Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
٤١
كِتَابُ الذَّبَائِحِ والصَّيْدِ
=
الإهاب فقد طهر))(١) .
وصالح السالف هو ابن كيسان، ولم يذكر في حديثه الدباغ وتابعه
مالك(٢) ومعمر(٣) ويونس(٤) وذكره ابن عيينة(٥) والأوزاعي(٦) والزبيدي(٧)
وعقيل(٨) عن الزهري به، وذكره أيضًا في الحديث الذي أوردناه وهو
ثابت محفوظ، وهو معنى: ((هلَّا أَستمتعتم بإهابها)). يعني: بعد
الدباغ؛ لأنه معلوم أن تحريم الميتة قد جمع إهابها وعصبها ولحمها،
فإنما أباح الانتفاع بجلدها بعد دباغة بدليل الحديث الذي أوردناه،
وبدليل حديث عائشة رضي الله عنها أنه التّه أمر أن يستمتع بجلود
الميتة إذا دبغت ذكره مالك في ((الموطأ))(٩)، وعلى هذا جمهور
العلماء وأئمة الفتوى، وذكر ابن القصار أنه آخر قول مالك، وهو
قول أبي حنيفة والشافعي، وروي عن ابن شهاب أنه أباح الانتفاع بها
قبله مع كونها نجسة (١٠) .
وأما أحمد فذهب إلى تحريم الجلد وتحريم الانتفاع به قبل الدباغ
(١) مسلم (٣٦٦/ ١٠٥) كتاب: الحيض، باب: طهارة جلود الميتة بالدباغ.
(٢) ((الموطأ)» ص ٣٠٨ (١٦).
(٣) رواه أبو داود (٤١٢١).
(٤) سلف برقم (١٤٩٢)، ورواه مسلم (١٠١/٣٦٣).
(٥) رواه مسلم (٣٦٣/ ١٠٠)، وأبو داود (٤١٢٠).
(٦) رواه أحمد ٣٢٩/١ - ٣٣٠، وأبو يعلى ٣٠٨/٤ (٢٤١٩)، وابن حبان ٩٨/٤ -٩٩
(١٢٨٢) وليس فيه ذكر الدباغ.
(٧) رواه الدارمي ١٢٦٥/٢ (٢٠٣٢).
(٨) رواه الدار قطني ٤١/١، والبيهقي ٢٠/١.
(٩) ((الموطأ)» ص٣٠٨ (١٨)، ورواه أيضًا أبو داود (٤١٢٤)، والنسائي ١٧٦/٧،
وأحمد ٦/ ٧٣.
(١٠) أنظر قول ابن شهاب في ((عيون الأدلة)) ٨٨٦/٢، ((الأوسط)) ٢٥٩/٢، ٢٦٨.

٥٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وبعده(١)، واحتج بحديث ابن عكيم: قرئ علينا كتاب رسول الله وَله :
((لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب))(٢).
قلت: لكنه ضعيف كما أوضحناه في الزكاة.
قال ابن بطال: وهو في الشذوذ قريب من الذي قبله، وعن مالك أن
جلودها لا تطهر بالدباغ. وأجاز استعمالها في الأشياء اليابسة وفي الماء
خاصة من بين سائر المائعات، فخالف أحمد في استعمالها(٣) وعنه
أيضًا: إذا دبغ استعمل فيما عدا المائعات (٤)، وهو عنده نجس(٥)
وروى عنه ابن عبد الحكم أنه يطهر طهارة كاملة ويباع ويؤكل(٦)،
وهو قول أبي حنيفة والشافعي(٧).
وقال الأوزاعي وأبو ثور: يطهر جلد المأكول به دون ما لا يؤكل(٨)،
وحكاه أشهب عن مالك(٩) فيما حكاه ابن التين.
(١) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ١/ ١٦٠، ((الأم)) ٧٨/١، ((المغني)) ٨٩/١.
(٢) رواه أحمد في ((مسنده)) ٣١٠/٤، ورواه أيضًا أبو داود (٤١٢٨)، والترمذي
(١٧٢٩)، والنسائي ٧/ ١٧٥، وابن ماجه (٣٦١٣). وحسنه الترمذي وقال: سمعت
أحمد بن الحسن يقول: كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا الحديث لما ذُكر فيه قبل
وفاته بشهرين، وكان يقول: كان هذا آخر أمر النبي ◌َّر، ثم ترك أحمد بن حنبل هذا
الحديث لما أضطربوا في إسناده، حيث روى بعضهم فقال: عن عبد الله بن عكيم عن
أشياخ لهم من جهينة. اهـ وانظر تمام تخريجه في ((البدر المنير)) للمصنف ١/ ٥٨٧،
((التلخيص الحبير)) ٤٦/١ (٤١)، وصححه الألباني في ((الإرواء)) (٣٨).
(٣) ((شرح بن بطال)) ٤٤٣/٥.
(٤) انظر: ((الروايتين والوجهين)) ٦٧/١.
(٦) أنظر: ((التمهيد)) ١٥٦/٤.
(٥) يقصد المصنف: عند مالك.
(٧) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ١/ ٥٧، ((مختصر المزني)) ص١.
(٨) أنظر: عيون الأدلة)) ٨٨٦/٢، ((المجموع)) ٢٧٠/١، ((المغني)) ٩٤/١.
(٩) انظر: ((التمهيد)) ١٦٢/١.

