Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
ـ كِتَابُ الطَّبِّ
ابن أبي أوفى رضي الله عنهما أنه وَّ قال: ((كلم المجذوم وبينك وبينه
قِیدُ رمح أو رمحین)»(١).
ولابن ماجه من حديث فاطمة بنت الحسين، عن ابن عباس مرفوعا :
((لا تديموا النظر إلى المجذوم)) (٢).
وفي رواية عن فاطمة عن أبيها عن علي عليه يرفعه .. فذكره(٣).
فإن قلت: كيف نعمل بحديث أبي داود عن جابر أنه وَلّ أخذ بيد
مجذوم فأدخله معه في القصعة ثم قال: ((كل بسم الله وثقة بالله
وتوكلا عليه)) (٤).
قال الترمذي فیه: غریب لا نعرفه إلا من حديث يونس بن محمد،
عن مفضل بن فضالة، والمفضل هذا شيخ مصري أوثق من هذا وأشهر،
وروى شعبة هذا الحديث عن حبيب بن الشهيد، عن ابن بريدة أن عمر
أخذ بيد مجزوم، وحديث شعبة أثبت عندي وأصح(٥).
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي الزناد أن عمر ﴾ قال
لمعيقيب: أدنه، فلو كان غيرك ما قعد مني إلا قِيدَ الرمح، وكان
مجذومًا(٦).
(١) ((الطب النبوي)) ٣٥٥/١ (٢٩٢).
(٢) ابن ماجه (٣٥٤٣).
(٣) رواه عبد الله بن أحمد في زوائده على ((المسند)) ٧٨/١.
(٤) أبو داود (٣٩٢٥)، وليس فيه جملة: ((بسم الله)).
(٥) الترمذي (١٨١٧)، ونقل المصنف كلام الترمذي مختصرًا، فأشكل، والترمذي
يشير إلى أن المفضل بن فضالة راوي هذا الحديث غير المفضل بن فضالة
المشهور، وأن المشهور أوثق.
(٦) ((المصنف)) ٤٠٥/١٠ (١٩٥١٠).

٤٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
(قلت: وهو المجذوم المذكور في حديث جابر، كما نبه عليه
ابن بشكوال عن أبي مسلم صالح بن أحمد بن صالح عن أبيه: لم
ينبذ أحد من الصحابة إلا هذا كان به الجذام، وأنس به وضح(١) .
وقال ابن السكن: لم يكن من أصحابه أحد مجذوما غير معيقيب.
قلت: وقيل إنه عالجه عمر بالحنظل حتى برئ، وهو الذي سقط من
يده خاتم رسول الله وَله ببئر أريس زمن عثمان.
وقال المحب في ((أحكامه)): لم يكن في الصحابة مجزوم غيره)(٢).
وروى محمد بن عبد السلام الخشني (٣) بإسناد صحيح إلى ابن بريدة
قال: كان سلمان يصنع الطعام الخبز واللحم من عطائه، ويقعد مع
(٤)
المجذومین(٤) .
قلت: لا معارضة؛ لأمور:
أحدها: تقديم الأول؛ لصحتها .
ثانيها: أن أخذه بيده وقوله: ((كل بسم الله)) ليس فيه أنه أكل معه،
وإنما أذن له ولم يأكل هو؛ ذكره الكلاباذي.
(١) ((غوامض الأسماء المبهمة)) ٥٥٨/٢.
(٢) سقط من الأصل ما بين القوسين.
(٣) هو الحافظ الإمام أبو الحسن محمد بن عبد السلام بن ثعلبة القرطبي اللغوي
صاحب التصانيف. روى عن: يحيى بن يحيى الليثي ومحمد بن أبي عمر، وعنه
أسلم بن عبد العزيز ومحمد بن القاسم بن محمد، وهو من نسل أبي ثعلبة الخشني
الصحابي. مات سنة ست وثمانين ومائتين.
انظر: ((الإكمال)) ٢٦١/٣، و((تذكرة الحفاظ)) ٦٤٩/٢.
(٤) رواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ١٤٠/٥ (٢٤٥٢٣) عن يحيى بن سعيد عن
حبيب بن شهيد عن ابن بريدة به وعنده أيضًا -أعني: مخالطة المجذومين - عن
ابن عمر، وأبي بكر، وابن عباس.

