Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
كِتَابُ الأَطْعِمَةِ
=
ولمسلم: فجعلت ألقيه إليه ولا أطعمه.
وله: فَقُدم إليه خبز من شعير ومرق فيه دباء، وقديد. وله: قصعة
فيها ثريد وعليه دباء (١).
وفي ((كتاب الأطعمة)) للدارمي: قال أنس: وكان يعجبه الدباء،
فجعلت آخذ الدباء فأضعه بين يديه، لما أعلم من إعجابه به.
وللترمذي من حديث حكيم بن جابر قال: دخلت على رسول
الله وَلّ فرأيت عنده دباء يقطأع قلت: ما هذا؟ قال: نكثر به
طعامنا(٢).
فصل :
قال ابن عبد البر: في هذا الحديث إجالة اليد في الصحفة، وهذا
عند أهل العلم لا يحسن إلا بالرئيس ورب البيت، وأيضًا فالمرق والإدام
وسائر الطعام إذا كان فيه نوعان أو أنواع فلا بأس أن تجول اليد فيه
للتخيير مما وضع في المائدة من أصناف الطعام؛ لأنه قدم للأكل،
وليأكل كل ما أراد، ولما كان في هذِه الصحفة أنواع اللحم والقديد
والدباء والثريد أو المرق، حسن بالآكل أن تجول يده فيما اشتهى(٣).
وقد أسلفنا الكلام فيه قبل.
وقال ابن التين: فعله ذَلِكَ؛ لأنه كان يأكل وحده؛ لأن في الحديث
أن الخياط أقبل على عمله. وقد أسلفنا عن أنس أنه قال: كنت ألقيه إليه
ولا أطعمه .
(١) مسلم (٢٠٤١) كتاب: الأشربة، باب: أكل المرق واستحباب أكل ....
(٢) ((الشمائل المحمدية)) ص ٦٦ (١٦٢).
(٣) ((التمهيد)) ٢٧٦/١-٢٧٧ بتصرف.

١٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وإقبال الخياط على عمله ليس سوء أدب منه ولا من غيره لو فعله؛
لإقراره التَّ على ذَلِكَ، ولم ينكره. وأكل المضيف مع الضيف ليس فيه
إلا البسط لوجهه إن قدر عليه فهو أبلغ، ومن تركه فهو واسع.
فصل :
من تراجم البخاري على هذا الحديث باب: من ناول أو قدم إلى
أصحابه على المائدة شيئًا .
ثم نقل عن ابن المبارك: لا بأس أن يناول بعضهم بعضًا، ولا يناول
من هُذِه المائدة إلى مائدة أخرى(١).
قال ابن بطال: إنما جاز أن يناول بعضهم بعضًا ممن على مائدة
واحدة؛ لأن ذَلِكَ الطعام إنما قدم لهم بأعيانهم ليأكلوه، فقد صار من
حقوقهم وهم فيه شركاء، فمن ناول صاحبه مما بين يديه فكأنه آثره
بنصيبه وما يجوز له أكله، فمباح له ذَلِكَ. وقد قال الَّ لابن أم
سلمة: ((كل مما يليك)). فجعل ما يليه من المائدة حلالًا له. وأما من
كان على مائدة أخرى فلا حق له في ذَلِكَ الطعام ولا شركة، فلذلك
كره العلماء أن يناول رجل من كان على مائدة أخرى(٢).
فصل :
ومن هذا نهيه الكلية عن الأكل من وسط الصحفة؛ فإن البركة تنزل في
وسطها. قال الخطابي: هذا في حق من يأكل مع غيره؛ لأن وجه الطعام
أطيبه وألينه، فإذا قصده الإنسان بالأكل كان مستأثرًا على غيره، فإذا كان
وحده فلا بأس.
(١) سيأتي برقم (٥٤٣٩).
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٤٩٨/٩.

١٠٣
كِتَابُ الأَطْعِمَةِ
فصل :
وقول أنس : (فلم أزل أحب الدباء من يومئذ). فيه الحرص على
الشبه بالصالحين والاقتداء بأهل الخير في مطاعمهم واقتفاء آثارهم في
جميع أحوالهم؛ تبركًا بذلك.

١٠٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٥- باب التَّيَقُنِ فِي الأَكْلِ وَغَيْرِهِ
قَالَ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ: قَالَ لِيَ النّبِيُّ وَّهِ: (كُلْ بِيَمِينِكَ)).
٥٣٨٠- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا شُغْبَةُ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌ََّ يُحِبُّ الَّيَمُّنَ مَا أَسْتَطَاعَ فِي
طُهُورِهِ وَتَنَغُلِهِ وَتَرَجُلِهِ. وَكَانَ قَالَ بِوَاسِطٍ قَبْلَ هذا: فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ. [انظر: ١٦٨ - مسلم:
٢٦٨ - فتح: ٩ / ٥٢٦]
ثم ذكر فيه حديث شعبة عن أشعث، عن أبيه، عن مسروق، عن
عائشة رضي الله عنها السالف في الطهارة والصلاة (١): كان النبي وَل
يحب التيمن ما استطاع في طهوره وتنعله وترجله، وكان قال بواسط
قبل هذا: في شأنه كله. والظاهر أن المراد بهذا القائل شعبة فإنه
واسطي وإن سكن البصرة.
قال ابن بطال: معنىُ هُذِه الترجمة يعني: باليد اليمنى في جميع
أفعاله، وكذلك في مناولة الأكل والشرب ومناولة سائر الأشياء من
على اليمين، وهو قول الفقهاء(٢). وسيأتي بيان هذا المعنى في
الأشربة .
قلت: البخاري ترجم قبل الأكل باليمين، فلا ينبغي أن يفسر تبويبه
بهذا، والظاهر عندي أنه أراد الأكل من جهة اليمين.
(١) سلف في الطهارة برقم (١٦٨) باب التيمن في الوضوء والغسل وفي الصلاة برقم
(٤٢٦) باب: التيمن في دخول المسجد وغيره.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٤٦٣/٩.