٥٢٣
كِتَابُ الذَّبَائِحِ والضَّيْدِ
-
وفي المسألة أكثر من ذلك أسلفته فيما مضى في الكتاب المذكور واضحًا .
حجة الجمهور أنه معلوم أن قوله: ((إذا دبغ الإهاب)) هو ما لم يكن
طاهرًا من الأهب كجلود الميتات، وما لم تعمل فيه الذكاة من الدواب
والسباع؛ لأن الطاهر لا يحتاج إلى الدباغ (للتطهير) (١) ومحال أن يقال
في الجلد الطاهر: إذا دبغ فقد طهر، (فقوله)(٢): ((فقد طهر)) نص ودليل،
فالنص طهارة الإهاب بالدباغ، والدليل منه أن كل إهاب لم يدبغ فليس
بطاهر وإذا لم يكن طاهرًا فهو نجس محرم، وإذا كان ذلك كذلك كان
هذا الحديث مبينًا لحديث ابن عباس، وبطل بنصه قول من قال: إن جلد
الميتة لا ينتفع به بعد الدباغ، وبطل بالدليل منه قول من قال: إن جلد
الميتة إن لم يدبغ ينتفع به .
قال أبو عبد الله المروزي: وما علمت أحدًا قال به قبل الزهري(٣).
وقال الطحاوي: لم نجد عن أحد من الفقهاء جواز بيع جلد الميتة
قبل الدباغ إلا عن الليث، رواه عنه ابن وهب (٤).
قال ابن القصار: وإنما أعتمد الزهري في ذلك على رواية في حديث
ابن عباس ((ما على أهلها لو أخذوا إهابها فانتفعوا به)). ولم يذكر
(فدبغوه)، فدل على أنه يجوز الانتفاع به قبل الدباغ فيقال: قد روى عنه
ابن عيينة والأوزاعي وغيرهما الحديث وقالوا فيه: ((فدبغوه وانتفعوا
به)) فإذا كان الزهري الراوي للحديثين أخذنا بالزائد منهما(٥)، ومن
(١) من (غ).
(٢) في الأصول: بقوله. والمثبت الأنسب للسياق.
(٣) أنظر: ((التمهيد)) ١٥٤/٤.
(٤) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٦٠/١-١٦١ بنحوه.
(٥) ((عيون الأدلة)) ٢ / ٩٠٥ - ٩٠٦.

٥٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
أثبت شيئًا حجة على من قصّر عنه ولم يحفظه، وأيضًا فإن الدباغ قد جاء
من طرق متواترة عن ابن عباس من غير طريق الزهري، روى ابن جريج
وعمرو بن دينار، عن عطاء، عنه، عن النبي ◌َّر أنه مر بشاة مطروحة من
الصدقة، قال: ((أفلا أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به)) (١).
وروى الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة رضي الله
عنها مرفوعًا: ((دباغ جلد الميتة ذكاته))(٢).
واحتج أيضًا بقوله: ((إنما حرم من الميتة أكلها)) وظاهره أنه لا يحرم
فيها شيء غيره.
قال الطحاوي: وأما حديث ابن عكيم فيحتمل أن يكون مخالفًا
الأحاديث الدباغ، ويكون معناه قبلها، فإنه قد كان سئل عن الانتفاع
بشحم الميتة فأجاب فيها بمثل هذا .
وروى ابن وهب، عن زمعة بن صالح، عن أبي الزبير، عن جابر أن
ناسًا أتوا رسول الله وَّ فقالوا: يا رسول الله، إن سفينة لنا أنكسرت،
وإنا وجدنا ناقة سمينة ميتة فأردنا أن ندهن بها. فقال العملية: ((لا تنتفعوا
بشيء من الميتة))(٣). فأخبر جابر بالسؤال الذي كان قوله: ((لا تنتفعوا
بالميتة)) جوابًا له أن ذلك كان على النهي عن الانتفاع بشحومها، فأما
ما دبغ منها وعاد إلى معنى الأهب فإنه يطهر بذلك على ما تواترت به
(١) طريق ابن جريج، رواه أحمد ٢٢٧/١، وطريق عمرو بن دينار رواه مسلم (٣٦٣/
١٠٢).
(٢) رواه النسائي ٧/ ١٧٤ من طريق شريك، وإسرائيل، عن الأعمش به بلفظ ((ذكاة
الميتة دباغها».
(٣) رواه الطبري في (تهذيب الآثار)) (١٢٢١) مسند ابن عباس والطحاوي في ((شرح
معاني الآثار)) ٤٦٨/١، وذكره المتقي الهندي في ((كنز العمال) ٤٤٣/١٥
(٤١٧٥٧) وعزاه إلى ابن جرير، وقال: وسنده حسن.

