Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
كِتَّابُ الرَّضَاعِ
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سُئِلَ: المرأة تصدق من مال
زوجها؟ قال: لا إلا من قوتها، والأجر بينهما، وأما من ماله فلا(١).
وقال ابن شهاب: أذن للمرأة أن تصدق من بيت زوجها باليسير.
وقد سلف إيضاح ذلك في الزكاة.
(١) رواه أبو داود (١٦٨٨).

٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٨٧ - باب
٥١٩٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، أَخْبَرَنَا التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ
أَسَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نََّ قَالَ: ((قُمْتُ عَلَى بَابِ الجَنَّةِ فَكَانَ عَامَّةَ مَنْ دَخَلَهَا
المَسَاكِينُ، وَأَصْحَابُ الجَدِّ مَحْبُوسُونَ، غَيْرَ أَنَّ أَصْحَابَ النَّارِ قَدْ أُمِرَ بِهِمْ
إِلَى النَّارِ، وَقُمْتُ عَلَى بَابِ النَّارِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا النِّسَاءُ)). [انظر: ٦٥٤٧ -
مسلم: ٢٧٣٦ - فتح ٩ /٢٩٨] .
ذكر فيه حديث أسامة رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((قُمْتُ عَلَى
بَابِ الجَنَّةِ فَكَانَ عَامَّةَ مَنْ دَخَلَهَا المَسَاكِينُ، وَأَصْحَابُ الجَدِّ مَحْبُوسُونَ،
غَيْرَ أَنَّ أَصْحَابَ النَّارِ قَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، وَقُمْتُ عَلَى بَابِ النَّارِ فَإِذَا
عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا النِّسَاءُ)»
الشرح:
هذا الحديث أخرجه البخاري من حديث إسماعيل -هو ابن علية-
أنا التيمي، عن أبي عثمان، عن أسامة به. وأخرجه مسلم في آخر
الدعوات(١)، والنسائي في عشرة النساء والمواعظ والرقاق(٢)، وأغفلها
ابن عساكر، ولم يترجم عليه البخاري بترجمة، والذي يظهر أنه ساقه
في التحذير من مخالفة الزوج فيما هو حق له، وقد أخبر أن عامة من
(١) مسلم (٢٧٣٦) كتاب: الرقاق، باب: أكثر أهل الجنة الفقراء، وأكثر أهل النار
النساء ..
قلت: الحديث في أول كتاب الرقاق وهو يلي كتاب الدعوات، فلعل المصنف لم
ينتبه للفصل بين الكتابين.
(٢) ((السنن الكبرى)) (٩٢٦٥) في عشرة النساء، وعزاه في ((تحفة الأشراف)) (١٠٠)
إلى المواعظ، والرقائق في ((الكبرى)) ثم قال: كتاب المواعظ، وكتاب الرقائق
للنسائي ليسا في الرواية ولم يذكرهما أبو القاسم.

٢٣
كِتَابُ الرَّضَاعِ
=
دخل النار النساء. ((والْجَدِّ)) بفتح الجيم: الحظ والغنى. وكذا أبو الأب،
وكذا العظمة، ومنه ﴿حَدُّ رَبِنَا﴾ [الجن: ٣]، وكذا الجد: القطع.
وبالكسر: الاجتهاد.
وقوله: ( ((مَحْبُوسُونَ)) ) كذا هو في الأصول بالحاء المهملة ثم باء
من الحبس، وكذا هو عند أبي ذر، وهو ظاهر، وقال ابن التين: كذا هو
عند الشيخ أبي الحسن، ولعله بفتح الباء والواو، اسم مفعول من
أحبوس، قال أهل اللغة: يقال: احبوس بالمكان إذا أقام به حبوسًا
(فهم)(١) موثوقون لا يستطيعون الفرار.
قال الداودي: أرجو أن يكون المحبوسون أهل التفاخر؛ لأن
أفاضل هذِه الأمة كان لهم أموال، ووصفهم الله بأنهم سابقون. ثم
نقل عن نسخة أبي ذر ما قدمناه، قال: وهو بين.
ولما نقل ابن بطال عن المهلب أن في الحديث أن أقرب ما يدخل به
الجنة التواضع، وأن أبعد الأشياء من الجنة التكبر بالمال وغيره، وإنما
صار أهل الجد محبوسين؛ لمنعهم حقوق الله الواجبة للفقراء في
أموالهم، فحبسوا للحساب عما منعوه، فأما من أدى حقوق الله في
ماله فإنه لا يحبس عن الجنة، إلا أنهم قليل، إذا كثر شأن المال
تضيع الحقوق فيه؛ لأنه محنة وفتنة ألا ترى قوله: ((فَكَانَ عَامَّةَ مَنْ
دَخَلَهَا المَسَاكِينُ)) وهذا يدل أن الذين يؤدون حقوق الله في المال
ويسلمون من فتنته هم الأقلون، وقد احتج بهذا الحديث من فضل
الفقر على الغنى(٢)، وستعرف ما فيه في الزهد إن شاء الله تعالى.
(١) من (غ).
(٢) (شرح ابن بطال)) ٣١٨/٧.

٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٨٨- باب كُفْرَانِ العَشِيرِ
وَهْوَ الزَّوْجُ، وَهْوَ الخَلِيطُ مِنَ المُعَاشَرَةِ. فِيهِ أبو سَعِيدٍ،
عَنِ النَّبِّ ◌َِّ .
٥١٩٧- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ
عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسِ أَنَّهُ قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولٍ
اللهِوَّةِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ وَّةِ وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوَا مِنْ سُورَةِ البَقَرَةِ،
ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهْوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا
طَوِيلًا وَهْوَ دُونَ الزُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ القِيَامِ
الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ زُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الزُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ
دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الزَّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ
أَنْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ: ((إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ
لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا الله)). قَالُوا:
يَا رَسُولَ اللهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هذا، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَفْكَغتَ. فَقَالَ: «إِنِّي
رَأَيْتُ الجَنَّةَ - أَوْ أُرِيتُ الجَنَّةَ- فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ
مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا، وَرَأَيْتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا
النِّسَاءَ)). قَالُوا: لمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((بِكُفْرِهِنَّ)) . قِيلَ: يَكْفُزْنَ بِاللهِ؟! قَالَ: ((يَكْفُرْنَ
العَشِيرَ، وَيَكْفُزْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنَْكَ
شَيْئًا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطَّ)). [انظر: ٢٩ - مسلم: ٩٠٧ - فتح ٢٩٨/٩].
٥١٩٨- حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الهَيْثَمِ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنْ عِمْرَانَ، عَنِ
النَّبِيِّ وَ قَالَ: ((الطَّلَعْتُ فِي الجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الفُقَرَاءَ، وَاطَّلَعْتُ فِي
النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ)). تَابَعَهُ أَيُّوبُ وَسَلْمُ بْنُ زَرِيرٍ. [انظر: ٣٢٤١ - مسلم:
٢٧٣٨- فتح ٢٩٨/٩].

٢٥
ـ كِتَابُ الرَّضَاعِ
ثم ساق حديث ابن عباس في الخسوف. وفيه: ((يكفرن العشير،
ويكفرن الإحسان)).
وقد سلف في بابه(١)، وبعضه في الإيمان، وكلاهما من طريق
مالك.
ثم ساق حديث أبي رجاء، عن عمران، عن النبي ◌َّ: ((اطَّلَعْتُ فِي
الجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الفُقَرَاءَ، وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا
النَّسَاءَ)).
وهو بمعنى حديث أسامة السالف قريبًا، وذكره في صفة الجنة(٢)،
والرقاق(٣). وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي(٤).
وأبو رجاء اسمه عمران بن ملحان، جاهلي أسلم يوم الفتح، وكان
عالمًا، عاملًا، معمرًا، نبيلًا، من القراء، وعاش مائة وعشرين سنة،
وتوفي في خلافة عمر بن عبد العزيز، وقيل: في سنة ثمان ومائة،
وقيل: سنة سبع عشرة ومائة(٥) .
وشيخ البخاري عثمان بن الهيثم هو أبو عمرو، وجده جهم بن
عيسى بن حسان بن المنذر العبدي، بصري، مؤذن بجامعها، مات
سنة عشرين ومائتين، روى له البخاري وحده (٦).
(١) سلف برقم (١٠٥٢) كتاب: الكسوف.
(٢) سلف برقم (٣٢٤١).
(٣) سيأتي برقم (٦٤٤٩).
(٤) مسلم (٢٧٣٧) كتاب الرقاق، باب: أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار
النساء، والترمذي (٢٦٠٣)، والنسائي في ((الكبرى)) (٩٢٥٩).
(٥) أنظر ترجمته في: ((الجرح والتعديل)) ٣٠٣/٦-٣٠٤، ((الثقات)) ٢١٧/٥، «تهذيب
الكمال)» ٣٥٦/٢٢-٣٥٩.
(٦) أنظر ترجمته في: ((تهذيب الكمال)) ٥٠٢/١٩-٥٠٤.

٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فصل :
وسمي الزوج عشيرًا؛ لأنه يعاشرهن، كما سمي حليلًا؛ لأنه
يحاللها في موضع واحد، وإنما استحققن النار بكفرهن العشير؛ من
أجل أنهن يكثرن ذلك الدهر كله، ألا ترى أنه التَّه قد فسره فقال:
((لو أحسنت إلى إحداهن الدهر)» لجازت ذلك بالكفران الدهر كله،
فغلب استيلاء الكفران على دهرها، فكأنها مصرة أبدًا على الكفر،
والإصرار أكبر أسباب النار.
وفي الحديث: تعظيم حقه عليها، ويجب عليها شكره والاعتراف
بفضله؛ لستره لها وصيانتها وقيامه بمؤنتها وبذله نفسه في ذلك؛ ومن
أجل هذا فضل الله الرجال على النساء في غير موضع من كتابه فقال:
﴿اَلْرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى الْنِسَآءِ﴾ [النساء: ٣٤]. وقال: ﴿وَلِرِجَالِ عَلَيْهِنَّ
دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وقد أمر التكلفئة من أُسديت إليه نعمة أن يشكرها،
فكيف نِعَم الزوج التي لا تنفك المرأة منها دهرها كله، وشكر المنعم
واجب؛ لقوله عليه السلام: ((من أسديت إليه نعمة فليشكرها))(١) وقال
تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِ وَلِوَلِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]. فقرن تعالى شكره
بشكر الآباء، وقد يكون شكرها في نشرها وفي أقل من ذلك، فيجري
فيه الإقرار بالنعمة، والمعرفة بقدر الحاجة.
(١) رواه أبو عبيد في ((غريب الحديث)) ١/ ٢٠ ومن طريقه الخرائطي في ((فضيلة الشكر))
(٩٢)، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) ٢٣٨/١-٢٣٩ (٣٧٦)، والبيهقي في
((الشعب)) ٥١٦/٦ (٩١١٥) عن يحيى بن سعيد، عن السائب بن عمر، عن
يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن النبي ◌ّ. وزاد القضاعي: عن عبد الله بن عمر
مرفوعًا به.

٢٧
كِتَابُ الرَّضَاعِ
=
فصل :
وفيه: أن الكسوف والزلازل والآيات الحادثة إنما هي كما قال
تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِلْأَيَتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] وأمره العَيْرٌ عند
رؤيتها بالفزع إلى الصلاة دل على أنها تصرف النقم وتعصم من
المحن؛ إذ هي أفضل الأعمال وأولى ما أقبل عليه في البكر والآصال.
فصل :
وقوله في الحديث: (رَأَيْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ تَكَعْكَعْتَ). أي: رجعت
وراءك، وأصله من كع الرجل إذا جبن أنقبض على الشيء، وكاع مثله.
وقال ابن دريد: لا يقال: كاع عن الأمر، وإن كانت العامة تقوله.

٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٨٩ - باب لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقّ
قَالَهُ أَبُو جُحَيْفَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ ◌َله .
٥١٩٩- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي
يَحْيَى بْنُ أَبِ كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ
عَمْرِو بْنِ العَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ يَّةِ: ((يَا عَبْدَ اللهِ، أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ
النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟)). قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((فَلَا تَفْعَلْ، صُمْ وَأَفْطِرْ،
وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدَِ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ
عَلَيْكَ حَقًّا)). [انظر: ١١٣١ - مسلم: ١١٥٩ - فتح ٩/ ٢٩٩].
ثم ساق حديث عمرو بن العاصي رضي الله عنه السالف في الصوم:
((وإن لزوجك عليك حقًّا)).
وتعليق أبي جحيفة أخرجه البزار(١)، عن بندار، حدثنا جعفر بن
عون، عن أبي العُميس -وهو عتبة بن عبد الله بن عتبة بن مسعود-
عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه أن سلمان قال لأبي الدرداء: إن
لجسدك عليك حقًّا، وإن لأهلك عليك حقًّا، فأعط كل ذي حقِّ
حقه. فأخبر أبو الدرداء بذلك رسول الله وسلم فقال له النبي ◌َّ مثل
ما قال سلمان(٢)، ولما ذكر البخاري رحمه الله في الباب السالف
حق الزوج على المرأة ترجم حقها عليه، وأنه لا ينبغي أن يجحف
نفسه في العبادة حتى يضعف عن القيام بحق أهله من جماعها
والكسب عليها .
(١) في هامش الأصل: لا حاجة إلى عزوه للبزار فهو في البخاري في الصوم والأدب،
وفي الترمذي في الزهد، ومحمد بن بشار هو بندار الذي ذكره بالسند الذي من عند
البزار، قال الترمذي: حسن صحيح.
(٢) ((البحر الزخار)) ١٥٢/١٠.

