Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
= كِتابُ المَرْضَى
حِمَارٍ عَلَى إِكَافٍ عَلَى قَطِيفَةٍ فَدَكِيَّةٍ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ وَرَاءَهُ، يَعُودُ سَعْدَ بْنَ
عُبَادَةَ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ .. القصة بطولها، وقد سلفت في الجهاد والتفسير،
وتأتي في اللباس والأدب والاستئذان(١) وأخرجه مسلم والنسائي،
- وأهمل ابن عساكر النسائي- والترمذي، وقال: حسن صحيح(٢).
وحديث جابر جَاءَنِي النَّبِيُّ ◌َّهِ يَعُودُنِي لَيْسَ بِرَاكِبٍ بَغْلٍ وَلَا بِرْذَوْنٍ.
وأخرجه أبو داود والنسائي(٣) وأهمله ابن عساكر.
فيه: ما ترجم له، وعيادة المريض راكبًا مفردًا وردفًا وماشيًا كل ذلك
ستُّة مرجو بركة العمل بها، وثواب الأعمال على صحة النيّة وإخلاصها
لله، وإن قلَّت المشقة فيها .
(والإكاف): ما يجعل على الحمار، كالبرذعة ويقال: وكاف أيضًا
والقطيفة: دثار مخمل، والجمع: قطائف وقطف.
(والفدكية): منسوبة إلى فدك، قرية بخيبر.
و(عجاجة الدابة): غبارها، قال الجوهري: العجاج: الغبار
والدخان أيضًا، والعجاجة -أيضًا - أخص منه (٤).
(١) سلف في الجهاد برقم (٢٩٨٧) باب: الردف على الحمار، وفي التفسير برقم
(٤٥٦٦)، باب: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ وسيأتي في
اللباس برقم (٥٩٦٤)، باب: الارتداف على الدابة وفي ((الأدب)) برقم (٦٢٠٧)،
باب: كنية المشرك وفي الاستئذان برقم (٦٢٥٤) باب: التسليم في مجلس فيه
أخلاط من المسلمين والمشركين.
(٢) مسلم (١٧٩٨) كتاب: الجهاد والسير، باب: في دعاء النبي ◌َّ وصبره على أذى
المنافقين، والترمذي (٢٧٠٢)، والنسائي في ((الكبرى)) ٣٥٦/٤ - ٣٥٧.
(٣) ((سنن أبي داود)) (٣٠٩٦)، ((السنن الكبرى)) ٣٥٦/٤، ورواه مسلم (١٦١٦)
والترمذي (٣٨٥١).
(٤) انظر: ((الصحاح)) ٣٢٧/١ مادة: (عجج).

٣٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقوله: (يتثاورون) أي: يتواثبون، وتثور بينهم الفتنة وتهيج، وفيه
شكوى الشارع عبد الله بن أَبَيِّ إلى سعد بن عبادة.
وقوله: ( ((أبو حُباب)))، فيه تكنية الكافر يتلطف بذلك من يحتمي به
من المسلمین .
والبحيرة: البلدة، قاله الجوهري: يقول هذِه بحيرتنا أي: بلدتنا(١).
و(يتوجوه): يعصبوه، يقال: عصبت رأسه بالعمامة والتاج تعصیبًا،
واعتصب بها .
وقوله: (شرق بذلك) أي: تنحى، وغص بكسر الراء، ومنه شرق
بريقه أي غص به.
والبرذون -بكسر الباء- مشتق من برذن الرجل برذونة إذا بعل،
والأنثى: برذونه. قاله الكسائي.
(١) ((الصحاح)) ٥١٥/٢ مادة: (بحر).