٥٢٥
= كِتَابُ الذَّبَائِحِ والصَّيْدِ
الآثار، وعلى هذا لا تتضاد الآثار(١).
قال المهلب: وحجة مالك في كراهية الصلاة عليها وبيعها وتجويز
الانتفاع بها في بعض الأشياء أنه القليل أهدى حلة من حرير لعمر وقال له:
((لم أعطكها لتلبسها، ولكن لتبيعها أو تكسوها)) (٢) فأباح له التصرف فيها
في بعض الوجوه، فكذلك جلد الميتة ينتفع به في بعض الوجوه دون
بعض .
قال ابن القصار: وأما قول الأوزاعي وأبي ثور السالف فاحتجوا
بما رواه أبو المليح الهذلي عن أبيه أنه الكلية نهى عن افتراش جلود
السباع (٣)، ولم يفرق بين أن تكون مدبوغة أو غير مدبوغة وقال القائلة:
((دباغ الأديم طهوره) (٤) فأقام الدباغ مقام الذكاة؛ ولأنه يعمل عملها،
فلما لم تعمل الذكاة فيما لا يؤكل لحمه لم يعمل الدباغ فيه، والحجة
عليهما حديث الباب الذي أسلفته، وإنما نهى عن افتراش جلود
السباع التي لم تدبغ.
وأما قولهم: إن الذكاة لا تعمل في السباع فممنوع، بل تعمل فيها،
ويستغنى بها عن الدباغ، إلا الخنزير(٥). قلت: وإلا الكلب عندنا (٦).
(١) ((شرح معاني الآثار)) ١/ ٩٦٨ - ٩٦٩.
(٢) سيأتي برقم (٥٩٨١) كتاب: الأدب، باب: صلة الأخ المشرك، ورواه مسلم
(٢٠٦٨). كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم استعمال إناء الذهب والفضة ..
(٣) رواه أبو داود (٤١٣٢)، والترمذي (١٧٧٠/م٢)، والنسائي ١٧٦/٧، وأحمد
٧٤/٥، وصححه الألباني في ((صحيح الترمذي)) (١٤٥٠).
(٤) رواه أحمد ١/ ٣٤٢، ورواه مسلم (٣٦٦) كتاب: الحيض، باب: طهارة جلود
الميتة، بلفظ: ((إذا دبغ الإهاب فقد طهر))، وفي رواية: ((دباغه طهوره). جميعًا من
حديث ابن عباس.
(٥) ((عيون الأدلة)) ٢ / ٩٠٢ -٩٠٤.
(٦) انظر: ((المجموع)) ٢٧٠/١.

٥٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وحكى أبو حامد عن مالك عدم استثناء الخنزير، وهو ظاهر إيراد
ابن الجلاب(١)، وإنما لم يعمل فيها؛ لأنها محرم العين عن أبي
يوسف وأهل الظاهر أن جلد الخنزير يطهره الدباغ(٢). وهو قول
سحنون ومحمد بن عبد الحكم (٣)، وحكاه أبو حامد عن مالك كما
سلف، واحتجوا بعموم: ((أيما إهاب دبغ فقد طهر)) والصواب قول
الجمهور.
والفرق بين الخنزير وغيره أن النص ورد بتحريمه، والإجماع حاصل
على المنع من اقتنائه فلم تعمل الذكاة في لحمه ولا جلده، فكذلك
الدباغ لا يطهر جلده، وأجاز مالك والكوفيون والأوزاعي الخرازة
بشعره ومنعه الشافعي لتحريم عينه (٤).
فرع :
الدبغ عندنا نزع فضول الجلد بالأشياء الحريفة كالشب والشث
والقرظ ونحوها، بحيث أنه إذا (وقع)(٥) في الماء لا يعود إلى نتنه
وفساده، ولا يكفي التتريب والتشميس، ولا يرجع في ذلك إلى أهل
الصنعة على الأصح(٦). وقال ابن التين: اختلف فيما يدبغ فقيل:
ما يمنع الجلد من الفساد. وقيل: ما ينقله إلى أن تتخذ منه الأسقية
والأدم.
(١) «التفريع)) ٤٠٨/١.
(٢) أنظر: (بدائع الصنائع)) ٨٦/١، ((المحلى)) ١١٨/١.
(٣) أنظر: ((التمهيد)) ١٧٨/٤.
(٤) أنظر: ((بدائع الصنائع)) ٦٣/١، ((المنتقى)) ١٣٧/٣، ((البيان)) للعمراني ٧٥/١.
(٥) ورد بهامش الأصل: لعله : نقع.
(٦) قال النووي في المجموع ٢٧٨/١: قال القاضي أبو الطيب والمرجع فيه إلى أهل
الصنعة. هذا هو المذهب وهو الذي نص عليه الشافعي. اهـ.

٥٢٧
ـ كِتَابُ الذَّبَائِحِ والضَّيْدِ
وقيل: القرظ: العفص(١)، ونحوها، وعند أبي حنيفة: إذا جعله في
الشمس حتى ينشف أنتفع به بكل حال وطهر.
فائدة :
الإهاب: الجلد ما لم يدبغ. قاله في ((الصحاح)) (٢) وقال ابن
فارس، والقزاز: هو الجلد مطلقًا وإن دبغ. وجمعه: أهب بفتح
الهمزة والهاء على غير قياس مثل أدم، وقالوا أيضًا أُهب بضم
الهمزة، و(هذا)(٣) على الأصل (٤).
أخرى: قوله: (بعنز ميتة) هي واحدة المعز، وهي بفتح العين
وسكون النون، وميتة بالتخفيف والتثقيل سواء، هذا قول أكثر أهل
اللغة، وقد جمعهما الشاعر في قوله :
لیس من مات
. البيت(٥) .
وقيل: بالتخفيف لمن مات، وبالتشديد لمن لم يمت بعد، قال
®﴾ [الزمر : ٣٠] قال أبو عمرو:
تعالى: ﴿إِنَّكَ مَّتُ وَإِنَّهُم ◌َِّّتُونَ
الكوفيون وحذاقُ أهل اللغة يقولون: إنهما واحد.
(١) قاله الخليل في ((العين)) ٣٩٥/٤.
(٢) ((الصحاح)) ٨٩/١ مادة [أهب].
(٣) من (غ).
(٤) ((مجمل اللغة)) ١٥١/١.
(٥) الشاعر هو: عدي بن الرعلاء، والبيت بتمامه:
ليس من مات فاستراح بميِّت إنما الميْتُ ميْت الأحياء
انظر: ((الصحاح)) ٢٦٧/١، ((تهذيب اللغة)) ٣٣٢١/٤، ((لسان العرب)» ٤٢٩٥/٧.