٢٩
- كِتَابُ الرَّضَاعِ
واختلف العلماء في الرجل يشتغل بالعبادة عن حقوق أهله، فقال
مالك: إذا كف عن جماع أهله من غير ضرورة لا يترك حتى يجامع
أو يفارق على ما أحب أو كره؛ لأنه يضارها، ونحوه لأحمد(١)،
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يؤمر أن يبيت عندها وينظر لها .
وقال الشافعي: لا يفرض عليه من الجماع شيء، وإنما يفرض لها
النفقة والكسوة والسكنى، وأن يأوي إليها(٢).
وقال الثوري: إذا شكت المرأة أنه لا يأتيها زوجها، فله ثلاثة أيام
ولها يوم وليلة. وبه قال أبو ثور (٣).
قال ابن المنذر: كأن سفيان قاسه على ما أباح الله له من أتخاذ أربع
نسوة. وروى عبد الرزاق، عن الثوري، عن مالك بن مغول، عن الشعبي
قال: جاءت امرأة إلى عمر فقالت: يا أمير المؤمنين، زوجي خير الناس
يصوم النهار ويقوم الليل. فقال عمر: لقد أحسنت الثناء على زوجك.
فقال كعب بن سوار: لقد اشتكت فأعرضت الشكية. فقال عمر: اخرج
من مقالتك. فقال: أرى أن ينزل منزلة الرجل له أربع نسوة، له ثلاثة أيام
ولياليها ولها يوم وليلة.
وروى ابن عيينة، عن زكريا، عن الشعبي أن عمر قال لكعب: فإذا
فهمت ذلك فاقضٍ بينهما. فقال: يا أمير المؤمنين أحلَّ الله من النساء
مثنى وثلاث ورباع، فلها من كل أربعة أيام يوم يفطر ويقيم عندها،
ولها من كل أربع ليال ليلة يبيت عندها. فأمر عمر الزوج بذلك (٤)،
وأغرب ابن حزم فأوجبه في كل طهر، حيث قال: وفرض على الرجل
(١) ((المدونة)) ١٩٩/٢، ((المغني)) ٢٣٩/١٠.
(٢) ((الأم)) ١٧٢/٥.
(٤) عبد الرزاق ١٤٨/٧ - ١٥٠.
(٣) انظر: ((الإشراف)) ١١٨/١.
=

٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
أن يجامع امرأته التي هي زوجته، وأدنى ذلك مرة كل طهر إن قدر على
ذلك، وإلا فهو عاصٍ لله؛ برهان ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ
فَأَتُوهُنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وروينا أن امرأة قالت لعمر: يا أمير المؤمنين،
إني أمرأة أحب ما تحب النساء من الولد، ولي زوج شيخ. قال: فما
برح إذ جاء زوجها شيخ كبير، فقال له عمر: أتقيم لها طهرها؟ قال:
نعم. قال: أنطلقي مع زوجك، والله إن فيه ما يجزئ -أو قال:
يغني - المسألة. قال ابن حزم: ويجبر على ذلك من أبى بالأدب؛
لأنه أتى منكرًا من العمل(١).
قلت: في ((المزاح والفكاهة)) للزبير من حديث مالك، عن يحيى بن
سعيد، عن محمد بن يحيى بن حيان: قلت لامرأتي: أنا وأنت على
قضاء عمر. قالت: وما هو؟ قلت: قضى أنه إذا أصاب الرجل امرأته
عند كل طهر فقد أدى حقها. فقالت: أنا أول من رد قضاء عمر.
= وذكره ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) ٣٧٨/٣ وفيه:
وجاءت بزوجها وقال:
ألهى خليلي عن فراشي مَسْجدُهُ
يأيها القاضي الفقيه أُرْشدُهْ
نهاره وليله ما يَرْقدُهْ
زُهْده في مَضْجَعي وتعبدُهْ
فامْضِ القضايا كعْب لا تُرْدِدُهْ
ولست في أمر النساء أَحمدُهْ
فقال الزوج :
إني أمرؤ قد شفني ما قدْ نَزَلْ
وفي الحواميم الشفاء وفي النَّحْلْ
فقال کعب:
إن السعيد بالقضاء من فَضَلْ
إن لها عليك يا بَعَلْ
في سورة النور وفي السبع الطّوَلْ
فردّها عني وعن سوء الجدَلْ
ومن قضى بالحق حقًّا وعَدَلْ
من أربع واحدة لمن عَقَلْ
أمضى لها ذاك ودَعْ عنك العِلَلْ
(١) ((المحلي)) ٤٠/١٠.