٤٢٣
كِتَابُ الطِّبِّ
=
ثالثها: أراد تعليم أن هذِه الأمراض لا تعدي بطبعها، ولكن الله
يجعل مخالطة المريض بها للصحيح سببا لإدامة مرضه، ثم قد يتخلف
ذلك عن سببه كما في سائر الأسباب، ففي الحديث الأول نفي ما كان
يعتقده الجاهل من أن ذلك يعدي بطبعه، ولهذا قال: ((فمن أعدى
الأول))؟! وفي قوله: ((فر من المجذوم)) أعلم أن الله جعل ذلك سببا
لذلك، فحذر من الضرر الذي يغلب وجوده عند وجوده بفعل الله،
أو يكون قاله لمن ضعفت نفسه، والثاني قاله لمن قويت نفسه وزاد
يقينه، فيخاطب كل إنسان بما يليق بحاله، وهو يفصل الحالين معا
تارة بما فيه من (التسوية والتسريع) (١) وتارة بما يغلب عليه من القوة
الإلهية، وقد ذكر ابن أبي شيبة ما يؤيد ما ذكرناه وهو قوله: ثنا
وكيع، عن إسماعيل بن مسلم، عن الوليد بن عبد الله أن نبي الله مر
على مجزوم، فخمر أنفه، فقيل: يا رسول الله، أليس قلت:
((لا عدوى ولا طيرة))؟ قال: (بلى))(٢).
وقال أبو بكر بن الطيب: زعم الجاحظ عن النظام أن قوله: ((فر من
المجذوم كما تفر من الأسد)) يعارض قوله: ((لا عدوى))، وهذا جهل
وتعسف من قائله؛ لأن قوله: ((لا عدوى)) مخصوص، ويراد به شيء
دون شيء، وإن كان الكلام ظاهره العموم فليس ينكر أن يخص
العموم لقول آخر له أو أستثناء، فيكون قوله: ((لا عدوى)) (المراد)(٣)
به: إلا من الجذام والبرص والجرب، فكأنه قال: لا عدوى إلا ما كنت
بينته لكم أن فيه عدوى وطيرة، فلا تناقض في هذا إذا رتبت الأخبار
على ما وصفناه.
(١) غير واضحة بالأصل، ولعلها: (التشوية والزيغ) ..
(٢) ((المصنف)) ٣١٢/٥ (٢٦٤٠٠).
(٣) وقعت في الأصل المرض.

٤٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
قلت: وطريق ابن أبي شيبة تؤيده.
وقال الطبري: اختلف السلف في صحة هذا الحديث، فأنكر
بعضهم أن يكون # أمر بالبعد من ذي عاهة، جذاما كان أو غيره،
وقالوا: قد أكل مع مجذوم وأقعده معه، وفعله أصحابه المهدیون،
روى عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن وفد ثقيف أتوا الصديق،
فأتي بطعام، فدعاهم، فتنحى رجل، فقال: ما لك؟ (قالوا)(١)
مجذوم. فدعاه وأكل معه.
وكان سلمان وابن عمر يصنعان الطعام للمجذومين ويأكلان معهم.
وعن عكرمة أنه تنحى عن مجزوم، فقال له ابن عباس: لعله خير
مني ومنك.
وعن عائشة أن أمرأة سألتها: أكان رسول الله وَل قال في
المجذومين: فروا منهم (فراركم)(٢) من الأسد؟ فقالت عائشة: كلا
والله، ولكنه قال: ((لا عدوى)) وقال: ((فمن أعدى الأول))؟ وكان مولَى
لي أصابه ذلك الداء وكان يأكل في صحافي، ويشرب في أقداحي،
وينام على فراشي(٣) .
قالوا: وقد أبطل الشارع العدوى، روينا عنه أنه أكل مع مجذوم،
خلافا لأهل الجاهلية فيما كانوا يفعلونه من ترك مؤاكلته خوفا أن
يعديهم داؤه. ثم ذكر حديث جابر السالف.
(١) في (ص٢): (فقال).
(٢) وقع في المتن: فرارك، وصوبه في هامش الأصل بقوله: لعله: فراركم.
(٣) أنظر هذِه الآثار في ((المصنف)) لابن أبي شيبة ١٤٠/٥، ١٤١ (٢٤٥٢٣:
٢٤٥٣١) ونقلها هنا من ((تهذيب الآثار)) مختصرة، وهي فيه مسنده .
انظر: ((تهذيب الآثار)) مسند علي من ص٢٦ وما بعدها.

٤٢٥
كِتَابُ الطَّبِّ
=
وقال آخرون بتصحيح هذا الخبر وقالوا: أمره بالفرار منه واتقاء
مؤاكلته ومشاربته، فغير جائز لمن علم أمره بذلك إلا الفرار من
المجذوم، وغير جائز إدامة النظر إليهم؛ لنهيه عن ذلك. ذكر من قال
ذلك: روى معمر عن الزهري أن عمر قال لمعيقيب: أجلس مني قِيدَ
رمح، وكان به الداء، وكان بدريًّا. وروى أبو الزناد عن خارجة بن
زيد: كان عمر إذا أتي بالطعام وعنده معيقيب قال له: كل مما يليك،
وايم الله لو غيرك به ما بك ما جلس مني على أدنى من قِيدَ رمح.
وكان أبو قلابة يتقي المجذوم(١) .
والصواب عندنا ما صح به الخبر عنه أنه قال: ((لا عدوى))، وأنه
لا يصيب نفسا إلا ما كتب عليها، فأما دنو عليل من صحيح فإنه غير
موجب للصحيح علة وسقمًا، غير أنه لا ينبغي لذي صحة الدنو من
صاحب الجذام والعاهة التي يكرهها الناس، لا أن ذلك حرام، ولكن
حذرًا من أن يظن الصحيح إن نزل به ذلك الداء يوما إنما أصابه لدنوه
منه فيوجب له ذلك الدخول فيما نهى عنه ◌َّله وأبطله من أمر الجاهلية
في العدوى، وليس في أمره بالفرار من المجذوم خلاف لأکله معه؛
لأنه كان يأمر بالأمر على وجه الندب (٢) أحيانا، وعلى وجه الإباحة
أخرى، ثم يترك فعله؛ ليعلم بذلك أن أمره به لم يكن على وجه
الإلزام، وكان ينهى عن الشيء على وجه الكراهة والتنزيه أحيانا،
وعلى وجه التأديب أخرى ثم يفعله؛ ليعلم به ذلك أن نهيه لم يكن
على وجه التحريم(٣) .
(١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١٤٢/٥ (٣٤٥٣٥).
(٢) في (ص٢) الإلزام.
(٣) انتهى من ((تهذيب الآثار)) مسند علي من ص ٢٦: ٣٤ بتصرف.