=
كِتَابُ الأَطْعِمَةِ
١٠٥
٦- باب مَنْ أَكَلَ حَتَّى شَبِعَ
٥٣٨١- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي
طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ يَقُولُ: قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لأُمُّ سُلَيْم: لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ
رَسُولِ اللهِ إِ لِّ ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟ فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ
شَعِيرِ، ثُمَّ أَخْرَجَتْ حِمَارَا لَهَا فَلَفَّتِ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ، ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ تَوِبِي وَرَدَّثْنِي بِبَعْضِهِ،
ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ◌ِِّ. قَالَ: فَذَهَبْتُ بِهِ فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللهِ مََّ فِي المسْجِدِ
وَمَعَهُ النَّاسُ، فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ◌ِهِ: ((أَرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟)). فَقُلْتُ:
نَعَمْ. قَالَ: ((بِطَعَام؟)). قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ ◌َمِنْ مَعَهُ: ((قُومُوا)).
فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيْم،
قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ بِالنَّاسِ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مِنَ الطَّعَامِ مَا نُطْعِمُهُمْ. فَقَالَتِ اللهُ
وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةً حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللهِن ◌َّلَهِ، فَأَقْبَلَ أَبُو طَلْحَةَ
وَرَسُولُ اللهِ ◌َّ حَتَّى دَخَلَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ إِّ: ((هَلُمِّي يَا أُمَّ سُلَيْم مَا عِنْدَك)).
فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ، فَأَمَرَ بِهِ فَفُتَّ، وَعَصَرَتْ أُمُّ سُلَيْمِ عُكَّةً لَهَا فَأَدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ فِيهِ
رَسُولُ اللهِ وَّ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ قَالَ: ((ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ). فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى
شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ((اتْذَنْ لِعَشَرَةٍ)). فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ
خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ((اتْذَنْ لِعَشَرَةٍ)). فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ أَذِنَ
لِعَشَرَةِ، فَأَكَلَ القَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا، وَالْقَوْمُ ثَمَانُونَ رَجُلًا. [انظر: ٤٢٢ - مسلم: ٢٠٤٠-
فتح: ٩/ ٥٢٦].
٥٣٨٢- حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: وَحَدَّثَ أَبُو عُثْمَانَ أَيْضًا،
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ◌ِ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً،
فَقَالَ النَّبِيُّ وََّ: ((هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ طَعَامٌ؟)). فَإِذَا مَعَ رَجُلٍ صَاعُ مِنْ طَعَامِ أَوْ
نَحْوُهُ، فَعُجِنَ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكُ مُشْعَانٌ طَوِيلٌ بِغَنَمْ يَسُوقُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ِّ:
((أَبَيْعٌ أَمْ عَطِيَّةٌ؟)) أَوْ قَالَ: ((هِبَةٌ)). قَالَ: لَا ، بَلْ بَيْعَ. قَالَ: فَاشْتَرِى مِنْهُ شَاةً فَصُنِعَتْ،

١٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
فَأَمَرَ نَبِيُّ اللّهِ وَلّهِ بِسَوَادِ البَطْنِ يُشْوِىُ، وَانْمُ اللهِ مَا مِنَ الثَّلَاثِينَ وَمِائَةٍ إِلَّ قَدْ حَزَّ لَهُ
حُزَّةً مِنْ سَوَادِ بَطْنِهَا، إِنْ كَانَ شَاهِدًا أَعْطَاهَا إِيَّهُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا خَبَأَهَا لَهُ، ثُمَّ جَعَلَ
فِيهَا قَصْعَتَيْنِ، فَأَكَلْنَا أَجْمَعُونَ وَشَبِغْنَا، وَفَضَلَ فِي القَصْعَتَيْنِ، فَحَمَلْتُهُ عَلَى البَعِيرِ. أَوْ
كَمَا قَالَ. [انظر: ٢٢١٦ - مسلم: ٢٠٥٦ - فتح: ٩ / ٥٢٧]
٥٣٨٣- حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي
الله عنها: تُؤُقّ النَّبِيُّ ◌ََّ حِينَ شَبِغْنَا مِنَ الأَسْوَدَيْنِ، التَّمْرِ وَالْماءِ. [انظر: ٥٤٤٢-
مسلم: ٢٩٧٥ - فتح: ٥٢٧/٩]
ذكر فيه ثلاثة أحاديث :
أحدها :
حديث أنس ﴾ قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لأُمِّ سُلَيْمِ: لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولٍ
اللهِ وَِّ ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الجُوعَ .. الحديث بطوله، وقد سلف في
علامات النبوة (١)، وبعضه في الصلاة (٢)، ويأتي في النذور(٣)،
وأخرجه مسلم(٤) والترمذي(٥) والنسائي(٦).
والكلام علیه من وجوه:
أحدها :
قوله: (أعرف فيه الجوع) فيه: أن الأنبياء عليهم السلام تذوى عنهم
الدنيا حَتَّى يدركهم ألم الجوع ابتلاءً واختبارًا. وقد خير التَّ بين أن
(١) سلف برقم (٣٥٧٨) كتاب المناقب.
(٢) سلف برقم (٤٢٢) باب: من دعا لطعام في المسجد ..
(٣) سيأتي برقم (٦٦٨٨) باب: إذا حلف أن لا يأتدم.
(٤) مسلم (٢٠٤٠) كتاب الأشربة، باب جواز استتباعه غيره ...
((سنن الترمذي)) (٣٦٣٠).
(٥)
(٦) ((السنن الكبرى)) ٤/ ١٤٢.