٣١
كِتَابُ الرَّضَاعِ
=
وروى أبو نعيم في ((طبه)) من حديث أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ
أن أمرأة شكت زوجها إلى علي، فقال له علي: أتستطيع أن تصنع شيئًا؟
قال: لا. قال: ولا ومن (السَّحَر)(١)؟ قال: هلكت، أما أنا فلا أفرق
بينكما، فاتقي الله واصبري. ومن حديث بقية [عن يزيد بن سنان](٢)
عن بكير بن فيروز، عن أبي هريرة يرفعه: ((أيعجز أحدكم أن يجامع
أهله كل يوم جمعة؛ فإن له أجرين: أجر غسله، وأجر غسل أمرأته))(٣).
(١) كلمة غير واضحة في الأصول، والمثبت من مصدر التخريج.
(٢) ساقطة من الأصول ومثبتة من ((الطب))، و((شعب الإيمان)) ٩٨/٣.
(٣) ((الطب النبوي)) ٢/ ٤٧٤ -٤٧٦ (٤٥٣ - ٤٥٤).

٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٩٠- باب المَرْأَةُ رَاعِيَةٌ في بَيْتِ زَوْجِهَا
٥٢٠٠- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ
ابن عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ
رَعِيَتِهِ، وَالأَمِيرُ رَاعٍ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَالْمُّرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ
زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ، فَكُلَّكُمْ رَاعٍ وَكُلَّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)). [انظر: ٨٩٣ - مسلم:
١٨٢٩ - فتح ٩/ ٢٩٩].
ذكر فيه حديث ابن عمر رضي الله عنهما: قال: ((كلكم راع وكلكم
مسئول عن رعيته، فالأمير راع، والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية
في بيت زوجها وولده، وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)).
وهو يطابق لما ترجم له، ويأتي في الأحكام أيضًا، وكل من جعله
الله أمينًا على شيء فواجب عليه أداء النصيحة فيه، وبذل الجهد في حفظه
ورعايته؛ لأنه لا يُسأل عن رعيته إلا من يلزمه القيام بالنظر لها وإصلاح
أمرها .

٣٣
كِتَابُ الرَّضَاعِ.
٩١ - باب قَوْلِ اللِهِ تَعَالَى:
﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]
٥٢٠١- حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي ◌ُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ
رضي الله عنه قَالَ: أَلَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، وَقَعَدَ في مَشْرُبَةٍ لَهُ، فَنَزَلَ
لِتِشْعِ وَعِشْرِينَ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ أَلَيْتَ عَلَى شَهْرٍ. قَالَ: ((إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعُ
وَعِشْرُونَ)). [انظر: ٣٧٨ - مسلم: ٤١١ - فتح ٩ / ٣٠٠].
ذكر فيه حديث سليمان -هو ابن بلال- عن حميد، عن أنس رضي
الله عنه قال: آلى رسول الله وَّ من نسائه شهرًا، فقعد في مشربة له،
فنزل لتسع وعشرين ليلة، فقيل: يا رسول الله، إنك آليت شهرًا، قال:
((الشهر تسع وعشرون)).
وقد سلف في الصوم(١)، ومعنى هذا الباب أن الله تعالى أباح
هجران الأزواج عند نشوزهن، ورخص في ذلك عند ذنب أو معصية
تكون منهن، فالترجمة مطابقة لما أورده؛ لأنه في الآية التي ذكر
﴿وَأَهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤] وقد هجرهن الَّة. وقال أهل
التفسير في قول تعالى ﴿وَّتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] يعني:
معصيتهن لأزواجهن، وأصل النشوز: الارتفاع، فنشوز المرأة:
أرتفاعها عن حق زوجها .
وفسر الشارع مقدار ذلك الهجران بإيلائه شهرًا حين أسر إلى حفصة
فأفشته لعائشة، وتظاهرتا عليه. قيل: إنه أصاب جاريته مارية في بيت
حفصة ويومها. وقال الزجاج: في يوم عائشة. وذلك سنة تسع،
وسألها أن تكتمه، فأخبرت به عائشة.
(١) سلف برقم (١٩١١).

٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
والأرجح أنه شرب عسلًا عند زينب. وذلك الهجران لا يبلغ به
الأربعة الأشهر التي ضربها الله، أجل إعذار الموالي، فأمر الله أن
يبدأ النساء بالموعظة أولًا ثم الهجران بعده، فإن لم ينجعا فيهن
فالضرب. أي: غير مبرح كما سيأتي، وقوله تعالى: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ
بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٤] يعني: بما فضل الله به الرجال من
القوة على الكسب بالحرف وغيرها، وبما أنفقوا من أموالهم في
المهور وغيرها، فهذا يوجب النفقة على الرجال للنساء.

٣٥
كِتَابُ الرَّضَاعِ
وَّ نِسَاءَهُ في غَيْرْ بُيُوتِهِنَّ
٩٢- باب هِجْرَةِ النّبِيّ
وَيُذْكَرُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ رَفْعُهُ: ((غَيْرَ أَنْ لَا تُهْجَرَ إِلَّ فِي
البَيْتِ)). وَالأَوَّلُ أَصَحُ.
٥٢٠٢- حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم، عَنِ ابن جُرَنْجٍ. وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ
اللهِ، أَخْبَرَنَا ابن جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَبِي يَخْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، أَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ بْنِ الَارِثِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ النَّبِيَّ وَ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَى
بَغْضِ أَهْلِهِ شَهْرًا، فَلَمَّا مَضَى تِشْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا غَدَا عَلَيْهِنَّ - أَوْ رَاحَ - فَقِيلَ لَهُ:
يَا نَبِيَّ اللهِ، حَلَقْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا. قَالَ: ((إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَةً
وَعِشْرِينَ يَوْمًا)). [انظر: ١٩١٠ - مسلم: ١٠٨٥ - فتح ٩ /٣٠٠].
٥٢٠٣- حَدَّثَنَا عَلِيَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا مَزْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو يَعْفُورٍ قَالَ:
تَذَاكَزْنَا عِنْدَ أَبي الضُّحَى فَقَالَ: حَدَّثَنَا ابن عَبَّاسِ قَالَ: أَصْبَحْنَا يَوْمًا وَنِسَاءُ النَّبِيِّ
وَّ يَبْكِينَ، عِنْدَ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ أَهْلُهَا، فَخَرَجْتُ إِلَى المَسْجِدِ فَإِذَا هُوَ مَلآنُ مِنَ
النَّاسِ، فَجَاءَ عُمَرُ بِنُ الْخَطَّابِ فَصَعِدَ إِلَى النَّبِيِّ ◌ََّ وَهُوَ فِي غَزْفَةٍ لَهُ، فَسَلَّمَ فَلَمْ يُحِبْهُ
أَحَدٌ، ثُمَّ سَلَّمَ فَلَمْ يُحِبْهُ أَحَدٌ، ثُمَّ سَلَّمَ فَلَمْ يُحِبْهُ أَحَدٌ، فَنَادَاهُ، فَدَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ
وسام
فَقَالَ: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ فَقَالَ: ((لَا، ولكن آلَيْتُ مِنْهُنَّ شَهْرًا)). فَمَكَثَ تِسْعًا
وَعِشْرِينَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ [فتح ٣٠٠/٩].
ثم ساق حديث أم سلمة رضي الله عنها في إيلائه شهرًا، وكذا
حديث ابن عباس السالف قريبًا، لكنه ذكره هنا مختصرًا أن أبا يعفور
قال: تذاكرنا عند أبي الضحى، فقال: ثنا ابن عباس فذكره.
وأبو يعفور هذا هو الصغير واسمه عبد الرحمن بن عبيد بن
نسطاس، والكبير (واقد)(١) ولقبه وقدان.
(١) من (غ).

٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
سمع(١) عبد الله بن أبي أوفى، ومصعب بن سعد بن أبي وقاص.
وحديث معاوية بن حيدة هذا أخرجه أبو داود والنسائي (والحاكم)(٢)
وقال: صحيح الإسناد(٣). وقال أبو قرة: أخبرني ابن جريج: أخبرني
أبو قزعة إياي وعطاء بن أبي رباح، عن رجل من بني قشير، عن أبيه
أنه سأل رسول الله وَله: ما حق امرأتي؟ قال: «تطعمها إذا طعمت،
وتكسوها إذا أكتسيت، ولا تضرب، ولا تهجر إلا في البيت)) (٤).
وقول البخاري: (والأول أصح). يعني: حديث أنس: آلى من
نسائه شهرًا. واعترض الإسماعيلي فقال: لم يصح لي دخول حديث
أم سلمة في الباب، ولا تفسير الآية التي في الباب قبله وهو عجيب.
وقد أجبنا عن الثاني فيما مضى في الآية المتلوة. ﴿وَأَهْجُرُوهُنَّ فِى
اَلْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤]. والحديث مبين لذلك الهجران، وحديث أم
سلمة ظاهر في ترجمة الباب.
ثم ما أشار إليه البخاري من أن الهجران لا يكون إلا في غير بيوت
الزوجات؛ من أجل ما فعله الشارع؛ لأنه أنفرد عنهن في وقت الهجران
في مشربة، واعتزل بيوتهن، وكأنه أراد البخاري أن يستن الناس به في
هجران نسائهم؛ لما فيه من الرفق؛ لأن هجرانهن مع الكون في بيوتهن
آلم لأنفسهن وأوجع لقلوبهن، لما ينظرن من العتاب والغضب في
الإعراض، ولما في غيبة الرجل عن أعينهن من تسليتهن عن الرجال؛
(١) في هامش الأصل تعليق: يعني: الكبير، وهذا خطأ، ... ذلك لا يغفر ....
(٢) من (غ).
(٣) أبو داود (٢١٤٢)، ((السنن الكبرى)) (٩١٧)، الحاكم ١٨٧/٢ -١٨٨.
(٤) رواه عبد الرزاق ٧/ ١٤٨ (١٢٥٨٤) من طريق ابن جريج بهذا الإسناد، ومن طريقه
أحمد في ((المسند)) ٣/٥.

٣٧
كِتَابُ الرَّضَاعِ
=
وهذا الذي أشار إليه ليس بواجب؛ لأن الله تعالى قد أمر بهجرانهن
في المضاجع فضلاً عن البيوت، وما أوردناه هو ما ذكره المهلب،
وقال غيره: إنما أعتزلهن في غير بيوتهن؛ لأنه أنكى لهن، وأبلغ في
عقوبتهن .
وروى ابن وهب، عن مالك قال: بلغني أن عمر بن عبد العزيز كان
له نساء فكان يغاضب بعضهن، فإذا كانت ليلتها جاء بات عندها، ولم
يبت عند غيرها، وكان يفترش في حجرتها فيبيت فيها وتبيت هي في
بيتها. قلت لمالك: وذلك له واسع؟ فقال: نعم، وذلك في كتاب الله
﴿وَأَهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَاجِعِ﴾ (١) [النساء: ٣٤]. قال ابن عباس: أن يكون
الرجل وامرأته في فراش واحد ولا يجامعها. وقال السدي: هجرها
في المضجع: أن يرقد معها ويوليها ظهره ويطأها(٢) ولا يكلمها.
وقال ابن عباس نحوه، قال: يهجرها بلسانه، ويغلظ لها بالقول،
ولا يدع جماعها. ذكره الطبري(٣)، فيكون معنى الآية على هذا
التأويل: قولوا لهن من القول هجرًا في تركهن مضاجعتكم.
وقال مجاهد فيما ذكره ابن أبي شيبة: لا يقربها. وقال الشعبي:
لا يجامعها. وقال مقسم: لا يقرب فراشها. وقال عكرمة: هو
الكلام. وقال ابن عباس: إذا أطاعته في المضجع فليس له أن
(٤)
يضربها (٤).
(١) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٣٢٤/٧.
(٢) قال الطبري -بعد أن نقله عن السدي -: هكذا في كتابي: ويطؤها ولا يكلمها.
(٣) ((تفسير الطبري)) ٦٦/٤ (٩٣٥١)، ٦٧/٤ (٩٣٦٨).
(٤) ((المصنف)) ٤٥/٤.

٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فصل :
قوله في حديث ابن عباس: (فَخَرَجْتُ إِلَى المَسْجِدِ فَإِذَا هُوَ مَلَآنُ مِنَ
النَّاسِ). كذا هو في الأصول بالنون، قال ابن التين عند أبي الحسن:
ملأى. وعند غيره: ملآن. وهو الصحيح، وإنما هو نعت للمؤنث فإن
لم يكن أراد البقعة فيصح ذلك.

