Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
كِتَابُ الطَّلَاقِ
قوله: (وكان قد أحصن). أي وطئ في نكاح صحيح.
قال ثعلب فيما حكاه ابن فارس: كل امرأة عفيفة محصِنَة ومحصَنة،
وكل امرأة متزوجة فهي مُحصَنَة لا غير. قال: ويقال: أحصن الرجل،
فهو مُحْصَن، (وذا)(١) أحد ما جاء على أفعل فهو مُفْعَل(٢)، قيل: ومنه
﴿ُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينٌ﴾ [المائدة: ٥]. أي: متزوجين غير زناة.
(١) في الأصول: وإذا، والمثبت من ((المجمل)).
(٢) ((المجمل)) ٢٣٧/١.

٣٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
١٢- باب الخُلْعِ، وَكَيْفَ الطَّلَاقُ فِيهِ؟
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحِلُ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَّيْتُمُوهُنَّ
شَيْئًا إِلَّ أَنْ يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ الهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَأُوْلَكَ
هُمُ الَّلِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وَأَجَازَ عُمَرُ رضي الله عنه الخُلْعَ
دُونَ السُّلْطَانِ، وَأَجَازَ عُثْمَانُ رضي الله عنه الخُلْعَ دُونَ
عِقَاصِ رَأْسِهَا. وَقَالَ طَاؤُسٌ: ﴿إِلَّ أَنْ يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ
اللّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فِيمَا أَفْتَرَضَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى
صَاحِبِهِ فِي العِشْرَةِ وَالصُّحْبَةِ، وَلَمْ يَقُلْ قَوْلَ السُّفَهَاءِ:
لَا يَحِلُّ، حَتَّى تَقُولَ: لَا أَغْتَسِلُ لَكَ مِنْ جَنَابَةٍ .
٥٢٧٣- حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ جَمِيلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ
◌ِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، أَنَّ أَمْرَأَةً ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَّتِ النَّبِيَّ رَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ
اللهِ، ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتُبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الكُفْرَ فِي الإِسْلَامِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟)). قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَ:
((اقْبَلِ الحَدِيقَةَ وَطَلَّقْهَا تَطْلِيقَةً)). [٥٢٧٤، ٥٢٧٥، ٥٢٧٦، ٥٢٧٦، ٥٢٧٧- فتح ٩/ ٣٩٥].
٥٢٧٤- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ خَالِدِ الَذَّاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ،
أَنَّ أُخْتَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبِّ بهذا، وَقَالَ: (تَرِّدِّينَ حَدِيقَتَهُ؟)). قَالَتْ: نَعَمْ. فَرَدَّتْهَا، وَأَمَرَهُ
يُطَلِّقْهَا.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ ((وَطَلِّقْهَا))
[انظر: ٥٢٧٣- فتح ٣٩٥/٩].
٥٢٧٥- وَعَنِ ابن أَبِ تَمِيمَةً عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابن عَبَّاسِ أَنَّهُ قَالَ جَاءَتِ امْرَأَةُ
ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِّ لَا أَغْتُبُ عَلَى ثَابِتِ فِي
دِينِ وَلَا خُلُقٍ، وَلَكِنِّي لَا أُطِيقُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((فَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟)).
قَالَتْ: نَعَمْ. [انظر: ٥٢٧٣ - فتح ٩/ ٣٩٥].

ء
٣٠٣
كِتَابُ الطَّلَاقِ
-
٥٢٧٦- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ المُبَارَكِ المُخَرِّمِيُّ، حَدَّثَنَا قُرَادٌ أَبُو نُوحٍ،
حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ:
جَاءَتِ أَمْرَأَةُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ بْنِ شَمَّاسٍ إِلَى النَّبِيِّ ◌َِّ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَنْقِمُ
عَلَى ثَابِتٍ فِي دِينٍ وَلَا خُلُقٍ، إِلَّ أَّ أَخَافُ الكُفْرَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَ: ((فَتَرُّدِّينَ
عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟)). فَقَالَتْ: نَعَمْ. فَرَدَّتْ عَلَيْهِ، وَأَمَرَهُ فَفَارَقَهَا. [انظر: ٥٢٧٣- فتح ٩ /
٣٩٥].
٥٢٧٧- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ جَمِيلَةَ فَذَكَرَ
الحَدِيثَ. [انظر: ٥٢٧٣- فتح ٣٩٥/٩]
ثم ساق حديث خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما،
أَنَّ أَمْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ وَّهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، ثَابِتُ بْنُ
قَيْسِ لا أَعْتُبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الكُفْرَ فِي الإِسْلَامِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟)). قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ
رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((اقْبَلِ الحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً)). ولا يتابع في ابن عباس.
وعن عكرمة: أَنَّ أُخْتَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بهذا، وَقَالَ: (تَرُدِّينَ
حَدِيقَتَهُ؟)). قَالَتْ: نَعَمْ. فَرَدَّتْه، وَأَمَرَهُ أن يُطَلِّقْهَا .
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ:
((وَطَلِّقْهَا))
وعن أيوب بن أبي تميمة، عن عكرمة، عَنِ ابن عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ:
جَاءَتِ امْرَأَةُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ
إِنِّي لَا أَعْتُبُ عَلَى ثَابِتٍ فِي دِينٍ وَلَا خُلُقٍ، وَلَكِنِّي لَا أُطِيقُهُ. فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((فَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟». قَالَتْ: نَعَمْ.
ثم ساق عن أيوب، عن عكرمة، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةُ
ثَابِتٍ إِلَى رَسولِ نَّهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَنْقِمُ عَلَى ثَابِتٍ فِي دِینٍ