٥٢٨
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٣١- باب المِسْكِ
٥٥٣٣- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ عَبْدِ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ القَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ
بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي
اللهِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَدْمَى، اللَّوْنُ لَوْنُ دَم، وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكِ)).
[ انظر: ٢٣٧ - مسلم: ١٨٧٦ - فتح ٩ / ٦٦٠]
٥٥٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ، عَنْ أَبِي بُزْدَةَ، عَنْ أَبِي
مُوسَى عَظْهَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: ((مَثَلُ جَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ كَحَامِلِ المِسْكِ
وَنَافِخِ الكِيرِ ، فَحَامِلُ المِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ
مِنْهُ رِيحًا طَيَِّةً، وَنَافِخُ الكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً)).
[انظر: ٢١٠١ - مسلم: ٢٦٢٨ -فتح ٩ / ٦٦٠]
ذكر فيه حديث أبي هريرة ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَالَ: «مَا مِنْ
مَكْلُوم يُكْلَمُ فِي سبيل اللهِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَدْمَى، اللَّوْنُ لَوْنُ
دَم، وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكِ)).
وحديث أبي موسى ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ قَالَ: (مَثَلُ جَلِيسِ الصَّالِحِ
وَالسَّوْءِ كَحَامِلِ المِسْكِ وَنَافِخِ الكِيرِ، فَحَامِلُ المِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ،
وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ إِمَّا أَنْ
يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً)).
وقد سلفا في الطهارة(١) .
و(يحذيك)): أي: يعطيك، يقال: أحذيته وحذوته واستحذاني
وأحذاني من الغنيمة إذا أعطيته منها، والاسم: الحذيا مقصور، وإنما
(١) حديث أبي هريرة سلف في الطهارة (٢٣٧) باب: ما يقع من النجاسات في السمن
والماء، وحديث أبي موسى سلف في البيوع (٢١٠١).

٥٢٩
=
ـ كِتَابُ الذَّبَائِحِ والضَّيْدِ
أدخل المسك هنا؛ ليدل على تحليله إذا (دخله)(١) التحريم؛ لأنه دم
لا يتغير على الحالة المكروهة من الدم، وهي الزهم، وقبح الرائحة
صار حلالًا طيب الرائحة وانتقلت حاله، وكانت حاله كحال الخمر
تتحلل، فتحل بعد أن كانت حرامًا بانتقالٍ، نبه على ذلك المهلب
قال: وأصل هذا في كتاب الله تعالى في موسى: ﴿فَأَلْفَنْهَا فَإِذَا هِىَ
حَيَّةٌ تَسْعَى ﴿ قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ﴾ [طه: ٢٠، ٢١] فحكم لها بما
انتقلت إليه، وأسقط عنها ما أنتقلت عنه.
وحديث أبي موسى حجة في طهارة المسك أيضًا؛ لأنه لا يجوز
حمل النجاسة، ولا يأمره التكليف بذلك، فدل على طهارته، وجل
العلماء على ذلك، ولا عبرة بقول الشيعة فيه، قال ابن المنذر: وممن
أجاز الانتفاع بالمسك: علي بن أبي طالب، وابن عمر، وأنس،
وسلمان الفارسي، ومن التابعين: سعيد بن المسيب وابن سيرين
وجابر بن زيد، ومن الفقهاء: مالك والليث والشافعي وأحمد وإسحاق
وخالف ذلك آخرون، ذكر ابن أبي شيبة، عن عمر بن الخطاب: أنه
كره المسك وقال: لا تحنطوني به. وكرهه عمر بن عبد العزيز وعطاء
والحسن ومجاهد والضحاك، وقال أكثرهم: لا يصلح للحي ولا للميت،
لأنه ميتة(٢)، وهو عندهم بمنزلة ما قطع من الميتة. قال ابن المنذر:
ولا يصح ذلك إلا عن عطاء(٣).
وهذا قیاس غیر صحیح؛ لأن ما قطع من الحي يجري فيه الدم ولیس
هذا سبيل نافجة المسك؛ لأنها تسقط عند الاحتكاك كسقوط الشعر،
(١) بياض في الأصل والمثبت من دولة.
(٢) ((المصنف)) ٤٦١/٢-٤٦٢. وانظر ((الأوسط)) لابن المنذر ٢٩٤/٢-٢٩٧.
(٣) ((الأوسط)) ٢٩٧/٢.

٥٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقد روى أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: ((أطيب طيبكم
المسك))(١). وهذا نص قاطع للخلاف، قال ابن المنذر: وقد روينا عن
رسول الله ◌َ له بإسناد جيد أنه كان له مسك يتطيب به(٢).
فصل :
(المسك): طيب فارسي معرب، وكانت العرب تسميه المشموم.
والمكلوم: المجروح، (وكلمه) بفتح أوله وسكون ثانیه.
وقوله: ( ((مثل الجليس الصالح والسوء))). قال الجوهري: تقول:
هذا رجل سوء بالإضافة ثم تدخل عليه الألف واللام فتقول: هذا رجل
السوء(٣). قال الأخفش: ولا يقال: الرجل السوء، ويقال: الحق
اليقين، وحق اليقين جميعًا؛ لأن السوء ليس بالرجل، واليقين: هو
الحق، ولا يقول أحد: هذا رجلٌ السُّوء.
و((الكير)): قيل: إنه الزق الذي ينفخ به الحداد يكون زقًّا أو جددًا
غليظًا ذا حافات، وقيل: هي المبنية بالطين يحمى ليخرج خبث
الحديد، يوضحه قوله القفيها: ((المدينة كالكير؛ تنفي خبثها وتنصع
طيبها)) (٤) وقيل: الكير والكور لغتان.
[قال](٥) ابن السكيت: سمعت أبا عمرو يقول: الكور: المبني من
(١) أبو داود (٣١٥٨)، ورواه بنحوه مسلم (٢٢٥٢) كتاب: الألفاظ من الأدب،
باب: أستعمال المسك.
(٢) ((الأوسط)) ٢٩٧/٢، وانظر: ((شرح ابن بطال)) ٤٤٤/٥-٤٤٦.
(٣)
((الصحاح)) ٥٦/١.
(٤) سلف برقم (١٨٨٣) كتاب: فضائل المدينة، باب: المدينة تنفي الخبث، وأخرجه
مسلم (١٣٨٣) كتاب: الحج، باب المدينة تنفي شرارها.
(٥) زيادة يقتضيها السياق.