٣٩
= كِتَابُ الرَّضَاعِ
٩٣- باب مَا يُكْرَهُ مِنْ ضَرْبِ النِّسَاءِ.
وَقَوْلِهِ: ﴿وَأَضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]: ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ.
٥٢٠٤- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ
اللهِ بْنِ زَمْعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نََّ قَالَ: ((لَا يَجْلِدُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ العَبْدِ ثُمَّ يُجَامِعُهَا
فِي آخِرِ اليَوْم)). [انظر: ٣٢٧٧ - مسلم: ٢٨٥٥ - فتح ٣٠٢/٩].
ثم ساق حديث عبد الله بن زمعة عن النبي ◌َّ: (يجلد أحدكم امرأته
جلد العبد ثم یجامعها)).
كذا في الأصول وفيه: ﴿وَأَضْرِبُوهُنَّ﴾ إلى آخره، وفي كتاب ابن
بطال(١) وابن التين وقوله تعالى: ﴿وَآَضْرِبُوهُنَّ﴾ أي: ضربًا غير مبرح،
وكلاهما صحيح، والمبرح بكسر الراء: الشاق، ونقل ابن بطال،
عن قتادة: غير شائن. وعن الحسن: غير مؤثر(٢)، وهو معنى
ما ذكرته.
وفيه: جواز الضرب غير المبرح.
وقوله: ( (ثُمَّ يُجَامِعُهَا)) ) لم ينهه عن ذلك، وإنما أخبر أنه قد يبدو له
فيجامعها فيأتيها وهي كارهة، فلا يجد منها المودة التي تكون عند
الوطء، وهو تقبيح الضرب وقرب ما يناقضه؛ لقلة الرياضة بذلك؛
لأن المرأة إذا عرفت قرب الرجعة وسرعة الفيئة، لم تعبأ بأدبه،
ولا يقع فيها ما ندبه الله إليه من رياضتها، ويدل على ذلك طول
هجرانه القيمة لأزواجه المدة الطويلة، ولم يكن ذلك يومًا ولا يومين
ولا ثلاثة، وكذلك كان هجرانه الكلية والمسلمين لكعب بن مالك حتى
(١) ((شرح ابن بطال)) ٣٢٥/٧.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٣٢٦/٧.

٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
مضت خمسون ليلة، وإنما ذلك على ظاهر المعصية لله وللزوج. فأما
ما يدور من المغاضبة بين الرجلين من الخلاف والكلام فلا يجوز
المهاجرة فوق ثلاث ليالٍ .
قال بعض أهل العراق: أمر الله تعالى بهجرهن وضربهن؛ تذليلًا منه
للنساء وتصغيرًا لهن على إيذاء بعولتهن، ولم يأمر في شيء من كتابه
بالضرب صراحًا إلا في ذلك، وفي الحدود العظام، فساوى معصيتهن
لأزواجهن بمعصية أهل الكبائر، وولّى الأزواج ذلك دون الأئمة،
وجعله لهم دون القضاة بغير شهود ولا بينات من الله للأزواج على
النساء، وإنما يكره من ضرب النساء التعدي فيه والإسراف، كما قاله
المهلب قال: وقد بين الشارع ذلك فقال: ((ضرب العبد)) من أجل
الرق فوق ضرب الحر؛ لتباين حالتيهم؛ ولأن ضرب النساء إنما جوز
من أجل أمتناعها على زوجها من المباضعة.
واختلف في وجوب ضربها في الخدمة، والقياس يوجب أنه إذا جاز
في (المباضعة)(١) جاز في الخدمة الواجبة للزوج عليها بالمعروف(٢)،
وأما ابن حزم فقال: لا يلزمها أن تخدم زوجها في شيء أصلًا: لا في
عجين، ولا في طبيخ، ولا كنس، ولا فرش، ولا غزل ولا غير ذلك. ثم
نقل عن أبي ثور أنه قال: عليها أن تخدمه في كل شيء.
ويمكن أن يحتج له بالحديث الصحيح أن فاطمة شكت إلى رسول
الله وَّ ما تجد من الرحى، وبقول (أسماء)(٣): كنت أخدم الزبير(2).
(١) في الأصول: المبالغة، والمثبت من ((ابن بطال)).
(٢) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٣٢٥/٧.
(٣) من (غ).
(٤) سلف برقم (٣١٥١)، ورواه مسلم (٢١٨٦/ ٣٥) واللفظ له.