٣٠٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وَلَا خُلُقٍ، إِلَّا أَنِّي أَخَافُ الكُفْرَ. فقال رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((فَتَرُّدِّينَ عَلَيْهِ
حَدِيقَتَهُ؟)). قَالَتْ: نَعَمْ. فَرَدَّتْ عَلَيْهِ، وَأَمَرَهُ فَفَارَقَهَا .
وفي إسناده قراد أبو نوح، وقراد لقب، واسمه عبد الرحمن بن
غزوان مولى خزاعة، سكن بغداد، ومات سنة سبع ومائتين(١).
وعن أيوب عن عكرمة أن جميلة .. فذكر الحديث.
الشرح :
هذا الحديث من أفراد البخاري، وتعليق إبراهيم أخرجه النسائي،
عن أزهر بن جميل، عنه(٢). والخوف في الآية: بمعنى: اليقين، كما
قاله أبو عبيد(٣).
قال الزجاج: ويشبه عندي أن لا يكون الغالب عليهما الخوف،
و﴿يَخَافَآ﴾ الرجل والمرأة، كما قاله الفراء(٤). وقرأ الأعمش وحمزة(٥)
بضم الياء، وعبد الله: (إلا أن يخافوا).
وأثر عمر أخرجه ابن أبي شيبة، عن شعبة، عن الحكم، عن خيثمة
قال: أتى بشر بن مروان في خلع كان بين رجل وامرأته، فلم يجزه، فقال
له عبد الله بن شهاب شهدت عمر بن الخطاب أتى في خلع كان بين رجل
وامرأته فأجازه.
(١) أنظر ترجمته في ((الطبقات الكبرى)) ٣٣٥/٧، ((المعرفة والتاريخ)) ٦١٦/٢،
((الثقات)) ٣٧٥/٨، ((تهذيب الكمال)) ٣٣٥/١٧ - ٣٣٨.
(٢) لم أقف عليه عند النسائي، وقد عزاه العيني في ((عمدة القاري)) ٤٦/١٧
للإسماعيلي، وانظر ((تغليق التعليق)) ٤٦٢/٤.
(٣) ((مجاز القرآن)) ٧٤/١.
(٤) ((معاني القرآن)) ١٤٥/١ - ١٤٦.
(٥) أنظر ((الحجة)) للفارسي ٣٢٨/٢، و((الكشف)) لمكي ٢٩٤/١.

٣٠٥
- كِتَابُ الطَّلَاقِ
وحكاه أيضًا، عن عثمان، وابن سيرين، والشعبي، والزهري،
ويحيى بن سعيد(١) .
وقال الحسن: لا يكون الخلع دون السلطان(٢) .
قال ابن أبي عروبة: قلت لقتادة: عمن أخذ الحسن ذلك؟ قال: عن
زياد، وكان واليًا لعلي وعمر (٣)، دليله: القراءتان الأخريان، ودليل
الجماعة القراءة الأولى.
وأثر عثمان لا يحضرني.
نعم أخرج ابن أبي شيبة، عن عفان، ثنا همام، حدثنا مطر، عن
ثابت، عن عبد الله بن رباح، أن عمر (قال) (٤): أخلعها بما دون
عقاصها. وفي لفظ: أخلعها ولو من قرطها. وعن ابن عباس: حتى
من عقاصها، وقاله أيضًا مجاهد وإبراهيم(٥) .
قال ابن المنذر: وبنحوه قال ابن عمر والضحاك وعثمان بن عفان
وعكرمة، وهو قول الشافعي وداود.
وأثر طاوس أخرجه ابن أبي شيبة أيضًا عن ابن علية، ثنا ابن جريج،
عنه، بلفظ: يحل له الفداء بما قال الله: ﴿إِلَّ أَنْ يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ
الـ
[البقرة: ٢٢٩ ]
(ولم يكن يقول قول السفهاء: حتى تقول: لا أغتسل لك من جنابة).
ولكنه يقول: إلا ألا يقيما حدود الله فيما افترض لكل واحد منهما على
(١) ابن أبي شيبة ١٢٤/٤-١٢٥.
(٢) عبد الرزاق ٤٩٥/٦ (١١٨١٤).
(٣) عزاه الحافظ في ((الفتح)) ٩/ ٣٩٧ إلى ((كتاب النكاح)) لسعيد بن أبي عروبة.
(٤) من (غ)
(٥) انظر هذِه الآثار في ابن أبي شيبة ١٢٩/٤.