١٠٧
كِتَابُ الأَطْعِمَةِ
=
يكون نبيًّا عبدًا أو ملكًا، فاختار أن يكون نبيًّا عبدًا، وعرضت عليه الدنيا
فردها واختار ما عند الله؛ لتتأسئ به أمته في ذلك ويمتثلوا زهده في
الدنيا .
وفيه: رد لقول ابن حبان أنه التّها لم يَجُع قط وأن ربط الحجر على
بطنه بالزاي لا بالراء، وأنه تصحيف من الحجز(١).
ثانیھا :
جواز الشهادة على الصوت، واستدل به بعضهم فيما حكاه ابن
عبد البر على جواز شهادة الأعمى على الصوت؛ لقوله: أعرف فيه
الجوع. وعارضه المانع بأن أبا طلحة تغير عنده صوته مع علمه
بصوته، ولولا رؤيته له لاشتبه عليه في حين سماعه منه وما عرفه (٢) .
ثالثها :
سد الرجل خلة أخيه إذا علم منه حاجة نزلت به، من حيث لا يسأله
ذَلِكَ، وهذا من مكارم الأخلاق.
رابعها :
علم الشارع من أبي طلحة أنه يسره سيره إليه مع أصحابه، ولذلك
تلقاه أبو طلحة مسرورًا به وبأصحابه، وليس العمل على هذا من أجل أنه
لا يحتمله كل الناس.
وكذلك قال مالك: من دعي إلى طعام وليمة أو غيرها فلا ينبغي له
أن يحمل معه غيره، إذ لا يدري هل يسر بذلك صاحب الوليمة أم لا؟
إلا أن يقال له: أدع من لقيت فيباح له ذَلِكَ حينئذ.
(١) (صحيح ابن حبان)) ٨/ ٣٤٥.
(٢) ((التمهيد)) ٢٨٩/١-٢٩٠.

١٠٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
قلت: والضابط العلم بحال الداعي.
خامسها :
قوله العَّ: (((أرسلك أبو طلحة؟)) فقلت: نعم). يجوز أن يكون قاله
وحيًا أو استدلالًا بقيام أبي طلحة.
وقول أبي طلحة: (قد جاء رسول الله وَّيه بالناس) هو قول مقتضى
العادة .
وقول أم سليم: (الله ورسوله أعلم)، قول أخرجه النظر إلى الإمكان
وخرق العادة، وجائز لرسول الله وَ له، وهذه منقبة عظيمة لها، ودلالة
على عظم فقهها ورجحان عقلها كونها عرفت أنه القَي قد عرف مقدار
الطعام، ولم يكن ليدع إليه هؤلاء الثمانين رجلًا إلا وهو يكفيهم.
سادسها :
قوله: (هلمي). كذا وقع، وليست لغة أهل الحجاز؛ لأنهم يقولون
للمرأة هلم وكذا للواحد والاثنين والجمع، قال تعالى: ﴿وَالْقَآئِلِينَ
لِإِخْوَذِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ وقيل: هي كفعل الأمر يفترق فيه المذكر من
المؤنث، والتثنية من الواحد والجمع.
سابعها :
فيه: تكنية المرأة.
والعكة الصغيرة من القرب، وجمعها عكك وعكاك، وهو بالسمن
أخص من العسل كما قال ابن الأثير(١): وآدمته -بمد الألف،
وقصرها -: جعلت فيه إدامًا(٢) .
(١) ((النهاية في غريب الحديث)) ٢٨٤/٣.
(٢) المصدر السابق ٣١/١.

١٠٩
كِتَابُ الأَطْعِمَةِ
=
وقال ابن التين: أدمته طيبته، والإدام: ما يطيب فيه الطعام. قال:
وأدمته مقصور؛ لأنه من أدم أدمًا ثلاثي.
قلت: وروي بتشديد الدال على التكبير. وسيد إدام أهل الدنيا
والآخرة اللحم. جعله أدمًا. وبعض الفقهاء قال: لا يحنث فيما إذا
حلف أن لا يأتدم ثم أکله.
ثامنها :
فيه: الخروج إلى الطريق للضيف والزائر؛ إكرامًا له وبرًّا به، وأنه
لا حرج على الصديق أن يأمر في دار صديقه بما شاء مما يعلم أنه
يسره به، ألا ترى أنه اشترط عليهم أن يفتوا الخبز، وقال لأم سليم:
((هات ما عندك)).
وفيه: بركة الثريد وجواز الأكل حَتَّى يشبع، وهو ما عقد له الباب،
وأن الشبع مباح، وكذا في حديث عبد الرحمن بن أبي بكر وعائشة
الآتيين جواز الشبع أيضًا وإن كان ترك الشبع في بعض الأحايين
أفضل، وقد وردت في ذَلِكَ آثار عن سلمان وأبي جحيفة رضي الله
عنهما أن النبيِ وَلّ قال: ((إن أكثر الناس شبعًا في الدنيا أطولهم
جوعًا في الآخرة))(١) .
(١) حديث سلمان رواه ابن ماجه في ((سننه)) (٣٣٥١)، والبزار في ((مسنده)) ٦/ ٤٦١
وأبو نعيم في ((الحلية)) ١/ ١٩٨، والحاكم في ((المستدرك)) ٦٠٤/٣ والبيهقي في
((الشعب)) ٢٧/٥ من طريق سعيد بن محمد الوراق، عن موسى الجهني، عن
زيد بن وهب، عن عطية بن عامر، عن سلمان به.
وقال الحاكم: غريب صحيح ولم يخرجاه وتعقبه الذهبي فقال: الوراق تركه
الدار قطني وغيره. قلت: وله طريق آخر عند الطبراني في ((الكبير)) ٢٦٨/٦ -٢٦٩
عن سعيد بن عنبسة قال فيه المزي في ((أطرافه)) بعد تطريقه للحديث: ضعيف.
والحديث أعله البوصيري في ((زوائده)) بابن الوراق ص٤٣٤ -٤٣٥.
=