٣٠٣
- كِتابُ المَرْضَى
١٦ - باب قَوْلِ المَرِيضِ:
إِّ وَجِعَ، أَوْ: وَارَأْسَاهْ، أَوِ: اشْتَدَّ بِي الوَجَعُ
وَقَوْلِ أَيُّوبَ الَيْهِ: ﴿أَنِي مَسَّنِىَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَّحِينَ﴾
[الأنبياء: ٨٣].
٥٦٦٥ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابن أَبِي نَجِيحِ وَأَيُّوبَ، عَنْ مُجَاهِدِ،
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ رضي الله عنه: مَرَّ بِيَ النَّبِيُّ وَل
وَأَنَا أُوقِدُ تَحْتَ القِدْرِ، فَقَالَ: (أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟)). قُلْتُ: نَعَمْ. فَدَعَا الَخَلَّقَ
فَحَلَقَهُ ثُمَّ أَمَرَنِي بِالْفِدَاءِ. [انظر: ١٨١٤ - مسلم: ١٢٠١ - فتح ١٢٣/١٠]
٥٦٦٦ - حَدَّثَنَا يَجْيَى بْنُ يَخْيَى أَبُو زَكَرِيَّاءَ، أَخْبَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ يَجْيَى
ابْنِ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ القَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَارَأْسَاهْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ
وَةِ: ((ذَاكِ لَوْ كَانَ وَأَنَا حَيٌّ، فَأَسْتَغْفِرُ لَكِ وَأَدْعُو لَكِ)). فَقَالَتْ عَائِشَةُ: وَاتُكْلِيَاهْ،
والله إِّي لأَظُنُّكَ تُحِبُّ مَوْتِي، وَلَوْ كَانَ ذَاكَ لَظَلِلْتَ آَخِرَ يَوْمِكَ مُعَرَّسًا بِبَغْضِ أَزْوَاجِكَ.
فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((بَلْ أَنَا وَارَأْسَاهْ، لَقَدْ هَمَمْتُ - أَوْ أَرَدْتُ - أَنْ أُرْسِلَ إِلَى
أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ، وَأَعْهَدَ أَنْ يَقُولَ القَائِلُونَ أَوْ يَتَمَّنَّى المُتَمَنُّونَ، ثُمَّ قُلْتُ: يَأْبَى
اللهُ وَيَدْفَعُ المُؤْمِنُونَ)) أَوْ: (يَدْفَعُ اللهُ وَيَأْبَى المُؤْمِنُونَ)). [٧٢١٧ - مسلم: ٢٣٨٧ - فتح
١٠/ ١٢٣]
٥٦٦٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِم، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ
إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنِ الَحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنِ ابن مَسْعُودٍ ◌َ﴾ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ
وَّ وَهْوَ يُوعَكُ فَمَسِنْتُهُ فَقُلْتُ: إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكَا شَدِيدًا. قَالَ: ((أَجَلْ كَمَا يُوعَلُكُ
رَجُلَانِ مِنْكُمْ)).
قَالَ: لَكَ أَجْرَانِ. قَالَ: ((نَعَمْ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذَّى - مَرَضٌ فَمَا سِوَاهُ -
إِلَّا حَطَّ اللهُ سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطَّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَّا)). [انظر: ٥٦٤٧ - مسلم: ٢٥٧١ -فتح
١٠/ ١٢٣]

٣٠٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٥٦٦٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي
سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَامِرٍ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَنَا رَسُولُ اللهِ ﴾ يَعُودُنِي
مِنْ وَجَعْ أَشْتَدَّ بِي زَمَنَ حَجَّةِ الوَدَاعِ فَقُلْتُ: بَلَغَ بِ مَا تَرىُ، وَأَنَّا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُّنِي إِلَّ
ابنةٌ لِي، أَفَأَتَصَدَّقُ بِتُلُثَي مَالٍِ؟ قَالَ: ((لَ)). قُلْتُ: بِالشَّطْرِ؟ قَالَ: (لَ)). قُلْتُ: الثُّلُثُ؟
قَالَ: ((الثُّلُثُ كَثِيرٌ، أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ
النَّاسَ، وَلَنْ تُنْفِقَ نَفَقَّةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي
فِي أَمْرَأَتِك)). [انظر: ٥٦ - مسلم: ١٦٢٨ - فتح ١٢٣/١٠]
ذكر فيه أحاديث سلفت:
حديث كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ رضي الله عنه: ((أَيُؤْذِيكَ هَوَامُ رَأْسِكَ؟)).
قُلْتُ: نَعَمْ.
سلف في الحج(١).
وحديث القاسم قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَارَأْسَاهْ .. ، الحديث سلف
أيضًا(٢). وحديث ابن مسعود في الوعك سلف قريبًا(٣).
وحديث عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَنَي رَسُولُ اللهِ وَّه يَعُودُنِي
مِنْ وَجَعِ أَشْتَدَّ بِي زَمَنَ حَجَّةِ الوَدَاعِ.
وقد سلف قريبًا في المغازي والهجرة وفي الجنائز(٤)، اختلف
العلماء كما قال الطبري في هذا الباب، فقالت طائفة: لا أحد من
بني آدم إلَّا وهو يألم من الوجع ويشتكي المرض، لأن نفوس بني آدم
(١) سلف برقم (١٨١٤)، باب قول الله تعالى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِ يضًا﴾.
(٢) قلت بل سيأتي في الأحكام برقم (٧٢١٧) باب: الاستخلاف. وانظر: ((تحفة
الأشراف))، و((النكت)) عليه ١٢/ ٢٩٠ (١٧٥٦١).
(٣) سلف برقم (٥٦٦٠)، باب: وضع اليد على المريض.
(٤) سلف برقم (٤٤٠٩) كتاب: المغازي، باب: حجة الوداع. وبرقم (١٢٩٥) كتاب:
الجنائز، باب: رئي النبي ◌ُّ سعد بن خولة.