٣٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
(صاحبه)(١) في العشرة والصحبة (٢).
وقد أسلفت لك أن حديث ابن عباس من أفراد البخاري، وأخرجه
الترمذي محسنًا من حديث عمرو بن مسلم، عن عكرمة، عن ابن عباس،
وفيه: فأمرها أن تعتد بحيضة(٣) .
وأخرجه ابن ماجه من حديث ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن
عكرمة، عنه، أن جميلة بنت سلول .. الحديث. فأمره أن يأخذ منها
حديقته ولا يزداد.
وله أيضًا من حديث حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن
جده قال: كانت حبيبة بنت سهل تحت ثابت وكان رجلًا دميمًا،
فقالت: والله يا رسول الله لولا مخافة الله لبصقت في وجهه، فقال:
((أتردين عليه حديقته؟)) .. الحديث(٤).
وهذا قول ثانٍ في أسمها حبيبة لا جميلة، وكذا سماها ابن وهب في
(موطآته)) عن مالك، عن يحيى، عن عمرة، عن حبيبة.
ورواه أبو داود من حديث عمرة، عن عائشة بزيادة: فضربها، فكسر
بعضها. وفي آخره: فقال: ((خذ بعض مالها وفارقها)). فقال ثابت:
ويصلح ذلك يا رسول الله؟ قال: ((نعم)). قال: فإني أصدقتها
حديقتين، وهما بيدها، فقال: ((خذهما وفارقها))(٥).
(١) في الأصول: الصحبة، والمثبت من ابن أبي شيبة.
(٢) ابن أبي شيبة ١٢١/٤ (١٨٤١٨).
(٣) الترمذي (١١٨٥).
(٤) ابن ماجه (٢٠٥٦، ٢٠٥٧).
(٥) أبو داود (٢٢٢٨).

٣٠٧
كِتَابُ الطَّلَاقِ
=
وذكر عبد الرزاق، عن معمر قال: بلغني أنها قالت لرسول الله وعليه :
بي من الجمال ما ترى، وثابت رجل دميم (١).
وروى معتمر بن سليمان، عن فضيل، عن أبي جرير، عن عكرمة،
عن ابن عباس: أول خلع كان في الإسلام أن أخت عبد الله بن أبي
قالت: يا رسول الله، لا يجتمع رأسي ورأسه أبدًا، إني رفعت جانب
الخباء فرأيته أقبل في عدة، فإذا هو أشدهم سوادًا، وأقصرهم قامة،
وأقبحهم وجهًا. فقال: ((أتردين عليه حديقته؟)) قالت: نعم، وإن شاء
زدته. ففرق بينهما (٢) .
وللنسائي من حديث الرُّبَيِّع بنت معوذ قالت: اختلعت من زوجي،
ثم جئت عثمان فسألت: ماذا عليَّ من العدة؟ فقال: لا عدة عليك،
إلا أن يكون حديث عهد بك فتمكثين عنده حتى تحيضي حيضة.
قالت: وإنما تبع في ذلك قضاء رسول الله وٍَّّ في مريم المغالية.
وكانت تحت ثابت بن قيس فاختلعت منه(٣).
وفي اسمها قول ثالث أنها سهلة بنت حبيب، ذكره ابن الجوزي عن
بعض الروايات، قاله بعد ذكره حبيبة بنت سهل، وابن سعد، فقال:
جميلة بنت عبد الله بن أبي بن سلول، وكانت تحت حنظلة، فلما قتل
عنها خلف عليها ثابت، فولدت له محمدًا -قتل يوم الحرة- قال:
وهي أخت عبد الله بن عبد الله بن أبي لأبيها وأمها (٤).
(١) عبد الرزاق ٤٨٣/٦ (١١٧٥٩)
(٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٤٧٥/٢ (٤٨١١).
(٣) النسائي ١٨٦/٦-١٨٧.
(٤) ((الطبقات الكبرى)) ٣٨٢/٨.

٣٠٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ثم ذكر ابن سعد أن حبيبة بنت سهل النجارية هي المختلعة من
ثابت، وكان التَّ قد هَمَّ أن يتزوجها، وهي جارية، ثم ذكر غيرة
الأنصار، فكره أن يسوءهم في نسائهم، فتزوجها ثابت وأنه ضربها،
فأصبحت على باب رسول الله وَّر في الغلس تشكو. الحديث(١).
وفي ((الاستيعاب)): رواية البصريين: المختلعة: جميلة بنت أُبي.
ورواية أهل المدينة: هي حبيبة بنت سهل بن ثعلبة الأنصاري. قال:
وجائز أن تكون حبيبة وجميلة بنت أُبي اختلعتا من ثابت(٢).
وأما ابن منده فذكر أن جميلة بنت عبد الله بن أبي لما قتل عنها
زوجها حنظلة بن أبي عامر تزوجها ثابت، فمات عنها، فخلف عليها
مالك بن الدخشم، وأن المختلعة جميلة بنت أبي المذكور قبل. أورد
ذلك عليه أبو نعيم الحافظ(٣)، وزعم ابن الأثير أنها جميلة بنت أُبي،
لا ابنة عبد الله، هذا هو الصحيح(٤).
وقال الدمياطي: جميلة بنت عبد الله هو الصواب، لا أخته كما وقع
في البخاري وليس كما قال؛ لأنها إذا كانت أخت عبد الله فهي ابنة
عبد الله، فعبد الله أخوها هو ابن عبد الله، فعلى هذا هي أخت
عبد الله وابنة عبد الله، توضحه رواية النسائي فأتى أخوها عبد الله
(فشكى)(٥) إلى رسول الله وَّةٍ(٦).
(١) ((الطبقات الكبرى)) ٤٤٥/٨-٤٤٦.
.(٢) ((الاستيعاب)) ٣٦٤/٤، ٣٧٠.
(٣) ((معرفة الصحابة)) ٣٢٨٦/٦ (٣٨١٤).
(٤) ((أسد الغابة)) ٥٤/٧.
(٥) في الأصول: (فشكت) ولعل الصواب ما أثبتناه كما في ((سنن النسائي)).
(٦) النسائي ١٨٦/٦.