٤٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقال غيره: قال بعض العلماء: هذا الحديث يدل على أنه يفرق بين
المجذوم وامرأته إذا حدث ذلك به وهي عنده لموضع الضرر، إلا أن
ترضى بمقامها عنده.
وقال ابن القاسم: یحال بينه وبين وطء رقيقه إذا كان في ذلك ضرر.
وقال سحنون: لا يحال بينه وبين وطء إمائه(١)، ولم يختلفوا في
الزوجة. قال: ويمنع أيضًا من المسجد والدخول بين الناس والاختلاط
بهم، كما روي عن عمر أنه مر بامرأة مجذومة تطوف بالبيت، فقال
لها: يا أمة الله، أقعدي في بيتك ولا تؤذي الناس (٢).
وقال مطرف وابن الماجشون في المرضى إذا كانوا يسيرا لا يحرجون
عن قرية ولا حاضرة ولا السوق، وإن كثروا رأينا أن يتخذوا لأنفسهم
موضعا كما صنع مرضى مكة عند التنعيم منزلهم وفيه جماعتهم،
ولا أرى أن يمنعوا من الأسواق لتجارتهم وللنظر والمسألة إذا لم
يكن إمام عدل يرزقهم، ولا يمنعوا من الجمعة، ويمنعوا من غيرها(٣).
وقال أصبغ: ليس على مرضى الحواضر أن يخرجوا منها إلى ناحية
يفضاء يحكم به عليهم، ولكنهم إن كفاهم الإمام مئونتهم وأجرى عليهم
الرزق منعوا من مخالطة الناس.
قال ابن حبيب: والحكم (بتنحيتهم) (٤) إذا كثروا أعجب إلي، وهو
الذي عليه الناس(٥).
(١) ((النوادر والزيادات)) ٤/ ٦٢٦.
(٢) ((الموطأ)) ص ٢٧٣.
(٣) ((النوادر والزيادات)) ١/ ٤٥٧-٤٥٨.
(٥) ((المنتقى)) ٧/ ٢٦٥-٢٦٦ بتصرف.
(٤) في الأصل: بتجنبهم.

٤٢٧
كِتَابُ الطَّبِّ
=
فصل :
زعم ابن سيده أن الجذام سمي بذلك لتجذم الأصابع وتقطعها،
ورجل أجزم ومجذم: نزل به الجذام، الأولى عن كراع(١).
وعند الأطباء: هي علة تحدث من انتشار السوداء في جميع البدن
فتفسد مزاج (الأعضاء)(٢) وهيئاتها، وربما تقرح وهي كسرطان عام
للبدن، وسببه شدة حرارة الكبد ويبوستها أو البدن كله، وتعين على
استداد المسام فينحبس الحار الغريزي ويبرد الدم ويغلظ، ويسمى:
داء الأسد؛ لأنه يجهم وجه صاحبه ويجعل سجيته كسجية الأسد.
فصل :
زعم عيسى بن دينار أن قوله: ((لا عدوى)» ناسخ لقوله: ((لا يورد
ممرض على مصح)) كما ذكره بعد من حديث أبي هريرة، وأنكر
أبو هريرة حديثه الأول، قلنا: ألم تحدث أنه لا عدوى، فرطن
بالحبشية. قال أبو سلمة: فما رأيته نسي حديثا غيره(٣).
وقيل: إنما نهى المصح أن يجعل ماشيته مع المريضة لئلا يصيبها
داء فيكذب الحديث فيأثم؛ قاله سحنون وأبو عبيد، ودليله قوله:
((فمن أعدى الأول؟)) (٤) .
ومعنى: ((لا عدوى)): نفي لما كانت العرب في الجاهلية تقول: إن
المرض يعدي، بتحول منه إلى الصحيح، وأن دواءه أن يكوى الصحيح
فيبرأ المجروب، وكذبهم بقوله: ((لا عدوى)).
(١) ((المحكم)) ٧/ ٢٥٧ (جذم).
(٢) في (ص): الأجساد.
(٣) سيأتي برقم (٥٧٧٠).
(٤) ((غريب الحديث)) ٣٢٨/١-٣٢٩.