٥٣١
= ڪِتَابُ الذَّبَائِحِ والصَّيْدِ
طين، و(الكور)(١): الزق(٢).
وقوله: ( ((وإما أن تبتاع منه)) ) دلالة على جواز بيعه، وهو إجماع،
نعم بيعه في فأرته من غير رؤية باطل على الأصح، وقال ابن شعبان:
فأرة المسك ميتة، إنما يؤخذ منها في حال الحياة أو بذكاة من
لا تصح ذكاته من أهل الهند؛ إذ لا كتاب لهم، فإنما حكم له
بالطهارة لاستحالتها عن صفة الدم، وخرجت عن اسم ما يختص بها
فطهرت كما يستحيل الدم إلى اللحم فيطهر، وإنما لم تنجس الفأرة
بالموت؛ لأنها ليست بحيوان فتنجس لعدم الذكاة وإنما هي شيء
يحدث بالحيوان كالبيض في الطير وقد قام الإجماع على طهارته،
قال: وقيل المسك: فأرة تموت فيكون جميع ما فيها مسكًا وقيل
شيء يسقط من دويبة تسمى الفأرة، ولعلها ليست لها نفس سائلة.
قال الداودي: أو تكون مختصة من الميتات وكان ابن عمر يكره
المسك، وهذا خلاف ما أسلفناه عن ابن المنذر(٣) عنه.
(١) في (غ): الكير.
(٢) ((إصلاح المنطق)) ص ٣٢.
(٣) ((الأوسط)) ٢٩٧/٢.

٥٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٣٢ - باب الأَرْنَبِ
٥٥٣٥- حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ:
أَنْفَجْنَا أَزْنَبَا وَنَحْنُ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، فَسَعَى القَوْمُ فَلَغَبُوا،َ فَأَخَذْتُهَا فَجِئْتُ بِهَا إِلَى أَبي
طَلْحَةَ فَذَبَحَهَا، فَبَعَثَ بِوَرِكَيْهَا - أَوْ قَالَ: بِفَخِذَيْهَا - إِلَى النَّبِيِّ ◌ِّ فَقَبِلَهَا. [انظر:
٢٥٧٢ - مسلم: ١٩٥٣ - فتح ٩ / ٦٦١]
ذكر فيه حديث أَنَسِ : أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا وَنَحْنُ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، فَسَعَى
القَوْمُ فَلَغَبُوا، فَأَخَذْتُهَا فَجِئْتُ بِهَا إِلَى أَبِي طَلْحَةَ فَذَبَحَهَا، فَبَعَثَ
بِوَرِكَيْهَا - أَوْ قَالَ: بِفَخِذَيْهَا - إِلَى النَّبِيِّ وََّ فَقَِلَهَا .
هذا الحديث سلف(١)، ومعنى (أنفجنا): أثرنا، قال ابن سيده: نفج
اليربوع ينفج، نفوجًا، وانتفج: عدا، وأنفجه الصائد واستنفجه، الأخيرة
عن ابن الأعرابي، ونفجت الأرنب: أقشعرت، يمانية، وكل ما أجْثألَّ
(٢)
فقد نفج (٢) .
وفي ((المنتهى)) لأبي المعالي: نفج الأرنب: إذا ثار وعدا، وانتفج
أيضًا، وأنفجه: الصائد أثاره من مجثمهِ، وقيل: معنى (أنفجنا): أنا
جعلنا بإثارتنا إياها تنتفج، وانتفاجها: إيقاع شعرها وانتفاشه في
العدو؛ لأن الشيء يذكر لغيره؛ لكونه منه بسبب، وربما قيل: صيد
أثرته قد أنتفج. وفي الحديث ((إنكم في فتنتين تكون الأولى منها
كنفجة أرنب))(٣) .
(١) سلف برقم (٢٥٧٢) كتاب: الهبة ، باب: قبول هدية الصيد.
(٢) ((المحكم)) ٣١٩/٧ -٣٢٠ مادة [نفج].
(٣) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٣٧٠/١١ (٢٠٧٦٧)، ومن طريقه الحاكم
٤٧١/٤-٤٧٢ عن أبي هريرة موقوفًا بلفظ: إني لأعلم فتنة يوشك أن تكون التي
معها قبلها كنفجة أرنب.