٣٠٩
كِتَابُ الطَّلَاقِ
=
ووقع في ((سنن ابن ماجه)): جميلة بنت سلول(١)، وكذا في كتاب
ابن أبي شيبة من حديث أبي الطفيل سعيد بن جميل، عن عكرمة
قال: عدة المختلعة حيضة، قضى بها رسول الله وَل في جميلة بنت
سلول. (٢).
وكذا سماها الطبراني في ((معجمه)) من حديث قتادة عن عبد الله(٣)،
وهو صحيح؛ فإنه نسبها إلى جدها الأعلى المشهور، ومن عادة
العرب النسبة إلى الأب المشهور، والإعراض عمن ليس في مثله من
الشهرة .
إذا تقرر ذلك، فالرب جل جلاله حرم على الزوج أن يأخذ من أمرأته
شيئًا مما آتاها الله إلا بعد الخوف الذي ذكر، ثم أكد الله ذلك بتغليظ
الوعيد على من تعدى أو خالف أمره، فقال تعالى: ﴿ِلَّكَ حُدُودُ اللَّهِ
فَلاَ تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وبمعنى الكتاب جاءت السنة في جميلة
المذكورة. وفي رواية قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس: لا أطيقه
بغضًا (٤). وهو أول خلع جرى في الإسلام كما سلف، وهو أصل
الخلع وعليه جمهور العلماء.
قال مالك: لم أزل أسمع ذلك من أهل العلم، وهو الأمر المجمع
عليه عندنا أن الرجل إذا لم يضر بالمرأة ولم يسئ إليها، ولم تُؤت من
قبله، وأحبت فراقه، فإنه يحل له أن يأخذ منها كل ما أفتدت به كما فعله
الشارع في هذِه المرأة، وإن كان النشوز من قبله بأن يضربها ويضيق
(١) ابن ماجه (٢٠٥٦).
(٢) ابن أبي شيبة ٢٤/٤ (١٨٤٥٧).
(٣) ((المعجم الكبير)) ١١/ ٣١٠ (١١٨٣٤) من حديث قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس.
(٤) رواه ابن ماجه (٢٠٥٦)، والطبراني في ((الكبير)) ٢١١/٢٤، والبيهقى ٣١٣/٧.

٣١٠
:
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
عليها، رد عليها ما أخذه منها(١). روي هذا عن ابن عباس وعامة
السلف، وبه قال الثوري وإسحاق وأبو ثور (٢).
وقال أبو حنيفة: إن كان النشوز من قبله لم يحل له أن يأخذ مما
أعطاها شيئًا ولا يزداد، فإن فعل جاز في القضاء (٣).
وروى ابن القاسم عن مالك مثله (٤).
وهذا القول خلاف ظاهر كتاب الله وسنة رسوله في أمرأة ثابت،
وإنما فيه أخذ الفدية من الناشز لزوجها، إذا كان لنشوزها كارهًا،
وللمقام معها محبًّا، وإن كانت الإساءة من قبله لم يجز أن يأخذ منها
شيئًا لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدَثُمُ اُسْتِبْدَالَ زَوْجِ شَكَانَ زَوْجٍ وَءَاتَيْتُمْ
إِحْدَهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ الآية [النساء: ٢٠].
قال مجاهد: مجامعة النساء. والميثاق الغليظ: كلمة النكاح التي
يستحل بها فروجهن، فجعله ثمنًا للإفضاء(٥).
قال ابن المنذر: واحتج بعض المخالفين فقال: لما جاز أن يأخذ
مالها إذا طابت به نفسًا على غير طلاق جاز أن يأخذه على طلاق.
قيل: هذا غلط كبير؛ لأنه حمل ما حرمه الله في كتابه من أبواب
المعاوضات على ما أباحه من سائر أبواب العطايا المباحة، فيجوز
(١) ((الموطأ)) ص٣٤٩. بتصرف.
(٢) أنظر: ((الإشراف)) ١٩٣/١.
(٣) أنظر: ((مختصر الطحاوي)) ص١٩١.
(٤) الضمير في: (مثله) عائد على قول مالك السابق: لم أزل أسمع ... انظر:
((الاستذكار)» ١٨٠/١٧، ثم زاد: قال: إن كان النشوز من قبله حل له ما أعطته
علی الخلع إذا رضيت بذلك، ولم یکن في ذلك ضرر منه بها.
(٥) ((تفسير مجاهد)) ١/ ١٥٠، ١٥١ بتصرف.