٣٠٥
ـ كِتابُ المَرْضَى
مبنية على الجزع من ذلك والألم فغير قادر أحد على تغيرها عما خلقها عليه
بارئها، ولا يكلف أحد أن يكون بخلاف الجبلة التي جبل عليها .
وإنما كلف العبد في حال المصيبة أن لا يفعل ما له إلى ترك فعله
سبيل، وذلك ترك البكاء على الرزية والتأوه من المرض.
فمن تأوه من مصيبة تحدث عليه أو فعل نظير الشيء من ذلك، فقد
خرج من معاني أهل الصبر ودخل في معاني أهل الجزع، وممن روى
ذلك مجاهد وطاوس، قال مجاهد: يكتب على المريض كل ما تكلّم
به حتى الأنين(١).
وقال ليث: قلت لطلحة بن مصرف: إن طاوسًا كره الأنين في
المرض، فما سُمع لطلحة أنين حتى مات(٢). واعتلوا لقولهم بإجماع
الجميع على كراهة شكوى العبد ربه على ضُرِّ ينزل به أو شدة تحدث
به، وشكواه ذلك إنما هو ذکر للناس ما امتحنه به ربه تعالى على وجه
الضجر، قالوا: فالمتأوه: المتوجع في معنى ذاكره للناس متضجرًا به
وأكثر منه، وقال: آه. وليس(٣) الذي قال: هؤلاء، يسيء.
وقال: إنما الشاكي ربه من أخبر عمَّا أصابه من الضر والبلاء
متسخطًا قضاء الله فيه، فأما من أخبر به إخوانه ليدعوا له بالشفاء
والعافية وأن أستراحته من الأنين والتأوه فليس ذاك بشاكٍ ربَّه، وقد
شكا الألم والوجع المؤذي رسولُ الله ◌َل وأصحابه، وجماعة من
القدوة ممن ذكرهم البخاري في هذا الباب وغيرهم.
(١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤٤٣/٢ (١٠٨٣٠).
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٢١٣/٧ (٣٥٤٠١).
(٣) في الأصل: (ومن ليس)، والمثبت هو الملائم للسياق.

٣٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
روي عن الحسن البصري: أنه دخل عليه أصحابه وهو يشتكي
ضربةً، فقال: ﴿أَنِّ مَسَّنِىَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَّحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]
وهذا القول أولى بالصواب؛ لما يشهد له من فعل رسول الله وله
وأصحابه وأيضًا، فإن الأنين من ألم العلَّة والتأوه وقد يغلبان الإنسان
ولا يطيق كفهما عنه، ولا يجوز إضافة مؤاخذة العبد به إلى الله؛ لأنه
تعالى قد أخبر أنه لا يكلف نفسًا إلَّا وسعها، وليس في وسع ابن آدم
ترك الاستراحة إلى الأنين عند الوجع يشتد به والألم ينزل به فيؤمر به
أو يُنھی عن خلافه.
فصل :
قول أيوب عليه الصَّلاة والسَّلام: ﴿مَسَّنِىَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣] ليس
مما يشاكل تبويبه؛ لأن أيوب إنما قال ذلك داعيًا ولم يذكره للمخلوقين،
وقد ذكر أنه كان إذا سقطت دودة من بعض جراحه ردها مكانها .
فصل :
المراد بالهوام هنا القمل؛ لأنها تهيم في الرأس أي: تدب، وأمَّا
هوام الأرض، فقال الجوهري والهروي: إنها الأحناش وكل ذي سم
(١)
يقتل(١).
قال الهروي: فأمَّا ما لا يقتل ويسم فهي السوام مثل العقرب
والزنبور، وقال ابن فارس: هو حشرات الأرض(٢). قال: وهي
دواب الأرض الصغار اليرابيع والضباب.
(١) ((الصحاح)) ٢٠٦٢/٥.
(٢) ((مقاييس اللغة)) ص١٠١٦ مادة (هم).

٣٠٧
كِتابُ المَرْضَى
فصل :
قوله في حديث عائشة : ( ((أو يتمنى المتمنون))).
قال ابن التين: ضبط في غير كتاب بفتح النون، وإنما هو بضمها
أصله: المتمنيون على زنة المتطهرون.
فاستثقلت الضمة على التاء، فاجتمع ساكنان والواو فحذفت التاء،
لذلك وضمت النون لأجل الواو؛ إذ لا يصح واو قبلها كسرة.
وقال النووي: قوله القليتها لعائشة: ((إني أخاف أن يتمنى متمن أو يقول
قائل: أنا أولى)).
وفي نسخة ((أنا ولا ويأبى الله والمؤمنون إلَّا أبا بكر)) كذا في بعض
النسخ المعتمدة أنا ولا، بتخفيف أنا ولا، أي يقول: أنا أحق، وليس
كما يقول: ((يأبى الله والمؤمنون إلَّا أبا بكر)).
وفي بعضها: أنا أولى، أي: أنا أحق بالخلافة، قال عياض: هُذِه
أجودها(١).
ورواه بعضهم: أنا ولي بتخفيف النون وكسر اللام، أي: أنا أحق
والخلافة لي.
ورواه بعضهم: أنا ولاه، أي: أنا الذي ولَّاه رسول الله وَله .
وبعضهم رواه: أنَّى ولاه، بتشديد النون أي: كيف ولاه. وفي
الحديث دلالة ظاهرة على فضل الصديق وإخبار منه عمَّا يقع في
المستقبل بعد وفاته، وأن المسلمين يأبون عقد الخلافة لغيره وفيه
إشارة إلى أنه سيقع نزاع، وقد وقع ذلك.
وأمَّا طلبه لأخيها مع أبيه فالمراد أي يكتب الكتاب.
(١) ((إكمال المعلم)) ٧/ ٣٩٠.