٥٣٣
كِتَابُ النَّبَائِحِ والصَّيْدِ
=
يريد أن الأولى تكون وإن طالت وعظمت عند الأخرى كوثبة
الأرنب إذا عدت.
وفي ((الجامع)): نفجت الأرنب، وهو أَوْحَى عَدْوِها، وأنفجه
الصائد، ويقال هذا كله للصيد.
فصل :
الأرنب واحد الأرانب، قال في ((المنتهى)): وربما يبدل من الباء
تاء، وذكر فيه شعرًا والدرمة الأرنب، ويقال لولدها الصغير:
الخرنق، والجمع خرانق.
قوله: (فلغبوا) أي أعيوا وتعبوا .
قال تعالى ﴿وَمَا مَسَنَا مِنْ أَّغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] وهو بفتح الغين على
الأصح.
و(مر الظهران): اسم موضع على بريد مكة. وقيل: على أحد عشر
ميلا، وقيل: على ستة عشر ميلاً. قال الجوهري: وبطن مر أيضًا
موضع، وهو من مكة على مرحلة(١).
وقوله: (فقبلها) وفي رواية البخاري في كتاب الهبة: قلت: وأكل
منه؟ قال: وأكل منه ثم قال بعد: قِبَلَهُ(٢) .
وصح من حديث محمد بن صيفي الأنصاري قال: أتيت رسول الله
وَعليه بأرنبتين قد ذبحهما بمروة فأكلهما عَل﴾(٣).
(١) ((الصحاح)) ٨١٤/٢ مادة [مرر].
(٢) سلف برقم (٢٥٧٢) باب: قبول هدية الصيد.
(٣) رواه ابن ماجه (٣١٧٥) من طريق عاصم، عن الشعبي، عن محمد بن صيفي ..
الحديث.

٥٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وفي رواية داود، عن الشعبي، عن محمد بن صفوان، عن النبي
وَسِلمُ
نحوه، أخرجه ابن أبي عاصم وابن أبي شيبة (١)، وهو مما ألزم الدار قطني
الشيخين تخريجه لصحة الطريق إلى ابن صيفي. (٢)
فصل :
في أحاديث أخر واردة في الإباحة والكراهة والتوقف.
روى ابن أبي شيبة بإسناد جيد من حديث عمر قال: كنا مع رسول
الله ◌َلّ فأهدى رجل إليه -من الأعراب - أرنبًا فأكلناه، فقال الأعرابي:
إني رأيت بها دمًا؛ فقال التَّئة: ((لا بأس)). قال: وحدثنا وكيع عن إبراهيم
أن رجلا سأل عبد الله بن عبيد بن عمير عن الأرنب؛ فقال: لا بأس بها .
قال: إنها تحيض؛ قال: إن الذي يعلم حيضها يعلم طهرها وإنما هي
حاملة من الحوامل. وعن ابن المسيب عن سعد أنه كان يأكلها، قيل
لسعد: ما تقول فيها؟ قال : كنت آكلها. وعن عبيد بن سعد أن بلالًاً
رمى أرنبًا فذبحها فأكلها. وعن الحسن أنه كان لا يرى بأكلها بأسًا .
قال طاوس: الأرنب حلال. وقال حسن بن حسن بن علي: أنا
أعافها ولا أحرمها على المسلمين (٣) .
قال ابن حزم: وصح من حديث أبي هريرة أنه العليا أتي بأرنب مشوية
فلم يأكل منها وأمر القوم فأكلوا (٤).
(١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ١١٧/٥ (٢٤٢٧٤) ومن طريقه ابن ماجه
(٣٢٤٤)، ورواه أيضًا النسائي ٧/ ٢٢٥، وأحمد ٤٧١/٣؛ كلهم من طريق زيد بن
هارون، عن داود به.
(٢) ((الإلزامات والتتبع)).
(٣) أنظر: ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١١٦/٥.
(٤) ((المحلى)) ٤٣٣/٧.

٥٣٥
كِتَابُ الذَّبَائِحِ والصَّيْدِ
=
وفي أبي داود من حديث محمد بن خالد بن الحويرث قال: سمعت
أبي يحدث عن عبد الله بن عمرو، وعن النبي ◌ُّر أنه قال في الأرنب:
(إنها تحيض)).(١).
وفي ابن ماجه من حديث ابن إسحاق، عن عبد الكريم بن أبي
المخارق، عن حبان بن جَزْء، عن أخيه خزيمة بن جَزْء قلت:
يا رسول الله، ما تقول في الأرنب؟ قال: ((لا آكله ولا أحرمه)). قال:
ولمَ يا رسول الله؟ قال: ((إني أحسب أنها تدمي))(٢).
ولابن أبي عاصم بإسناد جيد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، من عند
ابن أبي شيبة أنه كره أكلها، وكذا عن عكرمة.
قال ابن حزم: روينا عن عمر أو ابنه أنه كره أكلها، وكذا عن
عمرو بن العاص وابنه. وروينا من طريق وكيع، ثنا أبو مكين، عن
عكرمة، عن النبي ◌ّ أنه أتي بأرنب فقيل له: إنها تحيض، فكرهها.
ومن طريق عبد الرزاق عن إبراهيم بن عمر، عن عبد الكريم بن أمية
قال: سأل جرير بن أنس السلمي النبي ◌َ﴾ عن الأرنب، فقال:
((لا آكلها، أنبئت أنها تحيض))(٣) قال ابن حزم: حديث عكرمة مرسل
وأبو أمية هالك(٤).
وقال ابن بطال: أكلها حلال عند جمهور الأمة، وذكر عبد الرزاق
عن عمرو بن العاص أنه كرهها(٥)، وذكر الطبري عن عبد الله بن عمرو،
(١) ((سنن أبي داود)) (٣٧٩٢).
((سنن ابن ماجه)) (٣٢٤٥) وضعفه الألباني في ((ضعيف ابن ماجه)) (٦٩٨).
(٢)
(٣)
((مصنف عبد الرزاق)) ٥١٨/٤ (٨٦٩٩).
(٤)
((المحلى)) ٧/ ٤٣٣.
(٥) ((المصنف)) ٤/ ٥١٧ (٨٦٩٦)