٤٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقيل: المراد به بعض الأدواء والعاهات كالطاعون يقع ببلد فيهرب
منه خوفا من العدوى خلاف الجذام فإنه تشتد رائحته وتؤذي.
وقال الداودي: يريد النهي عن الاعتداء، ولعل بعض من أجلب
على إبله إيلا جربا أراد تضمين المحل، فاحتج عليه في إسقاط
الضمان بأنه إنما أصابها ما قدر لها وما لم يكن ينجو منه؛ لأن
العجماء جبار.
ويحتمل أن يكون قال ذلك على ظنه ثم تبين له خلاف ذلك.
فصل :
قوله: ((ولا هامة)). قال أبو عبيد: (يقول)(١): عظام الموتى تصير
هامة فتطير، وكانوا يسمون ذلك الطائر: الصدى (٢) .
وقال ابن الأعرابي: كانوا يتشاءمون بالهامة إذا وقفت على بيت
أحدهم يقول: نعيت إلي نفسي أو أحد من أهل داري. وقاله مالك
أيضًا .
وقال القزاز: هي طائر من طير الليل. وإنما نفى وّ قولهم في
الجاهلية: إذا قتل أحد ولم يؤخذ بثأره خرجت من رأسه هامة لا تزال
تقول: أسقوني، حتى يؤخذ بثأره. وقاله الجوهري وابن فارس (٣).
قال أبو عبد الملك: قال أبو زيد: الهامة مشددة، وأهل اللغة على
خلاف هذا، بل هو عندهم مخفف.
(١) في ((غريب الحديث)): فإن العرب كانت تقول.
(٢) ((غريب الحديث)) ٢٦/١.
(٣) ((الصحاح)) ٢٠٦٣/٥ (هيم)، ((مجمل اللغة)) ٨٩٧/٢ (هام).

٤٢٩
كِتَابُ الطِّبّ
=
فصل :
قوله: (ولا صفر). قال البخاري: هو داء يأخذ البطن، قال
ابن وهب ومطرف: كان في الجاهلية يقولون: الصفار التي في
الجوف تقتل صاحبها، فرد ◌َ لّ ذلك بقوله: ((ولا صفر)) أنه لا يعدي
ولا يقتل أحدا، وإنما يموت بأجله(١). وهذا اختيار ابن حبيب
وأبي عبيد(٢).
وقال مالك وغيره: كانوا يجعلون المحرم صفرا ويستحلونه، وهو
النسيء. وقيل: هو حيات تكون في البطن تصيب الماشية والناس،
وكانوا يقولون: هي أعدى من الجرب(٣)، فنهى الشارع عن ذلك.
فصل :
وقوله: ( ((وفر من المجذوم كما تفر من الأسد)) ). هو مثل قوله:
((لا يوردن ممرض على مصح)) كما سلف، ووجه فراره منه أنه يؤذي
برائحته، وربما نزع الولد إليه، ولذلك جعل به الخيار بالنسبة
إلى النكاح.
وقيل: إنما أمره به لأنه إذا رآه صحيحَ البدن عظمت حسرته (٤)
ونسي نعمة ربه، فأمر أن يفر منه لئلا يكون سببا للزيادة في محنة أخيه
وبلائه .
(١) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٩/ ٤١٧.
(٢) ((غريب الحديث)) ٢٦/١.
(٣) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٩/ ٤١٧.
(٤) وقع بهامش الأصل: أي حسرة المجذوم.

٤٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فرع :
جذم بعض أهل القرية وأراد باقيهم منعهم من الماء، فإن وجدوا
غناء بماء غيره من غير ضرورة ويقدرون على حفر بئر آخر وإجراء
عين في غير ضرورة أمروا بذلك، وإلا قيل لمن تأذى منهم: استنبط
لهم بئرا أو أجر لهم عينا أو أقم لهم من يسقي لهم من البعد، وإلا
فكل ذي حق أولى بحقه، وأعظم الضرر أن يمنع أحد ماله بغير
عوض، (قاله يحيى بن يحيى، وزاد غيره) (١) أنه يمنع من دخول
المسجد، ومن الدخول بين الناس والاختلاط بهم، وقد سلف.
(١) من (ص) ووقع في الأصل: غيره فقط.