٣٠٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وفي رواية: ((لقد هممت أن أوجه إلى أبي بكر وابنه وأعهد)).
ورواه بعضهم: أو آتيه، بألف ممدودة بعدها تاء مثناة فوق ثم من تحت
من الإتيان. وصوبه بعضهم كما قال عياض قال: وليس كما صوب بل
الصواب بالباء الموحدة والنون يوضحه ما في مسلم: أخاك؛ ولأن إتيانه
التميّ كان متعذرًا؛ لأنه عجز عن حضور الجماعة(١). قال القرطبي:
القادح في خلافة الصديق مقطوع بخطئه وفسقه، وهل يكفر أم لا؟
لا سيما وقد انعقد إجماع الصحابة على ذلك من غير مخالف(٢).
فصل :
وفيه من الفوائد: الغيرة، وقد سلف الكلام على ذلك.
فصل :
والراوي عن ابن مسعود: الحارث بن سويد وهو أبو عائشة التيمي،
تيم الرباب كما في تلميذه إبراهيم التيمي.
فصل :
قوله: في (زمن حجة الوداع)، قد سلف غير مرَّة أنه كذا في
((الموطأ))(٣)، وأن سفيان قال: كان ذلك يوم الفتح، والصواب الأول.
فصل :
قوله فيه: (أفأتصدق بثلثي مالي. قال: ((لا))) احتج به أهل الظاهر
على أن من أوصى بأكثر من ثلثه لا يجوز، وإن أجازه الورثة، قالوا:
ولم يقل: إن أجازه ورثتك جاز.
(١) ((مسلم بشرح النووي)) ١٥٥/١٥ -١٥٦.
(٢) ((المفهم)) ٦/ ٢٥٠.
(٣) ((الموطأ)) ص٤٧٦.

٣٠٩
= كِتابُ المَرْضَى
وهذا لا دليل فيه؛ لأنه العليا لم يتكلم على إجازة الورثة، وإنما
يتكلم على ما يفعله الموصي ولا يفتقر إلى غيره فيه.
وقوله: ((والثلث كثير)). قال به إسحاق، وقال جماعة: الخمس:
ومنهم من أستحب أقل من الثلث.
وقوله: ( ((إن تذر ورثتك أغنياء .. ))) الحديث.
احتج به لابن مسعود وإسحاق في قولهما أنه إذا لم يترك وارثًا أنه
يجوز له أن يوصي بجميع ماله، والفقهاء على خلافه.
قيل: وذلك إذا كان بيت المال بيد عدلٍ.
وذكر عن الشيخ أبي القاسم السيودي أنه أوصى بجميع تركته لعلماء
القيروان سوى ميراث زوجته لما كان القيروان بيد العرب، وجعل
القاضي حكم بذلك في حياته، وأفتى المتأخرون من الشافعية أنه إذا
لم ينتظم أمر بيت المال بالرد على أهل الفرض غير الزوجين ما فضل
عن فروضهم بالنسبة فإن لم يكونوا صرف إلى ذوي الأرحام(١).
فصل :
والعالة: الفقراء، ففيه فضل الكفاف على الفقر، ومعنى
( (يتكففون))): يمدون أيديهم ليسألوا الناس.
وفيه أن يد المتصدق أفضل من يد المتصدق عليه.
وقوله: ( ((لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله))) فيه أن روح العمل
النيّة، وأنه تعالى لا يثيب إلّا بما قصد به وجهه.
وقوله: ((حتى ما تجعل في فِي امرأتك)))، فيه دلالة على وجوب
نفقة الزوجة.
(١) ((إعانة الطالبين)) ٢٦٤/٣.

٣١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
١٧ - باب قَوْلِ المَرِيضِ: قُومُوا عَنِّي
٥٦٦٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ مَعْمَرٍ.
وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: لَمَا حُضِرَ رَسُولُ اللهِ وَ
وَفِي البَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الَخَطَّابِ، قَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((هَلُمَّ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا
لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ)).
فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َلَّ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الوَجَعُ وَعِنْدَكُمُ القُرْآنُ، حَسْبُنَا كِتَابُ
اللهِ. فَاخْتَلَفَ أَهْلُ البَيْتِ، فَاخْتَصَمُوا، مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمُ النَّبِيُّ ◌َّ
كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَا قَالَ عُمَرُ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغْوَ وَالإِخْتِلَافَ
عِنْدَ النَّبِيِّ ◌َّ، قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: ((قُومُوا)).
قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: فَكَانَ ابن عَبَّاسِ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولٍ
اللهِ وَّهِ وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الكِتَابَ مِنِ اَخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ. [انظر: ١١٤ - مسلم:
١٦٣٧ - فتح ١٢٦/١٠]
ذكر فيه حديث ابن عباس رضي الله عنهما لَمَّا حُضِرَ النبي ◌َّ وَفِي
البَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، قَالَ رَّهِ: ((هَلُمَّ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا .))
الحديث .
وقد سلف في باب: كتابة العلم من كتاب العلم والمغازي، ويأتي
في الاعتصام في باب النهي (على)(١) التحريم إلَّا ما يعرف إباحته(٢).
وفيه: من الفقه أن المريض إذا اشتدَّ به المرض أنه يجوز أن يقول
(١) في هامش الأصل: كذا في أصله، وكذا هو في أصل لنا دمشقي (عن) ولكني
أحفظه كما أثبته (على) وهو أظهر في المعنى. قلت: وهو موافق لما في (ص٢).
(٢) سلف برقم (١١٤) كتاب: العلم، وفي المغازي برقم (٤٤٣١) باب: مرض النبي
* ووفاته وسيأتي في الاعتصام برقم (٧٣٦٦) باب: كراهية الاختلاف.