١١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قال الطبري: غير أن الشبع، وإن كان مباحًا فإن له حدًّا ينتهى إليه،
وما زاد عليه فهو سرف. فالمطلق منه ما أعان على الطاعة ولم يشغله
فعله عن أداء الواجب، وذلك دون ما أثقل المعدة وثبط أكله عن
خدمة ربه والأخذ بحظه من نوافل (العبادة)(١)، فالحق الله على عبده
ألا يتعدى في مطعمه ومشربه ما سد الجوع وكسر الظمأ، فإن تعدى
ذَلِكَ إلى ما فوقه ما يمنعه من القيام بالواجب لله تعالى عليه، كان قد
أسرف في مطعمه ومشربه.
وبنحو هذا أورد الخبر عن رسول الله وَ ل # ابن وهب من حديث أبي
هريرة ◌ُ مرفوعًا: ((إذا (سددت كلب)(٢) الجوع برغيف وكوز من الماء
القراح فعلى الدنيا الدمار)) (٣).
وروى أبو داود من حديث عثمان بن عفان غ مرفوعًا: ((كل شيء
فضل عن ظل بيت وجلف الخبز يعني: كسرة الخبز وثوب يستره فضل
= وحديث أبي جحيفة أخرجه ابن أبي الدنيا في ((الجوع)) ص ٤٠ (١٩) والبزار كما
في ((كشف الأستار)) (٣٦٦٩) والطبراني ١٣٢/٢٢ والحاكم في ((المستدرك))
١٢١/٤ والبيهقي في ((الشعب)) ٢٦/٥ من طرق عنه، وفي الباب عن ابن عمر وابن
عباس وابن عمرو والحديث صححه الألباني بمجموع طرقه في ((الصحيحة))
(٣٤٣) ولإتمام الفائدة تراجع ((الصحيحة)) (٣٣٧٢).
(١) من (غ).
(٢) في الأصول: (سللت كبد) وفي حاشية الأصل تعليق عليها نصه: كذا أحفظه
سددت كلب.
(٣) رواه ابن السني في ((القناعة)) ص ٥٥، ٥٦، ابن عدي في ((الكامل)) ١٨٣/٨،
البيهقي في ((الشعب)) ٢٩٥/٧ والديلمي في ((الفردوس)) ٣٤٩/٥ (٨٣٩٤) وقال
ابن عدي في ((كامله)) في ترجمة ماضي بن محمد راوي الحديث: منكر الحديث
وقال ((المتقي الهندي)) في ((تذكرة الموضوعات)) ص١٧٣: ضعيف، والحديث
ضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (٤٨٩، ٤٩٠).

=
١١١
= كِتَابُ الأَطْعِمَةِ
ليس لابن آدم فيه حق))(١) فأخبر العليها أن لابن آدم من الطعام ما سد به
كلب جوعه، ومن الماء ما قطع ظمأه، ومن اللباس ما ستر عورته، ومن
المساكن ما أظله فكنه من حر وقر، وأن لا حق له فيما عدا ذَلِكَ.
فالمتجاوز من ذَلِكَ ما حدده الشارع خاطب على نفسه متحمل ثقل
وباله ولو لم يكسب المقل من الأكل إلا التخفيف عن بدنه من كظ المعدة
ونتن التخمة، لكان جريانه يجري ذَلِكَ لها طلب الترويح عنها، فكيف
والإكثار منه الداء العضال، وبه كان يتعاير أهل الجاهلية والإسلام.
وفي حديث أنس هذا وعبد الرحمن بن أبي بكر الآتي علم من أعلام
نبوته، وهو الأكل من الطعام اليسير العدد الكثير حَتَّى شبعوا ببركته.
وروى أنس أيضًا حديث بعثه (أبا)(٢) طلحة إلى رسول الله وعليه
ليدعوه. وفيه: فأخرج لهم شيئًا من بين أصابعه(٣)، وهذا غير الأول،
وهو من أعلام نبوته أيضًا .
الحديث الثاني :
حديث عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما في المشرك
المشعان الذي اشترى منه الشاة، والسالف في البيوع والهبة(٤).
(١) لم أقف عليه عند أبي داود ورواه بهذا اللفظ أحمد في «مسنده)) ١/ ٦٢، وعبد بن
حميد (٤٦)، وغيرهم ورواه الترمذي (٢٣٤١) والحاكم في ((المستدرك)) ٣١٢/٤
بنحوه وأعله الدار قطني بحريث بن السائب ٢٩/٣ وابن الجوزي في ((العلل المتناهية))
٣١٣/٢-٣١٤ وقال: لا يصح وضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (١٠٦٣) وقال: منكر.
(٢) كذا بالأصل، والجادة: أبو، ولعله أجراها مجرى من يلزم الأسماء الستة الألف
مطلقًا.
(٣) رواه مسلم (٢٠٤٠/ ١٤٣) كتاب الأشربة، باب جواز استتباعه غيره إلى دار من
يثق برضاه بذلك ..
(٤) سلف في البيوع برقم (٢٢١٦)، باب: البيع والشراء مع المشركين.