٤٣١
كِتَابُ الطَّبِّ
٢٠- باب المَنُّ شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ
٥٧٠٨- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اَلِكِ،
سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَِّ يَقُولُ:
((الْكَمْأَةُ مِنَ المَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ)). قَالَ شُعْبَةُ: وَأَخْبَرَنِ الَحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، عَنِ
الَحَسَنِ العُرَبِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّّ. قَالَ شُغْبَةُ :
كَمَا حَدَّثَنِي بِهِ الَحَكَمُ لَمْ أُنْكِرْهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ المَلِكِ. [انظر: ٤٤٧٨- مسلم: ٢٠٤٩ - فتح
١٠/ ١٦٣]
ذكر فيه حديث غُنْدَر، عن شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ، عن عَمْرو بْن
حُرَيْثٍ، عن سَعِيد بْن زَيْدٍ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ و ◌َ يَقُولُ: ((الْكَمْأَةُ مِنَ
المَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ)).
قَالَ شُعْبَةُ: وَأَخْبَرَنِي الحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، عَنِ الحَسَنِ العُرَنِيِّ، عَنْ
عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ. قَالَ شُعْبَةُ: لَمَّا
حَدَّثَنِي بِهِ الحَكَمُ لَمْ أَنْكِرْهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ المَلِكِ.
هذا الحديث تقدم في التفسير (١)، وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي
وابن ماجه(٢)، وذكر الطبري عن محمد بن المنكدر عن جابر بن
عبد الله قال: كثرت الكمأة على عهد رسول الله رَّ، فامتنع أقوام من
أكلها وقالوا: هي جدري الأرض، فبلغ ذلك رسول الله رَله فقال:
((إن الكمأة ليس من جدري الأرض، ألا إن الكمأة من المن .. )) الحديث.
الكمأة معروفة، كما أن المن معروف، كل واحد منهما غير نوع
صاحبه، والكمأة وإن لم تكن من نوع المن فإنه يجمعهما في المعنى
(١) ((شرح ابن بطال)) ٤١٣/٩.
(٢) مسلم (٢٠٤٩) كتاب: الأشربة، باب: فضل الكمأة، والترمذي (٢٠٦٧)،
والنسائي في ((الكبرى)) ٤/ ١٥٦ (٦٦٦٦) وابن ماجه (٣٤٥٤).

٤٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
أنهما مما يحدثه الله رزقا لعباده من غير أصل له ومن غير صنع منهم
ولا علاج؛ إذ كانت جميع أقوات العباد لا سبيل إليها إلا بأصل
عندهم وغرس، وليس كذلك الكمأة والمن(١) .
وقد سلف أن الكمأة جمعٌ واحدُها : كمء، على غير قياس، وهو من
النوادر؛ لأن الأكثر على أن حذف الهاء علامة للجمع، مثل: تمرة
وتمر، وهذا بعكس ذلك ثبتت الهاء في جمعه وسقطت في مفرده،
وهو البرقاس.
ولم يرد أنها من المن الذي أنزله الله على بني إسرائيل؛ فإن ذلك
كان (شيئًا)(٢) يسقط كالترنجبين عليهم، وإنما أراد به (شيئًا)(٣) ينبت
بنفسه من غير تكليف (حرث) (٤) ولا زرع، وإنما نالت الكمأة هذا؛
لأنها حلال لا شبهة في اكتسابها .
وقوله: ( ((وماؤها شفاء للعين)) )، يريد أنه يتربى به الكحل والتوتيا
ونحوهما مما یکتحل به فينتفع بذلك، وليس بأن يكتحل به وحده، فذلك
يؤذي العين ويقذيها .
وقيل: أراد العين التي هي النظرة للشيء يتعجب منه، ودليل ذلك
قوله في رواية أخرى: ((شفاء من العين)).
وقيل: يريد من داء العين، فحذف المضاف، مثل: ﴿وَسْئَلِ اُلْقَرْيَةَ﴾.
(١) ((شرح ابن بطال)) ٩/ ٤١٣.
(٢) سقطت في الأصل ووقعت في (ص٢): بشيء.
(٣) رسمت في الأصل: (شيء).
(٤) سقطت من الأصل.