٣١١
كِتابُ المَرْضَى
=
لزواره: قوموا عنِّي ويأمرهم بالخروج؛ لينفرد بالطاقة ويمرضه من يخف
عليه مباشرته له من أهله وذوي رحمه، ولا يعد ذلك جفاء على الزائرين،
بل الجفاء منهم هو طول الجلوس عنده إذا اشتدَّ مرضه، والصواب لهم:
تخفيف القعود عنده وترك إحراجه بأذاه.
(وهلم) هنا قال ابن التين: إنها بمعنى: تعال. قال الخليل: أصلها
(لم) من قولهم لمَّ الله شعثه أي: جمعه؛ لأنه أراد لم نفسك إلينا (أي:
قرِّب)(١). و(ها) للتنبيه، وحذفت ألفها لكثرة الاستعمال وجعلا اسمًا
واحدًا يستوي فيه المذكر والمؤنث والجماعة في لغة أهل الحجاز،
وأهل نجد يصرفونها فيقولون للاثنين: هلمًّا. وللجماعة: هلقُوا.
وللمؤنث : هلمي.
والأول أفصح؛ لقوله تعالى: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]. قاله
الجوهري
(٢)
.
وقال ابن فارس: أصلها (هل أم) كلام من يريد (إتيان)(٣) الطعام،
ثم كثرت حتى تكلم بها الداعي مثل قوله تعال وحئ كأنه يقولها من كان
أسفل لمن فوق.
قال: ويحتمل أن يكون معناها: هل لك في الطعام ألم أي: اقصد
واذنُ (٤).
وذكر صاحب ((العين)) ثم ((البارع)) هُذِه المادة في باب الهاء واللام
والميم (٥).
(٥)
(١) من (غ).
(٢) انظر: ((الصحاح)) ٢٠٦٠/٥ مادة: [هلم].
(٣) من (غ).
(٥) ((العين)) ٤ /٥٦.
(٤) ((مجمل اللغة)) ٢ /٩٠٧.

٣١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قال الزبيدي في ((مستدركه)): وهو غلط من أبي علي القالي؛ لأن
هلم ليس من هذا الباب عند النحويين الحداق، وإنما هي من كلمتين
كان الأصل فيها لم وصلت بالهاء وصيرتا بمنزلة كلمة واحدة فليست
من هذا الباب في شيء؛ لأن الهاء للتنبيه وهي وليدة.
وفي ((المحكم)) عن اللحياني أن من العرب من يقول: هلم، بنصب
(اللام)(١)(٢).
فصل :
قوله: ((ائتوني بكتاب)).
قال الشيخ أبو الحسن: يحتمل أن يكون على معنى جهة طرح
المسائل عليهم لتخييرهم لا على عزيمةٍ وإلزام، فلما طرح عليهم هذا
السؤال نظر أهل الفقه والفطنة، فقالوا: حسبنا كتاب الله ربنا فما كان
من حادثة لجئوا إليه ليستنبطوا منه حكمها وامتنعوا أن يختاروا أن
يكتب لهم حدا لعلمهم بعلة استقرار الناس مع التحذير، وهذا من دقة
الفقه، ونظر القَّ إلى الطائفة الأخرى التي هي دون هذِه في الفقه
فعلم مبلغ إدراكها وتركه أن يكتب جوابًا لهم، واختار إلى رأيه
والمنع من الكتابة؛ ودليل ذلك أن قوله القفيها: ((ائتوني بكتاب)) لو كان
بجزمه لما ترك أن يكتب ولا منعه اختلافهم.
فصل :
اللغط بالتحريك: الصوت والجلبة، وقد لغطوا يلغطون لَغْطَا ولَغَطًا
ولغاطًا .
(١) ((المحكم)) ٢٣٤/٤، ٢٣٥.
(٢) في الأصل: (الألف)، والمثبت من (غ) وهو الموافق لما في ((المحكم)).