٥٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وابن أبي ليلى أنهما كرهاها، وعلتهم في ذلك ما روي عن عبد الله بن
عمرو، وأنه قال: كنت قاعدًا عند النبي رَّ فجيء بها إليه فلم يأمر بأكلها
ولم ينه عنها، وزعم أنها تحيض.
قال الطبري: وروي عن عبد (١) الله بن عبيد بن عمير قال: سأل
رجل أبي عن الأرنب أيحل أكلها؟ قال: وما الذي يحرمها؟ قال:
زعموا أنها تطمث كما تطمث المرأة. قال: فهل تعلم متى تطهر؟
قال: لا. قال: فإن الذي يعلم متى طمئها يعلم متى طهرها، وإلا
فإنما هي حاملة من الحوامل، إن الله تعالى لم يزد شيئًا نسيه، فما
قال الله ورسوله فهو كما قالا، وما لم يقولا فعفو من الله، وهذا مثل
ما كره رسول الله وَ الضب ولم يحرمه(٢). كما ستعلمه، وقد سلف
أثر عبد الله قريبًا مختصرًا. وقد وقع في الرافعي عن أبي حنيفة
تحريمها(٣). وأما النووي فحكى عنه حلها (٤).
٥٦
(١) في الأصول: عبيد، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٤٤٦/٥.
(٣) ((الشرح الكبير)) ١٢/ ١٣١.
(٤) ((المجموع)) ١٣/٩.

٥٣٧
كِتَابُ الذَّبَائِحِ والصَّيْدِ
=
٣٣- باب الضَّبِّ
٥٥٣٦- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسلِم، حَدَّثَنَا
عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما: قَالَ النَّبِيُّ وََّ: ((الضَّبُّ
لَسْتُ آكُلُهُ وَلَا أَحَرِّمُهُ)). [مسلم: ١٩٤٣ - فتح ٩/ ٦٦٢]
٥٥٣٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِ أُمَامَةَ بْنِ
سَهْلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَنْ خَالِدِ بْنِ الوَلِيدِ أنَّهُ دَخَلَ مَعَ
رَسُولِ اللهِ يِّ بَيْتَ مَيْمُونَةَ، فَأُنِيَّ بِضَبِّ مَحْنُوذٍ، فَأَهْوِىُ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ يَّةِ بِيَدِهِ، فَقَالَ
بَغْضُ النِّسْوَةِ: أَخْبِرُوا رَسُولَ اللهِ ◌ِيَ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ. فَقَالُوا: هُوَ ضَبِّ يَا رَسُولَ
اللهِ. فَرَفَعَ يَدَهُ، فَقُلْتُ: أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: ((لَا ، ولكن لَمْ يَكُنْ بِأَرْضٍ
قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ)). قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ وَرَسُولُ اللهِ ◌َّهِ يَنْظُرُ. [انظر:
٥٣٩١ - مسلم: ١٩٤٦ - فتح ٩/ ٦٦٣]
ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ رضي الله عنهما: قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((الضَّبُّ
لَسْتُ آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ)).
وحديث خَالِدِ بْنِ الوَلِيدِ أَنَّهُ أكل بحضرته. الحديث بطوله سلف
الكلام عليه، وهو مباح عند مالك والشافعي، وكرهه أبو حنيفة(١).
وحديث الباب صريح في الإباحة، وعلل بالعيافة.
وهذا الضب جاء أنه أهداه خالة ابن عباس أم حفيد أو حفيدة بنت
الحارث بن حزن أخت ميمونة وكانت (بنجذ تحت)(٢) رجل من بني
جعفر .
(١) أنظر: ((المدونة)) ٤٢٦/١، ((المنتقى) ١٣٢/٣، ((الأم)) ٢٢٢/٢، ((المبسوط))
٢٣١/١١-٢٣٢.
(٢) من (غ).

٥٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وفي لفظ: ((كلوا فإنه حلال))(١)، وفي آخر: ((لا بأس به))(٢)، وفي
آخر: «لا آكله ولا أنهى عنه)» (٣).
ولأبي داود، عن ابن عباس رضي الله عنهما: فجاءوا بضبين
مشويين على ثمامتين، فتبزق رسول الله وَله، فقال له خالد: إخالك
تقذره يا رسول الله. قال: ((أجل))(٤).
وفي ((الموطأ)) من حديث سليم بن يسار رفعه: ((من أين لكم هذا؟))
يعني: ضبابا فيها بيض، فقالت: أهدته إلي أختي هزيلة، فقال: ((كلا))،
فقالا -يعني ابن عباس وخالته -: قال: ((إني حضرني من الله حاضر-
يريد: الملائكة- والضب له رائحة ثقيلة)). فكره أذى الملائكة بذلك،
ذكره أبو القاسم في ((شرح الموطأ)).
ولمسلم من حديث أبي سعيد مرفوعًا: ((إن الله غضب على سبط من
بني إسرائيل فمسخهم دواب يدبون في الأرض، فلا أدري لعل هذا منها،
فلست آكلها ولا أنهى عنها)). قال أبو سعيد: فلما كان بعد ذلك قال
عمر: إن الله تعالى لينفع به غير واحد وإنه لطعام عامة الرعاء، ولو
كان عندي لطعمته، وإنما عافه رسول الله عَليه (٥) .
وفي حديث جابر أنه التَّه قال: ((لا أدري)) أو قال: ((لعله من القرون
التي مسخت))(٦).
(١) سيأتي برقم (٧٢٦٧) كتاب: أخبار الآحاد، باب: خبر المرأة الواحدة، ورواه
مسلم (١٩٤٤) كتاب: الصيد، باب: إباحة الضب.
(٢) سيأتي برقم (٧٢٦٧).
(٣) رواه أحمد ١٣/٢، ورواه مسلم (١٩٤٨) من حديث ابن عباس.
(٤) ((سنن أبي داود)) (٣٧٣٠).
(٥) ((صحيح مسلم)) (١٩٥١) كتاب: الصيد والذبائح، باب: إباحة الضب.
(٦) رواه مسلم (١٩٤٩).