١١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ووجه إيراده هنا: أمره التلّة بسواد البطن فشوي وايم الله ما في
الثلاثين ومائة إلا قد حز له حزة من سواد بطنها، إن كان شاهدًا
أعطاه، وإن كان غائبًا خبأها له، ثم جعل فيها قصعتين، فأكلنا
أجمعون وشبعنا، وفضل في القصعتين، فحملته على البعير. أو كما
قال.
والمشعان: المنتفش الشعر، الثائر الرأس، وقيل: هو شعث
الرأس. يقال: شعر مشعان ورجل مشعان، ومشعان الرأس، والميم
زائدة .
وفيه: استعجال شيِّ الكبد. وحز له حزة: قطع له قطعة.
وفيه: أن الغائب يترك له سهمه، ولا يهمل حقه لغيبته. والقصعة:
بفتح القاف، وجمعها : قصاع.
الحديث الثالث :
حديث عائشة رضي الله عنها تُؤُفِّيَ النَّبِيُّ وَلَّ حِينَ شَبِعْنَا مِنَ
الأَسْوَدَيْنِ، الثَّمْرِ وَالْمَاءِ.
سلف، وأخرجه مسلم أيضًا(١)، ويأتي في باب الرطب والتمر (٢).
والعرب تقول: الأسودان: التمر والماء، والأحمران: اللحم والشراب،
وقيل: الذهب والزعفران، والأبيضان: الماء واللبن، والأسمران: الماء
والملح. قال بعضهم: وهُذِه تسمية للشيء بما قاربه وذلك أن الأسود
منهما التمر خاصة، وكذلك العمران لأبي بكر وعمر فغلبوا عمر لأنه
أخف. وأبعد من قال: هما عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز.
(١) مسلم برقم (٢٩٧٥) كتاب الزهد والرقائق.
(٢) سيأتي برقم (٥٤٤٢).

١١٣
- كِتَابُ الأَطْعِمَةِ
٧- باب ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجَ حَرَجٌ﴾
ج
إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مُبَرَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١]
والنهد والاجتماع على الطعام
٥٣٨٤- حَدَّثَنَا عَلِّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ يَخْيَى بْنُ سَعِيدٍ: سَمِعْتُ
بُشَيْرَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: حَدَّثَنَا سُوَيِدُ بْنُ النُّغْمَانِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ مَ﴿ إِلَى
خَيْبَرَ، فَلَمَّا كُنَّ بِالصَّهْبَاءِ - قَالَ يَخْيَى: وَهْيَ مِنْ خَيْبَرَ عَلَى رَوْحَةٍ - دَعَا رَسُولُ اللهِ
وَّ بِطَعَامِ، فَمَا أُنِيَّ إِلَّ بِسَوِيقٍ، فَلُكْنَاهُ فَأَكَلْنَا مِنْهُ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ
وَمَضْمَضْنَا، فَصَلَّى بِنَا المغْرِبَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.
قَالَ سُفْيَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْهُ عَوْدَا وَبَدْءًا. [انظر ٢٠٩ - فتح: ٩ / ٥٢٩].
ذكر فيه حديث سويد بن النُّعْمَانِ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَلَ إِلَى
خَيْبَرَ، فَلَمَّا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ - قَالَ يَحْيَى هو ابن سعيد: وَهْيَ مِنْ خَيْبَرَ
عَلَى رَوْحَةٍ - دَعَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِطَعَام، فَمَا أُتِيَ إِلَّا بِسَوِيقٍ، فَلُكْنَاهُ
فَأَكَلْنَا مِنْهُ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ وَمَضَّمَضْنَا، فَصَلَّى بِنَا المَغْرِبَ وَلَمْ
يَتَوَضَّأ .
قَالَ سُفْيَانُ يعني: راويه عن يحيى بن سعيد: سَمِعْتُهُ مِنْهُ عَوْدًا وَبَدْءًا .
وقد سلف في الطهارة والجهاد والمغازي (١)، وترجم له باب
السويق كما سيأتي (٢) وراويه عن سويد بشير بن يسار - وهو بضم
الباء- مولى بني حارثة، من الأوس.
(١) سلف في الطهارة برقم (٢٠٩) باب: من مضمض من السويق ولم يتوضأ.
وفي الجهاد برقم (٢٩٨١) باب: حمل الزاد في الغزو.
وفي المغازي: (٤١٧٥) باب: غزوة الحديبية.
(٢) سيأتي قريبًا في كتاب الأطعمة برقم (٥٣٩٠).