٣١٣
- كِتابُ المَرْضَى
١٨ - باب مَنْ ذَهَبَ بِالصَّبِيِّ المَرِيضِ لِيُدْعَى لَهُ
٥٦٧٠ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ - هُوَ ابن إِسْمَاعِيلَ - عَنِ
الْجَعَيْدِ قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ يَقُولُ: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلَه فَقَالَتْ:
يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابن أُخْتِي وَجِعٌ. فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِيٍ بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ
مِنْ وَضُوئِهِ، وَقُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلَ زِرِّ الحَجَلَةِ.
[انظر: ١٩٠ - مسلم: ٢٣٤٥ - فتح ١٢٧/١٠]
حدثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، أي بالحاء والزاي ثنا حَاتِمٌ -هُوَ
ابن إِسْمَاعِيلَ - عَنِ الجُعَيْدِ قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ يَقُولُ: ذَهَبَتْ بِي
خَالَتِي إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابن أُخْتِي وَجِعٌ.
فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، وَقُمْتُ
خَلْفَ ظَهْرِهِ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلَ زِرِّ الحَجَلَةِ.
الشرح :
هذا الحديث سلف في الطهارة وفي صفة رسول الله وَّليده في
موضعين، ويأتي في الدعوات، وأخرجه مسلم والترمذي وقال: حسن
غريب من هذا الوجه، ورواه النسائي وأغفله ابن عساكر(١).
وقد سلف أنه يقال: الجعيد، والجعد. وأنه ليس له في مسلم سوى
هذا .
(١) سلف برقم (١٩٠) كتاب: الوضوء، باب: استعمال فضل وضوء الناس.
وسلف في المناقب برقم (٣٥٤٠، ٣٥٤١) باب: خاتم النبوة وسيأتي برقم
(٦٣٥٢) كتاب: الدعوات، باب: الدعاء للصبيان بالبركة ومسح رءوسهم.
وأخرجه مسلم (٢٣٤٥) كتاب: الفضائل، باب: إثبات خاتم النبوة وصفته
ومحله، والترمذي (٣٦٤٣) والنسائي في ((الكبرى)) ٣٦١/٤.

٣١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
رواه عن محمد بن عباد، عن حاتم بن إسماعيل.
والزر: واحد الأزرار التي تشد بها النعال والستور على ما يكون في
حجلة العروس.
والحجلة بالتحريك: بيت كالقبة يستر بالثياب ويكون له أزرار كثار،
ويجمع على: حجالة.
ومنه الحديث ((اعروا النساء يلزمن الحجال))(١)، وقيل: إنما هو
بتقديم الراء على الزاى مأخوذ من أرزت الجرادة ورزت إذا أدخلت
ذنبها في الأرض لتلقي فيها بيضها .
ويريد بالحجلة: القبحة لهذا الطائر المعروف، والجمع: حجل
بالتحريك.
ويشهد له ما رواه الترمذي من حديث جابر بن سمرة # كان خاتم
النبي ◌ّ﴾ الذي بين كتفيه غدة حمراء مثل بيضة الحمامة(٢).
وقال ابن التين: الحجلة بالتحريك: واحدة حجال العروس ..
(١) رواه الطبراني في ((الكبير)) ٤٣٨/١٩ وفي ((الأوسط)) ٢٥٦/٣ من حديث بكر بن
سهل، عن شعيب بن يحيى، عن يحيى بن أيوب، عن عمرو بن الحارث، عن
مجمع بن كعب، عن مسلمة بن مخلد؛ رفعه.
وقال الهيثمي في ((المجمع)) ١٣٨/٥: في إسناده مجمع بن كعب ولم أعرفه، وبقية
رجاله ثقات وقال ابن حجر في ((لسان الميزان)) لم ينفرد به بكر بن سهل فقد أخرجه
ابن عساكر في ((أماليه)) وقال: حديث حسن اهـ بتصرف ٢/ ٥٢.
وقال الشوكاني في ((الفوائد المجموعة)) لا أصل له وتعقبه المعلمي اليماني في
تخريجه له فقال: رواه الطبراني في ((الأوسط)) وغيره. وضعفه الألباني في
((الضعيفة)) (٢٨٢٧).
(٢) ((سنن الترمذي)) (٤٦٤٤) وهو عند مسلم (٢٣٤٤) كتاب الفضائل، باب: إثبات
خاتم النبوة وصفته ومحله من جسده.

٣١٥
=
كِتابُ المَرْضَى
قال الداودي: هو مثل البندقة، ومن رواه: بضم الحاء يقول:
كحجلة العرس وهي الشعر المجتمع في مؤخر الحافر.
واعترض ابن التين فقال: هذا لم يذكره أهل اللغة.
فصل :
لا بأس بالذهاب بالصبيان إلى الصالحين وأهل الفضل رغبة في
بركة دعائهم والانتفاع بهم.
ألا ترى أن هذا الصبي مسح رسول الله وَل رأسه ودعا له وسقاه من
وضوئه فبرئ حين قام خلف ظهره، ورأى بين كتفيه خاتم النبوَّة.
وفيه أنَّ شرب صاحب الوجع من وضوء الرَّجل الفاضل مما يذهب
وجعه .