٣١١
كِتَابُ الطَّلَاقِ
=
لهذا القائل أن يشبه ما حرم الله من الربا في كتابه بما أباح من العطايا
على غير عوض، فيقول: لما أبيح لي أن أهب مالي بطيب نفس من
غير عوض، جاز لي أن أعطيه في أبواب الربا بعوض.
فإن قال: لا يجوز ذلك فلتعلم أنه قد أتى مثل ما أنكر في باب الربا
حيث شبه قوله تعالى: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُهُ هَنِيْئًا فَّيَا﴾.
[النساء: ٤] بما حرم في قوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُواْ﴾(١) الآية
[البقرة: ٢٢٩].
وفي الحديث دلالة على فساد قول من قال: لا يجوز له أخذ الفدية
منها، حتى يكون من كراهته لها على مثل ما هي عليه.
وهو قول طاوس والشعبي. وروي مثله عن القاسم بن محمد
وسعيد بن المسيب. قال الطبري: وذلك أن أمرأة ثابت .. فذكر
الحديث، ولم يسأل ثابتًا هل أنت لها كاره كراهتها لك؟ فإن ظن
أن قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُواْ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٩] يدل
على أن الزوج إنما أبيح له أخذ الفدية إذا خاف من كل واحد منهما
-ببغض صاحبه- التقصير في الواجب له عليه، قيل له: هو خطاب
لجميع المؤمنين، وكان معلومًا أن المرأة إذا أظهرت لزوجها البغضة
لم يزل عنها النشوز والتقصير في حق زوجها .
وإذا كان كذلك لم يزل من زوجها مثل ذلك من التقصير في الواجب
عليه(٢). ويروى عن ابن سيرين أنه قال: لا يحل للزوج الخلع حتى يجد
على بطنها رجلًا(٣). وهذا خلاف الحديث.
(١) ((الإشراف)) ١٩٤/١ بتصرف.
(٢) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٤٢٢/٧.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٤/ ١٢٠ (١٨٤٠٧).

٣١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
فصل :
ترجمته بالخلع وكيف الطلاق فيه، كان مراده بهما بيان الخلع وأنه
طلقة بائنة. وقد اختلف العلماء في البينونة بالخلع على قولين(١):
أحدهما: وروي عن عثمان وعلي وابن مسعود أنه تطليقة بائنة إلا أن
تكون قد سمت ثلاثًا، فهي ثلاث(٢)، وهو قول مالك والثوري والكوفيين
والأوزاعي، وأحد قولي الشافعي.
والثاني: أنه فسخ وليس بطلاق إلا أن ینويه. روي عن ابن عباس
وطاوس وعكرمة، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور، وهو قول الشافعي
الآخر. واحتج في أنه ليس بطلاق؛ لأنه مأذون فيه لغير قبل العدة
بخلاف الطلاق.
قال ابن عباس: قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةً
عمر سن ج
[البقرة: ٢٢٨] وقال: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ بِهٍ﴾ [البقرة:
قُرُوْءٍ﴾
٢٢٩] ثم ذكر الطلاق بعد الفدية، ولم يذكر في الفداء طلاقًا، فلا أُراه
طلاقًا (٣) .
واحتج من جعله طلاقًا بقوله في الحديث: فردت الحديقة وأمره
بفراقها. فصح أن فراق الخلع طلاق.
وقال الطحاوي: روي عن عمر وعلي أن الخلع طلاق. وعن عثمان
وابن عباس أنه ليس بطلاق، وأجمعوا أنه لو أراد به الطلاق لكان
طلاقًا .
(١) أنظر هذه المسألة في: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤٦٥/٢، ((الاستذكار))
١٨٤/١٧-١٨٨، ((الإشراف)) ١٩٦/١، ((المغني)) ٢٧٤/١٠.
(٢) انظر هذِه الآثار في ابن أبي شيبة ١٢١/٤- ١٢٢.
(٣) عبد الرزاق ٦/ ٤٨٥-٤٨٦ (١١٧٦٥).

٣١٣
- كِتَابُ الطَّلَاقِ
ولما كان تقع (به)(١) الفرقة عند الجميع بغير نية علم أنه ليس
كالمكني الذي يحتاج إلى نية، وعلم أنه طلاق.
وقال الشافعي: فإن قيل: فإذا جعلته طلاقًا فاجعل فيه الرجعة. قيل
له: لما أخذ من المطلقة عوضًا، كان كمن ملك عوضًا بشيء خرج عن
ملكه، فلم يكن له رجعة فيما ملك عليه، فكذلك المختلعة(٢).
فصل :
واختلفوا في الخلع بأكثر مما أعطاها، فقالت طائفة: لا يجوز له
الخلع بأكثر من صداقها هذا قول عطاء وطاوس، وكره ذلك ابن
المسيب والشعبي والحكم(٣).
وقال الأوزاعي: كانت القضاة لا يجيزون له منها أكثر مما ساق
إليها، وبه قال أحمد وإسحاق. قالوا: وهو ظاهر حديث ثابت؛ لأن
أمرأته إنما ردت عليه حديقته فقط، وحكاه ابن التين عن أهل الكوفة.
وقالت طائفة: يجوز أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، وهو مذهب
عثمان وابن عمر وقبيصة والنخعي، وبه قال مالك وأبو حنيفة
والشافعي وأبو ثور. وقال مالك: يجوز أن يأخذ منها أكثر مما ساق
إليها، وليس من مكارم الأخلاق.
قال: ولم أر أحدًا ممن يقُتدى به يكره ذلك، وقد قال الله تعالى:
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ بِهِءٌ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وقد نزع بهُذِه الآية قبيصة بن
ذؤيب(٤). قال إسماعيل: وقد احتج بهذه الآية من قال: يجوز أن يأخذ
(١) من (غ).
(٢) ((مختصر المزني)) ٤/ ٥٢.
(٣) أنظر هُذِه الآثار في ((مصنف عبد الرزاق)) ٥٠١/٦، ٥٠٣، ٥٠٤.
(٤) أنظر هذه المسألة في: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤٦٤/٢-٤٦٥، ((شرح ابن
بطال)) ٤٢٢/٧-٤٢٣، ((الإشراف)» ١٩٥/١.