٥٣٩
= ڪِتَابُ الذَّبَائِحِ والضَّيْدِ
وعن ثابت بن وديعة عند أبي داود: كنا مع رسول الله وَّ في جيش
فأصبنا ضبًا، فشويت منها ضبًّا ووضعته بين يدي رسول الله مَّر، فأخذ
عودًا فعد به أصابعه ثم قال: ((أمة من بني إسرائيل مسخت دواب في
الأرض، وإني لا أدري أي الدواب هي)) فلم يأكل ولم ينه(١). وصح
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه التعليل وجد ريح ضب فرخص لهم في
أكله. وعن ابن المسيب قال عمر: ضب أحب إليَّ من دجاجة. وعن
الشعبي أنه العَّ سئل عن الضب، فقال: ((حلال لا بأس بأكله لكني
أعافه))(٢) .
ولأبي داود عن ابن عمر بإسناد جيد أنه التَّه قال: «وددت أن عندي
خبزة بيضاء من برة سمراء ملبقة بسمن ولبن))، فقام رجل من القوم فجاء
به، فقال: ((في أي شيء كان السمن؟)) قال: في عكة ضب. فقال
((أرفعه))(٣).
وعن عبد الرحمن بن شبل أنه التَّ نهى عن أكل لحم الضب(٤).
وروى ابن أبي عاصم بإسناد جيد عن عبد الرحمن بن حسنة قال:
كنا مع النبي وَّله فنزلنا أرضًا كثيرة الضباب فذبحنا، فبينما القدور تغلي
بها إذ خرج رسول الله وَ ل فقال: ((أمة من بني إسرائيل فقدت، وإني
أخاف أن يكون من هذا)). فأكفأناها وإنا لجياع.
(١) ((سنن أبي داود)) (٣٧٩٥).
(٢) أنظر هذِه الأخبار في ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١٢٤/٥.
(٣) ((سنن أبي داود)) (٣٨١٨) وقال: حديث منكر.
(٤) رواه أبو داود (٣٧٩٦). وقال المنذري في ((مختصره)) ٣١١/٥ في إسناده
إسماعيل بن عياش، وضمضم بن زرعة، وفيهما مقال، وقال الخطابي: ليس إسناده
بذاك، وقال البيهقي: لم يثبت إسناده، إنما تفرد به إسماعيل بن عياش وليس بحجة.
اهـ. وانظر: ((سنن البيهقي)) ٣٢٦/٩، ((معالم السنن)) للخطابي ٢٢٩/٤.

٥٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وعن أبي سعيد قال: أُتي رسول الله وَ له بضب، قال: ((اقلبوه).
فقلبوه، فقال: ((تاه سبط من بني إسرائيل حين غضب الله عليهم، فإن
يكن فهو هذا)»(١). وعن عائشة رضي الله عنها: أهدي إلى رسول الله وَالخيل
(ضب)(٢) فلم يأكل منه، فقلت: يا رسول الله، ألا نطعمه السؤال؟
فقال: ((لا (تطعموا) (٣) السؤال ما لا تأكلون)) (٤) فإن قلت: قد يحمل
على الرداءة لا الحرمة، كما نهى عن الصدقة بالرديء.
قلت: ذاك عند القدرة على غيره دون ما إذا لم يكن عنده سواه
أو كان نفر من طبعه دون طبع غيرهن والظاهر أن عائشة لم يكن
عندها سواه. والأشبه أن تحمل الكراهة عند الحنفية على التنزيه لتتفق
معاني الآثار وكما أسلفناه من أن المسخ لا يعقب.
قال ابن أبي عاصم: وفي الضب عن أبي مريم الكندي وعبد الرحمن
ابن شبل(٥) وسمرة وميمونة وخزيمة بن جَزْء.
قلت: حديث سمرة أخرجه الدارمي، ولفظه: ((أمة من بني إسرائيل
مسخت، فلا أدري أي الدواب مسخت)) .
ثم ساقه من حديث أبي هريرة مرفوعًا قال: ومنها ألفاظ مختلفة على
رجال شتى من الصحابة، لم يصحح أحد منهم عن رسول الله
وَسـ
تحريمها، وأكثر من روى أنه أمسك عن أكلها عيافة.
(١) رواه أحمد في ((المسند)) ٤١/٣، ٤٢، وعبد الرزاق في ((المصنف)) ٥١٢/٤ (٨٦٧٩).
(٢) من (غ).
(٣) في الأصول: (تطعمه)، والمثبت من مصادر التخريج.
(٤) رواه أحمد في ((المسند)) ١٠٥/٦، وأبو يعلى ٤٣٨/٧-٤٣٩ (٤٤٦١)، والطبراني
في ((الأوسط)) ٢١٢/٥-٢١٣ (٥١١٦)، والبيهقي ٣٢٥/٩-٣٢٦. وعزاه الهيثمي
في ((المجمع)) ٣٧/٤ لأحمد وأبي يعلى، وقال: رجالهما رجال الصحيح.
(٥) في (غ): عبد الله بن شبل.