١١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -=
ووجه إدخاله هنا كما قال المهلب: أن المعنى الجامع بينهما هو
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاعُ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعًا أَوْ أَشْتَانًا﴾،
فأباح لهم تعالى الأكل مجتمعين ومفترقين من بيت ملكوا مفاتحه
بائتمان أو قرابة أو صداقة، وذلك أكل بغير مشاورة.
وذكر الكلبي في هذه الآية قال: كانوا إذا اجتمعوا ليأكلوا عزل
الأعمى على حدة والأعرج على حدة والمريض على حدة؛ ليقتصر
أصحاب الآفات عن أكل الأصحاء، وكانوا يتحرجون أن يفضلوا
عليهم، فنزلت هذه الآية؛ رخصة لهم في الأكل جميعًا.
وقال عطاء بن يزيد: كان الأعمى يتحرج أن يأكل طعام غيره لجعله
يده في غير موضعها، وكان الأعرج يتحرج ذَلِكَ؛ لاتساعه في موضع
الأكل، والمريض؛ لرائحته، فأباح الله لهم الأكل مع غيرهم.
وذكر عن أبي العلاء المعري أنه كان لا يأكل إلا وحده ويقول:
الأكل عورة وهو من الأعمى أشد.
ومعنى الآية كمعنى حديث الباب سواء، ألا ترى أنه الشَّه حين
أملقوا في السفر جعل أيديهم جميعًا فيما بقي من الأزودة سواء،
ولا يمكن أن يكون أكلهم بالسواء أصلًا؛ لاختلاف أحوالهم في الأكل.
وقد سوغهم الشارع في ذَلِكَ من الزيادة والنقصان، فصار ذَلِكَ سنة
في الجماعات التي تدعى إلى الطعام في النهد والولائم والإملاق في
السفر، وما تملكت مفاتحه بأمانة أو قرابة أو صداقة ملك أن يأكل مع
القريب أو الصديق وحدك.
وقد أسلفنا قريبًا تفسير النهد، وسلف في الشركة أيضًا وضبطه،
وعبارة ابن التين: النهد ما يخرجه الرفعاء عند المناهدة، وهي

١١٥
كِتَابُ الأَطْعِمَةِ
=
استقسام النفقة بالسوية في السفر، وغيره يقول: هات نهدك. بكسر
النون، ذكره الهروي.
فصل :
قوله: (وصلى بنا المغرب ولم يتوضأ). ظاهر في نفي إيجاب
الوضوء فيما مست النار، وجعله ابن التين من قول سفيان، وليس كما
ذكر.
:

١١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٨- باب الخُبْزِ المُرَقَّقِ وَالأَكْلِ عَلَى الخِوَانِ وَالشُّفْرَةِ
٥٣٨٥- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَنَسٍ
وَعِنْدَهُ خَبَّازٌ لَهُ فَقَالَ: مَا أَكَلَ النَّبِيُّ وَ خُبْزًا مُرَقَّقًا وَلَا شَاةً مَسْمُوطَةً حَتَّى لَقِيَ
الله. [٥٤٢١، ٦٤٥٧ - فتح: ٩/ ٥٣٠].
٥٣٨٦- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِ، عَنْ
يُونُسَ -قَالَ عَلِيَّ: هُوَ الإِسْكَافُ - عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ رضى الله عنه قَالَ: مَا عَلِمْتُ
النَّبِيَّ ◌ََّ أَكَلَ عَلَى سُكْرُجَةٍ قَطُّ، وَلَا خُبِزَ لَهُ مُرَقَّقُ قَطُّ، وَلَا أَكَلَ عَلَى خِوَانٍ. قِيلَ
لِقَتَادَةَ: فَعَلَى مَا كَانُوا يَأْكُلُونَ؟ قَالَ: عَلَى السُّفَرِ. [٥٤١٥، ٦٤٥٠ - فتح ٩/ ٥٣٠].
٥٣٨٧- حَدَّثَنَا ابن أَبي مَزْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفٍَ، أَخْبَرَبِ حُمَيْدٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَا
يَقُولُ: قَامَ النَّبِيُّ ◌َِّهَ يَبْنِي بِصَفِيَّةَ، فَدَعَوْتُ المُسْلِمِينَ إِلَى وَلِيمَتِهِ، أَمَرَ بِالأَنَّطَاعِ
فَبُسِطَتْ، فَأُلْقِيَ عَلَيْهَا الثَّمْرُ وَالأَقِطُ وَالسَّمْنُ. وَقَالَ عَمْرٌو، عَنْ أَنَسٍ: بَنَى بِهَا النَّبِيُّ
وَلٌ ثُمَّ صَنَعَ حَيْسًا فِي نِطَع. [انظر: ٣٧١ - مسلم: ١٣٦٥ - فتح: ٩/ ٥٣٠].
٥٣٨٨- حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ وَهْبِ بْنِ
كَيْسَانَ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الشَّأْمِ يُعَيُِّونَ ابن الزُّبَيْرِ يَقُولُونَ: يَا ابن ذَاتِ النَّطَاقَيْنِ. فَقَالَتْ
لَهُ أَسْمَاءُ: يَا بُنَيَّ، إِنَّهُمْ يُعَيِّرُونَكَ بِالنِّطَاقَيْنِ، هَلْ تَدْرِي مَا كَانَ النِّطَاقَانِ؟ إِنَّمَا كَانَ
نِطَاقِي شَقَقْتُهُ نِصْفَيْنِ، فَأَوْكَيْتُ قِرْبَةَ رَسُولِ اللهِ مِثَ بِأَحَدِهِمَا، وَجَعَلْتُ فِي سُفْرَتِهِ
آخَرَ. قَالَ: فَكَانَ أَهْلُ الشَّأْمِ إِذَا عَيَُّوهُ بِالنِّطَاقَيْنِ يَقُولُ: إِهَا وَالإِلَهْ، تِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ
عَنْكَ عَارُهَا. [انظر: ٢٩٧٩ - فتح ٩ / ٥٣٠].
٥٣٨٩- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ،
عَنِ ابن عَبَّاسٍ، أَنَّ أُمَّ حُفَيْدٍ بِنْتَ الَحَارِثِ بْنِ حَزْنٍ - خَالَةَ ابن عَبَّاسِ - أَهْدَتْ إِلَى
النَّبِيِّ ◌َِّ: سَمْنَا وَأَقِطَا وَأَضُبَّ، فَدَعَا بِهِنَّ، فَأُكِّلْنَ عَلَى مَائِدَتِهِ، وَتَرَكَّهُنَّ النَّبِيُّ ◌ِلَه
كَاْتَقَذِّرِ لَهُنَّ، وَلَوْ كُنَّ حَرَامًا مَا أُكِلْنَ عَلَى مَائِدَةِ النَّبِيِّ ◌َـ وَلَا أَمَرَ بِأَكْلِهِنَّ. [انظر:
٣٧١- مسلم: ١٩٤٧ - فتح: ٩ / ٥٣٠].

