، وجمعها: شياه بالهاء في العدد،
تقول: ثلاث شياه إلى العشر، فإذا جاوزت فبالتاء، فإذا كثرت قلت:
هُذِهِ شاء كثيرة، (وجمع الشاء)(٤) وهو ممدود: شواء؛ لأن أصل
جمع شاة شياه، فأبدلوا الهاء همزة كما أبدلوها في ماء البصاق
بالصاد والسين (والزاي)(٥)، كصراط وصقر.
(ويتفل) بضم الفاء وكسرها، وهو شبيه بالبزاق، وهو أقل منه، أوله
البصق، ثم التفل، ثم النفث، ثم النفخ؛ ذكره في ((الصحاح))(٦).
(١) في هامش الأصل: هُذا فيه خبط في النسخة، والذي يريد أن يقوله: مثل: قليته
قلى وقلاءً وقراء أيضًا، أيضًا ثم يقول: إذا ... إلى آخره.
(٢) (مجمل اللغة)) ٧٥٨/٢ مادة: [قطع].
(٣) ((الصحاح)) ١٢٦٨/٣ مادة: [قطع].
(٤) من (ص٢).
(٥) من (ص٢).
(٦) ((الصحاح)) ١٦٤٤/٤ مادة [تفل].