٣١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
منها أكثر مما ساق إليها، وليس كما ظن، ولو قال إنسان: لا تضربن
فلانًا إلا أن تخاف منه شيئًا، فإن خفته فلا جناح عليك فيما صنعت
به، لكان مطلقًا له أن يصنع به ما شاء.
ومعنى قول البخاري: (وَأَجَازَ عُثْمَانُ الخُلْعَ دُونَ عِقَاصِ رَأْسِهَا)
يعني: أن يأخذ منها كل مالها إلى أن يكشف رأسها ويترك لها قناعها
وشبهه، ممالا كبير قيمة له. وقد قال: أخلعها ولو من قرطها .
فصل :
(١) (وأجاز عمر الخلع دون السلطان)، هو قول الجمهور إلا الحسن
وابن سيرين، فإنهما قالا: لا يكون إلا عند السلطان.
وقال قتادة: إنما أخذه الحسن عن زياد، وكان واليًا لعلي وعمر.
وقال الطحاوي: روي عن عثمان وابن عمر جوازه دون السلطان،
وكما جاز النكاح والطلاق دون السلطان كذلك الخلع (٢).
فصل :
قال ابن حزم: الحنفيون والمالكيون لا يجوز لهم الاحتجاح بهذا
الخبر؛ لأن من قولهم: إذا خالف الصاحب ما رواه عن رسول الله
وَلّ دل على نسخه وضعفه. قال: وهذا الخبر لم يأتِ إلا من طريق
ابن عباس. والثابت عن ابن عباس ما ذكرناه من أن الخلع ليس
طلاقًا(٣) .
قلت: كأن البخاري رواه مسندًا كما ذكره بعد.
(١) ورد بهامش الأصل: لعله سقط : قوله.
(٢) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤٦٦/٢.
(٣) ((المحلى)) ٢٣٩/١٠.

٣١٥
كِتَابُ الطَّلَاقِ
=
وقوله: (لا يتابع فيه(١) عن ابن عباس). وقد سئل أحمد - فيما حكاه
الخلال- عن حديث ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس به، فقال
أحمد: إنما ذاك مرسل. ثم قال لأحمد بن الحسين: من حدثك به؟
قال: ابن أبي شيبة، عن الوليد بن مسلم، عن ابن جريج، وزعم أنه
غريب. قال أحمد: صدق إنه غريب. وإنما كان خطأ فهو غريب.
وقال ابن أبي حاتم في ((علله)) عن أبيه: إنما هو عطاء عن رسول الله
وَج* مرسل، ولما سأله ابنه أيضًا عن حديث حميد: جاءت امرأة ثابت ..
الحديث. بلفظ: ((خذ الحديقة التي أعطيتها واخلعها)). قال: هذا خطأ .
إنما هو حميد، عن أبي الخليل، عن عكرمة أن أمرأة ثابت. وأخطأ فيه
أبو جعفر الرازي، إذ رواه عن حميد عن أنس(٢). وقد أسلفناه أيضًا
مسندًا من غير هذا الوجه، لكنه ليس على شرطه.
قال: وأما من قال: لا يجوز الخلع، وكما رويناه من طريق
(الحجاج بن إسماعيل)(٣): ثنا عقبة بن أبي الصهباء قال: سألت
بكر بن عبد الله المزني عن الخلع قال: لا يحل له أن يأخذ منها.
قلت: قول الله: ﴿فَلَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْئَدَتْ بِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٩] قال:
نسخت هذِه الآية. وذكر أن الناسخة لها قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدَّثُمُ اُسْتِبْدَالَ
زَوَّجِ﴾ (٤) [النساء: ٢٠].
قال ابن عبد البر: أجمع الجمهور من العلماء أن الخلع والفدية
والصلح كل ذلك جائز بين الزوجين في قطع العصمة بينهما. وأن كل
(١) في الأصل: (عليه)، والمثبت من (غ). وانظر ((اليونينية)) ٧/ ٤٧.
(٢) ((العلل)) ٤٣٤/١
(٣) هكذا في الأصول وفي ((المحلى)): الحجاج بن المنهال.
(٤) ((المحلى)) ٢٣٦/١٠.