٣١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
١٩ - باب تَمَنِّي المَرِيضِ المَوْتَ
٥٦٧١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، حَدَّثَنَا ثَابِتُ البُتَانِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ
قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ مِنْ ضُرِّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا
فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَنِي إِذَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيْرًا
لِي)). [٦٣٥١ - ٧٢٣٣ - مسلم: ٢٦٨٠ - فتح ١٢٧/١٠]
٥٦٧٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِ خَالِدِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي
حَازِمٍ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى خَبَّابٍ نَعُودُهُ - وَقَدِ أَكْتَوِىُ سَبْعَ كَيَاتٍ - فَقَالَ: إِنَّ أَصْحَابَنَا
الذِينَ سَلَفُوا مَضَوْا وَلَمْ تَنْقُصْهُمُ الدُّنْيَا، وَإِنَّا أَصَبْنَا مَا لَ نَجِدُ لَهُ مَوْضِعًا إِلَّ التُّرَابَ،
وَلَوْلَا أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ نَهَنَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ، ثُمَّ أَتَيْنَاهُ مَرَّةً أُخْرِى وَهْوَ يَبْنِي
حَائِطَا لَهُ فَقَالَ: إِنَّ المُسْلِمَ يُؤْجَرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ يُنْفِقُهُ إِلَّ فِي شَيْءٍ يَجْعَلُهُ في هذا
التُّرَابِ. [٦٣٤٩، ٦٣٥٠، ٦٤٣٠، ٦٤٣١، ٧٢٣٤ - مسلم: ٢٦٨١ - فتح ١٢٧/١٠]
٥٦٧٣ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَنِي أَبُو عُبَيْدٍ -
مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ- أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَّ يَقُولُ: ((لَنْ
يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الجَنَّةَ)). قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((لَا، وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ
يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَلَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ، إِمَّا
مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ)). [انظر: ٣٩ - مسلم:
٢٨١٦ -فتح ١٠/ ١٢٧]
٥٦٧٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ
عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وََّ وَهُوَ
مُسْتَنِدٌ إِلَيَّ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ أَغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الأَعْلَى)). [انظر:
٤٤٤٠ -مسلم: ٢٤٤٤- فتح ١٢٧/١٠]
ذكر فيه أحاديث :

٣١٧
كِتابُ المَرْضَى
=
أحدها :
حديث أنس مرفوعًا ((لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ مِنْ ضُرِّ أَصَابَهُ،
فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الحَيَاةُ خَيْرًا لِي،
وَتَوَقَّنِي إِذَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيْرًا لِي))
وأخرجه مسلم والأربعة، في الدعوات(١).
ثانیھا :
حديث قيس بن أبي حازم، عن خباب، وعن أبيه، عنه: وَلَوْلَا أَنَّ
النَّبِيَّ ◌َ نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ، ثُمَّ أَتَيْنَاهُ مَرَّةً أُخْرِى وَهْوَ يَبْنِي
حَائِطًا لَهُ فَقَالَ: إِنَّ المُسْلِمَ يُؤْجَرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ يُنْفِقُهُ إِلَّا فِي شَيْءٍ يَجْعَلُهُ
فِي هُذا التُّرَابِ.
ويأتي في الدعوات والرقاق(٢)، وأخرجه مسلم والنسائي والترمذي
وابن ماجه(٣).
ثالثها :
حديث أبي هريرة عُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَهِ يَقُولُ: ((لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا
عَمَلُهُ الجَنَّةَ)). قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ
يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِفَضْلِ وَرَحْمَةٍ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَلَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ
المَوْتَ، إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ)).
(١) مسلم (٢٦٨٠) كتاب: الذكر والدعاء، باب: كراهة تمني الموت لضر نزل به،
وأبو داود (٣١٠٨) والترمذي (٩٧١)، والنسائي ٣/٤، وابن ماجه (٤٢٦٥).
(٢) سيأتي في الدعوات (٦٣٤٩)، باب: الدعاء بالموت والحياة وفي الرقاق
(٦٤٣٠، ٦٤٣١) باب: ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها.
(٣) مسلم (٢٦٨١) كتاب: الذكر والدعاء، باب: كراهة تمني الموت لضر نزل به
والترمذي (٩٧٠)، والنسائي ٤/٤ وابن ماجه (٤١٦٣).

٣١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
=
رابعها :
حديث عائشة رضي الله عنها سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَّهِ وَهْوَ مُسْتَئِدٌ إِلَيَّ يَقُولُ:
((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الأَعْلَى)).
الشرح :
في الباب -أيضًا- عن جابر وأم الفضل، أخرج الأول: ابن أبي
شيبة، عن وكيع، عن كثير بن زيد، عن سلمة بن أبي زيد عنه
مرفوعًا: ((لا تمنوا الموت فإن هول المطلع شديد وإن من سعادة المرء
أن يطول عمره ويرزقه الله الإنابة))(١).
وأخرج الثاني: بقي بن مخلد، عن ابن رمح: ثنا الليث: ثنا
ابن الهادي، عن هند -ابنة الحارث- عنها: أنه العملية قال للعبَّاس:
((يا عم رسول الله لا تَمَنَّ الموت، فإنك إن كنت محسنًا فإن تؤخر تزدد
إحسانًا إلى إحسانك، وإن كنت مسيئًا فإن تؤخر تستعتب خيرًا لك)).
وروى الترمذي من حديث أبي بكرة ه أن رجلًا قال: يا رسول
الله، أيُّ الناس خير؟ قال: ((من طال عمره وحسن عمله))، قال: فأيّ
الناس شرّ؟ قال: ((من طال عمره وساء عمله))، ثم قال: حديث حسن
صحيح (٢). وقال الحاكم: صحيحٌ على شرط مسلم (٣) .
وأمَّا حكم الباب: فنهى العَيْه أمته عن تمني الموت عند نزول البلاء
بهم وأمرهم أن يدعوا بالموت ما كان الموت خيرًا لهم.
(١) رواه ابن أبي شيبة من طريق كثير بن زيد، عن الحارث بن أبي يزيد، عن جابر
مرفوعًا بلفظ ((إن من سعادة مرء أن يطول عمره ويرزقه الله الأنابة)).
(٢) ((سنن الترمذي)) (٢٣٣٠).
(٣) ((المستدرك)) ٣٣٩/١.