١١٧
- كِتَابُ الأَطْعِمَةِ
ذكر فيه أحاديث :
أحدها :
حديث قَتَادَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَنَسِ ﴿ وَعِنْدَهُ خَبَّازٌ لَهُ فَقَالَ: مَا أَكَلَ
النَّبِيُّ وَهِ خُبْزًا مُرَقَّقًا وَلَا شَاةً مَسْمُوطَةً حَتَّى لَقِيَ اللهَ رَّ .
ويأتي في الباب والرقاق أيضًا، وأخرجه ابن ماجه (١).
وعن يُونُسَ - الإِسْكَاف- عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ رضى الله عنه قَالَ:
مَا عَلِمْتُ النَّبِيَّ ◌ََّأَكَلَ عَلَى سُكْرُجَةٍ قَطْ، وَلَا خُبِزَ لَهُ مُرَقَّقْ قَظُ، وَلَا أَكَلَ
عَلَى خِوَانٍ. قِيلَ لِقَتَادَةَ: فَعَلام كَانُوا يَأْكُلُونَ؟ قَالَ: عَلَى السُّفَرِ.
يأتي في الباب. وأخرجه الترمذي وقال: غريب(٢). وأخرجه
البخاري في الرقاق من حديث عبد الوارث، عن سعيد بن أبي عروبة، عن
قتادة والترمذي، وقال: حسن صحيح. والنسائي وابن ماجه(٣).
ويونس هو ابن أبي الفرات القرشي مولاهم، ويقال: المعولي
أبو الفرات البصري، من أتباع الأتباع، وعنه هشام الدستوائي في
موضعين من الباب -أعني: الأطعمة- وجمع ، ثقة، روى له البخاري
والترمذي والنسائي وابن ماجه. هذا الحديث الواحد، وفي ((الجرح
والتعديل)) للدارقطني أن البخاري خرجه (٤).
(١) يأتي في الباب برقم (٥٤٢١) باب: شاة مسموطة والكتف والجنب، وفي الرقاق
(٦٤٥٧) باب: كيف كان عيش النبي ◌َّلر وأصحابه ورواه ابن ماجه (٣٣٣٩).
(٢) سيأتي برقم (٥٤١٥) باب: ما كان النبي وأصحابه يأكلون، والترمذي (١٧٨٨).
(٣) سيأتي برقم (٦٤٥٠) باب: فضل الفقر، والترمذي (٢٣٦٣)، والنسائي في
((الكبرى)) ٤/ ١٥٠، وابن ماجه (٣٢٩٣) وفي ابن ماجه: أبو بحر عن سعيد بن أبي
عروبة وليس عبد الوارث عنه.
(٤) انظر: ((سؤالات الحاكم في الجرح والتعديل للدارقطني)) ص٢٨٦ (٥٢١).