٣١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
ما أعطته على ذلك حلال له إذا كان مقدار الصداق فما دونه، وكان
ذلك من غير إضرار بها، ولا إساءة إليها، إلا بكر بن عبد الله فإنه شذ
فقال: لا يحل له أن يأخذ منها شيئًا على حال من الأحوال. وقوله
خلاف السنة الثابتة في أمرٍ ثابتٍ، فلا ينبغي لعالم أن يجعل شيئًا من
القرآن منسوخًا إلا بتدافع يمنع من استعماله وتخصيصه وإذا حمل
قوله: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ بِهِءٌ﴾ [البقرة: ٢٢٩] أنه يرضى بها،
وحمل قوله: ﴿فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] على أنه بغير
رضاها، صح استعمال الأثنين.
وقد بينت السنة ذلك في قصة ثابت، وعليه جماعة العلماء، إلا من
شذ عنهم ممن هو محجوج بهم؛ لأنهم لا يجوز عليهم الإطباق والاجتماع
على تحريف الكتاب العزيز، وجهل تأويله، وينفرد بعلم ذلك واحد
(١)
غيرهم(١).
قال ابن حزم: واحتج من ذهب إلى قول بكر بحديث ثوبان مرفوعًا :
((أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها الجنة))(٢)
وبحديث النسائي عن الحسن، عن أبي هريرة مرفوعًا ((المختلعات هن
المنافقات)) قال الحسن: لم أسمعه من أبي هريرة، فسقط(٣).
وأما الخبر الأول: فلا حجة فيه في المنع من الخلع؛ لأنه إنما فيه
الوعيد على السائلة الطلاق من غير ما بأس، وكذا نقول (٤).
(١) ((الاستذكار)) ١٧٥/١٧ -١٧٦.
(٢) رواه أبو داود (٢٢٢٦)، الترمذي (١١٨٧)، ابن ماجه (٢٠٥٥)، أحمد ٢٧٧/٥.
(٣) النسائي ١٦٨/٦ وقول الحسن فيه: لم أسمعه من غير أبي هريرة، كما سيبينه
المصنف.
(٤) ((المحلى)) ٢٣٦/١٠.

٣١٧
كِتَابُ الطَّلَاقِ
=
قلت: حديث ثوبان قال الترمذي فيه: رواه بعضهم بهذا الإسناد ولم
يرفعه(١).
وقال في ((علله)): سألت محمدًا عنه فلم يعرفه(٢)، وما ذكره عن
الحسن سقط فيه شيء، وصوابه: من أحد غير أبي هريرة، كما هو
ثابت في النسائي ((الكبير)) رواية ابن الأحمر(٣)، وهو يؤيد من قال:
الحسن سمع منه .
وقد ذُكر سماعه منه في ((مسند أبي داود الطيالسي)) والطبراني في
أوسط معاجمه وأصغرها (٤).
وقال أبو داود فيما حكاه ابن خلفون: زعم عبد الرحمن أن الحسن
كان يقول: ثنا أبو هريرة. وهذا أثبت.
وروى ابن شاهين في ((ناسخه)) من حديث عنه: حدثنا. ثم قال:
هذا صحيح غريب(٥).
(١) الترمذي (١١٨٧).
(٢) ((علل الترمذي)) ٤٦٩/١.
(٣) ((السنن الكبرى)) ٣٦٨/٣ (٥٦٥٥).
(٤) منها ما رواه أبو داود الطيالسي في ((مسنده)) ٥٠٤/٣ (٢١٢٦) حديث: ((خرج ثلاثة
فيمن كان قبلكم .. ))، الطبراني في ((الأوسط)) ٥٦/١ (١٥٦) حديث: ((أهل
المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة .. )) الحديث، ((الصغير)) ٩٩/٢
(٨٥٥) حديث: ((ليعذرن الله تعالى يوم القيامة إلى آدم .. )) الحديث.
وقال الطبراني عقبه: لا يُروى هذا الحديث عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد وقال:
وهذا الحديث يؤيد قول من قال: إن الحسن قد سمع من أبي هريرة بالمدينة.
(٥) الذي في ((ناسخ الحديث ومنسوخه)) ص٤٩: الحسن عن أبي رافع، عن أبي
هريرة، ليس فيه: حدثنا، وقال ابن شاهين عقبه: هذا حديث صحيح غريب
ما كتبناه عن أحد إلا عن عبد الله بن سليمان. اهـ.

٣١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال الدارقطني في ((علله)) عن موسى بن هارون: سمع الحسن
منه(١). وفي ابن ماجه بإسناد جيد عن ابن عباس مرفوعًا: ((لا تسأل
المرأة زوجها الطلاق في غير كنهة، فتجد ريح الجنة، وإن ريحها
ليوجد من مسيرة أربعين عامًا))(٢).
فصل :
قال ابن حزم: أحتج من قال: إن الخلع ليس بطلاق بقول عثمان
رضي الله عنه للرُّبَيِّع بنت معوذ لما اختلعت من زوجها لتنتقل،
ولا ميراث بينهما ولا عدة عليها، إلا أنها لا تنكح حتى تحيض
حيضة، خشية أن يكون بها حمل.
وعن ابن عباس: الخلع تفريق وليس بطلاق. وفي رواية: سئل عن
رجل طلق امرأته تطليقتين، ثم أختلعت منه أينكحها؟ قال: نعم، ذكر الله
الطلاق في أول الآية وآخرها، والخلع فيما بين ذلك. وقال ابن طاوس:
أبي لا يرى الفداء طلاقًا، ويجيزه بينهما .
وعن عكرمة: ما أجازه المال فليس بطلاق.
وقال عبد الله بن أحمد: رأيت أبي كأنه يذهب إلى قول ابن عباس
في هذا، وهو قول إسحاق وأبي ثور وأبي سليمان وأصحابه(٣).
وعن أحمد أنه طلاق كقول أبي حنيفة، حكاها ابن الجوزي(4)،
وعن الشافعي قولان سلفا .
(١) ((علل الدار قطني)) ٢٤٩/٨.
(٢) ابن ماجه (٢٠٥٤).
(٣) ((المحلى)) ٢٣٧/١٠-٢٣٨.
(٤) ((التحقيق في أحاديث الخلاف)) ٢٩٤/٢.