٤٣٣
كِتَابُ الطَّبِّ
٢١- باب اللَّدُودِ
٥٧٠٩، ٥٧١٠، ٥٧١١- حَدَّثَنَا عَليَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا نَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ
وَعَائِشَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ عََّ قَبَّلَ النَّبِيَّ ◌َّهِ وَهْوَ مَيِّتٌ. [انظر: ٢٤١
، ١٢٤٢،
١٠/ ١٦٦]
٥٧١٢- قَالَ: وَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَدَدْنَاهُ فِي مَرَضِهِ، فَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا، أَنْ لَا تَلُتُّونِي.
فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ المَرِيضِ لِلدَّوَاءِ. فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: ((أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَلُدُّونِي؟)). قُلْنَا:
كَرَاهِيَةَ الَرِيضِ لِلدَّوَاءِ. فَقَالَ: ((لَا يَبْقَى فِي البَيْتِ أَحَدٌ إِلَّا لُدَّ وَأَنَا أَنْظُرُ،
إِلَّا العَبَّاسَ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ)). [انظر: ٤٤٥٨ - مسلم: ٢٢١٣ - فتح ١٠/ ١٦٦]
٥٧١٣- حَدَّثَنَا عَلِيَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ،
عَنْ أُمَّ قَيْسٍ قَالَتْ: دَخَلْتُ بِابْنٍ لِي عَلَى رَسُولِ اللهِ ◌َِّ وَقَدْ أَعْلَقْتُ عَلَيْهِ مِنَ العُذْرَةِ،
فَقَالَ: ((عَلَى مَا تَدْغَرْنَ أَوْلَادَكُنَّ بهذا العِلَاقِ؟ عَلَيْكُنَّ بهذا العُودِ الهِنْدِيِّ، فَإِنَّ
فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ، مِنْهَا ذَاتُ الجَنْبِ يُسْعَطُ مِنَ العُذْرَةِ، وَيُلَدُّ مِنْ ذَاتِ الجَنْبِ)).
فَسَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: بَيَّنَ لَنَا آَثْنَيْنِ وَمْ يُبَيِّنْ لَنَا خَمْسَةَ. قُلْتُ لِسُفْيَانَ: فَإِنَّ
مَعْمَرًا يَقُولُ: أَعْلَقْتُ عَلَيْهِ. قَالَ: لَمْ يَحْفَظْ إِنَّمَا قَالَ: أَعْلَقْتُ عَنْهُ، حَفِظْتُهُ مِنْ في
الزُّهْرِيِّ. وَوَصَفَ سُفْيَانُ الغُلَامَ يُحَنَّكُ بِالإِصْبَعِ، وَأَدْخَلَ سُفْيَانُ فِي حَنَكِهِ - إِنَّمَا
يَغْنِي: رَفْعَ حَنَكِهِ بِإِصْبَعِهِ - وَلَمْ يَقُلْ: أَعْلِقُوا عَنْهُ شَيْئًا. [انظر: ٥٦٩٢ - مسلم: ٢٢١٤ -
فتح ١٦٦/١٠]
ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ﴿ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَبَّلَ النَّبِيِّنَلّهِ وَهْوَ مَيِّتٌ.
قَالَ: وَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَدَدْنَاهُ فِي مَرَضِهِ، فَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا، أَنْ
لَا تَلُدُّونِي. فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ المَرِيضِ لِلدَّوَاءِ. فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: ((أَلَمْ
أَنْهَكُمْ أَنْ تَلُدُّونِي؟)). قُلْنَا: كَرَاهِيَةَ المَرِيضِ لِلَّوَاءِ. فَقَالَ: ((لَا يَبْقَى
فِي البَيْتِ أَحَدٌ إِلَّا لُدَّ وَأَنَا أَنْظُرُ، إِلَّ العَبَّاسَ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ)) .

٤٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وحديث أُمّ قَيْسٍ قَالَتْ: دَخَلْتُ بِابْنِ لِي عَلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ وَقَدْ
أَعْلَقْتُ عَلَيْهِ مِنَ العُذَّرَةِ، فَقَالَ: ((عَلَى مَا تَدْغَرْنَ أَوْلَادَكُنَّ بهذا العِلَاقِ؟
عَلَيْكُنَّ بهذا العُودِ الهِنْدِيِّ، فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ، مِنْهَا ذَاتُ الجَنْبِ)).
فَسَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: بَيَّنَ لَنَا أَثْنَيْنٍ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا خَمْسَةً. قُلْتُ
لِسُفْيَانَ: فَإِنَّ مَعْمَرًا يَقُولُ: أَعْلَقْتُ عَلَيْهِ. قَالَ: لَمْ يَحْفَظْ إِنَّمَا قالَ:
أَعْلَقْتُ عَنْهُ. حَفِظْتُهُ مِنْ فِي الزُّهْرِيِّ. وَوَصَفَ سُفْيَانُ الغُلَامَ يُحَنَّكُ
بِالأصابع، وَأَدْخَلَ سُفْيَانُ فِي حَنَكِهِ - يَعْنِي: إِنَّمَا رَفْعَ حَنَكِهِ بِإِصْبَعِهِ-
وَلَمْ يَقُلْ: أَعْلِقُوا عليه شَيْئًا .
الشرح :
(حديث ابن عباس وعائشة سلفا في المغازي، ويأتي في
الديات(١)، وأخرجه مسلم أيضًا(٢)، و)(٣) حديث أم قيس سلف
قريبًا (٤).
واللدود سلف في مرضه وَّل، وهو بفتح اللام، وهو ما يسقاه
المريض في أحد شقي الفم، ولديدا الفم: جانباه، ولديدا العنق:
صفحتاه، وهو من أدوية الخدر وذات الجنب، تقول العرب: لددت
المريض لدا: ألقيت الدواء في شق فيه. وهو التحنيك بالأصبع، كما
قال سفيان، ويقال: سعطته وأسعطته فاستعط.
والاسم: السعوط بالفتح، وهو ما يجعل من الدواء في الأنف.
(١) سلفا بأرقام (٤٤٥٥: ٤٤٥٨) باب: مرض النبي مرّة. ويأتي في الديات برقمي
(٦٨٨٦، ٦٨٩٧).
(٢) مسلم (٢٢١٣) كتاب السلام، باب: كراهية التداوي باللدود.
(٣) ساقطة من الأصل.
(٤) سلف قريبًا برقم (٥٦٩٢) باب: السعوط.