١١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح سـ
ثانيها :
حديث حميد عن أنس ◌ِ قَامَ النَّبِيُّ وَهِ يَبْنِي بِصَفِيَّةَ. الحديث.
وفيه: أَمَرَ بِالأَنْطَاعِ فَبُسِطَتْ، فَأُلْقِيَ عَلَيْهَا التَّمْرُ وَالأَقِطُ وَالسَّمْنُ.
وقد سلف في الجهاد والمغازي(١). وشيخ البخاري فيه هو ابن أبي
مريم، وهو سعيد بن محمد بن الحكم، ويقال: الحكم بن محمد بن أبي
مريم الجمحي مولاهم المصري، ولد سنة أربع وأربعين ومائة، ومات
سنة أربع وعشرين ومائتين(٢). وقال عمرو: عن أنس: بنى بها النبي
وَّر ثم صنع حيسًا في نطع.
وهذا أسنده في المغازي كما سلف عن عبد الغفار بن داود عن
يعقوب بن عبد الرحمن عنه، وعمرو هو ابن أبي عمرو، مولى المطلب.
ثم قال البخاري: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، ثنا أَبُو مُعَاوِيَةً، ثنا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ
وَعَنْ وَهْبٍ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الشَّأُم يُعَيِّرُونَ ابن الزُّبَيْرِ يَقُولُونَ:
يَا ابن ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ. فَقَالَتْ لَهُ أَسْمَاءُ: يَا بُنَيَّ، إِنَّهُمْ يُعَيِّرُونَكَ
بِالنِّطَاقَيْنِ، هَلْ تَدْرِي مَا كَانَ النِّطَاقَانِ؟ إِنَّمَا كَانَ نِطَاقِي شَقَّقْتُهُ نِصْفَيْنِ،
فَأَوْكَيْتُ قِرْبَةَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ بِأَحَدِهِمَا، وَجَعَلْتُ فِي سُفْرَتِهِ آخَرَ. قَالَ:
فَكَانَ أَهْلُ الشَّأْمِ إِذَا عَيَّرُوهُ بِالنِّطَاقَيْنِ يَقُولُ: إِيِهًا وَالإِلَهِ، تِلْكَ شَكَاةٌ
ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا .
وحديث أسماء سلف في الصلاة(٣)، ومحمد هو ابن سلام كما نص
(١) سلف في الجهاد برقم (٢٨٩٣) باب: من غزا بصبي للخدمة، و(٤٢٠٠) باب
غزوة خيبر.
(٢) أنظر: ((تهذيب الكمال)) ٣٩١/١٠ (٢٢٥٣).
(٣) لم أقف عليه في الصلاة في متن البخاري، وانظر ((تحفة الأشراف)) (٥٢٨٩)،
(١٥٧٣١).

١١٩
كِتَابُ الأَطْعِمَةِ
=
عليه أبو نعيم، وذكر الكلاباذي أن محمد بن سلام ومحمد بن المثنى
يرويان عن أبي معاوية محمد بن حازم الضرير.
ثم ساق البخاري حديث ابن عباس أَنَّ أُمَّ حُفَيْدٍ بِنْتَ الحَارِثِ بْنِ
حَزْنٍ - خَالَةَ ابن عَبَّاسٍ - أَهْدَتْ إِلَى النَّبِّ نَّهَ سَمْنَا وَأَقِطًا وَأَضُبًّا ..
الحديث .
وقد سلف في الهبة (١)، وشيخ البخاري فيه محمد بن النعمان، وهو
أبو النعمان الملقب بعارم، عن أبي عوانة -وهو الوضاح- عن أبي بشر
-وهو جعفر بن إياس- عن سعيد بن جبير عنه.
والمرقق: هو خبز السميذ، وما يصنع منه كعك وغيره، قاله ابن
التين. وقال ابن الجوزي: هو الخفيف كأنه مأخوذ من الرقاق وهي
الخشبة التي يرقق بها. والشاة المسموطة معروفة.
وقال ابن الأثير: الشاة السميط أي: المشوية، فعيل بمعنى مفعول (٢)،
وعبارة ابن بطال: المسموطة: المشوية بجلدها(٣).
قال صاحب ((العين)): سمطت الجمل أسمطه سمكًا نتفته من
الصوف بعد إدخاله في الماء الحار(٤).
وقال صاحب ((الأفعال)): سمط الجدي وغيره: علقه من السموط،
وهي معاليق من سيور تعلق من السرج. وعبارة ابن التين عن الداودي:
المسموطة التي يغلى لها الماء فتدخل فيه بعد أن تذبح ويزال بطنها
ورأسها، فيزول عنها الشعر أو الصوف ثم تشوى.
(١) سلف برقم (٢٥٧٥) باب: قبول الهدية.
(٢) ((النهاية في غريب الحديث)) ٢/ ٤٠٠-٤٠١.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ٤٨٨/٩.
(٤) ((العين)) ٢٢٢/٧.

١٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
قال ابن الجوزي: وهو أكل المترفهين، وإنما كانوا يأخذون الجلد
لينتفعوا به .
ولا ينافي حديث أنس هذا، وحديثه الآتي باب الشاة المسموطة
ولا رأى شاة سميطًا بعينه قط مع حديث جعفر بن عمرو بن أمية
الضمري عن أبيه قال: رأيت النبي وَلّ يحتز من كتف شاة.
وحديث أم سلمة في الترمذي صحيحًا أنها قربت لرسول الله وَالخلال
جنبًا مشويًّا فأكل منه ثم قام إلى الصلاة. قال: وفي الباب عن
عبد الله بن الحارث والمغيرة وأبي رافع(١) .
وأما ابن بطال فأورده سواء. ثم قال: والجواب أن قول أنس يحتمل
تأويلين :
أحدهما: أنه يمكن أن يكون التلئلا لم يتفق له قط أن يسمط له شاة
بكمالها؛ لأنه قد احتز من الكتف مرة ومن الجنب أخرى، وذلك لحم
غير مسموط لا محالة.
والثاني: أن أنسًا قال: ما أعلم. ولم يقطع على أنه العَيْه لم يأكل
لحمًا مشويًّا، فأخبر بما علم، وأخبر عمرو بن أمية وأم سلمة وغيرهما
أنه رأى النبي ولم يحتز من الكتف والجنب المشوي، وكل واحد
أخبر بما علم، وليس قول أنس برافع قول من علم؛ لأن من علم
(حجة)(٢) على من لم يعلم؛ لأنه زاد عليه، فوجب قبولها، ولا حاجة
إِلَى ذَلِكَ(٣).
(١) ((سنن الترمذي)) (١٨٢٩).
(٢) في الأصول: (حي) والمثبت من ((شرح ابن بطال)).
(٣) ((شرح ابن بطال)) ٩/ ٤٨٧-٤٨٨.