٣١٩
= ڪِتَابُ الطَّلَاقِ
قال في ((المغني)): والفسخ اختيار أبي بكر، وهو قول طاوس
وإسحاق وأبي ثور(١)، وفي ((الإشراف)) لابن هبيرة أنه الصحيح عن
أحمد(٢).
وقد أسلفناه عن عثمان وعلي وابن مسعود، وضعف أحمد أحاديثهم،
وقال: ليس لنا في الباب أصح من حديث ابن عباس. قال: وذلك أنها
فرقة حلَّت من صريح الطلاق ونيته، فكانت فسخًا كسائر الفسوخ، وإن
قلنا: هو فسخ لم تحرم عليه وإن خالعها مائة مرة إذا خالعها بغير طلاق
ولا نية طلاق.
قال ابن حزم: أما احتجاج ابن عباس بالآية فكذلك هو، إلا أنه
ليس فيه طلاقًا، ولا أنه طلاق فوجب الرجوع إلى بيان رسول الله
وَ*، وهو ما تقدم من قصة ثابت من حديث مالك عن يحيى الذي
قال فيه لثابت: ((خذ منها)) فأخذ منها وجلست في أهلها. ومن حديث
الرُّبَيِّع فذكر حديثها السالف.
وفيه: فقال: ((خذ منها الذي لها وخلٍّ سبيلها)). قال: نعم. فأمرها
أن تتربص حيضة واحدة وتلحق بأهلها. فأخبرت بذلك ابن عمر،
فقال: عثمان خبرنا وأعلمنا. فهذا عثمان وابن عمر والرُبّيع وعمها
الذي رفع أمرها إلى عثمان كلهم صحابة، وكلهم رآه فسخًا لا طلاقًا،
ومن طريق عبد الرزاق عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة قال:
اختلعت أمرأة ثابت فجعل القَّة: عدتها حيضة. قالوا: فهذا بين أن الخلع
ليس طلاقًا لكنه فسخ.
(١) ((المغني)) ٢٧٤/١٠.
(٢) ((الإفصاح)) لابن هبيرة ١٩٣/٨.

٣٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وأما حديث عبد الرزاق فساقط؛ لأنه مرسل، وفيه عمرو بن مسلم،
وليس بشيء(١). قلت: عمرو هذا من رجال مسلم، وهو جَنَدي يماني،
قال ابن معين: لا بأس به. وذكره ابن حبان وغيره في ((ثقاته))(٢).
وقال أبو أحمد الجرجاني: ليس له حديث منكر(٣). وقد وصله
أبو داود من طريق معمر عن مسلم، عن عكرمة، عن ابن عباس أن
أمرأة ثابت فذكره(٤) .
قال ابن حزم: وخبر الرُّبَيِّع وحبيبة فلو لم يأتِ غيرهما لكان حجة
قاطعة، لكن روينا من طريق البخاري، وساق حديث الباب، وفيه:
((وطلقها تطليقة)). وكان هذا الخبر فيه زيادة على الخبرين المذكورين
لا يجوز تركها، وإذا هو طلاق فقد ذكر الله عدة الطلاق، فهو زائد
على ما في حديث الرُّبَيِّع، والزيادة لا يجوز تركها(٥) .
فصل :
قال ابن حزم: وطلاق الخلع رجعي إلا أن يطلقها ثلاثًا، أو آخر
ثلاث تطليقات، أو تكون غير موطوءة، ويجوز الفداء بجميع
ما تملك، ولا يجوز بمال مجهول، وإن راجعها الزوج في العدة رد
جميع ما أفتدت به إلا أن يعلمها عند الافتداء أن طلاقها رجعي، فلا
يرد لها شيئًا(٦).
:
(١) ((المحلى)) ٢٣٧/١٠، ٢٣٨.
(٢) ((الثقات)) ٢١٧/٧.
(٣) ((الكامل)) ٢١١/٦ (١٢٨٤).
(٤) أبو داود (٢٢٢٩)، قال أبو داود: وهذا الحديث رواه عبد الرزاق عن معمر، عن
عمرو بن مسلم، عن عكرمة، عن النبي وَلّ مرسلاً. اهـ
(٥) ((المحلى)) ٢٣٩/١٠.
(٦) ((المحلى)) ٢٣٩/١٠، ٢٤٠.