٤٣٥
كِتَابُ الطِّبَّ
وقد سلف أن العذرة وجع الحلق، وقيل: اللهاة.
وعبارة ابن بطال: الإعلاق: أن يرفع العذرة باللد والعذرة قريبة من
اللهاة(١).
وقال ابن قتيبة: العذرة: وجع الحلق، وأكثر ما يعتري الصبيان
فيعلق عنهم، والإعلاق والدغر شيء واحد، وهو أن يرفع اللهاة،
ونهى الشارع عن ذلك وأمر بالقسط البحري، يقال: دغرت المرأة
الصبي: رفعت لهاته بإصبعها إذا أخذته العذرة. وسلف معنى
((تدغرن))، وأنه غمز الحلق منها، وهو وجع يهيج في الحلق، وهو
الذي يسمى: سعوط اللهاة، والدغر: أخذ الشيء اختلاسا، وأصل
الدغر: الدفع.
فإن قلت: لم أمر الشارع أن يُلَدَّ كل من في البيت؟ قلت: أجاب عنه
المهلب بأن قال: وجهه -والله أعلم- أنه لما فعل به [من](٢) ذلك ما لم
يأمرهم به من المداواة بل نهاهم عنه وآلم بذلك ألما شديدا، أمر أن
يقتص من كل من فعل به ذلك، ألا ترى قوله: ((لا يبقى في البيت
أحد إلا لد إلا العباس فإنه لم يشهدكم)) فأوجب القصاص على كل
من لده من أهل البيت ومن ساعدهم في ذلك ورآه؛ لمخالفتهم نهيه وَّل.
وقد جاء هذا المعنى في رواية ابن إسحاق عن الزهري عن عبد الله
ابن كعب أنهم لدوا النبي ◌َّر في مرضه، فلما أفاق قال لهم: ((لم فعلتم
ذلك))؟ قالوا: خشينا يا رسول الله أن يكون بك ذات الجنب. فقال: ((إن
ذلك داء ما كان الله ليقذفني به، لا يبق أحد في البيت إلا لد إلا عَمِّي)) فقد
(١) ((شرح ابن بطال)) ٩/ ٤١٤.
(٢) زيدت من (شرح ابن بطال)) ومنه ينقل المصنف.

٤٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
لدت ميمونة وهي صائمة لقسم رسول الله وَي عقوبة لهم بما صنعوا
برسول الله (١).
وسيأتي هذا المعنى في الديات في باب إذا أصاب قوم من رجل هل
يعاقبهم أو يقتص منهم كلهم؟ وأجاب ابن العربي بجواب لطيف، وهو
أنه إنما لدهم لئلا يأتوا يوم القيامة وعليهم حقه فيدركهم خطب عظيم
وذنب(٢) .
وروى الحاكم في ((مستدركه)) وقال: على شرط مسلم: ((ذات
الجنب من الشيطان، وما كان الله ليسلطه علي)). (قال)(٣): وأما
ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: مات وَّ من ذات
الجنب، فخبر واهٍ(٤).
واستنبط بعض العلماء من هذا الحديث أخذ عمر قتل من تمالا على
قتل الغلام بصنعاء، وفيه بعد، كما قال القرطبي؛ إذ يمكن أن يقال: جاز
ذلك فيما لا إراقة دم فيه لخفته في مقصود الشرع. ولا يجوز ذلك في
الدماء لحرمتها وعظم أمرها، فلا يصح حمل أحدهما على الآخر،
وإنما الذي يستنبط منه أن (المجامع)(٥) في الجناية المعين عليها
كالناظور الذي هو الطليعة كالمباشر لها، فيقتص من الكل، لكن فيما
لا دم فيه(٦). على ما قررناه، وقد نبه وا على هذا المعنى
بقوله: ((إلا العباس فإنه لم يشهدكم)) كما سلف.
(١) ((سيرة ابن هشام)) ٣٢٨/٤-٣٢٩. وانظر ((شرح ابن بطال)) ٤١٤/٩-٤١٥.
(٣) ساقطة من الأصل.
(٢) ((عارضة الأحوذي)) ٢٠٥/٨.
(٤) ((المستدرك)) ٤٠٥/٤.
(٥) كذا في الأصل، وفي ((المفهم)): (الحاضر).
(٦) ((المفهم) ٦٠٢/٥.