٣١٩
ـ كِتابُ المَرْضَى
وقد سلف في حديث أبي هريرة معللًا، قيل: إنه منسوخ.
يقول يوسف وَالّ: ﴿تَوَقَّنِى مُسْلِمًا﴾ [يوسف: ١٠١] ويقول سليمان
وَهُ: ﴿وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِىِ عِبَادَِ الصَّلِحِينَ﴾ [النمل: ١٩].
وبحديث الباب: (((وألحقني بالرفيق .. ))) قالوا: ودعا عمر
بالموت، وعمر بن عبد العزيز وليس كذلك؛ لأن هؤلاء، إنما سألوا
ما قارن الموت، فالمراد بذلك ألحقنا بدرجاتهم، قلت: ولعل المراد
إذا توفيتني فافعل ذلك، فهو دعاء لا تمن.
وكذا قوله: ((وألحقني بالرفيق))، لأنه أخبر أن الأنبياء تخير، وقال:
ذلك عند التخيير.
وتحقق الوفاة في يومه؛ لمجيء الملائكة المبشرين له بلقاء ربه،
وبما أعدَّ له.
ألا ترى إلى قوله لفاطمة: ((لا كرب على أبيك بعد اليوم))(١).
فإن قلت: الحديث جاء بلفظ (لعلَّ) وهي موضوعة لغير التحقيق،
قلت: هي في كلام الشارع كلفظ الباري تعالى، ثم إن في مسلم بلفظ
(إن) التي موضوعة للتحقيق فزال ما توهم، وتمني عمر في إسناده
علي بن زيد وهو ضعيف، رواه معمر عنه عن الحسن، عن سعيد بن
أبي العاصي قال: رصدت عمر ليلة فخرج إلى البقيع - وذلك
في السحر- فاتبعته فصلَّى ثم رفع يديه فقال: اللهمَّ كبرت سنِّ
وضعفت قوتي وخشيت الانتشار من رعيتي فاقبضني إليك غير عاجز
ولا ملوم.
(١) رواه ابن ماجه (١٦٢٩).

٣٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قال الزهري، عن ابن المسيب: فما أنسلخ الشهر حتى مات(١).
وتمنَّاه عليٍّ ﴾ أيضًا، أخرجه معمر - أيضًا- عن أيوب، عن
ابن سيرين، عن عبيدة قال: سمعت عليًّا يخطب، فقال: اللهمَّ
إني قد سئمتهم وسئموني، فأرحني منهم وأرحهم مني ما يمنع أشقاكم
أن يخضبها بدم وأشار إلى لحيته(٢). وحملها الطبري على أنهما
خشيا المصاب في الدين.
وحديث (الشارع)(٣) على المصاب في الدنيا، ويشهد لصحة ذلك
قوله: وإذا أردت بالناس فتنة فاقبضني إليك غير مفتون، فاستعمل
عمر هذا المعنى حين خشي عند كبر سنه وضعف قوته أن يعجز عن
القيام بما فرض عليه من أمر الأمة أو أن يفعل ما يلام عليه دنيا وأخرى.
فأجاب دعاءه. وكذا خشي علي من السآمة من الجهتين أن يحملهم
على ما يؤول إلى سخط الرب جلَّ جلاله فكان ذلك من قبلهم فقتلوه
وتقلدوا دمه، وباءوا بإثمه، وهو إمامٌ عدلٌ بر تقي لم يستحق منه
ما يستحق عليه التأنيب فضلًا عن غيره، فلذلك سأل الإراحة منهم.
فصل :
مراد خباب البنيان الذي لا يحتاج إليه وبه صرّح ابن بطال.
قال: ومعنى الحديث: أن من بنى ما يكفيه ولا غنى به عنه،
فلا يدخل في معنى الحديث بل هو مما يؤجر فيه، وإنما أراد خباب
من بناء ما يفضل عنه ولا يضطر إليه، فذلك الذي لا يؤجر عليه؛ لأنه
(١) ((مصنف عبد الرزاق)) ٣١٥/١١ (٢٠٦٣٩).
(٢) رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) ١٥٤/١٠.
(٣) من (غ).