=
٤٣٧
كِتَابُ الطَّبِّ
==
فإن قلت: عارض هذا قول عائشة رضي الله عنها: كان ◌َّ لا ينتقم
لنفسه .
ويجاب بأنه لا ينتقم لها باعتبار الأكثر من حاله، أو أنها نسيت هذا
الحديث، (وقيل: أرادت)(١) في المال، وأنه إذا أصيب بدنه كان انتهاكا
لحرمة الله؛ ذكرها ابن التين.
فإن قلت: فلم لم يعف عنهم؟ قيل: أراد أن يؤدبهم لئلا يعودوا إلى
مثلها، فيكون لهم أدبا وقصاصا، أو أنه فعل ذلك بهم لأنهم لدوه في
مرض تحقق فيه الموت، وإذا تحقق العبد الموت كره له التداوي.
فصل :
وفيه: دليل أنه يقتص من اللطمة ونحوها، وهو أحد قولي مالك،
قاله الداودي، وزاد أن قوله: «إلا العباس، فإنه لم یشهدکم)) فیه دلیل
أن العمد يقتص منه؛ لأنه لو شهد لاقتص منه.
فصل :
وقوله: (قلت لسفيان: فإن معمرا يقول: أعلقت عليه، قال: لم
يحفظ، إنما قال: أعلقت عنه). قال الخطابي عن ابن الأعرابي:
يقال: أعلقت عن الصبي: إذا عالجت منه العذرة، وهو وجع الحلق،
قال: وأكثر المحدثين يروونه: أعلقت عليه، والصواب ما حفظه
سفيان(٢). وقد سلف ذلك، وكذا قال ابن بطال بعد أن ساق كلام
ابن قتيبة في العذرة: الصواب: أعلقت عنه، كذلك حكاه أهل اللغة
ولم يُعَدُّوه إلا بـ (عن).
(١) ساقطة من الأصل.
(٢) ((أعلام الحديث)) ٢١٢١/٣-٢١٢٢.

٤٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال الجوهري في الحديث: ((اللدود أحب إلي من الإعلاق)) يقال:
أعلقت المرأة ولدها من العذرة: إذا رفعتها بيدها(١).
و((تدغرن)) بالغين المعجمة والدال المهملة كما سلف.
وعبارة ابن التين: الدغر - بغين ساكنة: الرفع، يقول: لم ترفعن
ذلك بأصابعکن فتؤلمنهم وتؤذینهم بذلك.
وقوله: ((بهذا العلاق)) كما قال الخطابي: (بهذا الإعلاق) مصدر
أعلقت عنه. والله أعلم.
(١) ((الصحاح)) ٤/ ١٥٣٢ (علق).

٤٣٩
كِتَابُ الطِّبِّ
=
٢٢ - باب
٥٧١٤- حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ وَيُونُسُ، قَالَ
الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها زَوْجَ النَّبِيّ
وَّ قَالَتْ: لَمَا ثَقُلَ رَسُولُ اللهِ ◌ِّ وَاشْتَدَّ وَجَعُهُ، أَسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ فِي أَنْ يُمَرَّضَ فِي
بَيْتِي، فَأَذِنَّ، فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلَاهُ فِي الأَرْضِ بَيْنَ عَبَّاسِ وَآخَرَ. فَأَخْبَرْتُ
ابن عَبَّاسٍ، قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الآخَرُ الذِي لَمْ تُسَمَّ عَائِشَةُ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ هُوَ
عَلِيٍّ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ بَعْدَ مَا دَخَلَ بَيْتَهَا وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ: ((هَرِيقُوا
عَلَّيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ، لَعَلِّي أَعْهَدُ إِلَى النَّاسِ)). قَالَتْ:
فَأَجْلَسْنَاهُ فِي خَضَبٍ لَحِقْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ نََّ ثُمَّ طَفِقْنَا نَصُبُّ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ القِرَبِ،
حَتَّى جَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا أَنْ قَدْ فَعَلْتُنَّ. قَالَتْ: وَخَرَجَ إِلَى النَّاسِ فَصَلَّى لَهُمْ وَخَطَبَهُمْ.
[انظر: ١٩٨- مسلم: ٤١٨- فتح ١٠ / ١٦٧].
ذكر فيه حديث عائشة رضي الله عنها: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللهِ وَهِ وَاشْتَدَّ
وَجَعُهُ،. الحديث سلف في مرضه وَله بطوله(١)، وسلف في الغسل(٢)
والخمس (٣) والمغازي(٤) والهبة(٥) وغيرها(٦).
كذا وقع هذا الحديث في الأصول: باب، من غير أن يترجم له،
وأما ابن بطال فأدخله في الباب قبله وقال: إن قال قائل: ما وجه
ذكر حديث عائشة الذي في آخر الباب في هذه الترجمة وليس فيه ذكر
(١) برقم (٤٤٤٢) كتاب: المغازي، باب: مرض النبي ◌َّ ووفاته.
برقم (١٩٨) كتاب: الوضوء، باب: الغسل والوضوء.
(٢)
(٣) برقم (٣٠٩٩) باب: ما جاء في بيوت أزواج النبي ◌َلؤ.
(٤) هو ما سلف في مرضه.
(٥) برقم (٢٥٨٨) باب: هبة الرجل لامرأته.
(٦) سلف أيضًا برقم (٦٦٤) كتاب: الأذان، باب: حد المريض أن يشهد الجماعة.

٤٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
اللدود المعقود له؟ قال: قيل: يحتمل ذلك - والله أعلم - أنه أراد ما فُعل
بالمريض مما أمر أن يفعل به أنه لا يلزم فاعل ذلك به لوم ولا قصاص
حين لم يأمر بصب الماء على كل من حضره، وأنه بخلاف ما أُولم به
مما نهى عنه أن يفعل به؛ لأن ذلك من باب الجناية عليه، وفيه
(١)
القصاص
.
٠٫٠١
(١) ((شرح ابن بطال)) ٤١٥/٩.